محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١٣ من سورة المجادلة في ٩٤ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٢٨ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١٣ من سورة المجادلة

٩٤ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ وَتَابَ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُواْ الصّلاَةَ وَآتُواْ الزّكَاةَ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
يقول تعالى ذكره : أشقّ عليكم وخشيتم أيها المؤمنون بأن تقدموا بين يدي نجواكم رسول الله ﷺ صدقات الفاقة. وأصل الإشفاق في كلام العرب : الخوف والحذر، ومعناه في هذا الموضع : أخشيتم بتقديم الصدقة الفاقة والفقر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمر، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿أأشْفَقْتُمْ﴾قال : شقّ عليكم تقديم الصدقة، فقد وُضِعَتْ عنكم، وأمروا بمناجاة رسول الله ﷺ بغير صدقة حين شقّ عليهم ذلك.
حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال : حدثنا أبو أُسامة، عن شبل بن عباد المكّي، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة ﴿أأشْفَقْتُمْ أنْ تُقدّمُوا بَينَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقاتٍ فإذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللّهُ عَلَيْكُمْ فأقِيمُوا الصّلاة وآتُوا الزّكاةَ﴾فريضتان واجبتان لا رجعة لأحد فيهما، فنسخت هذه الآية ما كان قبلها من أمر الصدقة في النجوى.
وقوله :﴿فإذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللّهُ عَلَيْكُمْ﴾يقول تعالى ذكره : فإذ لم تقدّموا بين يدي نجواكم صدقات، ورزقكم الله التوبة من ترككم ذلك، فأدّوا فرائض الله التي أوجبها عليكم، ولم يضعها عنكم من الصلاة والزكاة، وأطيعوا الله ورسوله، فيما أمركم به، وفيما نهاكم عنه. ﴿وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلونَ﴾يقول جلّ ثناؤه : والله ذو خبرة وعلم بأعمالكم، وهو محصيها عليكم ليجازيكم بها.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
يناجي أهل الباطل رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فيشُقّ ذلك على أهل الحقّ، قالوا: يا رسول الله ما نستطيع ذلك ولا نطيقه، فقال الله عزّ وجلّ: (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ)، وقال: (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ)، من جاء يناجيك في هذا فاقبل مناجاته، ومن جاء يناجيك في غير هذا فاقطع أنت ذاك عنه لا تناجه. قال: وكان المنافقون ربما ناجوا فيما لا حاجة لهم فيه، فقال الله عزّ وجلّ: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ) قال: لأن الخبيث يدخل في ذلك.
حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا يحيى بن واضح، عن الحسين، عن يزيد، عن عكرِمة والحسن البصري قالا قال في المجادلة: (إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)، فنسختها الآية التي بعدها، فقال: (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).
وقوله: (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا) يقول تعالى ذكره: فإن لم تجدوا ما تتصدّقون به أمام مناجاتكم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، (فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) يقول: فإن الله ذو عفو عن ذنوبكم إذا تبتم منها، رحيم بكم أن يعاقبكم عليها بعد التوبة، وغير مؤاخذكم بمناجاتكم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قبل أن تقدّموا بين يدي نجواكم إياه صدقة.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٣)﴾
يقول تعالى ذكره: أشقّ عليكم وخشيتم أيها المؤمنون بأن تقدموا بين يدي نجواكم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم صدقات الفاقة، وأصل الإشفاق في كلام العرب: الخوف والحذر، ومعناه في هذا الموضع: أخشيتم بتقديم الصدقة الفاقة والفقر.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (أَأَشْفَقْتُمْ) قال: شقّ عليكم تقديم الصدقة، فقد وُضِعت عنكم، وأمروا بمناجاة رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بغير صدقة حين شقّ عليهم ذلك.
حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: ثنا أَبو أُسامة، عن شبل بن عباد المكيّ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) : فريضتان واجبتان لا رجعة لأحد فيهما، فنسخت هذه الآية ما كان قبلها من أمر الصدقة في النجوى.
وقوله: (فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ) يقول تعالى ذكره: فإذ لم تقدموا بين يدي نجواكم صدقات، ورزقكم الله التوبة من ترككم ذلك، فأدّوا فرائض الله التي أوجبها عليكم، ولم يضعها عنكم من الصلاة والزكاة، وأطيعوا الله ورسوله، فيما أمركم به، وفيما نهاكم عنه.
(وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) يقول جلّ ثناؤه: والله ذو خبرة وعلم بأعمالكم، وهو محصيها عليكم ليجازيكم بها.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ يَعْنِي فِي مَجَالِسِ الْحَرْبِ قَالُوا:
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا أَيِ انْهَضُوا لِلْقِتَالِ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا أَيْ إِذَا دُعِيتُمْ إِلَى خَيْرٍ فَأَجِيبُوا وَقَالَ مُقَاتِلُ إِذَا دُعِيتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَارْتَفِعُوا إِلَيْهَا. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ كَانُوا إِذَا كَانُوا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِهِ فَأَرَادُوا الِانْصِرَافَ، أَحَبَّ كُلٌّ مِنْهُمْ أَنْ يَكُونَ هُوَ آخِرَهُمْ خُرُوجًا مِنْ عِنْدِهِ، فَرُبَّمَا يَشُقُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ وَقَدْ تَكُونُ لَهُ الْحَاجَةُ فَأُمِرُوا أَنَّهُمْ إِذَا أمروا بالانصراف أن ينصرفوا كقوله تعالى: وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا [النُّورِ: ٢٨].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ أَيْ لا تعتقدوا أنه إذا أفسح أَحَدٌ مِنْكُمْ لِأَخِيهِ إِذَا أَقْبَلَ أَوْ إِذَا أُمِرَ بِالْخُرُوجِ فَخَرَجَ، أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ نَقْصًا في حقه بل هو رفعة ورتبة عِنْدَ اللَّهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى لَا يُضَيِّعُ ذَلِكَ لَهُ، بَلْ يَجْزِيهِ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَإِنَّ مَنْ تَوَاضَعَ لِأَمْرِ اللَّهِ رَفَعَ اللَّهُ قدره ونشر ذكره، ولهذا قَالَ تَعَالَى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ أَيْ خَبِيرٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ وَبِمَنْ لَا يَسْتَحِقُّهُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ»
: حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ أَنَّ نَافِعَ بْنَ عَبْدِ الْحَارِثِ لَقِيَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بِعُسْفَانَ، وَكَانَ عُمَرُ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى مَكَّةَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَنِ اسْتَخْلَفْتَ عَلَى أَهْلِ الْوَادِي؟ قَالَ: اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْهِمُ ابْنَ أَبْزَى قَالَ:
وَمَا ابْنُ أَبْزَى فَقَالَ: رجل من موالينا، فقال عمر: اسْتَخْلَفْتَ عَلَيْهِمْ مَوْلًى؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهُ قَارِئٌ لِكِتَابِ اللَّهِ عَالِمٌ بِالْفَرَائِضِ قَاضٍ، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَمَا إِنَّ نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ قَوْمًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ» وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ «٢» مِنْ غَيْرِ وجه عن الزهري به، وروي من غير وجه عن عمر بنحوه، وَقَدْ ذَكَرْتُ فَضْلَ الْعِلْمِ وَأَهْلِهِ وَمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ مُسْتَقْصَاةً فِي شَرْحِ كِتَابِ الْعِلْمِ مِنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ والمنة.

