عن عُبَيد بن عمير -من طريق ابن إسحاق- قال: الكبائر سبع: الإشراك بالله: ﴿ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق﴾ [الحج:٣١]، وقتل النفس: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم﴾ [النساء:٩٣] الآية، وأكل الربا: ﴿الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس﴾ [البقرة:٢٧٥] الآية، وأكل أموال اليتامى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما﴾ [النساء:١٠] الآية، وقذف المحصنة: ﴿إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات﴾ [النور:٢٣] الآية، والفرار من الزحف: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة﴾ [الأنفال:١٦] الآية، والمرتد أعرابيًّا بعد هجرته: ﴿إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى﴾ [محمد:٢٥] الآية
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾، قال: كل له مطيعون. المطيع: القانت. قال: وليس شيء إلا وهو مطيع، إلا ابن آدم، وكان أحقهم أن يكون أطوعهم لله. وفي قوله: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨]، قال: هذا في الصلاة، لا تتكلموا في الصلاة كما يتكلم أهل الكتاب في الصلاة. قال: وأهلُ الكتاب يمشي بعضُهم إلى بعض في الصلاة. قال: ويتقاتلون في الصلاة، فإذا قيل لهم في ذلك، قالوا: لكي تذهب الشحناء مِن قلوبنا، وتسلم قلوب بعضنا لبعض، فقال الله: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ لا تزولوا كما يزولون، ﴿قانِتِينَ﴾ لا تتكلموا كما يتكلمون. قال: فأما ما سوى هذا كله في القرآن من القنوت فهو الطاعة، إلا هذه الواحدة
قال يحيى بن سلّام: قوله عز وجل: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ والمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ وهو واحد، وقال في آية أخرى: ﴿فَأَخْرَجْنا مَن كانَ فِيها مِنَ المُؤْمِنِينَ * فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٥-٣٦] والإسلام هو اسم الدين، قالَ: ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾ [آل عمران:٨٥] والإيمان بالله وما أنزل، ﴿والقانِتِينَ والقانِتاتِ﴾ والقنوت: الطاعة، ﴿وقُومُوا لِلَّهِ﴾ أي: في صلاتكم ﴿قانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨] مطيعين، ﴿والصّادِقِينَ والصّادِقاتِ والصّابِرِينَ والصّابِراتِ﴾ على ما أمرهم الله به وعمّا نهاهم الله عنه، ﴿والخاشِعِينَ والخاشِعاتِ﴾ وهو الخوف الثابت في القلب، ﴿والمُتَصَدِّقِينَ والمُتَصَدِّقاتِ﴾ يعني: الزكاة المفروضة، ﴿والصّائِمِينَ والصّائِماتِ﴾ بلغني: أنّه مَن صام رمضان وثلاثة أيام من كل شهر فهو من الصائمين والصائمات، ﴿والحافظين فروجهم والحافظات﴾ مما لا يحل لهنَّ
عن عوف بن محمد، عن أبيه، عن أُمِّه [أم هانئ] أنها قالت: دخل عَلَيَّ رسولُ الله ﷺ، فقال: «أبشري! فإن الله عز وجل قد أنزل لأمتي الخيرَ كله، وقد أنزل: ﴿إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ [هود:١١٤]». فقالت: بأبي أنت وأمي، ما تلك الحسنات؟ قال: «الصلوات الخمس». ثم دخل عليّ، فقال: «أبشري! فإنه قد نزل خير لا شرّ بعده». قلت: ما هو، بأبي أنت وأمي؟ قال: «أنزل الله -جلّ ذِكْرُه-: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنعام:١٦٠]. فقلت: يا ربّ، زِد أمتي، فأنزل الله -تبارك اسمه-: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة:٢٦١]، فقلتُ: يا ربّ، زِد أمتي، فأنزل الله تعالى: ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾»
عن بَعْجَة بن عبد الله الجُهني -من طريق يزيد بن عبد الله بن قُسيط- قال: تزوّج رجلٌ منّا امرأةً من جُهينة، فولدتْ له تمامًا لستّة أشهُر، فانطلق زوجُها إلى عثمان بن عفان، فأمر برجْمها، فبلغ ذلك عَلَيًّا، فأتاه، فقال: ما تصنع؟ قال: ولدتْ تمامًا لستّة أشهُر، وهل يكون ذلك؟! قال عليٌّ: أما سمعتَ الله تعالى يقول: ﴿وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾؟! وقال: ﴿حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]؟! فكم تجده بقي إلا ستّة أشهُر؟ فقال عثمان: واللهِ، ما فطنتُ لهذا، عَلَيَّ بالمرأة. فوجدوها قد فُرغ منها، وكان مِن قولها لأختها: يا أُخيّة، لا تحزني، فواللهِ، ما كشَف فرْجي أحد قطّ غيره. قال: فشبّ الغلام بعدُ، فاعترف الرجل به، وكان أشبه الناس به. قال: فرأيتُ الرجلَ بعد يتساقط عضوًا عضوًا على فراشه
