اختُلِف في معنى الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ على أقوال: الأول: أنّه استثناء استثناه الله في أهل التوحيد؛ أنه يخرجهم من النار إذا شاء بعد أن أدخلهم فيها. الثاني: أنّه استثناء في أهل التوحيد أن يتجاوز عنهم فلا يدخلهم النار. الثالث: أن المقصود بالاستثناء أهل النار وكل مَن دخلها. الرابع: أنّ الله أخبر بمشيئته لأهل الجنة أنها في الزيادة على مقدار مدة السماوات والأرض بقوله تعالى في معنى الاستثناء: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾، ولم يخبر بمشيئته في أهل النار، فجائز أن تكون في الزيادة، وجائز أن تكون في النقصان. ووجَّه ابنُ عطية (٥‏/‏٢٠ بتصرف) القول الأول الذي قاله الضحاك، وقتادة، وخالد بن معدان، وخالد بن مهران، والسدي، ومقاتل، بقوله: «فيجيء قوله: ﴿إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ أي: لقومٍ ما... وعلى هذا فيكون قوله: ﴿فَأَمّا الَّذِينَ شَقُوا﴾ عامًّا في الكفرة والعصاة، ويكون الاستثناء من ﴿خالِدِينَ﴾». ووجَّه ابنُ جرير (١٢‏/‏٥٨١) القول الثاني الذي قاله أبو سعيد الخدري، وأبو مجلز، فقال: «ووجَّهوا الاستثناء أنّه من قوله: ﴿فأما الذين شقوا في النار﴾ - ﴿إلا ما شاء ربك﴾ لا من الخلود». ورجَّح ابنُ جرير (١٢‏/‏٥٨٣) القول الأول، وانتقد الثاني، والثالث الذي قاله ابن عباس من طريق المسيب، وابن مسعود، وأبو هريرة، والشعبي مستندًا إلى القرآن، والسنة، والدلالة العقلية، وقول أهل العلم، فقال: «لأنّ الله عز وجل أوْعَد أهل الشرك به الخلودَ في النار، وتظاهرت بذلك الأخبار عن رسول الله ﷺ، فغير جائزٍ أن يكون استثناءً في أهل الشرك، وأن الأخبار قد تواترت عن رسول الله ﷺ أنّ الله يُدخِل قومًا من أهل الإيمان به بذنوبٍ أصابوها النارَ، ثم يخرجهم منها فيدخلهم الجنة، فغير جائزٍ أن يكون ذلك استثناءً في أهل التوحيد قبل دخولها، مع صحة الأخبار عن رسول الله ﷺ بما ذكرنا، وأنا إن جعلناه استثناءً في ذلك، كنا قد دخلنا في قول من يقول: لا يدخل الجنةَ فاسقٌ، ولا النارَ مؤمنٌ. وذلك خلاف مذاهب أهل العلم، وما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ». وعلى القول الثالث فالاستثناء من طول المدة، وهو ما وجَّهه ابنُ عطية بقوله: «فهم -على هذا- يُخَلَّدون حتى يصير أمرهم إلى هذا... والذي روي ونقل عن ابن مسعود وغيره إنّما هو الدرك الأعلى المختص بعصاة المؤمنين، وهو الذي يسمي جهنم، وسمي الكل به تَجَوُّزًا». ثم انتقده بقوله: «وهذا قول مختل». ونقل (٥‏/‏٢١) قولًا عن الفراء: أنّ ﴿إلا﴾ في هذه الآية بمعنى: سوى، والاستثناء منقطع، ثم وجَّهه بقوله: «فكأنه قال: خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض سوى ما شاء الله زائدًا على ذلك». ثم علَّق بقوله: «ويؤيد هذا التأويل قوله بعد: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾». وزاد ابنُ عطية أقوالًا أخرى في معنى الاستثناء: الأول: أنّ ذلك على طريق الاستثناء الذي ندب الشرع إلى استعماله في كل كلام، وعلَّق عليه بقوله: «فهو على نحو قوله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح:٢٧] استثناء في واجب، وهذا الاستثناء في حكم الشرط، كأنّه قال: إن شاء الله. فليس يحتاج إلى أن يوصف بمتصل ولا بمنقطع». ثم قال: «ويؤيد هذا قوله: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾». الثاني: أنّ المعنى: سوى ما أعده لهم من أنواع العذاب مما لا يعرف كالزمهرير ونحوه. الثالث: أنه استثناء من مدة السماوات والأرض، المدة التي فرطت لهم في الحياة الدنيا. الرابع: أنّه استثناء من مدة البرزخ بين الدنيا والآخرة. الخامس: أنّه استثناء من مُدَّة المسافات التي بينهم في دخول النار، إذ دخولهم إنما هو زُمَرًا بعد زُمَر. وذكر ابنُ كثير (٧‏/‏٤٧٣) ترجيح ابن جرير، ثم علَّق عليه بقوله: «وهذا الذي عليه كثيرٌ من العلماء قديمًا وحديثًا في تفسير هذه الآية الكريمة». ثم قال: «وقد روي في تفسيرها عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، وجابر، وأبي سعيد من الصحابة، وعن أبي مجلز، والشعبي، وغيرهما من التابعين، وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وإسحاق بن راهويه وغيرهما من الأئمة أقوال غريبة»

اختُلف في معنى ﴿ما﴾ على قولين: الأول: أنها بمعنى: أي شيء يُكذِّبك؟ الثاني: أنها بمعنى: مَن الذي يُكذِّبك؟ وفي المخاطب أيضًا بـ﴿يكذبك﴾ قولان: أحدهما: أنّ المخاطب بذلك رسول الله ﷺ. الآخر: أنّ المخاطب بذلك الإنسان الكافر. وذكر ابنُ القيم (٣‏/‏٣٣٩) أنّ مَن قال بأنّ ﴿ما﴾ بمعنى: أي شيء، تعيَّن على قوله أن يكون الخطاب للإنسان، والمعنى: فأي شيء يجعلك بعد هذا البيان مُكذِّبًا بالدين، وقد وضحت لك دلائل الصدق والتصديق؟! ومَن جعلها بمعنى: فمن الذي يُكذِّبك، جعل الخطاب للنبي ﷺ. وبعد أن بيَّن ابنُ عطية (٨‏/‏٦٤٩) أنّ الدين بمعنى الجزاء، ذكر أنه على القول بأنّ المُخاطَب رسول الله ﷺ يحتمل أن يكون «الدين بمعنى: جميع دينه وشرعه». وقد رجّح ابنُ جرير (٢٤‏/‏٥٢٤) أنّ ﴿ما﴾ بمعنى: مَن، وأنّ المُخاطَب رسول الله ﷺ، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول مَن قال: معنى ﴿ما﴾ معنى: مَن. ووجّه تأويل الكلام إلى: فمَن يُكذِّبك -يا محمد- بعد الذي جاءك من هذا البيان من الله بالدين؟! يعني: بطاعة الله، ومجازاته العباد على أعمالهم». ولم يذكر مستندًا. وذكر أنّ بعض أهل العربية تأوَّل أنّ المعنى: «فما الذي يُكذِّبك بأنّ الناس يدانون بأعمالهم؟ وكأنه قال: فمَن يقدر على تكذيبك بالثواب والعقاب بعد ما تبيّن له خَلْقنا الإنسان على ما وصفنا». وكذا رجح ابنُ تيمية (٧‏/‏٧٤- ٧٧) أنّ المُخاطَب رسول الله ﷺ، وأنّ الصواب ما ذكره ابنُ جرير عن بعض أهل العربية (الفراء والأخفش) مِن أنّ المعنى: فمَن يقدر على تكذيبك بالثواب والعقاب بعد ما تبيّن له أنّا خلقنا الإنسان على ما وصفنا. وانتقد أن يكون المُخاطَب: الإنسان الكافر مستندًا إلى النظائر، واللغة، والدلالة العقلية، وعلّل ذلك بـ«أنّ الإنسان في السورة إنما ذُكِرَ مُخبَرًا عنه لم يُخاطَب، والرسول ﷺ هو الذي أُنزِل عليه القرآن، والخطاب في هذه السور له كقوله: ﴿ما ودعك ربك وما قلى﴾ [الضحى:٣]، وقوله: ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ [الشرح:١]... والإنسان إذا خوطب قيل له: ﴿يا أيها الإنسان﴾ [الانفطار:٦، الانشقاق:٦]. وأيضًا فبتقدير أن يكون خطابًا للإنسان يجب أن يكون خطابًا للجنس، كقوله: ﴿يا أيها الإنسان إنك كادح﴾ [الانشقاق:٦]، وعلى قول هؤلاء إنما هو خطاب للكافر، خاصة المُكذِّب بالدين، وأيضًا فإنّ قوله: ﴿فما يكذبك بعد بالدين﴾ إمّا أن يكون معناها: فما يجعلك مُكذِّبًا بالدين، أو يكون معناها: فما يجعلك كاذبًا بالدين، والأول فاسد من جهة العربية، والثاني فاسد مِن جهة المعنى، فإنّ الدين هو الجزاء الذي كَذَّب به الكافر، والكافر كذَّب به لم يُكذَّب هو به. وأيضًا فلا يُعرَف في المُخبِر أن يقول: كذبت به، بل يقال: كذبته، وأيضًا: فالمعروف في كذَّبه أي: نسبه إلى الكذب، لا أنه جعل الكذب فيه، فهذا كلّه تكلُّف لا يُعرَف في اللغة». وقد أجاب ابنُ القيم (٣‏/‏٣٣٨-٣٣٩) عن الإشكال اللغوي الذي أورده ابن تيمية، فذكر أنّ قول القائل: «كذّب بكذا. معناه: كذّب المُخبِر به، ثم حذف المفعول به لظهور العلم به حتى كأنه نسي، وعدَّوا الفعل إلى المُخبِر به، فإذا قيل: مَن يُكذِّبك بكذا؟ فهو بمعنى: كذَّبوك بكذا سواء. أي: نسبوك إلى الكذب في الإخبار به». ثم ذكر إشكالًا على القول بأنّ المُخاطَب الإنسان، وأجاب عنه، فقال: «بل الإشكال في قول مجاهد والجمهور، فإنّ الخطاب إذا كان للإنسان وهو المُكذِّب -أي: فاعل التكذيب- فكيف يقال: له ما يُكذِّبك؟ أي: يجعلك مُكذِّبًا. والمعروف كذبه إذا جعله كاذبًا لا مُكذّبًا، ومثل فسَّقَهُ إذا جعله فاسقًا لا مُفسِّقًا لغيره. وجواب هذا الإشكال: أنّ صدّق وكذّب بالتشديد يراد به معنيان: أحدهما النسبة، وهي إنما تكون للمفعول كما ذكرتم. والثاني: الداعي والحامل على ذلك، وهو يكون للفاعل. قال الكسائي: يقال: ما صدّقك بكذا أو ما كذّبك بكذا، أي: ما حملك على التصديق والتكذيب. قلتُ: وهو نظير ما أجرأك على هذا، أي: ما حملك على الاجتراء عليه، وما قدّمك وما أخّرك، أي: ما دعاك وحملك على التقديم والتأخير، وهذا استعمال سائغ موافق للعربية». ورجّح ابنُ القيم (٣‏/‏٣٣٨-٣٣٩) أنّ الخطاب في الآية للإنسان، فقال: «وقوله سبحانه: ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ أصح القولين أنّ هذا خطاب للإنسان، أي: فما يُكذِّبك بالجزاء والمعاد بعد هذا البيان وهذا البرهان، فتقول: إنك لا تُبعث ولا تُحاسب، ولو تفكّرتَ في مبدأ خَلْقك وصورتك لعلمتَ أنّ الذي خلقك أقدر على أن يعيدك بعد موتك وينشئك خَلْقًا جديدًا، وأنّ ذلك لو أعجزه لأعجزه وأعياه خَلْقك الأول»

سورة الأعراف — الآية ١٣٣

عن سعيد بن جبير -من طريق أبي بكر-: أنّ موسى لَمّا عالج فرعون بالآيات الأربع: العصا، واليد، ونقص من الثمرات، والسنين، قال: يا ربِّ، إنّ عبدك هذا قد علا في الأرض، وعتا في الأرض، وبغى عَلَيَّ، وعلا عليك، وعادَّني بقومه؛ ربِّ، خُذْ عبدك بعقوبة تجعلها له ولقومه نقمة، وتجعلها لقومي عِظَةً، ولمنبعدي آيةً في الأمم الباقية. فبعث الله عليهم الطوفان -وهو الماء- وبيوت بني إسرائيل وبيوت القبط مشتبكة مختلطة بعضها في بعض، فامتلأت بيوتُ القِبْطِ ماءً، حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم، من حبس منهم غرق، ولم يدخل في بيوت بني إسرائيل قطرةٌ، فجَعَلَتِ القِبْطُ تُنادي: موسى، ادع لنا ربك بما عهد عندك، لَئِن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك، ولنرسلن معك بني إسرائيل. قال: فواثقوا موسى ميثاقًا أخَذَ عليهم به عهودَهم، وكان الماءُ أخذهم يوم السبت، فأقام عليهم سبعة أيام إلى السبت الآخر، فدعا موسى ربَّه، فرفع عنهم الماء، فأَعْشَبَتْ بلادُهم من ذلك الماء، فأقاموا شهرًا في عافية، ثم جحدوا، وقالوا: ما كان هذا الماءُ إلا نعمة علينا، وخِصْبًا لبلادنا، ما نُحِبُّ أنه لم يكن، قال: وقد قال قائل لابن عباس: إني سألت ابن عمر عن الطوفان، فقال: ما أدري موتًا كان أو ماء؟ ، فقال ابن عباس: أما يقرأ ابن عمر سورة العنكبوت، حين ذكر الله قوم نوح، فقال: ﴿فأخذهم الطوفان وهم ظالمون﴾ [العنكبوت: ١٤]؟! أرأيتَ لو ماتوا؛ إلى مَن جاء موسى - عليه السلام - بالآيات الأربع بعد الطوفان؟!. قال [سعيد بن جبير]: فقال موسى: يا ربِّ، إنّ عبادك قد نقضوا عهدي، وأخلفوا وعدي؛ ربِّ، خذهم بعقوبة تجعلها لهم نقمة، ولقومي عِظَةً، ولمن بعدهم آية في الأمم الباقية. قال: فبعث الله عليهم الجرادَ، فلم يدع لهم ورقة ولا شجرة ولا زهرة ولا ثمرة إلا أكلها، حتى لم يُبْقِ جَنًى، حتى إذا أفنى الخَضِر كلها أكَل الخشب، حتى أكل الأبواب، وسقوف البيوت، وابتُلِي الجراد بالجوع، فجعل لا يشبع، غير أنّه لا يدخل بيوت بني إسرائيل، فعَجُّوا وصاحوا إلى موسى، فقالوا: يا موسى، هذه المرَّةَ ادع لنا ربك بما عهد عندك، لَئِن كشفت عنّا الرجز لَنُؤْمِنَنَّ لك، ولَنُرْسِلَنَّ معك بني إسرائيل. فأعطوه عهد الله وميثاقه، فدعا لهم ربه، فكشف الله عنهم الجراد بعد ما أقام عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت، ثم أقاموا شهرا في عافية، ثم عادوا لتكذيبهم ولإنكارهم، ولأعمالهم أعمال السوء، قال: فقال موسى: يا ربِّ، عبادك قد نقضوا عهدي، وأخلفوا موعدي؛ فخذهم بعقوبة تجعلها لهم نقمة، ولقومي عظة، ولمن بعدي آية في الأمم الباقية. فأرسل الله عليهم القُمَّل، قال أبو بكر: سمعت سعيد بن جبير، والحسن يقولان: كان إلى جنبهم كثيبٌ أعفرُ بقرية من قرى مصر، تُدْعى:عين شمس، فمشى موسى إلى ذلك الكثيب، فضربه بعصاه ضربةً صار قملًا تدب إليهم -وهي دواب سود صغار-، فدب إليهم القمل، فأخذ أشعارهم وأبشارهم وأشفار عيونهم وحواجبهم، ولزم جلودهم، كأنه الجُدَرِيُّ عليهم، فصرخوا وصاحوا إلى موسى: إنّا نتوب، ولا نعود، فادع لنا ربك. فدعا ربَّه فرفع عنهم القمل بعد ما أقام عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت، فأقاموا شهرًا في عافية، ثم عادوا، وقالوا: ما كُنّا قطُّ أحقَّ أن نستيقن أنّه ساحرٌ مِنّا اليوم، جعل الرَّمْلَ دوابَّ، وعِزَّةِ فرعونَ، لا نصدقه أبدًا، ولا نتبعه. فعادوا لتكذيبهم وإنكارهم، فدعا موسى عليهم، فقال: يا ربِّ، إنّ عبادك نقضوا عهدي، وأخلفوا وعدي؛ فخذهم بعقوبة تجعلها لهم نقمة، ولقومي عظة، ولمن بعدي آية في الأمم الباقية. فأرسل الله عليهم الضفادع، فكان أحدهم يضطجع، فتركبه الضفادع، فتكون عليه رُكامًا، حتى ما يستطيع أن ينصرف إلى الشق الآخر، ويفتح فاه لِأَكْلَتِه فيسبق الضفدعُ أكْلَتَه إلى فيه، ولا يعجن عجينًا إلا تسدَّحت فيه، ولا يطبخ قدرًا إلا امتلأت ضفادع، فعُذِّبوا بها أشد العذاب، فبكوا إلى موسى - عليه السلام -، وقالوا: هذه المرة نتوب، ولا نعود. فأخذ عهدهم وميثاقهم، ثم دعا ربه، فكشف الله عنهم الضفادع بعد ما أقام عليهم سبعًا من السبت إلى السبت، فأقاموا شهرًا في عافية، ثم عادوا لتكذيبهم وإنكارهم، وقالوا: قد تبين لكم سحره، ويجعل التراب دواب، ويجيء بالضفادع في غير ماء. فآذوا موسى - عليه السلام -، فقال موسى: يا ربِّ، إنّ عبادك نقضوا عهدي، وأخلفوا وعدي؛ فخذهم بعقوبة تجعلها لهم عقوبة، ولقومي عظة، ولمن بعدي آية في الأمم الباقية. فابتلاهم الله بالدم، فأفسد عليهم معايشهم، فكان الإسرائيليُّ والقبطيُّ يأتيان النيل فيستقيان، فيخرج للإسرائيلي ماءً، ويخرج للقبطي دمًا، ويقومان إلى الحُبِّ فيه الماء؛ فيخرج للإسرائيلي في إنائه ماء، وللقبطي دمًا

سورة الإسراء — الآية ١

عن أنس بن مالك، أنّ مالك بن صَعْصَعَة حدَّثه: أن رسول الله حدَّثهم عن ليلة أُسري به، قال: «بينما أنا في الحَطِيمِ -وربما قال قتادة: في الحِجر- مضطجعًا إذ أتاني آتٍ، فجعل يقول لصاحبه: الأوسط بين الثلاثة. فأتاني، فشقَّ ما بين هذه إلى هذه -يعني: مِن ثُغرة نحره إلى شِعرَتِه-، فاستخرج قلبي، فأُوتيت بطَست مِن ذهب مملوءةً إيمانًا وحكمة، فغُسل قلبي بماء زمزم، ثم حُشِي، ثم أُعيد مكانه. ثم أُوتيتُ بدابةٍ أبيض، دون البغل وفوق الحمار، يُقال له: البُراق، يقع خطوه عند أقصى طرفه، فحملتُ عليه، فانطلق بي جبريل حتى أتى بي السماء الدنيا، فاستفتح، فقيل: مَن هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومَن معك؟ قال: محمد. قيل: أوَقَد أُرسِل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبًا به، ولَنِعْم المجيء جاء. ففُتِح لنا، فلمّا خلَصت إذا فيها آدم، فقلت: يا جبريل، مَن هذا؟ قال: هذا أبوك آدم، فسلِّم عليه. فسلَّمت عليه، فردَّ عليَّ السلام، ثم قال: مرحبًا بالابن الصالح والنبيِّ الصالح. ثم صعد حتى أتى إلى السماء الثانية، فاستفتَح، فقيل: مَن هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومَن معك؟ قال: محمد. قيل: أوَقَد أُرسِل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبًا به، ولَنعم المجيء جاء. ففُتِح لنا، فلما خلَصت إذا يحيى وعيسى وهما ابنا الخالة، فقلت: يا جبريل، مَن هذان؟ قال: هذان يحيى وعيسى، فسلِّم عليهما. فسلَّمت عليهما، فردّا السلام، ثم قالا: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صَعِد حتى أتى السماء الثالثة، فاستفتَح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أُرسِل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبًا به، ولَنعم المجيء جاء. ففُتِح لنا، فلما خلَصت إذا يوسف، فسلَّمت عليه، فردَّ السلام، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صَعِد حتى أتى إلى السماء الرابعة، فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أو قد أُرسِل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبًا به، ولنعم المجيء جاء. ففُتِح لنا، فلما خلَصت إذا إدريس، فسلَّمت عليه، فردَّ السلام، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صَعِد حتى أتى السماء الخامسة، فاستفتَح، فقيل: مَن هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أوَقَد أُرسِل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبًا به، ولنعم المجيء جاء. فلما خلَصت إذا هارون، فسلَّمت عليه، فردَّ السلام، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صَعِد حتى أتى السماء السادسة، فاستفتَح، فقيل: مَن هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أوَقَد أُرسِل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبًا به، ولنعم المجيء جاء. ففُتِح لنا، فلما خلَصت إذا أنا بموسى، فسلَّمت عليه، فردَّ السلام، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح. فلمّا تجاوزت بكى، قيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأنّ غلامًا بُعِِث بعدي يدخُلُ الجنة مِن أمته أكثرُ مما يدخُلُها من أمتي. ثم صَعِد حتى أتى السماء السابعة، فاستفتَح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أوَقَد أُرسِل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبًا به، ولنعم المجيء جاء. ففُتِح لنا، فلما خلَصت إذا إبراهيم، قلت: من هذا، يا جبريل؟ قال: هذا أبوك إبراهيم، فسلِّم عليه. فسلَّمت عليه، فردَّ السلام، ثم قال: مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح. ثم رُفِعْتُ إلى سدرة المنتهى، فإذا نَبقُها مثلُ قِلالِ هَجَر، وإذا ورقُها مثل آذان الفيلة، وإذا أربعة أنهار يخرُجن من أصلها؛ نهران باطنان، ونهران ظاهران، فقلت: يا جبريل، ما هذه الأنهار؟ فقال: أمّا الباطنان؛ فنهران في الجنة، وأَمّا الظاهران؛ فالنيل والفرات. ثم رُفِع لي البيت المعمور، قلت: يا جبريل، ما هذا؟ قال: هذا البيت المعمور، يدخُلُه كل يوم سبعون ألف مَلَك، إذا خرجوا منه لم يعودوا فيه آخر ما عليهم. ثم أُتيتُ بإناءين؛ أحدُهما خمر، والآخر لبن، فعُرِضا عليَّ، فقيل: خُذ أيَّهما شئت. فأخَذتُ اللبن، فقيل لي: أصَبْتَ الفِطرة، أنت عليها وأمتك. ثم فُرِضت عليَّ الصلاة؛ خمسون صلاة كل يوم، فنزلت حتى انتهيت إلى موسى، فقال: ما فرض ربُّك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة كل يوم. قال: إنّ أُمَّتك لا تستطيع ذلك، وإني قد خبَرتُ الناس قبلك، وعالجتُ بني إسرائيل أشدَّ المعالجة، فارجِع إلى ربِّك فاسأله التخفيف لأمَّتِك. فرجَعت إلى ربي، فحَطَّ عني خمسًا، فأقبلت حتى أتيت على موسى، فأنبأته بما حطَّ عني، فقال: ارجِع إلى ربك، فاسأله التخفيف لأمتك؛ فإن أمتك لا يطيقون ذلك. قال: فما زلت بين موسى وبين ربي يحُطُّ عني خمسًا خمسًا، حتى أقبَلتُ بخمس صلوات، فأتيت على موسى، فقال: بم أُمِرت؟ قلت: بخمس صلوات كل يوم. قال: إنّ أمتك لا يطيقون ذلك، إني بلَوت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشدَّ المعالجة، ارجِع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك. فقلت: لقد رجَعت إلى ربي حتى لقد استحيت، ولكني أرضى وأُسلِّم. فنوديت: أن يا محمد، إني قد أمضَيت فريضتي، وخفَّفتُ عن عبادي، الحسنة بعشر أمثالها»

سورة الإسراء — الآية ٥

عن أبي هاشم العَبديِّ، عن عبد الله بن عباس، قال: مَلَك ما بين المشرق والمغرب أربعة، مؤمنان وكافران؛ أما الكافران، فالفَرُّخان، وبُختُنَصَّرَ. فأنشأ أبو هاشم يحدِّث قال: وكان رجلًا مِن أهل الشام صالحًا، فقرأ هذه الآية: ﴿وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب﴾ إلى قوله: ﴿عُلُوًّا كبيرًا﴾. قال: يا ربِّ، أما الأُولى فقد فاتتني، فأرِني الآخرة. فأُتِى وهو قاعدٌ في مُصَلّاه قد خَفَق برأسه، فقيل: الذي سألت عنه ببابل، واسمه: بُختُنَصَّرَ. فعرَف الرجلُ أنه قد استُجِيب له، فاحتَمَل جِرابًا مِن دنانير، فأقبل حتى انتهى إلى بابل، فدخل على الفَرُّخان، فقال: إني قد جئت بمال، فأَقسِمُه بين المساكين؟ فأمر به، فأُنزل، فجمَعوهم له، فجعل يُعطِيهم، ويسأله عن أسمائهم، حتى إذا فرغ ممن بحضرته قيل له: فإنّه قد بَقِيَت منهم بقايا في الرَّساتيق. فجعل يبعث فتاه، حتى إذا كان الليل رجع إليه، فأقرأه رجلًا رجلًا، فأتى على ذِكْرِ بُختنَصَّرَ، فقال: قِف، قف، كيف قلت؟ قال: بُختُنَصَّرَ، قال: وما بُختُنَصَّرَ هذا؟ قال: هو أشَدُّهم فاقة، وهو مُقعَدٌ يأتي عليه السُّفّارُون، فيُلقِي أحدُهم إليه الكِسرة، ويأخُذُ بأَنَفَةٍ. قال: فإني مُلِمٌّ به لا بُدَّ. قال الآخر: فإنما هو في خيمة له يُحدِثُ فيها، حتى أذهب فأَقلِبَها وأغسِلَه. قال: دونك هذه الدنانير. فأقبل إليه بالدنانير، فأعطاه إيّاها، ثم رجع إلى صاحبه، فجاء معه، فدخل الخيمة، فقال: ما اسمك؟ قال: بُختَنَصَّرَ. قال: من سَمّاك بُختَنَصَّرَ؟ قال: من عسى أن يُسَمِّيَني إلا أمي؟! قال: فهل لك أحد؟ قال: لا، والله، إني لهاهنا أخاف بالليل أن تأكلني الذئاب. قال: فأي الناس أحسن بلاء؟ قال: أنت. قال: أفرأيت إن مُلِّكتَ يومًا مِن دهر، أتجعل لي ألّا تعصيني؟ قال: أي سيدي، لا يضُرُّك ألّا تهزأ بي. قال: أرأيت إن مُلِّكت مرة أتجعل لي ألّا تعصيني؟ قال: أمّا هذه فلا أجعلُها لك، ولكن سوف أُكرِمُك كرامةً لا أُكرِمُها أحدًا. قال: دونك هذه الدنانير. ثم انطلق، فلحِق بأرضه، فقام الآخر، فاستوى على رجليه، ثم انطلق، فاشترى حمارًا وأرسانًا، ثم جعل يستعرض تلك الأُجُمَ، فيَجُزُّها، فَيبِيعُه، ثم قال: إلى متى هذا الشَّقاء؟! فعمَد، فباع ذلك الحمار، وتلك الأرْسان، واكتسى كسوة، ثم أتى باب الملك، فجعل يُشير عليهم بالرأي، وترتفع منزلته، حتى انتهى إلى بواب الفَرُّخان الذي يليه، فقال له الفَرُّخان: قد ذُكِر لي رجلٌ عندك، فما هو؟ قال: ما رأيت مثله قط. قال: ائْتِني به. فكَلَّمه، فأُعجِب به، قال: إنّ بيت المقدس تلك البلاد قد اسْتَعْصَوا علينا، وإنّا باعثون إليهم بعثًا، وإنِّي باعِثٌ إلى البلاد مَن يختبرُها. فنظر حينئذ إلى رجال مِن أهل الإرب والمكيدة، فبعثهم جواسيس، فلما فَصَلوا إذا بُختُنَصَّرَ قد أتى بخُرجَيه على بغلة، قال: أين تريد؟ قال: معهم. قال: أفلا آذَنتَني فأبعثَك عليهم؟ قال: لا. حتى إذا وقَفوا بالأرض قال: تفرَّقوا. وسأل بُختُنَصَّرَ عن أفضل أهل البلد، فدُلَّ عليه، فألقى خُرْجَيْه في داره، وقال لصاحب المنزل: ألا تُخبِرُني عن أهل بلادك. قال: على الخبير سقطتَ، هم قومٌ فيهم كتاب فلا يُقيمونه، وأنبياء فلا يطيعونهم، وهم مُتَفَرِّقون. قال بُختُنَصَّرَ كالمتعجب منهم: كتاب لا يقيمونه، وأنبياء لا يطيعونهم، وهم متفرقون! فكتبهنَّ في ورقة، وألقاها في خُرجَيه، وقال: ارتحلوا. فأقبلوا حتى قدِموا على الفَرُّخان، فجعل يسأل كلَّ رجل منهم، فجعل الرجل يقول: أتينا بلاد كذا، ولها حصن كذا، ولها نهر كذا. قال: يا بُختَنَصَّرَ، ما تقول؟ قال: قَدِمنا أرضًا على قومٍ لهم كتابٌ لا يُقِيمونه، وأنبياء لا يطيعونهم، وهم متفرقون. فأمِن حينئذ، فندَب الناس، وبعث إليهم سبعين ألفًا، وأَمَّر عليهم بُختُنَصَّرَ، فساروا حتى إذا علَوا في الأرض أدركهم البريدُ أن الفَرُّخان قد مات، ولم يستخلف أحدًا. قال للناس: مكانكم. ثم أقبل على البريد حين قدِمَ على الناس، فقال: وكيف صنعتم؟ قالوا: كرهنا أن نقطع أمرًا دونك. قال: إن الناس قد بايعوني. فبايعوه، ثم استخلف عليهم، وكتب بينهم كتابًا، ثم انطلق بهم سريعًا حتى قدِم على أصحابه، فأراهم الكتاب، فبايعوه، وقالوا: ما بنا عنك رغبة. فساروا، فلمّا سمِع أهل بيت المقدس تفرقوا وطاروا تحت كل كوكب، فشعَّث ما هناك -أي: أفسد-، وقتل من قتل، وخرَّب بيت المقدس، واسْتَبى أبناء الأنبياء، فيهم دانيال، فسمع به صاحب الدنانير، فأتاه، فقال: هل تعرفني؟ قال: نعم. فأدنى مجلسَه، ولم يُشَفِّعه في شيء حتى إذا نزل بابل لا تُرَدُّ له راية، فكان كذلك ما شاء الله، ثم إنّه رأى رؤيا أفظعته، فأصبح قد نسيها، قال: عليَّ بالسحرة والكهنة. قال: أخبروني عن رؤيا رأيتها الليلة، واللهِ، لَتُخبِرُنِّي بها أو لأقتُلَنَّكم. قالوا: ما هي؟ قال: قد نسيتها. قالوا: ما عندنا من هذا علم، إلا أن ترسل إلى أبناء الأنبياء. فأرسل إلى أبناء الأنبياء، قال: أخبروني عن رؤيا رأيتها. قالوا: ما هي؟ قال: نسيتها. قالوا: غيب، ولا يعلم الغيب إلا الله. قال: واللهِ، لَتُخْبِرُنِّي بها أو لأَضرِبَنَّ أعناقَكم. قالوا: فدَعنا حتى نتوضَّأ ونُصلِّيَ وندعو الله. قال: فافعلوا. فانطلقوا، فأحسنوا الوضوء، فأتوا صعيدًا طيبًا، فدعوا الله، فأُخبِروا بها، ثم رجعوا إليه، فقالوا: رأيتَ كأن رأسك من ذهب، وصدرك من فخّار، وبطنك من نُحاس، ورجليك من حديد. قال: نعم. قال: فأخبروني بعبارتِها، أو لأقتُلَنَّكم. قالوا: فدعنا ندعو ربنا. قال: اذهبوا. فدعوا ربهم، فاستجاب لهم، فرجعوا إليه، قالوا: رأيتَ كأن رأسك من ذهب، مُلكُك هذا يذهب عند رأس الحول مِن هذه الليلة. قال: ثم مَه؟ قالوا: ثم يكون بعدك مَلِكٌ يفخَرُ على الناس، ثم يكون مَلِكٌ يخشى الناسُ شدَّتَه، ثم يكون مُلكٌ لا يُقلُّه شيء، إنما هو مثل الحديد. يعني: الإسلام. فأمر بحصن، فبُني له بينه وبين السماء، ثم جعل يُنَطِّقُه بمقاعد الرجال والأحراس، وقال لهم: إنّما هي هذه الليلة، لا يجوزنَّ عليكم أحد، وإن قال: أنا بُختُنَصَّر. إلّا قتلتموه مكانه مَن كان مِن الناس. فقعد كل أُناس في مكانهم الذي وكِّلوا به، واهتاج بطنُه من الليل، فكره أن يُرى مَقعَده هناك، وضرب على أصمِخة القوم، فاستثقلوا نومًا، فأتى عليهم وهم نيام، ثم أتى عليهم فاستيقظ بعضهم، فقال: من هذا؟ قال: بُختُنَصَّر. قال: هذا الذي حُفي إلينا فيه الليلة. فضربه، فقتله، فأصبح الخبيثُ قتيلًا

سورة الكهف — الآية ١٠

عن مجاهد بن جبر -من طريق عبد الله بن أبي نجيح- قال: لقد حُدِّثْتُ: أنه كان على بعضهم من حداثة أسنانه وضح الورق. قال ابن عباس: فكانوا كذلك في عبادة الله ليلهم ونهارهم، يبكون إلى الله، ويستغيثونه، وكانوا ثمانية نفر: مَكْسَلْمِينا، وكان أكبرهم، وهو الذي كلم الملك عنهم، ومحسيميلنينا، ويَمليخا، ومَرْطُوس، وكشطونس، وبَيرونس، ودَينموس، وبطونس، وقالوس، فلما أجمع دَقيانوس أن يجمع أهل القرية لعبادة الأصنام والذبح للطواغيت بكوا إلى الله، وتضرعوا إليه، وجعلوا يقولون: اللهم رب السماوات والأرض، لن ندعو من دونك إلهًا، ﴿لقد قلنا إذا شططا﴾، اكشف عن عبادك المؤمنين هذه الفتنة، وادفع عنهم البلاء، وأنعِم على عبادك الذين آمنوا بك، ومُنِعوا عبادتك إلا سِرًّا، مستخفين بذلك، حتى يعبدوك علانية. فبينما هم على ذلك عرفهم عُرفاؤهم من الكفار مِمَّن كان يجمع أهل المدينة لعبادة الأصنام والذبح للطواغيت، وذكروا أمرهم، وكانوا قد خلوا في مصلًّى لهم يعبدون الله فيه، ويتضرعون إليه، ويتوقعون أن يُذكروا لدَقْيَنوس، فانطلق أولئك الكفرة حتى دخلوا عليهم مصلاهم، فوجدوهم سجودًا على وجوههم يتضرعون، ويبكون، ويرغبون إلى الله أن ينجيهم من دقينوس وفتنته، فلما رآهم أولئك الكفرة مِن عرفائهم قالوا لهم: ما خَلَّفكم عن أمر الملك؟ انطلقوا إليه. ثم خرجوا من عندهم، فرفعوا أمرهم إلى دقينوس، وقالوا: تَجَمَّع الناسُ للذبح لآلهتك، وهؤلاء فتية من أهل بيتك يسخرون منك، ويستهزئون بك، ويعصون أمرك، ويتركون آلهتك، يعمدون إلى مُصَلًّى لهم ولأصحاب عيسى ابن مريم يصلون فيه، ويتضرعون إلى إلههم وإله عيسى وأصحاب عيسى، فلِمَ تتركهم يصنعون هذا وهم بين ظهراني سلطانك وملكك؟ وهم ثمانية نفر، رأسهم مكسلمينا، وهم أبناء عظماء المدينة. فلما قالوا ذلك لدقيانوس بعث إليهم، فأُتي بهم من المصلى الذي كانوا فيه تفيض أعينهم من الدمع، مُعَفَّرةً وجوههم في التراب، فقال لهم: ما منعكم أن تشهدوا الذبح لآلهتنا التي تعبد في الأرض، وأن تجعلوا أنفسكم أسوة لسَراة أهل مدينتكم، ولمن حضرها من الناس؟ اختاروا مني: إما أن تذبحوا لآلهتنا كما ذبح الناس، وإما أن أقتلكم. فقال مكسلمينا: إنّ لنا إلهًا نعبده ملأ السماوات والأرض عظمته، لن ندعو من دونه إلهًا أبدًا، ولن نُقِرَّ بهذا الذي تدعونا إليه أبدًا، ولكنّا نعبد الله ربنا، له الحمد والتكبير والتسبيح من أنفسنا خالصًا أبدًا، إياه نعبد، وإياه نسأل النجاة والخير، فأمّا الطواغيت وعبادتها فلن نُقِرَّ بها أبدًا، ولسنا بكّائنين عُبّادًا للشياطين، ولا جاعلي أنفسنا وأجسادنا عُبّادًا لها بعد إذ هدانا الله له؛ رهبتَك، أو فَرَقًا من عُبُودتك، اصنع بنا ما بدا لك. ثم قال أصحاب مكسلمينا لدقيانوس مثل ما قال. قال: فلما قالوا ذلك له أمر بهم، فنُزِع عنهم لبوسٌ كان عليهم من لبوس عظمائهم، ثم قال: أما إذ فعلتم ما فعلتم فإني سأؤخركم أن تكونوا من أهل مملكتي وبطانتي وأهل بلاطي، وسأفرُغ لكم، فأنجز لكم ما وعدتكم من العقوبة، وما يمنعني أن أعجِّل ذلك لكم إلا أني أراكم فتيانًا حديثة أسنانُكم، ولا أحبُّ أن أهلككم حتى أستأني بكم، وأنا جاعل لكم أجلًا تَذكرون فيه، وتراجعون عقولكم. ثم أمر بحلية كانت عليهم من ذهب وفضة، فنزعت عنهم، ثم أمر بهم، فأُخْرِجوا من عنده، وانطلق دقيانوس مكانه إلى مدينة سوى مدينتهم التي هم بها قريبًا منها لبعض ما يريد من أمره، فلما رأى الفتية دقيانوس قد خرج من مدينتهم بادروا قدومه، وخافوا إذا قدم مدينتهم أن يُذَكَّرَ بهم، فأتمروا بينهم أن يأخذ كلُّ رجل منهم نفقة من بيت أبيه، فيتصدَّقوا منها، ويتزوَّدوا بما بقي، ثم ينطلقوا إلى كهف قريب من المدينة في جبل يُقال له: بنجلوس، فيمكثوا فيه، ويعبدوا الله، حتى إذا رجع دقيانوس أتوه فقاموا بين يديه، فيصنع بهم ما شاء، فلما قال ذلك بعضهم لبعض عمد كلُّ فتًى منهم فأخذ من بيت أبيه نفقة، فتصدّقوا منها، وانطلقوا بما بقي معهم من نفقتهم، واتبعهم كلْب لهم، حتى أتوا ذلك الكهف الذي في ذلك الجبل، فلبثوا فيه، ليس لهم عمل إلا الصلاة والصيام والتسبيح والتكبير والتحميد ابتغاء وجه الله تعالى والحياة التي لا تنقطع، وجعلوا