عن محمد بن إسحاق، قال:... لَمّا جاءهم رسولُ الله ﷺ بما عرفوا مِن الحق، وعرفوا صدقه فيما حدَّث، وموقع نبوّته فيما جاءهم به مِن علم الغيوب حين سألوه عمّا سألوه عنه، فحال الحسدُ منهم له بينهم وبين اتّباعه وتصديقه، فعَتَوْا على الله، وتركوا أمره عيانًا، ولَجُّوا فيما هم عليه مِن الكفر، فقال قائلهم: ﴿لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون﴾ أي: اجعلوه لَعِبًا وباطلًا، واتخِذوه هُزوًا، أي: لعلكم تغلبون، تغلبوه بذلك، فإنكم إن وافقتموه وناصفتموه غلبكم. فلمّا قال ذلك بعضُهم لبعض جعلوا إذا جهر رسولُ الله ﷺ بالقرآن وهو يُصَلِّي يتفرقون عنه، ويَأبَون أن يسمعوا له، وكان الرجل منهم إذا أراد أن يسمع من رسول الله ﷺ بعضَ ما يتلو مِن القرآن وهو يُصَلّي استتر واستمع دونهم، فَرقًا منهم، فإنْ رأى أنّهم عرفوا أنّه يستمع ذهبَ خشيةَ أذاهم، ولم يستمع، وإنْ خفض رسول الله ﷺ صوته، فظنّ الذين يستمعون أنهم لم يسمعوا من قراءته شيئًا وسمع هو دونهم، أشاح له ليستمع منه
قال مقاتل بن سليمان: وقوله:﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ﴾ فهو عبد الرحمن بن أبي بكر، وأمّه [أم] رومان بنت عمرو بن عامر الكندي، دعاه أبواه إلى الإسلام، وأخبراه بالبعث بعد الموت، فقال لوالديه: ﴿أُفٍّ لَكُما﴾ يعني: قُبحًا لكما الرديء من الكلام؛ ﴿أتَعِدانِنِي أنْ أُخْرَجَ﴾ مِن الأرض، يعني: أن يبعثني بعد الموت ﴿وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي﴾ يعني: الأمم الخالية، فلم أرَ أحدًا منهم يُبعث، فأين عبد الله بن جدعان؟! وأين عثمان بن عمرو؟! وأين عامر بن عمرو؟! -كلّهم من قريش، وهم أجداده- فلم أرَ أحدًا منهم أتانا. فقال أبواه: اللهم، اهدِه، اللهم، أقبِل بقلبه إليك، اللهم، تُب عليه. فذلك قوله: ﴿وهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ﴾ يعني: يدعوان الله له بالهُدى أن يهديه ويقبل بقلبه، ثم يقولان: ﴿ويْلَكَ آمِن﴾ صدِّق بالبعْث الذي فيه جزاء الأعمال؛ ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ﴾ عبد الرحمن: ﴿ما هذا إلّا أساطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ ما هذا الذي تقولان إلا كأحاديث الأولين وكذبهم
عن عطاء بن أبي رباح -من طريق أشعث- قال: خرج النبِيُّ ﷺ مُعتمِرًا في ذي القعدة، معه المهاجرون والأنصار، حتى أتى الحُدَيبية، فخرجتْ إليه قريشٌ، فردُّوه عن البيت، حتى كان بينهم كلام وتنازع، حتى كاد يكون بينهم قتال، فبايع النبيَّ ﷺ أصحابُه، وعدّتهم ألف وخمسمائة، تحت الشجرة، وذلك يوم بيعة الرضوان، فقاضاهم النبيُّ ﷺ، فقالت قريش: نُقاضيك على أن تَنْحر الهَدْي مكانه، وتحلِق، وترجع، حتى إذا كان العام المقبل نُخْلي لك مكة ثلاثة أيام. ففعل، فخرجوا إلى عكاظ، فأقاموا فيها ثلاثة أيام، واشترطوا عليه ألّا يدخلها بسلاحٍ إلا بالسيف، ولا تَخرُج بأحد مِن أهل مكة إنْ خرج معك، فنَحَر الهَدْي، وحلَق، ورجع، حتى إذا كان في قابل مِن تلك الأيام دخل مكة، وجاء بالبُدن معه، وجاء الناس معه، فدخل المسجد الحرام؛ فأنزل الله عليه: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ ومُقَصِّرِينَ﴾. وأنزل عليه: ﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامِ﴾ الآية [البقرة:١٩٤]