[سورة المجادلة (٥٨) : الآيات ١٢ الى ١٣]

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٣)
يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا أَرَادَ أَحَدُهُمْ أَنْ يُنَاجِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ يُسَارُّهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، أَنْ يُقَدِّمَ بَيْنَ يَدَيْ ذَلِكَ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُ وَتُزَكِّيهِ وَتُؤَهِّلُهُ لأن يصلح لهذا المقام، ولهذا قال
(١) المسند ١/ ٣٥.
(٢) كتاب المسافرين حديث ٢٦٩.
تعالى: ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ ثم قال تعالى: فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا أَيْ إِلَّا مِنْ عَجَزَ عن ذلك لفقره فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فَمَا أَمَرَ بِهَا إلا من قدر عليها. ثم قال تعالى: أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ أَيْ أَخِفْتُمْ مِنَ اسْتِمْرَارِ هَذَا الْحُكْمِ عَلَيْكُمْ مِنْ وُجُوبِ الصَّدَقَةِ قَبْلَ مُنَاجَاةِ الرَّسُولِ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ فَنُسَخَ وُجُوبُ ذَلِكَ عَنْهُمْ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ بِهَذِهِ الْآيَةِ قَبْلَ نَسْخِهَا سِوَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
قَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: نُهُوا عَنْ مُنَاجَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى يَتَصَدَّقُوا فَلَمْ يُنَاجِهِ إِلَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَدَّمَ دِينَارًا صَدَقَةً تَصَدَّقَ بِهِ، ثُمَّ نَاجَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَأَلَهُ عَنْ عَشْرِ خِصَالٍ ثُمَّ أُنْزِلَتِ الرُّخْصَةُ، وَقَالَ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: آيَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَعْمَلْ بِهَا أَحَدٌ قَبْلِي وَلَا يَعْمَلُ بِهَا أَحَدٌ بَعْدِي، كَانَ عِنْدِي دِينَارٌ فَصَرَفْتُهُ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، فَكُنْتُ إِذَا نَاجَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَصَدَّقْتُ بِدِرْهَمٍ، فَنُسِخَتْ وَلَمْ يَعْمَلْ بِهَا أَحَدٌ قَبْلِي وَلَا يَعْمَلُ بِهَا أَحَدٌ بَعْدِي، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً الْآيَةَ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ «١» : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مِهْرَانُ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ علقمة الأنماري عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«ما ترى، دينار؟» قَالَ: لَا يُطِيقُونَ. قَالَ «نِصْفُ دِينَارٍ» قَالَ: لَا يُطِيقُونَ. قَالَ «مَا تَرَى» ؟
قَالَ: شَعِيرَةٌ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إنك لزهيد» قال: فَنَزَلَتْ أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ قَالَ عَلِيٌّ: فَبِي خَفَّفَ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الأمة.
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ وَكِيعٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ الْأَشْجَعِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيُّ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ الثَّقَفِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَلْقَمَةَ الْأَنْمَارِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عنه قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً إِلَى آخِرِهَا قَالَ لِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ما ترى، دينار» قُلْتُ: لَا يُطِيقُونَهُ «٢» وَذَكَرَهُ بِتَمَامِهِ مِثْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، ثُمَّ قَالَ: وَمَعْنَى قَوْلِهِ شَعِيرَةٌ يَعْنِي وَزْنَ شَعِيرَةٍ مِنْ ذَهَبٍ، وَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ بِهِ.
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً- إِلَى- فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. كَانَ الْمُسْلِمُونَ يُقَدِّمُونَ بَيْنَ يدي
(١) تفسير الطبري ١٢/ ٢١.
(٢) أخرجه الترمذي في تفسير سورة ٥٨، باب ٢.