نفقتهم إلى فتًى منهم يقال له: يمليخا، فكان على طعامهم، يبتاع لهم أرزاقهم من المدينة سِرًّا من أهلها، وذلك أنه كان من أجملهم وأجلدهم، فكان يمليخا يصنع ذلك، فإذا دخل المدينة يضع ثيابًا كانت عليه حسانًا، ويأخذ ثيابًا كثياب المساكين الذين يستطعمون فيها، ثم يأخذ ورقه، فينطلق إلى المدينة، فيشتري لهم طعامًا وشرابًا، ويتسمع ويتجسس لهم الخبر؛ هل ذُكر هو وأصحابه بشيء في بلاط المدينة، ثم يرجع إلى أصحابه بطعامهم وشرابهم، ويخبرهم بما سمع من أخبار الناس، فلبثوا بذلك ما لبثوا، ثم قدم دقيانوس الجبار المدينة التي منها خرج إلى مدينته، وهي مدينة أُفسوس، فأمر عظماء أهلها، فذبحوا للطواغيت، ففزع من ذلك أهل الإيمان، فتخبئوا في كل مخبأ، وكان يمليخا بالمدينة يشتري لأصحابه طعامهم وشرابهم ببعض نفقتهم، فرجع إلى أصحابه وهو يبكي، ومعه طعام قليل، فأخبرهم أن الجبار دقيانوس قد دخل المدينة، وأنهم قد ذُكروا وافْتُقِدوا والتُمسوا مع عظماء أهل المدينة ليذبحوا للطواغيت، فلما أخبرهم بذلك فزعوا فزعًا شديدًا، ووقعوا سجودًا على وجوههم يدعون الله، ويتضرعون إليه، ويَتَعَوَّذون به من الفتنة، ثم إن يمليخا قال لهم: يا إخوتاه، ارفعوا رؤوسكم، فاطعموا من هذا الطعام الذي جئتكم به، وتوكلوا على ربكم. فرفعوا رؤوسهم وأعينهم تفيض من الدمع حذرًا وتَخَوُّفًا على أنفسهم، فطعموا منه، وذلك مع غروب الشمس، ثم جلسوا يتحدثون ويتدارسون، ويُذَكِّر بعضهم بعضًا على حزن منهم، مشفقين مما أتاهم به صاحبهم من الخبر، فبينا هم على ذلك إذ ضرب الله على آذانهم في الكهف، وكلبهم باسط ذراعيه بباب الكهف، فأصابهم ما أصابهم وهم مؤمنون موقنون مصدقون بالوعد، ونفقتهم موضوعة عندهم، فلما كان الغد فقدهم دقيانوس، فالتمسهم، فلم يجدهم، فقال لعظماء أهل المدينة: لقد ساءني شأنُ هؤلاء الفتية الذين ذهبوا، لقد كانوا يظنون أن بي غضبًا عليهم فيما صنعوا في أول شأنهم لجهلهم ما جهلوا من أمري، ما كنت لأحمل عليهم في نفسي، ولا أُؤاخذ أحدًا منهم بشيء إن هم تابوا وعبدوا آلهتي، ولو فعلوا لتركتهم، وما عاقبتهم بشيء سلف منهم. فقال له عظماء أهل المدينة: ما أنت بحقيق أن ترحم قومًا فَجَرَة مَرَدَة عصاة، مقيمين على ظلمهم ومعصيتهم، وقد كنت أجَّلْتَهم أجلًا، وأخَّرْتَهم عن العقوبة التي أصبت بها غيرهم، ولو شاءوا لرجعوا في ذلك الأجل، ولكنهم لم يتوبوا ولم ينزعوا ولم يندموا على ما فعلوا، وكانوا منذ انطلقت يُبَذِّرون أموالهم بالمدينة، فلما علموا بقدومك فرُّوا فلم يُرَوْا بعد، فإن أحببت أن تُؤتى بهم فأرسِل إلى آبائهم فامتحِنهم، واشدد عليهم يَدُلُّوك عليهم؛ فإنهم مختبئون منك. فلما قالوا ذلك لدقيانوس الجبار غضب غضبًا شديدًا، ثم أرسل إلى آبائهم، فأتى بهم، فسألهم عنهم، وقال: أخبِروني عن أبنائكم المَرَدة الذين عصوا أمري، وتركوا آلهتي، ائتوني بهم، وأنبئوني بمكانهم. فقال له آباؤهم: أما نحن فلم نعصِ أمرك، ولم نخالفك، قد عبدنا آلهتك، وذبحنا لهم، فلِمَ تقتلنا في قوم مردة قد ذهبوا بأموالنا فبَذَّروها وأهلكوها في أسواق المدينة، ثم انطلقوا، فارتقوا في جبل يدعى: بنجلوس، وبينه وبين المدينة أرض بعيدة هربًا منك؟! فلما قالوا ذلك خلّى سبيلهم، وجعل يأتمر ماذا يصنع بالفتية، فألقى الله عز وجل في نفسه أن يأمر بالكهف فيُسَدَّ عليهم كرامة مِن الله، أراد أن يكرمهم، ويكرم أجساد الفتية، فلا يجول ولا يطوف بها شيء، وأراد أن يحييهم ويجعلهم آيةً لأمة تستخلف من بعدهم، وأن يبين لهم أن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور. فأمر دقينوس بالكهف أن يُسَدَّ عليهم، وقال: دعوا هؤلاء الفتية المردة الذين تركوا آلهتي فليموتوا كما هم في الكهف عطشًا وجوعًا، وليكن كهفهم الذي اختاروا لأنفسهم قبرًا لهم، ففعل بهم ذلك عدوُّ الله، وهو يظن أنهم أيقاظ يعلمون ما يصنع بهم، وقد توفى الله أرواحهم وفاة النوم، وكلبهم باسط ذراعيه بباب الكهف، قد غشّاه الله ما غشاهم، يُقلَّبون ذات اليمين وذات الشمال. ثم إن رجلين مؤمنين كانا في بيت الملك دقيانوس يكتمان إيمانهما؛ اسم أحدهما: يندروس، واسم الآخر: روناس، فأتمرا أن يكتبا شأن الفتية أصحاب الكهف؛ أنسابهم، وأسماءهم، وأسماء آبائهم، وقصة خبرهم في لوحين من رصاص، ثم يصنعا لهما تابوتا من نحاس، ثم يجعلا اللوحين فيه، ثم يكتبا عليه في فم الكهف بين ظهراني البنيان، ويختما على التابوت بخاتمهما، وقالا: لعل الله أن يُظهر على هؤلاء الفتية قومًا مؤمنين قبل يوم القيامة، فيعلم مَن فتح عليهم حين يقرأ هذا الكتاب خبرَهم. ففعلا، ثم بنيا عليه في البنيان، فبقي دقيانوس وقرنُه الذين كانوا منهم ما شاء الله أن يبقوا، ثم هلك دقيانوس والقرن الذي كانوا معه وقرون بعده كثيرة، وخلفت الخُلُوف بعد الخُلوف

قال ابنُ عطية (٨‏/‏٦٦٢) «قوله تعالى: ﴿منفكين﴾ معناه: منفصلين متفرِّقين، تقول: انفك الشيء عن الشيء؛ إذا انفصل عنه، و»ما انفك«التي هي من أخوات» كان«لا مدخل لها في هذه الآية». وبنحوه قال ابنُ جرير (٢٤‏/‏٥٥٢). وقد أفادت الآثار أنّ المعنى: لم يكن الكفار من أهل التوراة والإنجيل والمشركون من عبدة الأوثان مُنتَهين عما هم فيه من الكفر والضلال حتى تأتيهم البينة. وقد ذكر ابنُ جرير (٢٤‏/‏٥٥١) هذا المعنى، ثم قال: «وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل». ثم أورد الآثار الواردة هنا، ولم ينسب للسلف غيره. ووجَّه ابنُ عطية الفعل في ﴿تأتيهم البينة﴾ أنه من إيقاع المستقبل موقع الماضي «لأنّ باقي الشريعة وعظمها لم يرد بعد». وذكر ابنُ جرير (٢٤‏/‏٥٥٢) قولًا ثانيًا، وأبهم قائليه، وهو أنّ المعنى: أنّ أهل الكتاب -وهم المشركون- لم يكونوا تاركين صفة محمد في كتابهم، حتى بُعث، فلما بُعث تفرّقوا فيه. ورجّحه مستندًا إلى السياق، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصحة أن يقال: معنى ذلك: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين مفترقين في أمر محمد حتى تأتيهم البينةُ، -وهي إرسال الله إياه رسولًا إلى خَلْقه- رسولٌ من الله... ، واسْتُؤْنِفَ قولُه: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ وهي نَكِرَةٌ على البَيِّنَة، وهي معرفَةٌ، كما قيل: ﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ فَعّالٌ﴾ [البروج:١٦]، فقال: حتّى يَأْتيهم بَيانُ أمْر محمد أنّه رسول الله، بِبَعْثه اللهُ إيّاه إلَيهِم، ثُمَّ تَرْجَمَ عَنِ البَيِّنَةِ، فقال: تلك البَيِّنَة ﴿رَسُولٌ مِنَ اللهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾». وذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٦٦٢-٦٦٣) القولين، ثم بيّن احتمال الآية قولًا ثالثًا، فقال: «ويتجه في معنى الآية قول ثالث بارع المعنى، وذلك أن يكون المراد: لم يكن هؤلاء القوم مُنفكِّين من أمر الله تعالى وقدرته ونظره لهم حتى يَبعث إليهم رسولًا منذرًا تقوم عليهم به الحجة، وتتم على مَن آمن النعمة. فكأنه قال: ما كانوا ليُتركوا سُدًى. ولهذا نظائر في كتاب الله تعالى». وذكر ابنُ تيمية (٧‏/‏١٥٠) الأقوال الثلاثة وأطال، فبيَّن أنّ القول الأول أشهر عند المفسرين، وأنه أفاد أنّ الكفار من أهل الكتاب والمشركين لم يكونوا ليؤمنوا حتى يتبين لهم الحق بمجيء البينة، وهذا يتضمّن مدْحهم والثناء عليهم بعد مجيء البينة: «ولهذا احتاج مَن قاله إلى أن يقول: هذا فيمن آمن من الفريقين في أنه بيان لنعمة الله عليهم. وجعلوا قوله: ﴿وما تفرق الذين أوتوا