عن رفاعة بن رافع الزُّرَقيّ، قال: لَمّا كان يوم أُحد وانكفأ المشركون قال النبيُّ ﷺ: «استووا حتى أُثنِي على ربي». فصاروا خلفه صفوفًا، فقال: «اللهم، لك الحمد كلّه، اللهم، لا قابض لما بسطتَ، ولا باسط لما قبضتَ، ولا هادي لما أضللتَ، ولا مُضِلّ لِمَن هديتَ، ولا معطي لِما منعتَ، ولا مانع لِما أعطيتَ، ولا مقرِّب لِما باعدتَ، ولا مُباعد لِما قرّبتَ، اللهم، ابْسط علينا مِن بركاتك ورحمتك وفضلك، اللهم، إنِّي أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول، اللهم، إنِّي أسألك النعيم يوم العَيْلة، والأمن يوم الخوف، اللهم، إنِّي عائذٌ بك مِن شرّ ما أعطيتنا، وشرّ ما منعتنا، اللهم، حبِّب إلينا الإيمان وزيِّنه في قلوبنا، وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، اللهم، توفَّنا مسلمين، وأحْيِنا مسلمين، وألْحِقْنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين، اللهم، قاتِل الكفرة الذين يكذِّبون رُسلك، ويصدّون عن سبيلك، واجعل عليهم رِجزك وعذابك، اللهم، قاتِل الكفرة الذين أُوتوا الكتاب، إله الحق»
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً﴾: لِئلّا يُناجي أهلُ الباطل رسولَ الله ﷺ، فيشقُّ ذلك على أهل الحقّ، قالوا: يا رسول الله، ما نستطيع ذلك ولا نُطِيقه. فقال الله عز وجل: ﴿أأَشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا وتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾، وقال: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِن نَجْواهُمْ إلّا مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ أوْ مَعْرُوفٍ أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ﴾ [النساء:١١٤]، مَن جاء يناجيك في هذا فاقْبل مناجاته، ومَن جاء يناجيك في غير هذا فاقطع أنت ذاك عنه لا تُناجِه. قال: وكان المنافقون ربما ناجَوْا فيما لا حاجة لهم فيه، فقال الله عز وجل: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ ويَتَناجَوْنَ بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾، قال: لأنّ الخبيث يدخل في ذلك
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن حُسين- في قوله تعالى: ﴿يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾، قال: بينما النبي - ﷺ - جالِسٌ في نفرٍ مِن أصحابه مِن الأنصار؛ إذ رُمي بنجمٍ، فاستَنار، فقال: «ما كنتم تقولون إذا كان مِثل هذا في الجاهلية؟». قالوا: كُنّا نقول: يموت عظيم، ويُولد عظيم. قال: «فإنها لا يُرمى بها لموْت أحد، ولا لحياته، ولكن ربّنا -تبارك وتعالى- إذا قضى أمرًا سبّح حملة العرش، ثم سبّح أهل السماء الذين يَلُونهم، حتى يَبلغ التسبيحُ إلى هذه السماء، ثم يَستخبِر أهلُ السماء السابعة حملة العرش: ماذا قال ربّكم؟ فيُخبِرونهم، ثم يَستخبِر أهلُ كلِّ سماءٍ أهلَ سماء، حتى يَنتهي الخبر إلى هذه السماء، وتُتخطّف الجنّ ويُرمون، فما جاؤوا به على وجهه فهو حقٌّ، ولكنهم يُقدّمون فيه ويَزيدون»، قال معمر، فقلتُ للزُّهريّ: أوَكان يُرمى بها في الجاهلية؟ قال: نعم. قلتُ: أفرأيتَ قوله: ﴿وأَنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾. قال: غُلّظتْ وشُدّد أمْرها حين بُعث النبي - ﷺ -
قال مقاتل بن سليمان: ﴿هَلْ﴾ يعني: قد ﴿أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ في القرآن ﴿فِرْعَوْنَ﴾ قد عرفتَ ما فعل الله عز وجل بقوم فرعون، حيث ساروا في طلب موسى عليه السلام وبني إسرائيل، وكانوا ألف ألف وخمسمائة ألف، فساقهم الله تعالى بآجالهم إلى البحر، فغرّقهم الله أجمعين، فمَن الذي جاء يخاصمني فيهم، قال: ﴿وثَمُودَ﴾ وهم قوم صالح حيث عقروا الناقة، وكذَّبوا صالحًا، ثم تمتّعوا في دارهم ثلاثة أيام، فجاءهم العذاب يوم السبت غدوةً حين نهضت الشمس، ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ﴾ [الشمس:١٤]، وجبريل عليه السلام الذي كان دَمدم؛ لأنه صرخ صرخة، [فوقعت] بيوتهم عليهم، فسوّاها، يقول: فسوّى البيوت على قبورهم؛ لأنهم لما استيقنوا بالهلكة عمدوا، فحفروا قبورًا في منازلهم، وتحنّطوا بالمرّ والصبر، ﴿فَسَوّاها﴾ [الشمس:١٤] يقول: استوتْ على قبورهم. قال: فهل جاء أحد يخاصمني فيهم، فذلك قوله: ﴿ولا يَخافُ عُقْباها﴾ [الشمس:١٥]. قال: فاحذروا، يا أهل مكة؛ فأنا المجيد الحق الذي ليس فوقي أحد