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
ثم لما رأى تبارك وتعالى شفقة المؤمنين، ومشقة الصدقات عليهم عند كل مناجاة، سهل الأمر عليهم، ولم يؤاخذهم بترك الصدقة بين يدي المناجاة، وبقي التعظيم للرسول والاحترام بحاله لم ينسخ، لأن هذا الحكم من باب المشروع لغيره، ليس مقصودا لنفسه، وإنما المقصود هو الأدب مع الرسول والإكرام له، وأمرهم تعالى أن يقوموا بالمأمورات الكبار المقصودة بنفسها، فقال :﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ أي : لم يهن عليكم تقديم الصدقة، ولا يكفي هذا، فإنه ليس من شرط الأمر أن يكون هينا على العبد، ولهذا قيده بقوله :﴿وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ أي : عفا لكم عن ذلك، ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ بأركانها وشروطها، وجميع حدودها ولوازمها، ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ المفروضة [ في أموالكم ] إلى مستحقيها.
وهاتان العبادتان هما أم العبادات البدنية والمالية، فمن قام بهما على الوجه الشرعي، فقد قام بحقوق الله وحقوق عباده، [ ولهذا قال بعده :] ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ وهذا أشمل ما يكون من الأوامر.
ويدخل في ذلك طاعة الله [ وطاعة ] رسوله، بامتثال أوامرهما واجتناب نواهيهما، وتصديق ما أخبرا به، والوقوف عند حدود الله(١).
والعبرة في ذلك على الإخلاص والإحسان، ولهذا قال :﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ فيعلم تعالى أعمالهم، وعلى أي : وجه صدرت، فيجازيهم على حسب علمه بما في صدورهم.
١ - في ب: حدود الشرع..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١٢-١٣} ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
-[٨٤٧]- يأمر تعالى المؤمنين بالصدقة، أمام مناجاة رسوله محمد ﷺ تأديبا لهم وتعليما، وتعظيما للرسول صلى الله عليه وسلم، فإن هذا التعظيم، خير للمؤمنين وأطهر أي: بذلك يكثر خيركم وأجركم، وتحصل لكم الطهارة من الأدناس، التي من جملتها ترك احترام الرسول ﷺ والأدب معه بكثرة المناجاة التي لا ثمرة تحتها، فإنه إذا أمر بالصدقة بين يدي مناجاته صار هذا ميزانا لمن كان حريصا على الخير والعلم، فلا يبالي بالصدقة، ومن لم يكن له حرص ولا رغبة في الخير، وإنما مقصوده مجرد كثرة الكلام، فينكف بذلك عن الذي يشق على الرسول، هذا في الواجد للصدقة، وأما الذي لا يجد الصدقة، فإن الله لم يضيق عليه الأمر، بل عفا عنه وسامحه، وأباح له المناجاة، بدون تقديم صدقة لا يقدر عليها.
ثم لما رأى تبارك وتعالى شفقة المؤمنين، ومشقة الصدقات عليهم عند كل مناجاة، سهل الأمر عليهم، ولم يؤاخذهم بترك الصدقة بين يدي المناجاة، وبقي التعظيم للرسول والاحترام بحاله لم ينسخ، لأن هذا الحكم من باب المشروع لغيره، ليس مقصودا لنفسه، وإنما المقصود هو الأدب مع الرسول والإكرام له، وأمرهم تعالى أن يقوموا بالمأمورات الكبار المقصودة بنفسها، فقال: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ أي: لم يهن عليكم تقديم الصدقة، ولا يكفي هذا، فإنه ليس من شرط الأمر أن يكون هينا على العبد، ولهذا قيده بقوله: ﴿وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ أي: عفا لكم عن ذلك، ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ بأركانها وشروطها، وجميع حدودها ولوازمها، ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ المفروضة [في أموالكم] إلى مستحقيها.
وهاتان العبادتان هما أم العبادات البدنية والمالية، فمن قام بهما على الوجه الشرعي، فقد قام بحقوق الله وحقوق عباده، [ولهذا قال بعده:] ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ وهذا أشمل ما يكون من الأوامر.
ويدخل في ذلك طاعة الله [وطاعة] رسوله، بامتثال أوامرهما واجتناب نواهيهما، وتصديق ما أخبرا به، والوقوف عند حدود الله (١).
والعبرة في ذلك على الإخلاص والإحسان، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ فيعلم تعالى أعمالهم، وعلى أي: وجه صدرت، فيجازيهم على حسب علمه بما في صدورهم.
(١) في ب: حدود الشرع.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (٩٤ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان معاني القرآن — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى تفسير القرآن — الصنعاني تفسير التستري — سهل التستري تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري أحكام القرآن — ابن الفرس تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني — أحمد بن إسماعيل الكَوْرَاني جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — المراغي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور بيان المعاني — ملا حويش إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — دروزة التفسير الحديث — محمد عزة دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
أَأَشْفَقْتُمْ
أَخَشِيتُمُ الفَقْرَ؟

إعراب الآية ١٣ من سورة المجادلة

من كتاب: إعراب القرآن

[سورة المجادلة (٥٨) : آية ١٢]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)
روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: كانوا قد آذوا النبي صلّى الله عليه وسلّم بكثرة سرارهم فأراد الله جلّ وعزّ أن يخفّف عنه فأمرهم بهذا فتوقّفوا عن السّرار ثم وسّع عليهم ولم يضيّق. قال مجاهد: لم يعمل أحد بهذه الآية إلا علي بن أبي طالب رضي الله عنه تصدّق بدينار ثم سار النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ثم نسخت، وقال رحمة الله عليه: بي خفّف عن هذه الأمة. قال لي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «ما ترى أيتصدّق من سارّ بدينار قلت: لا، قال: فبدرهم قلت: لا، قال: بكم؟ قلت: بحبة من شعير، فقال: إنك لزهيد» «١» ثم نزل التخفيف فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي لا يكلّف من لا يجد.

[سورة المجادلة (٥٨) : آية ١٣]

أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٣)
أصل الإشفاق في اللغة الحذر والخوف ومن هذا لا يحلّ لأحد أن يصف الله جلّ وعزّ بالاشفاق ولا يقول: يا شفيق. قال مجاهد: أأشفقتم أي أشقّ عليكم فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فإذا تاب عليكم لم يؤاخذهم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة أي فافعلوا ما لم يسقط عنكم فرضه وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ أي فيما أمركم به وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ أي فيجازيكم عليه.

[سورة المجادلة (٥٨) : آية ١٤]

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤)
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أي ألم تنظر بعين قلبك فتراهم. ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ الضمير يعود على الذين وهم المنافقون ليسوا من المؤمنين أي من أهل دينهم وملّتهم ولا من الذين غضب الله عليهم وهم اليهود وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ يحلفون أنّهم مؤمنون.

[سورة المجادلة (٥٨) : آية ١٥]

أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٥)
ما في موضع رفع أي ساء الشيء الذين يعملونه، وهو غشّهم المؤمنين، ونصحهم الكافرين.

[سورة المجادلة (٥٨) : آية ١٦]

اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (١٦)
اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً أي اتخذوا حلفهم للمؤمنين أنّهم منهم حاجزا لدمائهم وأموالهم، وهذا معنى فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لأن سبيل الله جلّ وعزّ في أهل الأوثان أن
(١) أخرجه الترمذي في التفسير ١٢/ ١٨٦.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ١٣ من سورة المجادلة

من كتاب: المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة

١٧٤ - قال الله تعالى: (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٣)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
أخرج الترمذي عن علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: لما نزلت: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً) قال لي النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (ما ترى. دينار؟) قلت: لا يطيقونه، قال: (فنصف دينار؟) قلت: لا يطيقونه. قال: (فكم؟) قلت: شعيرة. قال: (إنك لزهيد) قال: فنزلت: (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ) قال: فبي خفف الله عن هذه الأمة.
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية. وقد ذكر جمع من المفسرين هذا الحديث منهم الطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية وابن كثير.
قال الطبري: (يقول تعالى ذكره: أشق عليكم وخشيتم أيها المؤمنون بأن تقدموا بين يدي نجواكم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صدقات الفاقة) اهـ.
وقال البغوي: (قال ابن عبَّاسٍ: وذلك أن الناس سألوا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأكثروا حتى شقوا عليه فأراد اللَّه أن يخفف على نبيه ويثبطهم ويردعهم عن ذلك فأمرهم أن يقدموا صدقة على المناجاة مع رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) اهـ.
والظاهر - واللَّه أعلم - أن هذا الحديث لا يصح أن يكون سبباً لنزول الآية لما يلي:
١ - أن إسناد الحديث ضعيف وتفصيله في موضعه من الحاشية.
٢ - أن سياق الحديث يقتضي أن الذي أشفق من ذلك هو علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - والناظر في سياق الآية من أولها إلى آخرها يجد أن حديثها بصيغة الجمع مما يدل على أن الإشفاق منهم وليس من علي وحده.
٣ - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لعلي: إنك لزهيد لما اقترح شعيرة وهذا يعني وبقتضي أن علياً أرحم بالناس من رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وليس الأمر والله كذلك فليس أرحمَ بالناس من الناس أحدٌ من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول اللَّه تعالى عنه: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨).
٤ - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - استشار علياً في مقدار الصدقة وهذا يخالف المعهود عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من استشارة صاحبيه الكبيرين أبي بكر وعمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - جميعاً.
وبناءً على ما تقدم فليس الحديث المذكور سبب نزولها بل ربما نزل التخفيف لمجرد علم اللَّه بمشقة ذلك عليهم من غير طلب منهم أو من أحدهم واللَّه أعلم.
* النتيجة:
أن الحديث المذكور ليس سبب نزولها لضعف إسناده، وعدم موافقته السياق القرآني والمشهور من حال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من عدة وجوه واللَّه أعلم.

القراءات في الآية ١٣ من سورة المجادلة

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

ءَأَشْفَقْتُمْ أَن

(ءَآأَشْفَقْتُمْ) بتحقيق الهمزة الثانية وادخال ألف قبلها وبإسكان الميم دون سكت

هشام عن ابن عامر

(ءَآأَشْفَقْتُمْ) بتسهيل الهمزة الثانية وادخال ألف قبلها وبإسكان الميم دون سكت

قالون عن نافع الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو هشام عن ابن عامر

(ءَآأَشْفَقْتُمُ) بتسهيل الهمزة الثانية وادخال ألف قبلها وبصلة الميم ومدها 3 حركات

قالون عن نافع

(ءَآأَشْفَقْتُمُ) بتسهيل الهمزة الثانية وادخال ألف قبلها وبصلة الميم ومدها حركتين

قالون عن نافع ابن جمّاز عن أبي جعفر ابن وردان عن أبي جعفر

(ءَآشْفَقْتُمُ) بتسهيل الهمزة الثانية أو إبدالها ألفا تمد 6 حركات وبصلة الميم ومدها 6 حركات

ورش عن نافع

(ءَأَشْفَقْتُمْ) بتحقيق الهمزة الثانية دون ادخال وبإسكان الميم دون سكت عليها

إدريس عن خلف إسحاق عن خلف روح عن يعقوب الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة خلف عن حمزة حفص عن عاصم شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر

(ءَأَشْفَقْتُمْ) بتحقيق الهمزة الثانية دون ادخال وبإسكان الميم مع السكت عليها

خلف عن حمزة

(ءَأَشْفَقْتُمُ) بتسهيل الهمزة الثانية دون إدخال وبصلة الميم ومدها حركتين

قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير

(ءَأَشْفَقْتُمْ) بتسهيل الهمزة الثانية دون ادخال واسكان الميم دون سكت عليها

رويس عن يعقوب
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٢٨ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

