عن قتادة بن دِعامة: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾، فجَعل عدة الطلاق ثلاثَ حِيَض، ثم إنّه نسخ منها المطلَّقة التي طُلِّقت ولم يَدْخُلْ بها زوجُها، فقال في سورة الأحزاب [٤٩]: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها﴾، فهذه تزَوَّج إن شاءت من يومها. وقد نَسَخ من الثلاثة، فقال: ﴿واللاتي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم﴾ [الطلاق:٤]، فهذه العجوز التي لا تحيض، والتي لم تحِض، فعِدَّتُهُنَّ ثلاثة أشهر، وليس الحيض من أمرها في شيء. ونَسَخَ من الثلاثة قروءَ الحامل، فقال: ﴿أجلهن أن يضعن حملهن﴾ [الطلاق:٤]، فهذه ليست من القُروء في شيء، إنما أجلُها أن تضَعَ حملها
عن أنس بن مالك، قال: لَمّا نزل رسولُ الله ﷺ بِذِي أوانٍ خرج عامَّةُ المنافقين الذين كانوا تخلَّفوا عنه يَتَلَقَّوْنَه، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: «لا تُكلِّمُنَّ رجلًا تَخَلَّف عنا، ولا تُجالِسوه حتى آذَنَ لكم». فلم يُكلِّموهم، فلمّا قدم رسول الله ﷺ المدينة أتاه الذين تَخَلَّفوا يُسَلِّمون عليه، فأعرض عنهم، وأعرض المؤمنون عنهم، حتى إنّ الرجل ليُعرِضُ عنه أبوه وأخوه وعمُّه، فجعلوا يأتون رسول الله ﷺ، ويعتذرون بالجهد والأسقام، فرحِمهم رسولُ الله ﷺ، فبايعهم، واستغفر لهم، وكان مِمَّن تَخَلَّف عن غير شكٍّ ولا نِفاق ثلاثةُ نَفَر؛ الذين ذكر الله تعالى في سورة التوبة: كعب بن مالك السُلمي، وهلال بن أمية الواقفى، ومُرارة بن ربيعة العامري
عن عثمان بن عفان: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «ما تَوَضَّأ عبد فأسبغ وضوءه، ثم قام إلى الصلاة؛ إلّا غُفِر له ما بينه وبين الصلاة الأخرى». قال محمد بن كعب القُرَظِيّ: وكنتُ إذا سمعتُ الحديث عن رجل من أصحاب النبي ﷺ التَمَسْتُه في القرآن، فالتَمَسْتُ هذا فوجدته: ﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك﴾ [الفتح:١-٢]، فعرفتُ أن الله لم يُتِمَّ عليه النعمة حتى غفر له ذنوبه، ثم قرأت الآية التي في سورة المائدة: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾، حتى بلغ ﴿ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم﴾، فعرفتُ أنّ الله لم يُتِمَّ النعمة عليهم حتى غفر لهم
عن زيد بن أسلم -من طريق القاسم- أنه قال: وقال في سورة المزمل: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا أوْ زِدْ عَلَيْهِ ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أشَدُّ وطْئًا وأَقْوَمُ قِيلًا﴾، فنَسَخَتْها الآية التي تليها: ﴿عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ مِنكُمْ مَرْضى وآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وأَعْظَمَ أجْرًا واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المزمل:٢٠]
قال مقاتل بن سليمان: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهُمْ أنْ يُؤْتى﴾ يقول: يُعطى ﴿صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ فيها كتاب من الله تعالى. وذلك أنّ كفار مكة قالوا للنبي ﷺ: كان الرجل مِن بني إسرائيل ذَنبه وكفّارة ذَنبه يُصبح مكتوبًا عند رأسه، فهلا تُرينا مثل هؤلاء الآيات إن كنت رسولًا كما تزعم. فقال جبريل: إن شئتَ فعلنا بهم كفِعْلنا ببني إسرائيل، وأَخذناهم بما أخذنا به بني إسرائيل. فكَره النبي ﷺ، وقالوا: ليُصبح عند رأس كلّ رجل منّا كتابٌ منشور مِن الله بأنّ آلهتنا باطل، وأنّ الإله الذي في السماء حقٌّ، وأنك رسول، وأنّ الذي جئت به حقٌّ، وتجيء معك بملائكة يَشهدون بذلك كقول ابن أبي أُمَيّة في سورة بني إسرائيل
قُرِئَ قوله تعالى: ﴿والمحصَنات﴾ بفتح الصاد، وكسرها، أما قراءة ﴿والمحصَنات﴾ بفتح الصاد، فعلى معنى: أنّ النساء أحصنَهنّ غيرُهنّ: مِن زوج، أو إسلام، أو عِفَّة، أوحُرِّيَّة. وأما قراءة ﴿والمحصِنات﴾ بكسر الصاد، فعلى معنى: أنّ النساء أحصَنَّ أنفسَهنّ بهذه الوجوه أو بعضها. وقال ابنُ جرير (٦/٥٩٨): «الصواب عندنا من القول في ذلك: أنّهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار مع اتفاق ذلك في المعنى؛ فبأيتهما قرأ القارئ فمصيبٌ الصواب، إلا في الحرف الأول من سورة النساء، وهو قوله: ﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم﴾، فإنِّي لا أستجيزُ الكسر في صاده؛ لاتفاق قراءة الأمصار على فتحها. ولو كانت القراءة بكسرها مستفيضة استفاضتها بفتحها كان صوابًا القراءة بها كذلك»
