جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
يقول تعالى ذكره : واتخذ بنو إسرائيل قوم موسى من بعد ما فارقهم موسى ماضيا إلى ربه لمناجاته ووفاء للوعد الذي كان ربه وعده من حليهم عجلاً، وهو ولد البقرة، فعبدوه. ثم بين تعالى ذكره ما ذلك العجل فقال : جَسَدا لَهُ خُوَارٌ والخوار : صوت البقر. يخبر جلّ ذكره عنهم أنهم ضلوا بما لا يضلّ بمثله أهل العقل، وذلك أن الربّ جلّ جلاله الذي له ملك السموات والأرض ومدبّر ذلك، لا يجوز أن يكون جسدا له خوار، لا يكلم أحدا ولا يرشد إلى خير. وقال هؤلاء الذين قصّ الله قصصهم لذلك هذا إلهنا وإله موسى، فعكفوا عليه يعبدونه جهلاً منهم وذهابا عن الله وضلالاً. وقد بيّنا سبب عبادتهم إياه وكيف كان اتخاذ من اتخذ منهم العجل فيما مضى بما أغنى عن إعادته.
وفي الحُليّ لغتان : ضمّ الحاء وهو الأصل، وكسرها، وكذلك ذلك في كلّ ما شاكله من مثل صليّ وجثيّ وعتيّ. وبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب، لاستفاضة القراءة بهما في القرأة، لا تفارق بين معنييهما.
وقوله : ألَمْ يَرَوْا أنّهُ لا يُكَلّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً يقول : ألم ير الذين عكفوا على العجل الذي اتخذوه من حليهم يعبدونه أن العجل لا يُكَلّمُهُمْ ولا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً يقول : ولا يرشدهم إلى طريق. وليس ذلك من صفة ربهم الذي له العبادة حقا، بل صفته أنه يكلم أنبياءه ورسله، ويرشد خلقه إلى سبيل الخير وينهاهم عن سبيل المهالك والردى. يقول الله جلّ ثناؤه : اتّخَذُوهُ : أي اتخذوا العجل إلها. وكانُوا باتخاذهم إياه ربا معبودا ظالِمِينَ لأنفسهم، لعبادتهم غير من له العبادة، وإضافتهم الألوهة إلى غير الذي له الألوهة. وقد بيّنا معنى الظلم فيما مضى بما أغنى عن إعادته.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: واتخذ بنو إسرائيل قومُ موسى، من بعد ما فارقهم موسى ماضيًا إلى ربه لمناجاته، ووفاءً للوعد الذي كان ربه وعده = "من حليهم عجلا"، وهو ولد البقرة، فعبدوه. (١) ثم بين تعالى ذكره ما ذلك العجل فقال: "جسدًا لا خوار"= و"الخوار": صوت البقر = يخبر جل ذكره عنهم أنهم ضلوا بما لا يضل بمثله أهل العقل. وذلك أن الرب جلّ جلاله الذي له ملك السموات والأرض، ومدبر ذلك، لا يجوز أن يكون جسدًا له خوار، لا يكلم أحدًا ولا يرشد إلى خير. وقال هؤلاء الذين قص الله قصَصهم لذلك: "هذا إلهنا وإله موسى"، فعكفوا عليه يعبدونه، جهلا منهم، وذهابًا عن الله وضلالا.
* * *
وقد بينا سبب عبادتهم إياه، وكيف كان اتخاذ من اتخذ منهم العجل، فيما مضى بما أغنى عن إعادته. (٢)
* * *
وفي "الحلي" لغتان: ضم "الحاء" وهو الأصل = وكسرها، وكذلك ذلك في كل ما شاكله من مثل "صلى" و"جثّي" و"عتّي"، وبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب، لاستفاضة القراءة بهما في القراءة، ولا تفاق معنييهما. (٣)
* * *
(٢) (٢) انظر ما سلف ٢: ٦٣ - ٦٨ / ثم ص: ٧٤ - ٧٨.
(٣) (٣) في المطبوعة: ((لا تفارق بين معنييهما))، غير ما في المخطوطة، فأفسد الكلام ومسخه. والصواب ما في المخطوطة، ولكنى زدت الواو، لأنها حق الكلام.