النسخ في الآية

١٣ قولًا
١
عن عكرمة مولى ابن عباس، والحسن البصري -من طريق يزيد- قالا: قال في المجادلة: ﴿إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وأَطْهَرُ فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فنَسختْها الآية التي بعدها، فقال: ﴿أأَشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا وتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأَطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٢/ ٤٨٥ - ٤٨٦.
٢
عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر- ﴿إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً﴾، قال: إنها منسوخة، ما كانت إلا ساعة من نهار١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏٢٨١، وابن جرير ٢٢‏/‏٤٨٤.
٣
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿أأَشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا وتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾: فريضتان واجبتان لا رجعَة لأحد فيهما، فنَسَختْ هذه الآيةُ ما كان قبلها مِن أمر الصّدقة في النّجوى١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏٤٨٧.
٤
قال محمد بن شهاب الزُّهريّ: وقال تعالى في سورة المجادلة: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة﴾ إلى قوله تعالى: ﴿غفور رحيم﴾، فُنِسختْ هذه الآية بقوله تعالى: ﴿أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وآتوا الزكاة﴾١
التخريج
  1. ١الناسخ والمنسوخ للزهري ص٣٤.
٥
عن زيد بن أسلم -من طريق القاسم- أنه قال: وقال في سورة النّجوى: ﴿إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وأَطْهَرُ فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فنَسَختْها الآية التي تليها، فقال: ﴿أأَشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا وتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأَطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الله بن وهب في الجامع -تفسير القرآن ٣‏/‏٨١-٨٢ (١٧٦).
٦
عن محمد بن السّائِب الكلبي -من طريق معمر- في قوله تعالى: ﴿إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا﴾: إنها منسوخة. قال: ما كانت إلا ساعة من نهار١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏٢٨١. وتفسير الثعلبي ٩‏/‏٢٦٢، وتفسير البغوي ٨‏/‏٦١.
٧
قال مقاتل بن سليمان: نَسَخت الزكاةُ الصّدقةَ التي كانت عند المناجاة١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٤‏/‏٢٦٣.
٨
قال مقاتل بن حيّان: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ إنما كان ذلك عشر ليال ثم نُسخ١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٩‏/‏٢٦٢، وتفسير البغوي ٨‏/‏٦١.
٩
عن علي بن أبي طالب -من طريق مجاهد- قال: ما عمِل بها أحدٌ غيري حتى نُسِخَت، وما كانت إلا ساعة، يعني: آية النّجوى١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏٢٨٠. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.
١٠
عن علي بن أبي طالب -من طريق مجاهد- قال: إنّ في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي، ولا يَعمَل بها أحد بعدي؛ آية النّجوى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً﴾، كان عندي دينار، فبِعتُه بعشرة دراهم، فكنتُ كلّما ناجيتُ النبيَّ ﷺ قدّمت بين يدي نجواي درهمًا، ثم نُسختْ فلم يعمل بها أحد، فنَزَلَتْ: ﴿أأَشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن راهويه -كما في المطالب (٤١٤٠)-، وابن أبي شيبة ١٢‏/‏٨١، وابن جرير ٢٢‏/‏٤٨٢-٤٨٣، والحاكم ٢‏/‏٤٨١-٤٨٢، وأخرجه ابن عيينة في جامعه -كما في الفتح ١١‏/‏٨١- بنحوه مختصرًا. وعزاه السيوطي إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.
١١
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطاء الخُراسانيّ- في المجادلة: ﴿إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً﴾، قال: نَسَختْها الآيةُ التي بعدها: ﴿أأَشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ﴾١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى أبي داود في ناسخه، وابن المنذر.
١٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العَوفيّ- قوله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً﴾ إلى: ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، قال: كان المسلمون يُقَدِّمون بين يدي النّجوى صدقة، فلما نَزَلَتْ الزكاة نُسِخ هذا١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏٤٨٤. الإسناد ضعيف، لكنها صحيفة صالحة ما لم تأت بمنكر أو مخالفة. وينظر: مقدمة الموسوعة.
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّق ابنُ عطية (٨/٢٥٥) على قول مَن قال: إنّ هذه الصدقة منسوخة بآية الزكاة بقوله: «ومَن قال: إنّ هذه الصدقة منسوخةٌ بآية الزكاة فقوله ضعيف، لا يحصِّل كيفية النسخ، وما ذُكِر في نحو هذا عن ابن عباس رضي الله عنه لا يصح عنه».
١٣
عن سلمة بن كُهيل، ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ الآية، قال: أول مَن عمل بها عَليٌّ، ثم نُسختْ١
التخريج
  1. ١أخرجه النحاس في الناسخ والمنسوخ ص٧٠٠. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.

