لم يذكر ابنُ جرير (١٦‏/‏٤٤٥) عن السلف في تفسير الآية غير قول ابن عباس، وقول قتادة من طريق معمر. واستدل به على قوله في تأويل الآية: «يقول -تعالى ذكره-: قل، يا محمد: يا ربِّ، افصل بيني وبين مَن كذبني من مشركي قومي، وكفر بك، وعبد غيرك، بإحلال عذابك، ونقمتك بهم. وذلك هو الحق الذي أمر الله تعالى ذكره نبيَّه أن يسأل ربه الحكم به، وهو نظير قوله -جل ثناؤه-: ﴿ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين﴾ [الأعراف:٨٩]...». ثم ذكر قولًا لم ينسبه لأحد، فقال: «وقد زعم بعضُهم أن معنى قوله: ﴿رب احكم بالحق﴾: قل: رب، احكم بحكمك الحق. ثم حذف»الحكم«الذي»الحق«نعت له، وأقيم»الحق«مقامه». ثم علّق عليه بقوله: «ولذلك وجْهٌ، غير أن الذي قلناه أوضح وأشبه بما قاله أهل التأويل، فلذلك اخترناه»

اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿وجاهدوا في الله حق جهاده﴾ على ثلاثة أقوال: الأول: وجاهدوا المشركين في سبيل الله حق جهاده. الثاني: لا تخافوا في الله لومة لائم، وذلك حق الجهاد. الثالث: اعملوا بالحق حق عمله. وهو قول الضحاك. وقد رجّح ابنُ جرير (١٦‏/‏٦٤٠) القول الأول مستندًا إلى ظاهر اللفظ، والأغلب في الاستعمال، فقال: «والصواب من القول في ذلك: قولُ من قال: عنى به الجهاد في سبيل الله؛ لأن المعروف مِن الجهاد ذلك، وهو الأغلب على قول القائل: جاهدت في الله. وحق الجهاد: هو استفراغ الطاقة فيه». وعلَّق على قول الضحاك، فقال: «وهذا قول ذكره عن الضحاك بعض مَن في روايته نظر». وحكى ابنُ عطية (٦‏/‏٢٧٥) ما أفادته هذه الأقوال، ثم علّق بقوله: «والعموم حسن». ثم قال: «وبيّنٌ أن عُرفَ اللفظة يقتضي الجهاد في سبيل الله»

اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿ولو نشاء لطمسنا أعينهم... ﴾ الآيةَ على قولين: الأول: أن معنى ذلك: ولو نشاء لأعميناهم عن الهدى، وأضللناهم عن قصد المحجة. وهو مروي عن ابن عباس، وعطاء، ومقاتل. الثاني: أنّ معنى ذلك: ولو نشاء لتركناهم عميًا. وهو مروي عن الحسن، وقتادة. وقد ذكر ابنُ جرير (١٩‏/‏٤٧٥) القولين، ثم قال مرجّحًا القول الثاني، ومنتقدًا القول الأول مستندًا إلى الدلالة العقلية: «وهذا القول الذي ذكرناه عن الحسن وقتادة أشبه بتأويل الكلام؛ لأنّ الله إنما تهدد به قومًا كُفارًا، فلا وجه لأن يُقال وهم كفار: لو نشاء لأضللناهم. وقد أضلهم، ولكنه قال: لو نشاء لعاقبناهم على كفرهم، فطمسنا على أعينهم، فصيرناهم عميًا لا يبصرون طريقًا، ولا يهتدون له. والطمس على العين: هو أن لا يكون بين جفني العين غر، وذلك هو الشق الذي بين الجفنين، كما تطمس الريح الأثر، يقال: أعمى مطموس وطميس»

اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿وهم لهم جند مجضرون﴾ على قولين: الأول: أن المعنى: وهم لهم جند محضرون يوم الحساب. الثاني: أن المعنى: وهم لهم جند محضرون في الدنيا، يغضبون لهم ويدافعون عنهم. وقد رجّح ابنُ جرير (١٩‏/‏٤٨٥) مستندًا إلى الدلالة العقلية القول الثاني، وهو قول الحسن، وقتادة، والكلبي، ومقاتل، وعلَّل ذلك بقوله: «لأن المشركين عند الحساب تتبرأ منهم الأصنام، وما كانوا يعبدونه، فكيف يكونون لها جندًا حينئذ، ولكنهم في الدنيا لهم جند يغضبون لهم، ويقاتلون دونهم». ووافقه ابنُ كثير (١١‏/‏٣٨٣) بقوله: «وهذا القول حسن». ووجّه ابنُ عطية (٧‏/‏٢٦٦) المعنى على القول الأول، بأنه: «على معنى التوبيخ والنقمة، وسماهم جندًا في هذا التأويل إذ هم عُدة للنقمة منهم وتوبيخهم». ووجّه المعنى على القول الثاني بأنه: «على معنى: وهؤلاء الكفار متجندون متحزبون لهذه الأصنام في الدنيا، لكنهم لا يستطيعون التناصر مع ذلك»

