قال وهب بن مُنَبِّه وغيره: عمدت بلقيس إلى خمسمائة غلام وخمسمائة جارية، فألبست الغلمان لباس الجواري، وجعلت في سواعدهم أساوِر مِن ذهب، وفي أعناقهم أطْواقًا مِن ذهب، وفي آذانهم أقراطًا وشُنوفًا مُرَصَّعات بأنواع الجواهر، وألبست الجواري لباس الغلمان؛ الأقبية والمناطق، وحملت الجواري على خمسمائة رَمَكَة، والغلمان على خمسمائة بِرْذَون، على كل فرس لِجام مِن ذهب مُرَصَّع بالجواهر وغواشيها مِن الديباج الملون، وبعثت إليه خمسمائة لَبِنة مِن ذهب وخمسمائة لبنة مِن فضة، وتاجًا مُكَلَّلًا بالدُّرِّ والياقوت المرتفع، وأرسلت إليه المِسْكَ والعنبر والعود الألنجوج، وعمدت إلى حُقَّةٍ فجعلت فيها دُرَّة ثمينة غير مثقوبة، وخرزة جزعية مثقوبة معوجة الثقب، ودعت رجلًا مِن أشراف قومها يُقال له: المنذر بن عمرو، وضمَّت إليه رجالًا مِن قومها أصحاب رأي وعقل، وكتبت معه كتابًا بنسخة الهدية، وقالت فيه: إن كنت نبيًّا فمَيِّز بين الوصائف والوصفاء، وأخبر بما في الحقة قبل أن تفتحها، واثقب الدرَّ ثقبًا مستويًا، وأدخل خيطًا في الخرزة المثقوبة مِن غير علاج إنس ولا جن. وأمرت بلقيس الغلمان، فقالت: إذا كلَّمكم سليمان فكلموه بكلام تأنيث وتخنيث يشبه كلام النساء. وأمرت الجواري أن يكلمنه بكلام فيه غلظة يشبه كلام الرجال، ثم قالت للرسول: انظر إلى الرجل إذا دخلت عليه؛ فإن نظر إليك نظر غضب فاعلم أنه ملِك، ولا يَهُولَنَّك منظره، فإنّا أعزُّ منه، وإن رأيت الرجل بشاشًا لطيفًا فاعلم أنه نبيٌّ مُرسَل فتفَهَّم قوله، ورُدَّ الجواب. فانطلق الرسول بالهدايا، وأقبل الهدهد مسرعًا إلى سليمان، فأخبره الخبر كله، فأمر سليمان الجنَّ أن يضربوا لَبِنات الذهب ولَبِنات الفضة، ففعلوا، ثم أمرهم أن يبسطوا مِن موضعه الذي هو فيه إلى تسعة فراسخ ميدانًا واحدًا بلبنات الذهب والفضة، وأن يجعلوا حول الميدان حائطًا، شُرَفُها مِن الذهب والفضة، ثم قال: أي الدواب أحسن مِمّا رأيتم في البر والبحر؟ قالوا: يا نبي الله، إنا رأينا دوابًّا في بحر كذا وكذا منطقة مختلفة ألوانها، لها أجنحة وأعراف ونواصٍ. فقال: عليَّ بها الساعةَ. فأتوا بها، فقال: شدُّوها عن يمين الميدان وعن يساره، على لبنات الذهب والفضة، وألقوا لها علوفتها فيها. ثم قال للجن: عَلَيَّ بأولادكم. فاجتمع خلق كثير، فأقامهم على يمين الميدان ويساره، ثم قعد سليمان في مجلسه على سريره، ووُضِع له أربعةُ آلاف كرسي عن يمينه ومثلها عن يساره، وأمر الشياطين أن يَصْطَفُّوا صفوفًا فراسخ، وأمر الإنس فاصْطَفُّوا فراسخ، وأمر الوحوش والسباع والهوام والطير فاصْطَفُّوا فراسخ عن يمينه وعن يساره. فلمّا دنا القومُ مِن الميدان، ونظروا إلى ملك سليمان، ورأوا الدواب التي لم تر أعينهم مثلها تَروثُ على لبن الذهب والفضة؛ تقاصرت أنفسهم، ورموا بما معهم من الهدايا. وفي بعض الروايات: أنّ سليمان لَمّا أمر بفرش الميدان بلبِنات الذهب والفضة أمرهم أن يتركوا على طريقهم موضعًا على قدر موضع اللبنات التي معهم، فلما رأى الرسل موضع اللبنات خاليًا، وكل الأرض مفروشة؛ خافوا أن يُتَّهموا بذلك، فطرحوا ما معهم في ذلك المكان، فلما رأوا الشياطين نظروا إلى منظر عجيب، ففزعوا، فقالت لهم الشياطين: جُوزوا، فلا بأس عليكم. فكانوا يمرون على كُرْدُوس كُرْدُوس من الجن والإنس والطير والهوام والسباع والوحوش، حتى وقفوا بين يدي سليمان، فنظر إليهم سليمان نظرًا حسنًا بوجه طلق، وقال: ما وراءكم؟ فأخبره رئيس القوم بما جاءوا له، وأعطاه كتاب الملِكة، فنظر فيه، ثم قال: أين الحُقَّة؟ فأتى بها، فحركها، وجاء جبريل فأخبره بما في الحُقَّة، فقال: إنّ فيها درة ثمينة غير مثقوبة، وجزعة مثقوبة معوجة الثقب. فقال الرسول: صدقت، فاثقب الدرة، وأدخل الخيط في الخرزة. فقال سليمان: مَن لي بثقبها. فسأل سليمان الإنس ثم الجن، فلم يكن عندهم عِلْمُ ذلك، ثم سأل الشياطين، فقالوا: نرسل إلى الأرَضة. فجاءت الأرضة، فأخذت شعرة في فيها، فدخلت فيها حتى خرجت من الجانب الآخر، فقال لها سليمان: ما حاجتك؟ فقالت: تصير رزقي في الشجرة. فقال: لكِ ذلك. ورُوي: أنّه جاءت دودة تكون في الصَّفْصاف، فقالت: أنا أدخل الخيط في الثقب على أن يكون رِزقي في الصفصاف. فجعل لها ذلك، فأخذت الخيط بفيها، ودخلت الثقب، وخرجت من الجانب الآخر. ثم قال: مَن لهذه الخرزة فيسلكها في الخيط؟ فقالت دودة بيضاء: أنا لها، يا رسول الله. فأخذت الدودةُ الخيطَ في فيها، ودخلت الثقب حتى خرجت مِن الجانب الآخر، فقال سليمان: ما حاجتك؟ فقالت: تجعل رزقي في الفواكه. قال: لك ذلك. ثم ميَّز بين الجواري والغلمان بأن أمرهم أن يغسلوا وجوههم وأيديهم، فجعلت الجارية تأخذ الماء مِن الآنية بإحدى يديها ثم تجعله على اليد الأخرى ثم تضرب به الوجه، والغلام كما يأخذه من الآنية يضرب به وجهه، وكانت الجارية تصُبُّ الماءَ على بطن ساعدها، والغلام على ظهر الساعد، وكانت الجارية تصبُّ الماء صبًّا، وكان الغلام يَحْدِر الماء على يديه حدرًا، فمَيَّز بينهم بذلك
عن أبي سعيد الخدري، أنّ رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده، ما منكم من أحد بأَشَدَّ مُناشَدَةً لله في اسْتِقْصاء الحقِّ مِن المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار، يقولون: ربَّنا، كانوا يصومون معَنا، ويُصَلُّون، ويَحُجُّون. فيُقالُ لهمْ أخْرِجُوا مَن عَرَفْتُم. فتُحَرَّمُ صُوَرُهُم على النار، فيُخْرِجُون خَلْقًا كثيرًا قد أخَذَت النّارُ إلى نصف ساقَيْهِ، وإلى رُكْبَتَيْهِ، ثم يقولون: ربَّنا، ما بَقِيَ فيها أحد ممَّن أمرتنا به. فيقول: ارْجِعوا، فمَن وجدتم في قلبه مِثْقالَ دينار مِن خير فأخرِجوه. فيُخْرِجون خَلْقًا كثيرًا، ثم يقولون: ربَّنا، لَمْ نَذَرْ فيها أحدًا مِمَّن أمَرْتَنا. ثم يقول: ارْجِعوا، فمَن وجدتُم في قلبه مثقالَ نصف دينار من خير فأخرِجوه. فيُخْرِجون خلْقًا كثيرًا، ثم يقولون: ربَّنا، لم نَذَرْ فيها مِمَّن أمَرْتَنا أحدًا. ثم يقول: ارْجِعوا، فمَن وجَدتُم في قلبه مِثقال ذَرَّة مِن خير فأخْرِجوه. فيُخْرِجون خَلْقًا كثيرًا، ثُمَّ يقولون: ربَّنا، لَمْ نَذَرْ فيها خَيْرًا». وكان أبو سعيد الخدري يقول: إن لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرؤوا إن شئتم: ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما﴾
عن موسى بن عقبة -من طريق إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة- قال: وكان كعب بن الأشرف اليهودي -وهو أحد بني النَّضِير وقَيِّمُهم- قد آذى رسول الله ﷺ بالهجاء، وركب إلى قريشٍ، فقدم عليهم، فاستغواهم على رسول الله ﷺ، فقال له أبو سفيان: أناشدك الله، أدينُنا أحَبُّ إلى الله أم دينُ محمد وأصحابه؟ وأيُّنا أهدى في رأيك وأقربُ إلى الحق؟ فإنّا نُطعِم الجَزُور الكَوْماء، ونَسْقِي اللبنَ على الماء، ونُطْعِم ما هبَّتِ الشمال. فقال ابن الأشرف: أنتم أهدى منهم سبيلًا. ثم خرج مقبلًا قد أجمع رأي المشركين على قتال رسول الله ﷺ، مُعْلِنًا بعداوة رسول الله ﷺ وهجائه، فقال رسول الله ﷺ: «مَن لنا مِن ابن الأشرف؛ قد استعلن بعداوتنا وهجائنا، وخرج إلى قريش فأجمعهم على قتالنا، قد أخبرني الله عز وجل بذلك، ثم قدم على أخبث ما كان ينتظر قريشًا أن يقدم فيقاتلنا معهم». ثم قرأ رسول الله ﷺ على المسلمين ما أنزل الله فيه: ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا﴾، وآيات في قريش معها
عن عثمان بن عبد الرحمن، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام يُصَلِّي انتظر أمرَ الله في القِبْلة، وكان يفعل أشياء لم يؤمر بها ولم يُنْهَ عنها مِن فعل أهل الكتاب، فبينا رسول الله ﷺ يُصَلّي الظهر في مسجده قد صلّى ركعتين إذ نزل عليه جبريل، فأشار له أن صَلِّ إلى البيت، وصلّى جبريلُ إلى البيت، وأنزل الله: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون﴾. قال: فقال المنافقون: حنَّ محمدٌ إلى أرضه وقومه. وقال المشركون: أراد محمدٌ أن يجعلنا له قِبْلة ويجعلنا له وسيلة، وعرف أنّ ديننا أهدى من دينه. وقال اليهود للمؤمنين: ما صرفكم إلى مكة وترَّكَكم القِبْلة؛ قِبْلة موسى ويعقوب والأنبياء؟ واللهِ، إنْ أنتم إلّا تُفْتَنون. وقال المؤمنون: لقد ذهب مِنّا قومٌ ماتوا ما ندري أكُنّا نحن وهم على قِبْلة أو لا؟ قال: فأنزل الله عز وجل في ذلك: ﴿سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها﴾ إلى قوله: ﴿إن الله بالناس لرؤوف رحيم﴾
عن أبي سعيد الخدري، قال: لا أُخبِركم إلا ما سمعت مِن فِي رسول الله ﷺ، سَمِعَتْهُ أُذُناي، ووعاه قلبي: «أنّ عبدا قتل تسعة وتسعين نفسًا، ثُمَّ عَرَضَت له التوبة، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدُلَّ على رجل، فأتاه، فقال: إنِّي قتلتُ تسعةً وتسعين نفسًا، فهل لي مِن توبة؟ قال: بعد قتل تسعة وتسعين نفسًا؟! قال: فانتضى سيفَه فقتله، فأكمل به مائة. ثم عرَضَت له التوبة، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدُلَّ على رجل، فأتاه، فقال: إنِّي قتلتُ مائة نفس، فهل لي مِن توبة؟ فقال: ومَن يحُولُ بينك وبين التوبة؟! اخرُج مِن القرية الخبيثة التي أنت فيها إلى القرية الصالحة قرية كذا وكذا، فاعبُد ربك فيها. فخرج يريد القرية الصالحة، فعرض له أجلُه في الطريق، فاختصم فيه ملائكةُ الرحمة وملائكة العذاب، فقال إبليس: أنا أولى به، إنه لم يعصِني ساعةً قط. فقالت الملائكة: إنّه خرج تائبًا. فبعث الله ملَكًا، فاختصموا إليه، فقال: انظروا أيَّ القريتين كانت أقرب إليه؛ فألحقِوه بها. فقرَّب اللهُ منه القريةَ الصالحة، وباعد منه القرية الخبيثة، فألْحَقَه بأهل القرية الصالحة»
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ لله تسعةً وتسعين اسمًا، مَن أحصاها دخَل الجنة، أسألُ الله، الرحمن، الرحيم، الإله، الرب، الملك، القدُّوس، السَّلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبّار، المُتَكَبِّر، الخالق، البارئ، المصوِّر، الحليم، العليم، السَّميع، البصير، الحي، القيوم، الواسع، اللطيف، الخبير، الحنّان، المنّان، البديع، الغفور، الودود، الشكور، المجيد، المبدِئ، المعيد، النور، البادئ -وفي لفظ: القائم-، الأول، الآخر، الظّاهر، الباطن، العفوُّ، الغفّار، الوهّاب، الفرد -وفي لفظ: القادر-، الأحد، الصمد، الوكيل، الكافي، الباقي، المغيث، الدائم، المتعالي، ذا الجلال والإكرام، المولى، النَّصير، الحق، المبين، الوارث، المنير، الباعث، القدير -وفي لفظ: المجيب-، المُحْيِي، المميت، الحميد -وفي لفظ: الجميل-، الصادق، الحفيظ، المحيط، الكبير، القريب، الرقيب، الفتّاح، التوّاب، القديم، الوِتْر، الفاطر، الرزاق، العلّام، العلي، العظيم، الغني، المليك، المقتدر، الأكرم، الرءوف، المُدَبِّر، المالك، القاهر، الهادي، الشّاكر، الكريم، الرفيع، الشهيد، الواحد، ذا الطَّوْلِ، ذا المعارج، ذا الفضل، الخلّاق، الكفيل، الجليل»
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن جريج، عن عطاء- قال: أتى وحشيٌّ إلى النبي ﷺ، فقال: يا محمد، أتيتك مُسْتَجِيرًا، فأجِرْني حتى أسمعَ كلام الله. فقال رسولُ الله ﷺ: «قد كنتُ أُحِبُّ أن أراك على غير جِوار، فأمّا إذ أتيتني مُستجيرًا فأنت في جِواري حتى تسمعَ كلام الله». قال: فإنِّي أشركتُ بالله، وقتلت النفسَ التي حرم الله تعالى، وزنيت، هل يقبل الله مِنِّي توبةً؟ فصمتَ رسولُ الله ﷺ حتى نزل: ﴿والَّذينَ لا يَدعونَ مَعَ اللهِ إلَهًا آَخَرَ ولا يَقتُلونَ النَفسَ الَّتي حَرَّمَ اللهُ إلّا بِالحَقِّ ولا يَزنونَ﴾ إلى آخر الآية، فتلاها عليه، فقال: أرى شرطًا، فلعلِّي لا أعمل صالحًا، أنا في جوارك حتى أسمع كلام الله. فنزلت: ﴿إنَّ اللهَ لا يَغفِرُ أن يُشرَكَ بِهِ ويَغفِرُ ما دونَ ذَلِكَ لَمَن يَشاءُ﴾ [النساء:٤٨، ١١٦]، فدعا به، فتلاها عليه، فقال: ولَعَلِّي مِمَّن لا يشاء، أنا في جوارك حتى أسمع كلام الله. فنزلت: ﴿قُل يا عِبادِيَ الَّذينَ أسرَفوا عَلى أنفُسِهِم لا تَقنَطوا مِن رَّحمَةِ اللهِ﴾ [الزمر:٥٣]، فقال: الآنَ لا أرى شرطًا. فأسلم
عن سمرة بن جندب -من طريق الحسن البصري- قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا توضأ العبدُ لصلاة مكتوبة، فأسبغ الوضوء، ثم خرج من باب داره يريد المسجد، فقال حين يخرج: باسم الله ﴿الذي خلقني فهو يهدين﴾. هداه الله للصواب -ولفظ ابن مردويه: لصواب الأعمال-، ﴿والذي هو يطعمني ويسقين﴾. أطعمه الله من طعام الجنة، وسقاه من شراب الجنة، ﴿واذا مرضت فهو يشفين﴾. شفاه الله، وجعل مرضه كفارة لذنوبه، ﴿والذي يميتني ثم يحيين﴾. أحياه الله حياة السعداء، وأماته ميتة الشهداء، ﴿والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين﴾. غفر الله له خطاياه كلها، وإن كانت أكثر مِن زَبَد البحر، ﴿رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين﴾. وهب الله له حكمًا، وألحقه بصالح مَن مضى، وصالح مَن بقي، ﴿واجعل لي لسان صدق في الآخرين﴾. كتب في ورقة بيضاء: إنّ فلان بن فلان من الصادقين. ثم يوفقه الله بعد ذلك للصدق، ﴿واجعلني من ورثة جنة النعيم﴾. جعل الله له القصور والمنازل في الجنة». وكان الحسن يزيد فيه: «واغفر لوالدي كما ربياني صغيرًا»
رَجَّحَ ابن جرير (١/٤٤٠) بدلالة القرآن، والنّظائر أنّ الذي رَغّب اللهُ في وصْله، وذَمّ على قطعه في هذه الآية: الرَّحِمُ، فقال: «الذي رَغَّب اللهُ في وصْله، وذمّ على قطعه في هذه الآية: الرَّحِمُ، وقد بَيَّن ذلك في كتابه، فقال تعالى: ﴿فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم﴾ [محمد: ٢٢]». ثُمَّ حَكى (١/٤٤١) القولَ بالعموم في المراد من القطع، بقوله: «وقد تَأَوَّل بعضُهم ذلك أنّ الله ذَمَّهم بقطعهم رسول الله ﷺ، والمؤمنين به، وأرحامَهم، واستشهد على ذلك بعموم ظاهر الآية، وأَن لا دلالة على أنه مَعْنِيٌّ بها بعض ما أمر الله بوصله دون بعض. وهذا مذهبٌ من تأويل الآية غيرُ بعيد من الصواب، ولكن الله -جَلَّ ثناؤه- قد ذكر المنافقين في غير آية من كتابه، فوصفهم بقطع الأرحام. فهذه نظيرة تلك، غير أنها وإن كانت كذلك فهي دالَّةٌ على ذَمِّ اللهِ كُلَّ قاطعٍ قطع ما أمر الله بوصله رَحِمًا كانت أو غيرها». ورَجَّحَ ابنُ عطية (١/١٥٩-١٦٠ بتصرف) العمومَ في الآية، فقال: «قال جمهور أهل العلم: الإشارة في هذه الآية إلى دين الله، وعبادته في الأرض، وإقامة شرائعه، وحفظ حدوده. وهذا هو الحقُّ، والرَّحِمُ جزءٌ من هذا»
بيَّن ابنُ جرير (١/٧١٩) إعراب ﴿حطة﴾ على قول عكرمة بقوله: «وأما على تأويل قول عكرمة فإنّ الواجب أن تكون القراءة بالنصب في ﴿حطة﴾؛ لأن القوم إن كانوا أمروا أن يقولوا: لا إله إلا الله، أو أن يقولوا: نستغفر الله، فقد قيل لهم: قولوا هذا القول، فـ﴿قولوا﴾ واقع حينئذ على الحطة؛ لأنّ الحطة على قول عكرمة هي قول: لا إله إلا الله، وإذا كانت هي قول: لا إله إلا الله، فالقول عليها واقع، كما لو أمر رجل رجلًا بقول الخير فقال له: (قل خيرًا) نصبًا، ولم يكن صوابًا أن يقول له: قل خير، إلا على استكراه شديد». ثم انتَقَد ابنُ جرير قول عكرمة معللًا ذلك بمخالفته لإجماع القراء، فقال: «وفي إجماع القَرَأة على رفع الحطة بيان واضح على خلاف الذي قاله عكرمة من التأويل في قوله: ﴿وقولوا حطة﴾». وقال ابنُ عطية (١/٢٢٢، ٢٢٣) موجِّهًا: «وقال عكرمة وغيره: أمروا أن يقولوا: لا إله إلا الله، لتحط بها ذنوبهم. وقال ابن عباس: قيل لهم: استغفروا، وقولوا ما يحط ذنوبكم. وقال آخرون: قيل لهم أن يقولوا: هذا الأمر حقٌّ كما أُعْلِمنا. وهذه الأقوال الثلاثة تقتضي النصب»