تفسير الآيات

٤ أقوال
١
قال عبد الله بن عباس: ﴿أأَشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا﴾ أبَخِلْتُم؟١
التخريج
  1. ١تفسير البغوي ٨‏/‏٦١.
٢
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- ﴿أأَشْفَقْتُمْ﴾، قال: شقّ عليكم تقديم الصّدقة، فقد وُضِعَتْ عنكم، وأُمِروا بمناجاة رسول الله ﷺ بغير صدقة حين شقّ عليهم ذلك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏٤٨٦.
٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿أأَشْفَقْتُمْ﴾ يقول: أشَقّ عليكم ﴿أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ﴾ يعني: أهل المَيسرة، ولو فعلتم لكان خيرًا لكم، ﴿فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا وتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ يقول: وتجاوز الله عنكم، ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ لمواقيتها، ﴿وآتُوا الزَّكاةَ﴾ لِحِينها، ﴿وأَطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ فنَسَخت الزكاةُ الصّدقةَ التي كانت عند المناجاة، ﴿واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٤‏/‏٢٦٣.
٤
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً﴾: لِئلّا يُناجي أهلُ الباطل رسولَ الله ﷺ، فيشقُّ ذلك على أهل الحقّ، قالوا: يا رسول الله، ما نستطيع ذلك ولا نُطِيقه. فقال الله عز وجل: ﴿أأَشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا وتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾، وقال: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِن نَجْواهُمْ إلّا مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ أوْ مَعْرُوفٍ أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ﴾ [النساء:١١٤]، مَن جاء يناجيك في هذا فاقْبل مناجاته، ومَن جاء يناجيك في غير هذا فاقطع أنت ذاك عنه لا تُناجِه. قال: وكان المنافقون ربما ناجَوْا فيما لا حاجة لهم فيه، فقال الله عز وجل: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ ويَتَناجَوْنَ بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾، قال: لأنّ الخبيث يدخل في ذلك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏٤٨٥.

آثار متعلقة بالآية

قولانِ
١
قال عبد الله بن عمر: كان لِعلي بن أبي طالب ثلاثٌ، لو كان لي واحدةٌ مِنهُنَّ كانت أحبَّ إلِيَّ مِن حُمر النَّعم: تزويجه فاطمة، وإعطاء النبي ﷺ إيّاه الرايةَ يوم خَيبر، وآية النّجوى١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٩‏/‏٢٦٢.
٢
عن قتادة، عن أنس، قال: لم يكن رسولُ الله ﷺ يَقبل مَن أجابه إلى الإسلام إلا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وكانتا فريضتين على مَن أقرّ بمحمد ﷺ وبالإسلام، وذلك قول الله: ﴿فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه محمد بن نصر في تعظيم قدر الصلاة ١‏/‏٩٥.

نزول الآيات، والنسخ فيها

٩ أقوال
١
عن علي بن أبي طالب -من طريق علي بن علقمة الأنماريّ- قال: لَمّا نزلت: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً﴾ الآية. قال لي النبيُّ ﷺ: «ما ترى، دينارًا؟». قلتُ: لا يطيقونه. قال: «فنصف دينار؟». قلتُ: لا يطيقونه. قال: «فكم؟». قلتُ: شَعِيرةً١. قال: «إنك لَزهيد». قال: فنَزَلَتْ: ﴿أأَشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ﴾ الآية. قال: فبي خفّف اللهُ عن هذه الأُمّة٢٣
التخريج
  1. ١قال الترمذي في جامعه ٥‏/‏٤٠٦: «ومعنى قوله:»شعيرة«يعني: وزن شعيرة من ذهب».
  2. ٢أخرجه الترمذي ٥‏/‏٤٩٤-٤٩٥ (٣٥٨٦)، وابن حبان ١٥‏/‏٣٩٠ (٦٩٤١)، ١٥‏/‏٣٩١ (٦٩٤٢)، وابن جرير ٢٢‏/‏٤٨٤-٤٨٥، والثعلبي ٩‏/‏٢٦٢. قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب، إنما نعرفه من هذا الوجه». وقال ابن عدي في الكامل في الضعفاء ٦‏/‏٣٤٩-٣٥٠: «علي بن علقمة الأنماري عن علي، روى عنه سالم بن أبي الجعد، يعد في الكوفيين، في حديثه نظر... ولا أرى بحديث علي بن علقمة بأسًا في مقدار ما يرويه».
تعليقات المحققين
  1. ٣وجَّه ابنُ عطية (٥/٢٨٠ ط. دار الكتب العلمية) أثر علي رضي الله عنه بقوله: «يريد: للواجد، وأما مَن لا يجد فالرخصة له ثابتة أولًا بقوله تعالى: ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فَإنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾».
٢