اختلف السلف في معنى اللهو على أقوال: الأول: أنه الغناء. الثاني: أنه الطبل. الثالث: أنه الشرك. الرابع: أنه أخبار الأعاجم وملوكها وملوك الروم. وقد رجّح ابنُ جرير (١٨‏/‏٥٣٩) صحّةَ جميع ذلك؛ للعموم في معنى ذلك، فقال: «والصواب من القول في ذلك أن يُقال: عنى به كل ما كان من الحديث ملهيًا عن سبيل الله، مما نهى الله عن استماعه أو رسوله؛ لأن الله تعالى عم بقوله: ﴿لهو الحديث﴾ ولم يخصص بعضًا دون بعض، فذلك على عمومه، حتى يأتي ما يدل على خصوصه، والغناء والشرك من ذلك». وذكر ابنُ عطية (٧‏/‏٤٢) هذه الأقوال وبعض روايات النزول، ثم رجّح مستندًا إلى ظاهر سياق الآية بقوله: «والذي يترجح أن الآية نزلت في لهو حديث مضاف إلى كفر، فلذلك اشتدت ألفاظ الآية بقوله: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّخِذَها هُزُوًا﴾، وبالتوعد بالعذاب المهين، وأما لفظة الشراء فمحتملة للحقيقة والمجاز على ما بينا، ولهو الحديث: كل ما يلهي من غناء وخنا ونحوه». وعلّق ابنُ القيم (٢‏/‏٣١٧-٣١٨) على القول الأول والرابع، فقال: «ولا تعارض بين تفسير ﴿لهو الحديث﴾ بالغناء، وتفسيره: بأخبار الأعاجم وملوكها وملوك الروم، ونحو ذلك مما كان النضر بن الحارث يُحَدِّث به أهل مكة، يشغلهم به عن القرآن، فكلاهما لهو الحديث، ولهذا قال ابن عباس: لهو الحديث: الباطل والغناء. فمن الصحابة من ذكر هذا، ومنهم من ذكر الآخر، ومنهم من جمعهما». ثم قال: «والغناء أشد لهوًا، وأعظم ضررًا من أحاديث الملوك وأخبارهم؛ فإنه رقية الزنا، ومنبت النفاق، وشرك الشيطان... إذا عرف هذا فأهل الغناء ومستمعوه لهم نصيب من هذا الذم بحسب اشتغالهم بالغناء عن القرآن، وإن لم ينالوا جميعه، فإنّ الآيات تضمنت ذمَّ من استبدل لهو الحديث بالقرآن ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوًا»

سورة البقرة — الآية ٢٤٨

قال مقاتل بن سليمان: فلَمّا أنكروا أن يكون طالوتُ عليهم ملِكًا، ﴿وقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ﴾ أنّه من الله ﴿أنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ﴾ الذي أُخِذ منكم... ، وكان التابوت يكون مع الأنبياء، إذا حضروا القتال قدَّموه بين أيديهم؛ يَسْتَفْتِحُون به على عَدُوِّهم. فلَمّا تَفَرَّقت بنو إسرائيل، وعَصَوُا الأنبياء؛ سَلَّط الله عز وجل عليهم عدوَّهم، فقتلوهم، وغَلَبُوهم على التابوت، فدَفَنُوه فى مَخْرَأَةٍ لهم، فابتلاهم الله عز وجل بالبَواسِير، فكان الرجل إذا تَبَرَّز عند التابوت أخذه الباسُور، ففَشى ذلك فيهم، فهجروه، فقالوا: ما ابتُلِينا بهذه إلا بفعلنا بالتابوت. فاستخرجوه، ثُمَّ وجَّهوه إلى بني إسرائيل على بقرة ذات لبن، وبعث الله عز وجل الملائكةَ، فساقوا العِجْلَة، فإذا التابوت بين أظهرهم... فلَمّا رَأَوُا التابوتَ أيقنوا بأنّ مُلْكَ طالوت مِن الله عز وجل، فسمعوا له، وأطاعوا، وكان موسى عليه السلام ترك التابوت في التِّيهِ قبل موته عند يُوشَع بن نون

سورة البقرة — الآية ٢١٦

قال الشافعي -من طريق الربيع بن سليمان- في قول تعالى: ﴿وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين واقتلوهم حيث ثقفتموهم﴾ إلى ﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين﴾ [البقرة:١٩٠-١٩١]، يُقال: نزل هذا في أهل مكة، وهم كانوا أشدَّ العدُوِّ على المسلمين، ففُرِض عليهم في قتالهم ما ذكر الله، ثم يُقال: نُسِخ هذا كله، والنهي عن القتال حتى يقاتلوا، أو النهي عن القتال في الشهر الحرام بقول الله عز وجل: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾، ونزول هذه الآية بعد فرض الجهاد. قال الشافعي: ولَمّا مضت لرسول الله ﷺ مُدَّةٌ من هجرته أنْعَمَ اللهُ تعالى فيها على جماعات باتِّباعِه، حَدَثَت لهم بها مع عون الله عز وجل قُوَّةٌ بالعدد لم يكن قبلها، ففرض الله عز وجل عليهم الجهاد بعد أن كان إباحة لا فرضًا، فقال تبارك وتعالى: ﴿كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم﴾ الآية