في هاء ﴿منه﴾ أقوال: أحدها: أنها ترجع إلى قوله ﷺ: «تلك الغرانيق العلى». والثاني: أنها ترجع إلى سجوده ﷺ في سورة النجم. والثالث: أنها ترجع إلى القرآن. ورجَّح ابنُ جرير (١٦/٦١٥١) مستندًا إلى السياق القول الأخير الذي قاله ابنُ جريج، ومقاتل، ويحيى بن سلام، فقال: «وذلك أنّ ذلك مِن ذكر قوله: ﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ أقرب منه مِن ذكر قوله: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ﴾، والهاء من قوله: ﴿أنه﴾ مِن ذكر القرآن؛ فإلحاق الهاء في قوله: ﴿فِي مِرْيَةٍ مِنهُ﴾ بالهاء من قوله: ﴿أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ أولى مِن إلحاقها بـ﴿ما﴾ التي في قوله: ﴿ما يُلْقِي الشَّيْطانُ﴾، مع بُعد ما بينهما»
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- وقرأ: ﴿الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير﴾ [هود:١]، قال: وذَكَرَ حديثَ رسول الله ﷺ في أربع وعشرين آية منها، وحديثَ نوح في أربع وعشرين آية منها، ثُمَّ قال: ﴿تلك من أنباء الغيب﴾ [هود:٤٩]، ثم ذَكَر: ﴿وإلى عاد﴾ [هود:٥٠] فقرأ حتى بلغ: ﴿استغفروا ربكم﴾ [هود:٥٢]، ثُمَّ مَضى، ثُمَّ ذَكَر صالحًا وإبراهيم ولوطًا وشعيبًا، وفرغ من ذلك، وهذا يقينٌ، ذلك يقينٌ أُحْكِمَت آياته ثُمَّ فُصِّلَتْ. قال: والمتشابهُ ذِكْرُ موسى في أمْكِنَةٍ كثيرة، وهو متشابه، وهو كُلُّه معنًى واحد ومتشابه: ﴿فاسلك فيها﴾ [المؤمنون:٢٧]، ﴿احمل فيها﴾ [هود:٤٠]. ﴿اسلك يدك﴾ [القصص:٣٢]، ﴿وأدخل يدك﴾ [النمل:١٢]. ﴿حية تسعى﴾ [طه:٢٠]، ﴿ثعبان مبين﴾ [الأعراف:١٠٧، والشعراء:٣٢]. قال: ثم ذكر هودًا في عشر آيات منها، وصالحًا في ثماني آيات منها، وإبراهيم في ثماني آيات أخرى، ولوطًا في ثماني آيات منها، وشعيبًا في ثلاث عشرة آية، وموسى في أربع آيات، كل هذا يقضي بين الأنبياء وبين قومهم في هذه السورة، فانتهى ذلك إلى مائة آية من سورة هود، ثم قال: ﴿ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد﴾ [هود:١٠٠]. وقال في المتشابه من القرآن: مَن يُرِدِ الله به البلاءَ والضلالةَ يقولُ: ما شَأْنُ هذا لا يكون هكذا؟! وما شأَنْ هذا لا يكون هكذا؟!
عن عبد الله بن مسعود -من طريق إبراهيم- قال: إنّ في القرآن لَآيتين، ما أذنب عبد ذنبًا، ثم تلاهما واستغفر الله؛ إلّا غُفِر له. فسألوه عنهما، فلم يخبرهم، فقال علقمةُ والأسودُ أحدُهما لصاحبه: قُم بنا. فقاما إلى المنزل، فأخذا المصحف، فتصفَّحا البقرة، فقالا: ما رأيناهما. ثُمَّ أخذا في النساء حتى انتهيا إلى هذه الآية: ﴿ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما﴾ [النساء:١١٠]، فقالا: هذه واحدة. ثم تصَفَّحا آل عمران، حتى انتهيا إلى قوله: ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون﴾ [آل عمران:١٣٥]، فقالا: هذه أخرى. ثُمَّ أطْبَقا المصحفَ، ثُمَّ أتَيا عبدَ الله، فقالا: هما هاتان الآيتان؟ فقال عبد الله: نعم
عن عبد الله بن مسعود -من طريق إبراهيم- قال: إنّ في القرآن لآيتين، ما أذنب عبد ذنبًا، ثم تلاهما واستغفر الله؛ إلا غفر له. فسألوه عنهما، فلم يخبرهم، فقال علقمةُ والأسودُ أحدُهما لصاحبه: قم بنا، فقاما إلى المنزل، فأخذا المصحف، فتصفحا البقرة، فقالا: ما رأيناهما، ثم أخذا في النساء حتى انتهيا إلى هذه الآية: ﴿ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما﴾، فقالا: هذه واحدة، ثم تصفحا آل عمران حتى انتهينا إلى قوله: ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون (١٣٥)﴾، فقالا: هذه أخرى. ثم أطبقا المصحف، ثم أتيا عبد الله، فقالا: هما هاتان الآيتان؟ فقال عبد الله: نعم