عن حماد بن سلمة، قال: أمرني جعفر بن أبي وحشية أن أسأل عمرَو بن دينار عن هذه الآية: ﴿ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ الآية. فسألته، فقال: كان عطاء يقول: هو بالخيار، أيَّ ذلك شاء فعل؛ إن شاء أهدى، وإن شاء أطعم، وإن شاء صام. فأخبرتُ به جعفرًا، وقلتُ: ما سمعتَ فيه؟ فتَلَكَّأ ساعةً، ثم جعل يضحك ولا يخبرني، ثم قال: كان سعيد بن جبير يقول: يحكم عليه من النعم هديًا بالغ الكعبة، إنما جعل الطعام والصيام [كفارة]، فهذا لا يبلغ ثمنَ الهدي، والصيام فيه من ثلاثة أيام إلى عشرة
عن أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ خطَب، فقال: «أيُّها الناس، إنّ اللهَ تعالى قد افْتَرَض عليكم الحج». فقام رجلٌ، فقال: أكلَّ عامٍ، يا رسول الله؟ فسكَت عنه، حتى أعادها ثلاثَ مراتٍ، قال: «لو قلتُ: نعم. لَوجَبَت، ولو وجَبَت ما قُمتُم بها، ذَروني ما ترَكتُكم؛ فإنّما هلَك الذين قبلكم بكثرةِ سؤالِهم واختلافِهم على أنبيائهم، فإذا نهَيتُكم عن شيءٍ فاجتنبوه، وإذا أمرتُكم بشيءٍ فأتُوا منه ما استطَعتم». وذكر أنّ هذه الآية في المائدة نزلت في ذلك: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد بن بشير- في قول الله: ﴿أولئك يؤتون أجرهم مرتين﴾: عبد الله بن سلام، وتميم الداري، والجارود العبدي، وسلمان الفارسي، إنّ هذه الآيات أُنزِلت فيهم، فقال أصحاب رسول الله ﷺ: قد أوتوا أجرهم مرتين؛ بإيمانهم بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر. فأنزل الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته﴾. فقال أهل الكتاب: قد أعطوا كما أعطينا. فأنزل الله: ﴿لئلا يعلم أهل الكتاب﴾ حتى ختم الآية [الحديد:٢٨-٢٩]
قال عبد الله بن عباس: نَزَلتْ في ثابت بن قيس وقوله للرجل الذي لم يُفسح له: ابن فلانة. فقال رسول الله ﷺ: «مَن الذاكر فلانة؟». فقام ثابت، فقال: أنا، يا رسول الله. فقال: «انظر في وجوه القوم». فنظر إليهم، فقال: «ما رأيتَ، يا ثابت؟». قال: رأيتُ أبيض، وأسود، وأحمر. قال: «فإنّك لا تفضلهم إلّا في الدّين والتقوى». فأنزل الله سبحانه في ثابت هذه الآية، وبالّذي لم يُفسِح له: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي المَجالِسِ فافْسَحُوا﴾ [المجادلة:١١] الآية
على هذا القول الذي قاله ابن مسعود والسدي فالمراد بأعمالهم: الأعمال الصالحة التي تركوها. وقد يُسْتَشْكَل: كيف يكونُ مضافًا لهم من العمل ما لَمْ يَعْمَلُوه؟. ووجَّه ابن عطية (١/٤٠٥) ذلك بقوله: «وأُضِيفَت هذه الأعمال إليهم من حيث هم مأمورون بها». وبنحوه قال ابنُ جرير (٣/٣٤-٣٥). وانتَقَد ابنُ جرير (٣/٣٥-٣٦) هذا القول مُسْتَنِدًا لمخالفته ظاهر الآية، ولا دليل عليه، فقال: «والذي قال السدي في ذلك وإن كان مذهبًا تحتمله الآية، فإنه مَنزِع بعيد، ولا أثر بأنّ ذلك كما ذَكَر تقوم به حُجَةٌّ فيُسَلَّم لها، ولا دلالة في ظاهر الآية أنّه المراد بها»