رَجَّحَ ابنُ جرير (٣/٧٦٢-٧٦٣ بتصرف) قولَ السدي مستندًا إلى السياق، فقال: «والذي هو أولى بتأويل الآية ما روينا عن السُّدِّيِّ؛ لأن الله -تعالى ذكره- عَقَّب قوله: ﴿وقدموا لأنفسكم﴾ بالأمر باتِّقائه في ركوب معاصيه، فكان الذي هو أولى بأن يكون الذي قبل التهديد على المعصية عامًّا الأمر بالطاعة عامًّا. فإن قال لنا قائل: وما وجه الأمر بالطاعة بقوله: ﴿وقدموا لأنفسكم﴾ من قوله: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾؟ قيل: إنّما عَنى به: وقدموا لأنفسكم من الخيرات التي ندبناكم إليها بقولنا: ﴿يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين﴾ [البقرة:٢١٥] وما بعده من سائر ما سألوا رسولَ الله ﷺ، فأُجِيبُوا عنه مِمّا ذكره الله -تعالى ذكره- في هذه الآيات»
على هذا القول الذي قاله مجاهد وعطاء من طريق ابن أبي نجيح فالمطلقات هنا: الثيبات اللواتي قد جومعن. ونقل ابنُ جرير (٤/٤١٠) توجيه قائلي هذا القول لقولهم، فقال: «قالوا: وإنّما قلنا ذلك لأنّ غير المدخول بهن في المتعة قد بينها الله -تعالى ذكره- في الآيات قبلها، فعلمنا بذلك أنّ في هذه الآية بيان أمر المدخول بهن في ذلك». وعَلَّق ابنُ عطية (١/٦٠٨) على هذا القول، فقال: «فهذا قولٌ بأن التي قد فرض لها قبل المسيس لم تدخل قطُّ في هذا العموم. فهذا يجيء قوله على أنّ قوله تعالى: ﴿وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة:٢٣٧] مخصصة لهذا الصنف من النساء، ومتى قيل: إنّ العموم تناولها. فذلك نسخٌ لا تخصيص»
رجّح ابنُ تيمية (٣/١٦٩) مستندًا إلى النظائر، ودلالة العقل أنّ قوله تعالى: ﴿إنه لا يحب المعتدين﴾ يشمل الدعاء وغيره، كما في قول عطاء، فقد ذكر قولَ مَن جعلها في الدعاء خاصة، ثم قال: «وبعد، فالآية أعمُّ من ذلك كُلِّه، وإن كان الاعتداء في الدعاء مرادًا بها فهو من جملة المراد، والله لا يحب المعتدين في كل شيء، دعاء كان أو غيره، كما قال: ﴿ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين﴾ [البقرة:١٩٠، المائدة:٨٧]. وعلى هذا فيكون قد أمَر بدعائه وعبادته، وأخبر أنّه لا يحب أهل العدوان، وهم الذين يدعون معه غيره، فهؤلاء أعظم المعتدين عدوانًا؛ فإنّ أعظم العدوان هو الشرك، وهو داخل ولا بُدَّ في قوله: ﴿إنه لا يحب المعتدين﴾». وبمثله قال ابنُ القيم (١/٤٠٣-٤٠٤)
عن عبد الله بن عباس -من طريق عبد الله بن الحارث- قال: الأعرافُ: السور الذي بين الجنة والنار، وهو الحجابُ، وأصحاب الأعراف بذلك المكان، فإذا أراد الله أن يعفوَ عنهم انطلق بهم إلى نهرٍ يُقال له: نهرُ الحياة. حافتاه قصبُ الذهب، مُكلَّل باللؤلؤ، تربته المِسْكُ، فيكونون فيه ما شاء الله حتى تصفوَ ألوانُهم، ثم يخرجون، في نحورهم شامةٌ بيضاء يُعْرَفون بها، فيقول الله لهم: سلوا. فيسألون حتى تبلُغ أمنيتهم، ثم يُقال لهم: لكم ما سألتم ومثلُه سبعون ضِعْفًا. فيدخلون الجنة وفي نحورهم شامةٌ بيضاء يُعْرَفون بها، ويُسَمَّون: مساكين أهلِ الجنة
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إذ قال لهم شعيب﴾ ولم يكن شعيب مِن نسبهم، فلذلك لم يقل عز وجل: أخوهم شعيب. وقد كان أُرسِل إلى أُمَّة غيرهم أيضًا إلى ولد مدين، وشعيب مِن نسلهم، فمِن ثمَّ قال في هذه السورة: ﴿إذ قال لهم شعيب﴾ ولم يقل: أخوهم. لأنه ليس من نسلهم، ﴿ألا تتقون﴾ يقول: ألا تخشون الله عز وجل؟! ﴿إني لكم رسول أمين*فاتقوا الله وأطيعون﴾ فيما آمركم به مِن النصيحة، ﴿وما أسألكم عليه﴾ يعني: على الإيمان ﴿من أجر﴾ يعني: مِن جُعْل، ﴿إن أجري﴾ يعني: ما جزائي ﴿إلا على رب العالمين﴾