انتَقَدَ ابنُ عطية مستندًا إلى الدلالة العقلية قولَ عطاء، فقال (١/٤٧٦): «ومَن قال: إنّ اسم التمتع وحكمَه إنما هو من جهة التمتع بالنساء والطيب وغير ذلك، فيُرَدُّ عليه أنه يستغرق قولُه: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ﴾ المكِّيَّ وغيره على السواء في القياس، فكيف يشتد مع ذلك على الغريب الذي هو أعذر ويُلْزَم هَدْيًا، ولا يُفعل ذلك بالمكّيّ». وذكر ابنُ عطية قولًا أن المتمتع سُمِّيَ بهذا لأنه تمتع بإسقاط أحد السَّفَرَيْن، وعَلَّق عليه قائلًا: «وذلك أن حَقَّ العمرة أن تُقْصَد بِسَفْرَة، وحَقَّ الحج كذلك، فلما تَمتَّع بإسقاط أحدهما ألْزَمه الله هَدْيًا، كالقارن الذي يجمع الحج والعمرة في سَفَرٍ واحد». ثم قال: «هذه شِدَّة على القادم مكة من سائر الأقطار لمّا أسْقَط سَفَرًا، والمكي لا يقتضي حالُه سَفَرًا في عمرة ولا حج لأنه في بقعة الحج فلم يُلزم شيئًا لأنه لم يُسقط شيئًا». وذكر قولًا آخر عن ابن القاسم أنه قال في سبب تسمية المتمتع بهذا الاسم: «لأنه تمتع بكل ما لا يجوز للمحرم فِعْلُه من وقت حِلِّه في العمرة إلى وقت إنشائه الحج»
قال ابنُ عطية (٢/٢٤٥-٢٤٦) مستندًا إلى دلالة العقل بعد ذكره الأقوال المختلفة في معنى ﴿سواء﴾: «والذي أقوله في لفظة ﴿سواء﴾: إنّها ينبغي أن تفسر بتفسير خاصٍّ بها في هذا الموضع، وهو أنه دعاهم إلى معانٍ جميعُ الناس فيها مستوون، صغيرهم وكبيرهم، وقد كانت سيرة المدعُوِّين أن يَتَّخذ بعضُهم بعضًا أربابًا، فلم يكونوا على استواء حال، فدعاهم بهذه الآية إلى ما تألفه النفوس مِن حقٍّ لا يتفاضل الناس فيه، فـ﴿سواء﴾ على هذا التأويل بمنزلة قولك لآخر: هذا شريكي في مال سواء بيني وبينه. والفرق بين هذا التفسير وبين تفسير اللفظة بـ»عدل«: أنّك لو دعوت أسيرًا عندك إلى أن يسلم أو تضرب عنقه لكنت قد دعوته إلى السواء الذي هو العدل، وعلى هذا الحدِّ جاءت لفظة سواء في قوله تعالى: ﴿فانبذ إليهم على سواء﴾ [الأنفال:٥٨] على بعض التأويلات، ولو دعوت أسيرك إلى أن يؤمن فيكون حُرًّا مقاسمًا لك في عيشك لكنت قد دعوته إلى السواء، الذي هو استواء الحال على ما فسرته، واللفظة على كل تأويل فيها معنى العدل، ولكني لم أرَ لمتقدم أن يكون في اللفظة معنى قصد استواء الحال، وهو عندي حسن؛ لأن النفوس تألفه»
ذكر ابنُ جرير (٨/٥١٤) قول قتادة أنّ الفتح بمعنى القضاء كما في الأثر السابق، وقول السدي بأن الفتح هو فتح مكة، ثم قال معلِّقًا: «والفتح في كلام العرب: هو القضاء كما قال قتادة، ومنه قول الله تعالى: ﴿ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق﴾ [الأعراف:٨٩]. وقد يجوز أن يكون ذلك القضاء الذي وعد الله نبيَّه محمدًا ﷺ بقوله: ﴿فعسى الله أن يأتي بالفتح﴾ فتح مكة، لأنّ ذلك كان من عظيم قضاء الله وفصل حكمه بين أهل الإيمان والكفر، ويقرر عند أهل الكفر والنفاق أن الله معلي كلمته وموهن كيد الكافرين». وذكر ابنُ عطية (٣/١٩٢) القولين، ثم علَّق عليهما بقوله: «وظاهر الفتح في هذه الآية: ظهور رسول الله ﷺ وعلو كلمته، أي: فيبدو الاستغناء عن اليهود، ويرى المنافقُ أنّ الله لم يُوجِد سبيلًا إلى ما كان يؤمل فيهم من المعونة على أمر محمد ﷺ والدفع في صدر نبوته، فيندم حينئذ على ما حصل فيه من محادة الشرع، وتجلل ثوب المقت من الله تعالى ومن رسوله ﷺ والمؤمنين كالذي وقع وظهر بعد»