عن سعد بن أبي وقّاص -من طريق مُصعب- قال: نَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً﴾، فقدّمتُ شَعيرة، فقال رسول الله ﷺ: «إنك لَزهيد». فنَزَلَت الآية الأخرى: ﴿أأَشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني في الكبير ١‏/‏١٤٧ (٣٣١) مطولًا، وابن مردويه -كما في الفتح ١١‏/‏٨١-. قال الهيثمي في المجمع ٧‏/‏١٢٢ (١١٤٠٦): «رواه الطبراني في حديث طويل في حديث الصحيح: نزل فِيَّ ثلاث آيات. وفيه سلمة بن الفضل الأبرش، وثّقه ابن معين وغيره، وضعّفه البخاري وغيره». وقال السيوطي: «سند فيه ضعف».
٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ الآية، قال: إنّ المسلمين أكثروا المسائلَ على رسول الله ﷺ حتى شقُّوا عليه، فأراد الله أن يُخَفِّف عن نبيّه ﷺ، فلما قال ذلك ضنّ كثيرٌ مِن الناس، وكفّوا عن المسألة؛ فأنزل الله بعد هذا: ﴿أأَشْفَقْتُمْ﴾ الآية، فوسّع الله عليهم، ولم يُضيّق١
التخريج
  1. ١أخرجه القاسم بن سلام في الناسخ والمنسوخ ص٢٥٨-٢٥٩ (٤٧١)، والبيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى ص٢٣١ (٣١٠)، وابن جرير ٢٢‏/‏٤٨٤، من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس به. إسناده جيد. وينظر: مقدمة الموسوعة.
٤
عن مجاهد بن جبر، قال: كان مَن ناجى النبيَّ ﷺ تصدّق بدينار، وكان أول مَن صنع ذلك عليُّ بن أبي طالب، ثم نَزَلَتْ الرخصة: ﴿فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا وتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى سعيد بن منصور.
٥
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- قال: نُهُوا عن مناجاة النبي ﷺ حتى يُقدِّموا صدقة، فلم يُناجِه إلا عليُّ بن أبي طالب؛ فإنّه قد قدّم دينارًا فتصدَّق به، ثم ناجى النبي ﷺ، فسأله عن عشر خصال، ثم نَزَلَتْ الرخصة١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٦٥١، وأخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏٢٨٠ بنحوه من طريق سليمان، وابن جرير ٢٢‏/‏٤٨٢-٤٨٣. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
٦
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك خير لكم وأطهر﴾: وذلك أنّ الناس كانوا قد أحفوا برسول الله ﷺ في المسألة، فنهاهم الله عز وجل عنه، وربما قال: فمَنعهم في هذه الآية، فكان الرجل تكون له الحاجة إلى النبي ﷺ، فلا يستطيع أن يَقضيَها حتى يُقدِّم بين يدي نجواه صدقة، فاشتدّ ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ، فأنزل الله عز وجل بعدُ هذه الآية، فنَسَختْ ما كان قبلها مِن أمر الصدقة من نجوى، فقال: ﴿أشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وءاتوا الزكاة﴾ وهما فريضتان واجبتان، لا رُخصةَ لأحدٍ فيهما١
التخريج
  1. ١الناسخ والمنسوخ لقتادة ص٤٧-٤٨، وأخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏٤٨٣ مختصرًا.
٧
قال محمد بن السّائِب الكلبي -من طريق معمر-: جاء عَلِيٌّ بدينار، فتصدَّق به، وكلّم النبي ﷺ، فأمسَك الناسُ عن كلام النبي ﷺ، ثم نزل التخفيف، فقال: ﴿أأَشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ﴾ حتى بلغ: ﴿خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏٢٨١.
٨
قال مقاتل بن سليمان: ذلك أنّ الأغنياء كانوا يُكثِرون مُناجاة النبيِّ ﷺ، ويَغلبون الفقراء على مجالس النبي ﷺ، وكان النبيُّ ﷺ يكره طول مجالستهم وكثرة نجواهم، فلمّا أمرهم بالصّدقة عند المناجاة انتَهَوا عند ذلك، وقَدرت الفقراء على كلام النبي ﷺ ومجالسته، ولم يقدم أحد مِن أهل المَيسرة بصدقة غير علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ قدّم دينارًا، وكلّم النبي ﷺ عشر كلمات، فلم يلبثوا إلا يسيرًا حتى أنزل الله تعالى: ﴿أأَشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٤‏/‏٢٦٣.
٩
عن مقاتل [بن حيان]، قال: إنّ الأغنياء كانوا يأتون النبيَّ ﷺ، فيُكِثُرون مناجاته، ويَغلبون الفقراء على المجالس، حتى كرِه النبيُّ ﷺ طول جلوسهم ومناجاتهم، فأمر الله بالصّدقة عند المناجاة، فأما أهل العُسرة فلم يجدوا شيئًا، وكان ذلك عشر ليال، وأما أهل المَيسرة فمنع بعضُهم مالَه وحبس نفسَه، إلا طوائف منهم، جعلوا يُقَدِّمون الصّدقة بين يدي النّجوى، ويزعمون أنه لم يفعل ذلك غير رجل من المهاجرين من أهل بدر؛ فأنزل الله: ﴿أأَشْفَقْتُمْ﴾ الآية١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
التفسير بالمأثور لسورة المجادلة كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١٣ من سورة المجادلة