قال ابنُ جرير (٥/٥) مستندًا إلى أقوال السّلف في تأويل الآية: «يعني بذلك -تعالى ذكره-: الشيطان يعدكم أيها الناس بالصدقة وأدائكم الزكاة الواجبة عليكم في أموالكم أن تفتقروا، ﴿ويَأْمُرُكُمْ بِالفَحْشاءِ﴾ يعني: ويأمركم بمعاصي الله عز وجل، وترك الصلاةِ وطاعتِه، ﴿واللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنهُ﴾ يعني: أنّ الله عز وجل يعدكم -أيها المؤمنون- أن يستر عليكم فحشاءكم بِصَفْحِهِ لكم عن عقوبتكم عليها، فيغفر لكم ذنوبكم بالصدقة التي تتصدقون، ﴿وفَضْلًا﴾ يعني: ويعدكم أن يُخْلِفَ عليكم من صدقاتكم، فَيُفْضِل عليكم من عَطاياه، ويُسْبِغ عليكم في أرزاقكم»
اختلف المفسرون في الدأب؛ فقيل: الصنيع، والسُّنَّة، والفِعْل، والشبه. وذَكَر ابنُ عطية (٢/١٦٥-١٦٦) أن الدَّأْب والدَّأَب مصدر دأب يدأب: إذا لازَمَ فِعْلَ شيءٍ ودام عليه مجتهدًا فيه، واعتبر أنّ عبارة المفسرين راجعة إلى هذا المعنى، فقال: «واختلفت عبارة المفسرين في تفسير الدأب، وذلك كله راجع إلى المعنى الذي ذكرناه». وقال ابنُ كثير (٣/٢٢) بتقارب الأقوال الواردة في الدأب، فقال بعد ذِكرها: «والألفاظ متقاربة». وذكر ابنُ عطية (٢/١٦٦) أن الآيات هنا تحتمل احتمالين: الأول: الآيات المتلُوَّة. الثاني: الآيات المنصوبة
رَجَّح ابنُ جرير (٥/٦٠٠ بتصرف) قول قتادة القاضي بأن مقام إبراهيم من الآيات مستندًا إلى دلالة العموم، فقال: «وأَوْلى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب قولُ من قال: الآيات البينات منهن مقام إبراهيم، فيكون الكلام مرادًا فيه: منهن، فترك ذكره اكتفاء بدلالة الكلام عليها. فتأويل الآية إذًا: إنّ أول بيت وضع للناس مباركًا وهدًى للعالمين للذي ببكة، فيه علامات من قدرة الله وآثار خليله إبراهيم، منهن أثر قدم خليله إبراهيم ﷺ في الحَجَر الذي قام عليه». وبنحوه قال ابنُ عطية (٢/٢٩٠-٢٩١)
ذكر ابن جرير (٥/٧٠٣-٧٠٥) اختلافًا في معنى النفقة؛ فمِن قائل: هي النفقة المعروفة بَيْن الناس. وهو قول مجاهد من طريق ابن أبي نجيح. ومِن قائل بأنّ معنى النفقة: ما يقوله الكافر بلسانه ولا يُصَدِّقه قلبُه. وهو قول السدي من طريق أسباط. ثُمَّ رجَّح مستندًا إلى ظاهر لفظ الآية المعنى الأول. وانتَقَد ابنُ عطية (٢/٣٢٩) قولَ السدي من طريق أسباط، مستندًا إلى مخالفة السياق، فقال: «وهذا ضعيف؛ لأنّه يقتضي أنّ الآية في المنافقين، والآية إنّما هي في كُفّارٍ يُعلِنون مثل ما يُبطِنون»
أفادت الآثار اختلافًا في من عُنِيَ بقوله تعالى: ﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ ولَوْ أسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وهُمْ مُعْرِضُونَ﴾، وفي معناها على أقوال: الأول: عُنِيَ بها المشركون. وهو قول ابن جريج، وابن زيد. الثاني: عُنِيَ بها المنافقون. وهو قول ابن إسحاق. ورجَّح ابن جرير (١١/١٠٣) القول الأوّل مستندًا إلى السياق، لنَفْسِ العلة التي رجَّح بها الآية قبلها، وبأن ما ذُكِر في الآية ليس من صفة المنافقين. وحكى ابنُ عطية (٤/١٦٢) عن ابن جرير تضعيفَه لمن قال بأن المعنيّ بهذه الآية المنافقون، ثم وافقه بقوله: «وكذلك هو ضعيف»