سورة إبراهيم — الآية ٢٧

عن أبي هريرة، قال: شَهِدْنا جنازةً مع رسول الله ﷺ، فلمّا فرغ مِن دفنها وانصرف الناسُ قال: «إنّه الآن يَسمعُ خَفْقَ نِعالِكم، أتاه منكرٌ ونكيرٌ، أعْيُنُهما مثلُ قُدُور النُّحاس، وأنيابُهما مثلُ صَياصِي البقر، وأصواتُهما مثلُ الرعد، فيُجلِسانه، فيسألانه ما كان يَعْبُد؟ ومَن نبيُّه؟ فإن كان مِمَّن يعبدُ الله قال: كنتُ أعبُد الله، ونبيِّي محمدٌ ﷺ، جاءنا بالبيِّنات والهدى، فآمنّا به، واتَّبعناه. فذلك قولُه: ﴿يثبتُ اللهُ الذين ءامنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾. فيُقال له: على اليقين حَيِيتَ، وعليه مِتَّ، وعليه تُبعَثُ. ثم يُفتح له بابٌ إلى الجنة، ويُوَسَّع له في حُفرته، وإن كان من أهل الشكِّ قال: لا أدري، سمعتُ الناسَ يقولون شيئًا فقلتُه. فيقال له: على الشكِّ حَيِيت، وعليه مِتَّ، وعليه تُبْعثُ. ثم يُفتحُ له بابٌ إلى النار، ويُسَلَّط عليه عقاربُ وتنانينُ، لو نفَخ أحدُهم في الدنيا ما أنبَتَتْ شيئًا، تَنهَشُه، وتُؤمرُ الأرضُ فتنضمُّ عليه حتى تختلِفَ أضلاعُه»

سورة الأعراف — الآية ١٩٠

عن سعيد بن جبير -من طريق ابن جريج- قال: لَمّا أهبَط الله آدمَ وحواءَ ألقى في نفسِه الشهوةَ لامرأتِه، فتَحرَّك ذلك منه، فأصابَها، فليس إلّا أن أصابَها حمَلتْ، فليس إلّا أن حمَلت تَحَرَّك ولدُها في بطنها، فقالت: ما هذا؟ فجاءها إبليس، فقال لها: إنّكِ قد حمَلْتِ، فتَلِدِين. قالت: ما ألِدُ؟ قال: هل تَرَيْن إلا ناقةً أو بقرةً أو ماعزةً أو ضانيةً؟ هو بعضُ ذلك، ويَخرجُ من أنفك أو من عينك أو من أُذُنك. قالت: واللهِ، ما مِنِّي مِن شيءٍ إلا وهو يَضِيقُ عن ذلك. قال: فأطِيعيني، وسَمِّيه: عبد الحارث -وكان اسمُه في الملائكة: الحارث- تلِدي مِثْلَك. فذكَرَت ذلك لآدم، فقال: هو صاحِبُنا الذي قد علِمْتِ. فماتَ، ثم حمَلت بآخر، فجاءها، فقال: أطِيعيني أو قتَلْتُه؛ فإنِّي أنا قتَلْتُ الأول. فذكَرتْ ذلك لآدم، فقال مثلَ قولِه الأول، ثم حمَلتْ بالثالث، فجاءها، فقال لها مثلَ ما قال، فذكَرَتْ ذلك لآدم، فكأنّه لم يَكْرهْ ذلك، فسَمَّتْه: عبد الحارث، فذلك قوله: ﴿جعلا له شركاء فيما آتاهما﴾

سورة الفرقان — الآية ٣٢

عن سعيد بن جبير: قلتُ لابن عباس: أخبِرني عن قول الله عز وجل: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ [القدر:١]، و﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة﴾ [الدخان:٣]، وعن ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾ [البقر:١٨٥] أكله أم بعضه؟ فقال ابن عباس: أنزل الله القرآن جملةً واحدة مِن السماء السابعة إلى سماء الدنيا في ليلة القدر، فجُعِل عند مواقع النجوم: ﴿فلا أقسم بمواقع النجوم﴾ إلى قوله: ﴿المطهرون﴾ [الواقعة:٧٥-٧٩] الملائكة، وينزل به جبريلُ عليه السلام كلَّما أُتِيَ بمَثَل يلتمس عيْبَه نزل به كتابُ الله ناطقٌ، فقالت اليهود: يا أبا القاسم، لولا أنزل هذا القرآن جملة واحدة، كما أُنزِلَت التوراة على موسى. فأنزل الله: ﴿كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا، ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا﴾. وقرأ: ﴿وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث﴾ [الإسراء:١٠٦]