٤ وقفات في هذه الآية

  • النفوس شديدة التعلق بالمال والحرص عليه، ومن رحمة الله تعالى بخَلقه أن خفَّفَ عنهم التكاليف في المال وأوجب القليل فيه.

    — مصحف تدبر المفصل

  • * انظر آية (12). * لماذا يرد في القرآن أحياناً أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأحياناً أخرى يرد وأطيعوا الله والرسول ؟(د.فاضل السامرائي) في القرآن قاعدة عامة وهي أنه إذا لم يتكرر لفظ الطاعة فالسياق يكون لله وحده في آيات السورة ولم يجري ذكر الرسول  في السياق أو أي إشارة إليه كما جاء في سورة آل عمران (وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ {132}). والأمر الآخر أنه إذا لم تكرر لفظ الطاعة فيكون قطعياً قد ذُكر فيه الرسول في السياق كما في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً {59} النساء) و(وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَاحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ {92} المائدة) و(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ {1}و يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ {20} الأنفال) و (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ {54} النور) و(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ {33} محمد) و(أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ {13} المجادلة) و(وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ {12} التغابن) وهذا ما جرى عليه القرآن كله كقاعدة عامة.

    — فاضل السامرائي

  • ﴿ءَأَشۡفَقۡتُمۡ أَن تُقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيۡ نَجۡوَىٰكُمۡ صَدَقَٰتٖۚ فَإِذۡ لَمۡ تَفۡعَلُواْ وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمۡ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۚ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ١٣﴾ [المجادلة: 13] * * * ﴿ ءَأَشۡفَقۡتُمۡ ﴾. (( الإشفاق – هنا - : الفزع من العجز على الشيء المتصدق به ، أو من ذهاب المال في الصدقة)). والمعنى: ((أخفتم الفقر لأجل تقديم الصدقات؟)). وجمع الصداقات لكثرة التناجي، فإن خوف الفقر قد يكون من كثرة التناجي أو جمعها ؛ لأن المخاطبين جمع. جاء في (روح المعاني): (( جمع الصدقات لما أن الخوف لم يكن في الحقيقة من تقديم صدقة واحدة؛ لأنه ليس مظنة الفقر، بل من استمرار الأمر وتقديم صدقات وهذا أولى مما قيل إن الجمع لجمع المخاطبين؛ إذ يعلم منه وجه إفراد الصدقة فيما تقدم على قراءة الجمهور)). ولعل المراد كلاهما. أما ما رجحه صاحب (روح المعاني) من أنه جمع الصدقات؛ لأن الخوف من استمرار الصدقات لا لكثرة المخاطبين مستدلًا بالآية قبلها، فقد أفرد الصدقة مع أن المخاطبين جمع، فقد يقال ردًا على ذلك أنه لو قال: (يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقات) لربما أفهم أن المطلوب تقديم أكثر من صدقة قبل النجوى، فدفع ذلك الظن بإفراد الصدقة. ﴿فَإِذۡ لَمۡ تَفۡعَلُواْ﴾ (( ما أمرتم به وشق عليكم ذلك ﴿وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمۡ﴾ بأن رخص لكم المناجاة من غير تقديم صدقة)). فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله فيما أمر ونهى. ﴿وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ﴾. يعلم ظاهرها وباطنها. قد تقول: لقد قال في هذه الآية:﴿وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ﴾ فلم يؤكد الجملة في حين أكد نحو هذه الجملة في أكثر من موطن في القرآن ، فقد قال ربنا سبحانه:﴿إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُون﴾ في الآية الثامنة من سورة المائدة، وفي السورة الثالثة والخمسين من سورة النور ، وفي الآية الثامنة عشرة من سورة الحشر. فنقول: إن التوكيد وعدمه – كما هو معلوم – إنما يكون بحسب ما يقتضيه المقام ، فإذا اقتضى المقام التوكيد أكد، وإلا فلا. وليس في آية المجادلة ما يقتضي توكيد الخبرة ، في حين أن الآيات الأخرى تقتضي التوكيد. أما آية المائدة فهي قوله سبحانه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَ‍َٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعۡدِلُواْۚ ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ٨﴾ فقد طلب ربنا في هذه الآية من عباده المؤمنين أن يكونوا كثيري القيام لله بحقوقه. و ﴿ قَوَّٰمِينَ ﴾ صيغة مبالغة. فطلب منهم الاتصاف بذلك على جهة الثبوت والدوام وكثرة القيام لله والقيام لله يتعلق بحق الله في الأنفس وفي حقوق العباد. وأن يكونوا شهداء بالعدل ولو على أنفسهم هم، أو ضد مصالحهم ، فإن ذلك من القيام لله. وأن لا يحملهم شدة بغضهم لقوم وكرههم لهم ألا يعدلوا بالحكم أو بالشهادة أو بارتكاب ما لا يحل. ثم أمرهم علاوة على ذلك فقال:﴿ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ﴾ . وكل ذلك مما يثقل على النفس. ثم حذرهم نفسه قائلًا:﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ﴾ . وذلك يدل على عظم وأهمية حقوق العباد ومصالحهم. فاقتضى ذلك توكيد خبرته سبحانه بأعمالنا فقال:﴿إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ﴾. وأما آية النور فهي قوله سبحانه في المنافقين:﴿۞وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ لَئِنۡ أَمَرۡتَهُمۡ لَيَخۡرُجُنَّۖ قُل لَّا تُقۡسِمُواْۖ طَاعَةٞ مَّعۡرُوفَةٌۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ٥٣﴾ [النور: 53] . والكلام على المنافقين كما ذكرت. وقد أكد قولهم بالقسم والمؤكدات الأخرى. فقال:﴿۞وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ﴾. ثم قال:﴿جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ﴾ أي: أغلظ الأيمان، وذلك يدل على كثرة أيمانهم المغلظة ، فقد جاء بالجمع فقال: ﴿ أَيۡمَٰنِهِمۡ﴾ . وقال:﴿لَئِنۡ﴾ باللام الواقعة في جواب القسم. و﴿لَيَخۡرُجُنَّۖ﴾ بنون التوكيد الثقيلة ولام الجواب. فناسب أن يقول الله لهم سبحانه:﴿إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ﴾ مؤكدًا خبرته بما يعملون كما أكدوا قولهم بالأقسام المغلظة. وأما آية الحشر فهي قوله سبحانه:﴿وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدٖۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ١٨﴾. فقد حذر رب العزة عباده مرتين فقال:﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ﴾ وقال:﴿وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدٖۖ﴾ وهي تشمل عموم الأعمال. ثم قال:﴿ٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ﴾. فناسب تكرار التحذير أن يؤكد ربنا سبحانه خبرته بما نعمل ، وليس شيء من ذلك في آية المجادلة. فناسب كل تعبير موضعه. (من كتاب: قبسات من البيان القرآني للدكتور فاضل السامرائي- صـ 130: 134)

    — فاضل السامرائي

  • س : أحيانا تأتي الفاصلة القرآنية ( والله بما تعملون خبير ) وأحيانا ( والله خبير بما تعملون ) ممكن { تعليل } ؟ جـ : الخبير : هو العالم ببواطن الأمور إذا كانت الآية تتحدث عن العمل الخفي قدم ( العمل ) نحو ( وإن تخفوه وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم.... والله بما تعملون خبير ) . وإذا كانت الآية تتحدث عن خفي قدم ( الخبير ) نحو ( إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة... والله خبير بما تعملون ) والنجوى خفية .

    — صالح التركي / من لطائف القرآن

ترجمات معاني الآية ١٣ من سورة المجادلة

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(13) Have you feared to present before your consultation charities? Then when you do not and Allāh has forgiven you, then [at least] establish prayer and give zakāh and obey Allāh and His Messenger. And Allāh is Aware of what you do.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال