عن أرطاة بن المنذر، قال: جاء رجلٌ إلى ابنِ عباس وعنده حُذيفة بن اليمان، فقال: أخبِرني عن تفسير: ﴿حم * عسق﴾؟ فأعرَض عنه، ثم كرّر مقالته، فأعرض عنه، وكره مقالته، ثم كرّرها الثالثة، فلم يجبه. فقال له حُذيفة: أنا أنبِّئك بها لِمَ كرِهَها؛ نزلت في رجل مِن أهل بيته يُقال له: عبد إله، أو عبد الله، ينزل على نهرٍ مِن أنهار المشرق، يبني عليه مدينتين، يشقّ النهر بينهما شقًّا، يجتمع فيها كل جبّار عنيد، فإذا أذِن الله في زوال مُلكهم وانقطاع دولتهم ومُدّتهم بعث الله على إحداهما نارًا ليلًا، فتصبح سوداء مظلمة قد احترقت كأنها لم تكن مكانها، وتصبح صاحبتها متعجِّبة كيف أفلتت، فما هو إلا بياض يومها ذلك حتى يجتمع فيها كل جبّار عنيد منهم، ثم يخسف الله بها وبهم جميعًا، فذلك قوله: ﴿حم * عسق﴾، يعني: عزيمة من الله وفتنة وقضاء حُمّ. «عين» يعني: عدلًا منه. «سين» يعني: سيكون. «ق» يعني: واقع بهاتين المدينتين
ذكر ابنُ جرير (٥/٥٠، ٥٣) قراءة ﴿فأذنوا﴾ بقصر الألف وفتح الذال، وبيَّن أنها بمعنى: اعلموا ذلك واستيقنوه. وأدخل تحتها قول ابن عباس. وذكر ابن عطية (٢/١٠٤) قراءتي ﴿فأذنوا﴾، ﴿فآذِنوا﴾، ثم نقل أنّ سيبويه فرَّق بين أذِنت وآذَنتُ، فقال: «آذَنت: أعلمْت. وأَذِنت: ناديت وصوت بالإعلام. قال: وبعضٌ يُجري آذنت مجرى أذنت». ثم قال ابنُ عطية (٢/١٠٤): «قال أبو علي: من قال ﴿فأذنوا﴾ فقصر معناه: فاعلموا الحرب من الله. قال ابن عباس وغيره من المفسرين معناه: فاستيقنوا الحرب من الله تعالى». ثم وجَّه تفسير ابن عباس رضي الله عنهما بكونه راجعًا إلى معنى الإذن، فقال: «وهذا عندي من الإذن، وإذا أذِن المرء في شيء فقد قرَّره وبنى مع نفسه عليه، فكأنه قال لهم: فقرروا الحرب بينكم وبين الله ورسوله، ويلزمهم من لفظ الآية أنهم مُستدعُو الحرب والباغون لها؛ إذ هم الآذنون بها وفيها، ويندرج في هذا المعنى الذي ذكرته علمهم بأنهم حرب، وتيقُنهم لذلك»
اختُلِف في قائل قوله: ﴿شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين﴾؛ فقال السدي: هو خبرٌ من الله عن نفسه وملائكته بشهادتهم على إقرار المقرين بربوبية الله. وقال آخرون: ذلك خبر من الله عن قيل بعض بني آدم لبعض. وانتَقَد ابنُ جرير (١٠/٥٦٤-٥٦٥) القول الأول، وذكر أنّه يُؤَيِّده حديث عبد الله بن عمرو المرفوع -المتقدم في أول تفسير الآية-، وبيَّن أنه لولا ضعفه لحَكَم بصحة هذا القول. ورجَّح القول الثاني مستندًا إلى ظاهر الآية، فقال: «فالظاهر يدل على أنه خبر من الله عن قيل بني آدم بعضهم لبعض؛ لأنه -جل ثناؤه- قال: ﴿وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا﴾. فكأنه قيل: فقال الذين شهدوا على المقرين حين أقروا، فقالوا: بلى شهدنا عليكم بما أقررتم به على أنفسكم كيلا تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين». وعلَّق ابنُ عطية (٤/٨٦) أنّه على القول الأول يحسن الوقف على ﴿بلى﴾، وعلى الثاني لا يحسن الوقف عليها
اختُلِف في معنى ﴿فرطا﴾ على أربعة أقوال: الأول: ضياعًا. والثاني: هلاكًا. والثالث: ندمًا. والرابع: خلافًا للحق. ورجّح ابنُ جرير (١٥/٢٤٣) الجمع بين الأقوال مستندًا إلى اللغة، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: معناه: ضياعًا وهلاكًا، من قولهم: أفرط فلان في هذا الأمر إفراطًا؛ إذا أسرف فيه وتجاوز قدره، وكذلك قوله: ﴿وكانَ أمْرُهُ فُرُطًا﴾ معناه: وكان أمر هذا الذي أغفلنا قلبه عن ذكرنا في البسار والكبر واحتقار أهل الإيمان سرفًا قد تجاوز حدّه، فَضَيَّع بذلك الحقّ وهلك». وذكر ابنُ عطية (٥/٥٩٨) أن «الفرط» يحتمل أن يكون بمعنى: التفريط والتضييع، أي: أمره الذي يجب أن يلتزم، ويحتمل أن يكون بمعنى: الإفراط والإسراف، أي: أمره وهواه الذي هو بسبيله. ثم قال: «قد فسَّره المتأولون بالعبارتين: أعني: التضييع والإسراف، وعبر خباب عنه بالهلاك، وداود بالندامة، وابن زيد بالخلاف للحق، وهذا كله تفسير بالمعنى». ورأى ابنُ القيم (٢/٢٦٠) تقارب الأقوال، فقال بعد سردها: «وكلها أقوال متقاربة»
قال مقاتل بن سليمان: سورة الأنعام مكية كلها، إلا هذه الآيات. نزلت بالمدينة، ونزلت ليلًا، وهي خمس وستون ومائة آية كوفي. والآيات المدنية هي: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [١٥١] وهي الآيات المحكمات، وقوله: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ إلى آخر الآية [٩١]، وقوله: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ﴾ نزلت في مسيلمة، ﴿ومَن قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ نزلت في عهد عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وقوله: ﴿ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ فِي غَمَراتِ المَوْتِ﴾ [٩٣]، وقوله: ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ [١١٤]، ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ [٢٠]، هذه الآيات مدنيات، وسائرها مكي. نزل بها جبريل عليه السلام، ومعه سبعون ألف ملك، طبَّقوا ما بين السماء والأرض، لهم زَجَل بالتسبيح والتمجيد والتحميد، حتى كادت الأرض أن تَرْتَجَّ، فقال النبي ﷺ: «سبحان الله العظيم وبحمده». وخرَّ النبي ساجدًا، فيها خصومة مشركي العرب وأهل الكتاب
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق مَعْمَر، عمَّن سمعه- يقول: مَكَثَ النبيُّ ﷺ بمكة خمس عشرة سنة، منها أربع أو خمس يدعو إلى الإسلام سِرًّا وهو خائف، حتى بعث الله على الرجال الذين أنزل فيهم: ﴿إنا كفيناك المستهزئين﴾، ﴿الذين جعلوا القرآن عضين﴾. والعضين بلسان قريش: السِّحر، فأمر بعدواتهم، فقال: ﴿فاصدع بما تُؤمر وأعرض عن المشركين﴾. ثم أُمِر بالخروج إلى المدينة، فقَدِم في ثمان ليال خَلَوْن مِن شهر ربيع الأول، ثم كانت وقعة بدر، ففيهم أنزل الله: ﴿وإذ يَعدكم الله إحدى الطآئفتين أنها لكم﴾ [الأنفال:٥]. وفيهم نزلت: ﴿سيهزم الجمع﴾ [القمر:٤٥]. وفيهم نزلت: ﴿حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب﴾ [المؤمنون:٦٤]. وفيهم نزلت: ﴿ليقطع طرفًا من الذين كفروا﴾ [آل عمران:١٢٧]. وفيهم نزلت: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ [آل عمران:١٢٨]. أراد اللهُ القومَ، وأراد رسول الله ﷺ العيرَ، وفيهم نزلت: ﴿ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرًا﴾ الآية [إبراهيم:٢٨]. وفيهم نزلت: ﴿ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم﴾ الآية [البقرة:٢٤٣]. وفيهم نزلت: ﴿قد كان لكم آية في فئتين التقتا﴾ [آل عمران:١٣]: في شأن العير، ﴿والركب أسفل منكم﴾ [الأنفال:٤٢]: أخذوا أسفل الوادي، هذا كلُّه في أهل بدر، وكانت قبل بدر بشهرين سَرِيَّة، يوم قتل ابن الحضرمي، ثم كانت أحدٌ، ثم يوم الأحزاب بعد أُحد بسنتين، ثم كانت الحديبية، وهو يوم الشجرة، فصالحهم النبيُّ ﷺ يومئذ على أن يعتمِرَ في عام قابِل في هذا الشهر، ففيها أنزلت: ﴿الشهر الحرام بالشهر الحرام﴾ [البقرة:١٤٩]. فشهر العام الأول بشهر العام الثاني، فكانت: ﴿والحرمات قصاص﴾. ثم كان الفتح بعد العمرة، ففيها نزلت: ﴿حتى إذا فتحنا عليهم بابًا ذا عذاب شديد﴾ الآية [المؤمنون:٧٧]. وذلك أنّ النبيَّ ﷺ غزاهم ولم يكونوا أعدُّوا له أُهْبَةَ القتال، ولقد قُتِل من قريش يومئذ أربعة رهط، من حلفائهم من بني بكر خمسين أو زيادة، وفيهم نزلت لما دخلوا في دين الله: ﴿وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار﴾ [المؤمنون:٧٨]. ثُمَّ خرج إلى حُنَين بعد عشرين ليلة، ثم إلى الطائف، ثم إلى المدينة، ثم أمَّر أبا بكر على الحج، ولما رجع أبو بكر من الحج غزا رسولُ الله ﷺ تبوكًا، ثم حج رسول الله ﷺ العام المقبل، ثم ودَّع الناس، ثم رجع فتُوفي في ليلتين خلتا مِن شهر ربيع
اخْتُلِفَ في ثبوت حكم هذه الآية أو نسخه على ثلاثة أقوال: أولها: أنّها محكمة، وغير جائز للرجل أخذُ شيء مما آتاها إذا أراد طلاقها، إلا أن تكون هي المريدةَ الطلاقَ. وثانيها: أنّها محكمة، وغير جائز للرجل أخذُ شيء مما آتاها منها بحال، سواء أكانت هي المريدةَ الطلاقَ أو هو. وهذا قول بكر بن عبد الله المزني. وثالثها: أنها منسوخةٌ بقوله تعالى: ﴿ولا يَحِلُّ لَكُمْ أن تَأْخُذُوا مِمّا ءاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلاَّ أن يَخافا ألاَّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ﴾ [البقرة:٢٢٩]. وهذا قول ابن زيد. ورَجَّحَ ابنُ جرير (٦/٥٤٧-٥٤٨ بتصرف) القولَ الأولَ لعدم ورود دليل للنسخ يعتمد عليه، مع إمكان الجمعِ بينهما، وقال: «ذلك أنّ الناسخ من الأحكام ما نَفى خلافَه من الأحكام، وليس في قوله: ﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج﴾ نَفْيُ حكمِ قوله: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة:٢٢٩]؛ لأنّ الذي حرَّم اللهُ على الرجل بقوله: ﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارًا فلا تأخذوا منه شيئًا﴾ أخذُ ما آتاها منها إذا كان هو المريدَ طلاقَها، وأمّا الذي أباح له أخذَه منها بقوله: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ﴾ فهو إذا كانت هي المريدةَ طلاقَه وهو له كارِهٌ، وليس في حكم إحدى الآيتين نفيُ حكم الأخرى. وإذ كان ذلك كذلك لم يجُز أن يُحكم لإحداهما بأنها ناسخة وللأخرى بأنها منسوخة إلا بحُجَّةٍ يجبُ التسليم لها». وانتَقَدَ القولَ الثاني لمخالفته ما ثبت في السّنّة، فقال: «وأما ما قاله بكر بن عبد الله المزني مِن أنّه ليس لزوج المختلعة أخذُ ما أعطته على فراقه إياها إذا كانت هي الطالبةَ الفرقةَ وهو الكاره فليس بصواب؛ لصحة الخبَرِ عن رسول الله ﷺ بأنه أمرَ ثابت بن قيس بن شماس بأخذ ما كان ساق إلى زوجته وفراقِها إذ طلبت فراقه، وكان النشوز من قِبَلها». وانتَقَدَ ابنُ عطية (٢/٥٠٥ بتصرف) القولين الثاني والثالث بقوله: «مِن شاذِّ الأقوال في هذه الآية أنّ بكر بن عبد الله المزني قال: لا يجوز أن يؤخذ من المختلعة قليلٌ ولا كثير، وإن كانت هي المريدة للطلاق. ومنها أنّ ابن زيد قال: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله﴾. وليس في شيء من هذه الآيات ناسخٌ ولا منسوخ، وكلها ينبني بعضُها مع بعض»
عن مالك بن أوس بن الحَدَثان، قال: كنتُ في المسجد، فدخل أبو ذر المسجدَ، فصلّى ركعتين عند سارِيَةٍ، فقال له عثمان: كيف أنت؟ قال: بخير، كيف أنت؟ ثم ولّى واستفتح: ﴿ألهاكم التكاثر﴾، وكان رجلًا صلب الصوت، فرفع صوتَه، فارْتَجَّ المسجدُ، ثم أقبل على الناس، فقلتُ: يا أبا ذرٍّ -أو قال له الناس-: حدِّثنا حديثًا سمعتَه من رسول الله ﷺ. فقال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «في الإبل صَدَقَتُها، وفي الغنم صَدَقَتُها، -قال أبو عاصم: وأظنه قال: في البقر صدقتها-، وفي البَزِّ صَدَقَتُه، وفي الذهب والفِضَّة والتِّبْرِ صَدَقَتُه، ومَن جمع مالًا فلم يُنفقه في سبيل الله وفي الغارمين وابن السبيل كان كَيَّةً عليه يوم القيامة». قلتُ: يا أبا ذرٍّ، اتَّقِ اللهَ، وانظر ما تقول، فإنّ الناس قد كَثُرَتْ الأموال في أيديهم. قال: ابنَ أخي، انتَسِبْ لي. فانتَسَبْتُ له، فقال: قد عرفتُ نسبك الأكبر، أفتقرأُ القرآن؟ قلت: نعم. قال: فاقرأ: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة﴾ إلى آخر الآية. قال: فافْقَهْ إذًا
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- قال: وكان هارونُ قد خَطَبَهم، فقال: إنّكم خرجتم من مصر وعندكم ودائعُ لقوم فرعون، وعواري، ولكم فيهم مثلُ ذلك، وإني أرى أن تحبسوا ما لهم عندكم، ولا أُحِلُّ لكم وديعةً اسْتُودِعْتُموها، أو عاريةً؛ فلسنا برادِّي شيئًا من ذلك إليهم، ولا مُمْسِكيه لأنفسنا، فحفر حفيرًا، فأمر كلَّ قوم عندهم شيءٌ من ذلك مِن متاع أو حِلْيَةٍ أن يقذفوه في تلك الحفرة، ثم أوقد عليه النار فحرقه، فقال: لا يكون لنا ولا لهم. وكان السامريُّ رجلًا من قوم يعبدون البقر؛ جيرانٍ لهم، ليس من بني إسرائيل، فاحتمل مع بني إسرائيل حين احتملوا، فقضى له أنّه رأى أثرًا، فأخذ منه قبضة، فمَرَّ بهارون، فقال له هارون: يا سامريُّ، ألا تُلْقِي ما في يدك! وهو قابِضٌ عليه لا يراه أحدٌ طوال ذلك، فقال: هذه قبضة من أثر الرسول الذي جاوز بكم البحر، فلا ألقيها لشيء، إلا أن تدعوا الله إذا ألقيتها أن تكون ما أريد. قال: فألقِها. ودعا له هارونُ، فقال: أريد أن يكون عِجْلًا. فاجتمع ما كان في الحفرة من متاع ونحاس أو حلي أو حديد فصار عجلًا أجوفَ، ليس فيه روحٌ، وله خُوار
وجَّه ابنُ جرير (٣/٧٢) هذا القول بقوله: «كأنّ قائلي هذا القول كان تأويل الآية عندهم: ذلك العذاب الذي قال الله -تعالى ذكره-: فما أصبرهم عليه، معلوم أنه لهم؛ لأنّ الله قد أخبر في مواضع من تنزيله أنّ النار للكافرين، وتنزيله حق، فالخبر عن ذلك عندهم مضمر». وذكر ابنُ عطية (١/٤١٨-٤١٩) في الإشارة بـ﴿ذلك﴾ عدة احتمالات، فقال: «وقوله تعالى: ﴿ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق﴾ الآية، المعنى: ذلك الأمر أو الأمر ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق فكفروا به. والإشارة على هذا إلى وجوب النار لهم، ويُحتمل أن يُقَدَّر: فعلنا ذلك، ويُحتمل أن يُقدَّر: وجب ذلك، ويكون ﴿الكتاب﴾ جملة القرآن على هذه التقديرات: وقيل: إن الإشارة بـ﴿الكتاب﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم﴾ [البقرة:٦]، أي: وجبت لهم النار بما قد نزله الله في الكتاب من الخبر به، والإشارة بذلك على هذا إلى اشترائهم الضلالة بالهدى، أي: ذلك بما سبق لهم في علم الله وورود إخباره به». وكذا ذكر احتمالين في قوله: ﴿بالحق﴾ فقال: «والحق معناه: بالواجب. ويحتمل أن يراد بالأخبار الحق: أي: الصادقة»