الكتاب﴾ [البينة:٤] فيمن لم يؤمن منهم بمحمد ﷺ». وانتقد ابنُ تيمية (٧‏/‏١٥٤-١٥٦) هذا القول -مستندًا إلى القرآن، والسنة، والواقع- «وذلك أنه معلوم بالتواتر أنّ أهل الكتاب اختلفوا وتفرقوا قبل إرسال محمد ﷺ، بل اليهود افترقوا قبل مجيء المسيح، ثم لما جاء المسيح اختلفوا فيه، ثم اختلف النصارى اختلافًا آخر، فكيف يقال: إنّ قوله: ﴿وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة﴾ [البينة:٤] هو فيمن لم يؤمن بمحمد منهم؟!». وذكر كثيرًا من الآيات والأحاديث الدالة على تفرّق أهل الكتاب واختلافهم قبل مبعث النبي ﷺ من نحو قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون﴾ [الجاثية:١٦-١٨]، ومن نحو قوله ﷺ: «تفرّقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة...» الحديث. وذكر أيضًا أنّ الذين كفروا بمحمد ﷺ كفار، وأنهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة﴾، وهم تفرّقوا واختلفوا فيما جاءت به الأنبياء قبل محمد ﷺ، وكفَرَ مَن كَفَر منهم قبل إرسال محمد ﷺ، وكان منهم من لم يكفر بل كان مؤمنًا بالأنبياء كما قال تعالى: ﴿ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون﴾ [الأعراف:١٥٩]، ﴿وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك﴾ [الأعراف:١٦٨]، وقال تعالى: ﴿ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين﴾ [آل عمران:١١٣-١١٤]. وانتقد (٧‏/‏١٥٣) كذلك القول الثاني -مستندًا إلى أحوال النزول، واللغة، والدلالة العقلية- وذلك أنه «معلوم أنّ المشركين لم يكونوا يعرفونه ﷺ ويذكرونه ويجدونه في كتبهم كما كان ذلك عند أهل الكتاب، ولا كانوا قبل مبْعثه على دين واحد متّفقين عليه فلما جاء تفرّقوا... ، ولا يستقيم هذا أيضًا في أهل الكتاب، فإنّ الله إنما ذكر الكفار منهم، فقال: ﴿لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين﴾، ومعلوم أنّ الذين كانوا يعرفون نبوته ويُقِرُّون به ويذكرونه قبل أن يُبعث لم يكونوا كلّهم كفارًا، بل كان الإيمان أغلب عليهم. يبيّن هذا أنه إذا ذكر تفرق الذين أوتوا الكتاب من بعد ما جاءتهم البينة فإنه يعمّهم، فيقول: ﴿وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة﴾ [البينة:٤]. وأنه لا يقول: كان الكفار من أهل الكتاب متّفقين على الحق حتى جاءتهم البينة. وأيضًا فتسمية الافتراق والاختلاف انفكاكًا لا يُعرَف في اللغة، وأيضًا فهو لم يذكر لـ﴿منفكين﴾ خبرًا كما يقال: ما انفكوا يذكرون محمدًا، وما زالوا يؤمنون به ونحو ذلك. وهذه التي هي من أخوات»كان«لا يقال فيها: ما كنت منفكًًّا. بل يقال: ما انفككت أفعل كذا. فهو يلي حرف»ما"". وأيضًا فليس في اللفظ ما يدل على أنّ الانفكاك عن أمر محمد ﷺ خاصة. وأيضًا فهذا المعنى مذكور في قوله: ﴿وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة﴾ [البينة:٤]، فلو أريد بهذه لكان تكريرًا محضًا. ورجّح (٧‏/‏١٥٧-١٦٤) بعد ذلك -مستندًا إلى اللغة، والنظائر، والدلالة العقلية- القول الثالث الذي ذكره ابن عطية، وذكر أنه أصح الأقوال لفظًا ومعنًى، وأنّ معنى الآية عليه: أنّ الله ما يخلِّيهم ولا يتركهم، فهو لا يفكّهم حتى يبعث إليهم رسولًا. وهذا كقوله: ﴿أيحسب الإنسان أن يترك سدى﴾ [القيامة:٣٦] لا يؤمر ولا ينهى. أي: أيظن أنّ هذا يكون؟! هذا ما لا يكون ألبتة؛ بل لابد أن يؤمر ويُنهى. وقريب من ذلك قوله تعالى: ﴿إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين﴾ [الزخرف:٣-٥]، وهذا استفهام إنكار، أي: لأجل إسرافكم نترك إنزال الذكر ونُعرض عن إرسال الرسل؟! واستدل لترجيحه بعدة مرجِّحات، منها دلالة لفظ الانفكاك، فإنه مستعمل فيما يُلزَم به الإنسان ويُقهَر عليه إذا تخلّص منه، يقال: انفك منه كالأسير والرقيق المقهور بالرق والأسر... ويقال: فلان ما يفكّ فلانًا حتى يوقعه في كذا وكذا، والمتولي لا يفكّ هذا حتى يفعل كذا، يقال لمن لزم غيره واستولى عليه إما بقدرة وقهر، وإما بتحسين وتزيين وأسباب حتى يصير بها مطيعًا له. يقال للمستولى عليه: هو ما ينفكّ من هذا كما لا ينفكّ الأسير والرقيق من المستولى عليه. فقوله: ﴿لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين﴾ أي: لم يكونوا متروكين باختيار أنفسهم يفعلون ما يهوونه، لا حَجْر عليهم، كما أنّ المنفكّ لا حَجْر عليه. وهو لم يقل «مفكوكين» بل قال: ﴿منفكين﴾، وهذا أحسن؛ فإنه نفي لفعلهم، ولو قال: «مفكوكين» كان التقدير: لم يكونوا مُسيَّبين مُخلّين فهو نفي لفعل غيرهم. والمقصود: أنهم لم يكونوا متروكين لا يؤمرون ولا ينهون، ولا ترسل إليهم رسل، بل يفعلون ما شاؤوا مما تهواه الأنفس. ومن المرجّحات أيضًا: أنّ «حتى» حرف غاية، وما بعد الغاية يخالف ما قبلها، كما في قوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجا غيره﴾ [البقرة:٢٣٠] ونظائر ذلك، فلو أريد أنهم لم يكونوا مُنتَهين ويؤمنون حتى يتبيّن لهم الحق لزم أن يكونوا كلهم بعد مجيء البيّنة قد انتهوا وآمنوا؛ فإنّ اللفظ عام فيهم. وكذلك لو كان المراد أنهم كانوا متّفقين على تصديق الرسول حتى بُعث لزم أن يكونوا كلّهم كانوا يعرفونه قبل إرساله إليهم، وأنهم كلّهم بعد إرساله تفرّقوا واختلفوا. وكلاهما باطل؛ فكثير منهم أُمِّيُّون لا يعلمون الكتاب إلا أماني، ولم يكونوا يعرفون ما في الكتب من بعْثه ومن أمور أُخَر، ولما بُعث فقد آمن به خَلْق كثير منهم، ولم يتفرقوا كلّهم عن الإيمان به، وحينئذ فالآية لم تتضمّن مدحهم مطلقًا كما ظن من ظن أن معناها: أنهم لم ينتهوا ولم يؤمنوا حتى يتبيّن لهم الحق. ولا تتضمّن ذمهم مطلقًا كما ظن من ظن أنهم لما جاءهم الرسول تفرّقوا واختلفوا بعد ما كانوا متّفقين على التصديق؛ بل تضمنّتْ مدح مَن آمن منهم بالرسول، وذم مَن لم يؤمن، والإخبار أنه لابد من إرسال الرسول إليهم فيؤمن به بعضهم، ويكفر بعض، قال تعالى: ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد﴾ [البقرة:٢٥٣]. ثم بيَّن أنّ الآية يمكن أن تتضمّن بعد ذلك القول الأول، فقال: «إذا قيل: إنّ الآية تتضمّن بعد ذلك المعنى الآخر، وهو أنهم لم يكونوا ليهتدوا ويعرفوا الحق ويؤمنوا حتى تأتيهم البيّنة، إذ لا طريق لهم إلى معرفة الحق إلا برسول يأتي من الله أيضًا؛ أولم يكونوا مُنتَهين مُتَّعظين وإنْ عرفوا الحق حتى يأتيهم من الله مَن يُذكرهم؛ فهذا المعنى لا يناقض ذاك»

سورة الأعراف — الآية ٧٣

عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس -من طريق ابن إسحاق- أنه حدّث: أنّهم نظروا إلى الهَضَبَة حين دعا اللهَ صالحٌ بما دَعا به، تَتَمَخَّض بالناقة تَمَخُّض النَّتُوجُ بولدها، فتحركت الهضبة، ثم انتَفَضَت بالناقة، فانصَدَعَتْ عن ناقةٍ -كما وصفوا- جَوْفاء وبْراء نَتُوجًا، ما بين جنبيها لا يعلمه إلا الله عِظَمًا، فآمن به جُندَعُ بن عمرو ومَن كان معه على أمره مِن رَهْطِه، وأراد أشرافُ ثمود أن يؤمنوا به ويُصَدِّقوا، فنهاهم ذُؤابُ بن عمرو بن لبيد، والحُبابُ صاحب أوثانهم، ورَبابُ بن صَمْعَرِ بن جَلْهسٍ، وكانوا من أشراف ثمود، فردُّوا أشرافَها عن الإسلام، والدخول فيما دعاهم إليه صالح من الرحمة والنجاة. وكان لجُندَعٍ ابنُ عمٍّ يُقال له: شهاب بن خليفة بن مخلاةَ بن لبيد بن جَوّاسٍ، فأراد أن يُسْلِم، فنهاه أولئك الرهط عن ذلك، فأطاعهم، وكان من أشراف ثمود وأفاضلها، فقال رجل من ثمود يُقال له: مهْرَشُ بنُ غَنمةَ بنِ الدُّمَيلِ، وكان مسلمًا: وكانت عُصبة من آل عمرو إلى دين النبيِّ دعوا شهابا عزيز ثمود كلهم جميعًا فهَمَّ بأن يُجِيب ولو أجابا لأصبح صالحًا فينا عزيزًا وما عدلوا بصاحبهم ذُؤابا ولكن الغُواةَ مِنَ الِ حُجْرٍ تولوا بعد رشدهم ذئابا فمكثت الناقة التي أخرجها الله لهم معها سَقْبُها في أرض ثمود، ترعى الشجر، وتشرب الماء، فقال لهم صالح عليه السلام: ﴿هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم﴾. وقال الله لصالح: إنّ الماء ﴿قسمة بينهم كل شرب محتضر﴾ [القمر:٢٨]. أي: أنّ الماء نصفان: لهم يوم، ولها يوم، وهي مُحْتَضَرَة، فيومها لا تَدَعُ شُرْبَها. وقال: ﴿لها شرب ولكم شرب يوم معلوم﴾ [الشعراء:١٥٥]. فكانَتْ -فيما بلغني، والله أعلم- إذا ورَدَتْ -وكانت تَرِدُ غِبًّا- وضَعَتْ رأسها في بئر في الحِجْر، يُقال لها: بئر الناقة، فيزعمون أنّها منها كانت تشرب، إذا وردت تضع رأسها فيها، فما ترفعه حتى تشرب كُلَّ قطرةِ ماءٍ في الوادي، ثم ترفع رأسها فتفشَّحُ -يعني: تَفَحَّجُ لهم-، فيحتلبون ما شاءوا من لبن، فيشربون، ويَدَّخِرون، حتى يملئوا كُلَّ آنيتهم، ثم تصدر مِن غير الفجِّ الذي منه ورَدْت، لا تقدر على أن تصدر من حيث تَرِد؛ يضيق عنها، فلا ترجع منه، حتى إذا كان الغدُ كان يومهم، فيشربون ما شاءوا من الماء، ويدَّخرون ما شاءوا ليوم الناقة، فهم من ذلك في سَعَة. وكانت الناقة -فيما يذكرون- تصيفُ إذا كان الحرُّ ظهرَ الوادي، فتهرب منها المواشي؛ أغنامهم وأبقارهم وإبلهم، فتهبط إلى بطن الوادي في حرِّه وجَدْبِه، وذلك أنّ المواشي تنفر منها إذا رأتها، وتشتو في بطن الوادي إذا كان الشتاء، فتهرب مواشيهم إلى ظهر الوادي في البرد والجدب، فأضرَّ ذلك بمواشيهم؛ للبلاء والاختبار. وكانت مراتِعُها -فيما يزعمون- الجَنابَ وحِسْمى، كل ذلك ترعى مع وادي الحِجْر، فكَبُر ذلك عليهم، فعَتَوْا عن أمر ربهم، وأجمعوا في عَقْرِ الناقة رأيَهم. وكانت امرأةٌ من ثمود يُقال لها: عُنَيزةُ بنت غُنمٍ بن مِجْلَزِ، تُكنى بأم غُنمٍ، وهي من بني عبيد بن المهلِ أخي زُمَيلِ بن المهلِ، وكانت امرأة ذُؤابِ بن عمرو، وكانت عجوزًا مُسِنَّة، وكانت ذات بنات حِسان، وكانت ذات مال مِن إبل وبقر وغنم، وامرأة أخرى يُقال لها: صَدُوفُ بنتُ المحيّا بن زهير بن المحيّا سيد بني عبيد وصاحب أوثانهم في الزمن الأول، وكان الوادي يُقال له: وادي المحيّا، وهو المحيّا الأكبر جد المحيّا الأصغر أبي صَدُوفَ. وكانت صَدُوفُ مِن أحسن الناس، وكانت غنيةً ذات مال من إبل وغنم وبقر، وكانتا مِن أشد امرأتين في ثمود عداوةً لصالحٍ، وأعظمه به كُفْرًا، وكانتا تحتالان أن تُعقر الناقة مع كفرهما به لِما أضَرَّت به من مواشيهما. وكانت صَدُوفُ عند ابنِ خالٍ لها يُقال له: صنيمُ بن هراوةَ بن سعد بن الغطريفِ من بني هليلٍ، فأسلم، فحسُن إسلامُه، وكانت صَدُوفُ قد فَوَّضت إليه مالَها، فأنفقه على من أسلم معه مِن أصحاب صالح حتى رَقَّ المالُ، فاطَّلعت على ذلك من إسلامه صَدُوفُ، فعاتبته على ذلك، فأظهر لها دينه، ودعاها إلى الله وإلى الإسلام، فأَبَتْ عليه، وسَبَّتْ له، فأخذت بنيه وبناته منه، فغيَّبَتْهم في بني عبيد؛ بطنها الذي هي منه، وكان صنيم زوجها من بني هليلٍ، وكان ابنَ خالها، فقال لها: رُدِّي عَلَيَّ ولدي. فقالت: حتى أُنافِرَك إلى بني صنعان بن عبيد أو إلى بني جُندَعِ بن عبيد. فقال لها صنيمٌ: بل أنا أقول إلى بني مِرْداس بن عبيد. وذلك أن بني مِرْداس بن عبيد كانوا قد سارعوا في الإسلام، وأبطأ عنه الآخرون، فقالت: لا أُنافِرُك إلّا إلى مَن دعوتُك إليه. فقال بنو مِرْداس: واللهِ، لَتُعْطِيَنَّه ولده طائعةً أو كارهة، فلمّا رَأَتْ ذلك أعْطَتْهُ إياهم. ثم إن صَدوف وعُنيزة محَلتا في عقر الناقة للشَّقاء الذي نزل، فدعت صَدُوفُ رجلًا من ثمود يُقال له: الحبابُ، لِعَقْر الناقة، وعرضت عليه نفسَها بذلك إن هو فعل، فأبى عليها، فدعت ابنَ عمٍّ لها يُقال [له]: مِصْدَعُ بن مَهْرَجِ بن المحيّا، وجعلت له نفسَها على أن يعقر الناقة، وكانت من أحسن الناس، وكانت غنِيَّةً كثيرة المال، فأجابها إلى ذلك. ودعت عُنَيزةُ بنتُ غُنْمٍ قُدارَ بن سالفِ بن جُنْدَعِ؛ رجلًا من أهل قُرْحَ، وكان قُدارُ رجلًا أحمر أزرق قصيرًا، يزعمون أنّه كان لِزَنْيَةٍ مِن رجل يُقال له: صهيادُ، ولم يكن لأبيه سالف الذي يُدعى إليه، ولكنه قد وُلِد على فراش سالف، وكان يُدعى له، ويُنسَب إليه، فقالت: أعطيك أيَّ بناتي شئت على أن تعقر الناقة. وكانت عُنَيزةُ شريفة من نساء ثمود، وكان زوجها ذؤاب بن عمرو من أشراف رجال ثمود، وكان قُدار عزيزًا منيعًا في قومه، فانطلق قُدار بن سالف ومِصْدَعُ بن مَهْرَجٍ، فاستنفرا غُواةً من ثمود، فاتَّبعهما سبعة نفر، فكانوا تسعة نفر، أحد النفر الذين اتبعوهما رجل يُقال له: هويلُ بن ميلغٍ خال قدار بن سالف، أخو أُمِّه لأبيها وأمها، وكان عزيزًا من أهل حِجْرٍ، ودُعَيرُ بن غنم بن داعر، وهو من بني حلاوة بن المهل، ودأب بن مَهْرَجٍ أخو مِصْدَعِ بن مَهْرَجٍ، وخمسة لم تُحْفَظ لنا أسماؤهم. فرصدوا الناقة حين صَدَرت عن الماء، وقد كمَن لها قدار في أصل صخرة على طريقها، وكمَن لها مِصْدَعٌ في أصلِ أخرى، فمَرَّت على مصدع فرماها بسهم، فانتظم به عضلة ساقها، وخرجت أم غُنْمٍ؛ عُنَيزة، وأمرت ابنتها، وكانتْ مِن أحسن الناس وجهًا، فأسفرت عنه لقُدار، وأَرَتْه إيّاه، ثم ذمَّرَتْه، فشدَّ على الناقة بالسيف، فكسف عرقوبها، فخرَّت، ورغت رغاة واحدة تحذر سَقْبَها. ثم طعن في لُبَّتها فنحرها، وانطلق سقبها حتى أتى جبلًا منيعًا، ثم أتى صخرة في رأس الجبل فرَغا، ولاذ بها، واسم الجبل فيما يزعمون: صور، فأتاهم صالح، فلما رأى الناقة قد عقرت قال: انتهكتم حرمة الله، فأبشِروا بعذاب الله -تبارك وتعالى- ونقمته. فاتبع السَّقْبَ أربعةُ نفر من التسعة الذين عقروا الناقة، وفيهم مِصْدَعُ بن مَهْرَجٍ، فرماه مِصْدَعٌ بسهم، فانتظَمَ قلبه، ثم جَرَّ برجله فأنزله، ثم ألقوا لحمه مع لحم أمه. فلمّا قال لهم صالح: أبشروا بعذاب الله ونقمته؛ قالوا له وهم يهزءون به: ومتى ذلك يا صالح؟ وما آية ذلك؟ وكانوا يسمون الأيام فيهم: الأحد: أول، والاثنين: أهون، والثلاثاء: دُبار، والأربعاء: جُبارَ، والخميس: مُؤْنِسَ، والجمعة: العروبة، والسبت: شِيارَ، وكانوا عقروا الناقة يوم الأربعاء، فقال لهم صالح حين قالوا ذلك: تصبحون غداة يوم مُؤْنِسَ -يعني: يوم الخميس- وجوهكم مُصْفَرَّة، ثم تصبحون يوم العروبة -يعني: يوم الجمعة- ووجوهكم مُحْمَرَّة، ثم تصبحون يوم شيار –يعني: يوم السبت- ووجوهكم مُسْوَدَّة، ثم يُصَبِّحُكم العذاب يوم الأول -يعني: يوم الأحد-. فلما قال لهم صالح ذلك، قال التسعة الذين عقروا الناقة: هلُمُّوا فلْنَقْتُلْ صالحًا؛ إن كان صادقًا عَجَّلْناه قبلنا، وإن كان كاذبًا يكون قد ألحقناه بناقته. فأتوه ليلًا لِيُبَيِّتُوه في أهله، فدَمَغَتْهم الملائكةُ بالحجارة، فلمّا أبْطَئُوا على أصحابهم أتوا منزل صالح، فوجدوهم مُشَدَّخِين، قد رُضِخوا بالحجارة، فقالوا لصالح: أنت قتلتهم. ثم هَمُّوا به، فقامت عشيرتُه دونه، ولبسوا السلاح، وقالوا لهم: واللهِ، لا تقتلونه أبدًا، فقد وعدكم أنّ العذاب نازِلٌ بكم في ثلاث، فإن كان صادقًا لم تزيدوا ربَّكم عليكم إلا غضبًا، وإن كان كاذبًا فأنتم من وراء ما تريدون. فانصرفوا عنهم ليلتهم تلك، والنفر الذين رضختهم الملائكة بالحجارة التسعة الذين ذكرهم الله تعالى في القرآن بقوله تعالى: ﴿وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون﴾ إلى قوله: ﴿لآية لقوم يعلمون﴾ [النمل:٤٨-٥٢]، فأصبحوا من تلك الليلة التي انصرفوا فيها عن صالح وجوههم مصفرة، فأيقنوا بالعذاب، وعرفوا أنّ صالحًا قد صَدَقَهم، فطلبوه ليقتلوه، وخرج صالح هاربًا منهم حتى لجأ إلى بطنٍ من ثمود يُقال لهم: بنو غنم، فنزل على سيِّدهم؛ رجل منهم يُقال له: نفيل، يكنى بأبي هُدْبٍ، وهو مشرك، فغَيَّبَه، فلم يقدروا عليه، فغدوا على أصحاب صالح، فعذَّبوهم لِيَدُلُّوهم عليه، فقال رجل من أصحاب صالح -يقال له: ميدعُ بن هرمٍ-: يا نبيَّ الله، إنّهم لَيُعَذِّبوننا لِنَدُلَّهم عليك، أفَنَدُلُّهم عليك؟ قال: نعم. فدلهم عليه ميدع بن هرم، فلما علموا بمكان صالح أتَوا أبا هدب، فكلَّموه، فقال لهم: عندي صالح، وليس لكم إليه سبيل. فأعرضوا عنه، وتركوه، وشغلهم عنه ما أنزل الله بهم من عذابه، فجعل بعضهم يُخْبِر بعضًا بما يرون في وجوههم حين أصبحوا من يوم الخميس، وذلك أنّ وجوههم أصبحت مصفرة، ثم أصبحوا يوم الجمعة ووجوههم محمرة، ثم أصبحوا يوم السبت ووجوههم مسودة، حتى إذا كان ليلة الأحد خرج صالح من بين أظهرهم ومَن أسلم معه إلى الشام، فنزل رملةَ فلسطين، وتخلَّف رجل من أصحابه يُقال له: ميدعُ بن هرمٍ، فنزل [قُرْحًا]، وهي وادي القرى، وبين القُرْحِ وبين الحِجْر ثمانية عشر ميلًا، فنزل على سيِّدهم؛ رجل يقال له: عمرو بن غُنْمٍ، وقد كان أكل من لحم الناقة، ولم يَشْرَكْ في قتلها، فقال له ميدعُ بن هرمٍ: يا عمرو بن غُنْمٍ، اخرُجْ من هذا البلد، فإن صالحًا قال: من أقام فيه هلك، ومن خرج منه نجا. فقال عمرو: ما شَرِكتُ في عَقْرِها، وما رَضِيتُ ما صُنِع بها. فلمّا كانت صبيحة الأحد أخذتهم الصيحة، فلم يبق منهم صغير ولا كبير إلا هلك، إلا جارية مُقْعَدَة يُقال لها: الزُّريْعة، وهي الكلبةُ ابنةُ السِّلْقِ، كانت كافرةً شديدة العداوة لصالح، فأطلق الله لها رجليها بعدما عاينت العذاب أجمع، فخرجت كأسرع ما يُرى شيء قط، حتى أتت أهل قُرْحَ، فأخبرتهم بما عاينت من العذاب، وما أصاب ثمود منه، ثم استسقت من الماء فسُقيت، فلما شَرِبَت ماتت

سورة طه — الآية ٢٤

عن وهْب بن مُنَبِّه -من طريق عبد الصمد بن معقل- قال: لَمّا رأى موسى النارَ انطلق يسير، حتى وقف منها قريبًا، فإذا هو بنار عظيمة، تَفُور مِن ورق شجرة خضراء شديدة الخضرة يُقال لها: العُلِّيق، لا تزداد النارُ فيما يَرى إلا عِظَمًا وتَضَرُّمًا، ولا تزداد الشجرة على شِدَّة الحريق إلا خُضْرَةً وحُسْنًا، فوقف ينظر لا يدري على ما يضع أمرها، إلا أنّه قد ظن أنّها شجرة تحترق وأوقد إليها مَوْقِدُ، فَنالَها، فاحترقت، وأنّه إنما يمنع النار شدة خضرتها، وكثرة مائها، وكثافة ورَقها، وعِظَم جِذعها، فوضع أمرها على هذا، فوقف وهو يطمع أن يَسْقُط منها شيءٌ فيَقْتَبِسه، فلمّا طال عليه ذلك أهوى إليها بِضِغْثٍ في يده، وهو يريد أن يقتبس مِن لَهَبِها، فلمّا فعل ذلك موسى مالَتْ نحوه كأنها تُريده، فاستأخر عنها وهاب، ثم عاد فطاف بها، فلم تزل تُطْمِعُه ويَطْمَعُ بها، ثم لم يكن شيءٌ بأوْشَكَ مِن خُمودها، فاشْتَدَّ عند ذلك عجبه، وفكَّر موسى في أمرها، فقال: هي نارٌ مُمْتَنِعَةٌ لا يُقْتَبَس منها، ولكنها تَتَضَرَّم في جوف شجرة فلا تحرقها. ثم خمودها على قِدَر عظمها في أوْشَكَ مِن طَرْفَة عين، فلمّا رأى ذلك موسى قال: إنّ لِهذه شأنًا. ثم وضع أمرها على أنها مأمورة أو مصنوعة، لا يدري مَن أمرها ولا بما أُمِرَت ولا مَن صنعها، ولا لِمَ صُنعت، فوقف مُتَحَيِّرًا لا يدري أيرجع أم يقيم؟ فبينا هو على ذلك إذ رمى بطرفه نحو فرعها، فإذا هو أشدُّ مما كان خضرة، وإذا الخضرة ساطعة في السماء، يَنظُرُ إليها تَغشى الظَلامَ، ثم لم تزل الخضرة تُنَوِّرُ وتَصْفَرُّ وتَبْيَضُّ حتى صارت نورًا ساطعًا عمودًا بين السماء والأرض، عليه مثل شعاع الشمس، تَكَلُّ دونه الأبصار، كلمّا نظر إليه يكاد يخطف بصره، فعند ذلك اشتدَّ خوفه وحزنه، فردَّ يده على عينيه، ولصق بالأرض، وسمع الحس والوجس، إلا أنه سمع حينئذ شيئًا لم يسمع السامعون بمثله عظمًا، فلمّا بلغ موسى الكرب واشتد عليه الهولُ نُودِي من الشجرة، فقيل: يا موسى. فأجاب سريعًا وما يدري مَن دعاه، وما كان سرعةُ إجابته إلا استئناسًا بالإنس، فقال: لبيك -مرارًا- إني لأسمع صوتك، وأُحِسُّ حسك، ولا أرى مكانك، فأين أنت؟ قال: أنا فوقك ومعك وخلفك، وأقربُ إليك من نفسك. فلما سمع هذا موسى علِم أنّه لا ينبغي هذا إلا لربه، فأيقن به، فقال: كذلك أنت، يا إلهي، فكلامَك أسمعُ أم رسولَك؟ قال: بل أنا الذي أُكَلِّمك، فادْنُ مِنِّي. فجمع موسى يديه في العصا، ثم تحامل حتى اسْتَقَلَّ قائمًا، فرعدتْ فَرائِصُه حتى اختلفت، واضطربت رجلاه، وانقطع لسانه، وانكسر قلبه، ولم يبق منه عَظْمٌ يحمل آخَرَ، فهو بمنزلة الميِّت، إلا أن روح الحياة تجري فيه، ثم زحف على ذلك وهو مرعوب، حتى وقف قريبًا مِن الشجرة التي نُودِي منها، فقال له الرب -تبارك وتعالى-: ما تلك بيمينك، يا موسى؟ قال: هي عصاي. قال: وما تصنع بها؟ -ولا أحد أعلم منه بذلك- قال موسى: أتوكأ عليها، وأهش بها على غنمي، ولي فيها مآرب أخرى قد علمتَها. وكان لموسى في العصا مآرب، كان لها شعبتان، ومِحْجَنٌ تحت الشعبتين، فإذا طال الغصنُ حَناه بالمحْجَنِ، وإذا أراد كسره لواه بالشعبتين، وكان يتوكَّأُ عليها، ويَهُشُّ بها، وكان إذا شاء ألقاها على عاتقه، فعلق بها قوسه وكِنانَته ومِرْجامه ومِخْلاتَه وثوبه وزادًا إن كان معه، وكان إذا أرْتع في البَرِّيِّة حيث لا ظل له رَكَزَها، ثم عرض بالوتد بين شعبتيها، وألقى فوقها كساءه، فاستظل بها ما كان مرتعًا، وكان إذا ورد ماءً يقصر عنه رِشاؤُه وصل بها، وكان يقاتل بها السباع عن غنمه. قال له الرب: ألْقِها، يا موسى. فظنَّ موسى أنه يقول: ارفضها. فألقاها على وجه الرفض، ثم حانت منه نظرة، فإذا بأعظم ثعبان نظر إليه الناظرون، يُرى، يلتمس كأنه يبتغي شيئًا يريد أخذه، يمرُّ بالصخرة مثل الخَلِفَةِ من الإبل فيلتقمها، ويطعن بالناب من أنيابه في أصل الشجرة العظيمة فيَجْتَثُّها، عيناه توقدان نارًا، وقد عاد المحجن عرفًا فيه شعر مثل النيازك، وعاد الشعبتان فهما مثل القَلِيب الواسع فيه أضراس وأنياب لها صريف، فلما عاين ذلك موسى ولّى مُدْبِرًا ولم يعقب، فذهب حتى أمعن ورأى أنه قد أعجز الحيَّة، ثم ذكر ربَّه فوقف استحياء منه، ثم نودي: يا موسى، إلَيَّ ارجع حيث كنت. فرجع وهو شديد الخوف، فقال: خذها بيمينك، ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى. قال: وكان على موسى حينئذ مِدْرَعَة مِن صوف، قد خلها بخلال من عيدان، فلما أمره بأخذها أدْنى طرف المِدْرَعة على يده، فقال له ملَك: أرأيت -يا موسى- لو أذن الله بما تُحاذِر أكانت المدرعة تُغني عنك شيئًا؟ قال: لا، ولكني ضعيف، ومِن ضَعْفٍ خُلِقْتُ. فكشف عن يده، ثم وضعها على فم الحيَّة، حتى سمع حِسَّ الأضراس والأنياب، ثم قبض، فإذا هي عصاه التي عهدها، وإذا يده في موضعها الذي كان يضعها إذا توكأ بين الشعبتين. قال له ربه: ادْنُ. فلم يزل يُدْنِيه حتى أسنَدَ ظهرَه بجذع الشجرة، فاسْتَقَرَّ، وذهبت عنه الرّعْدَة، وجمع يديه في العصا، وخضع برأسه وعنقه، ثم قال له: إنِّي قد أقمتُك اليوم في مقام لا ينبغي لبشر بعدك أن يقوم مقامك؛ أدنيتك وقرَّبْتُك حتى سمعت كلامي، وكنتَ بأقرب الأمكنة مِنِّي، فانطلق برسالتي، فإنّك بعيني وسمعي، وإن معك يدي وبصري، وإنِّي قد ألْبَسْتُكَ جُبَّة من سلطاني؛ تستكمل بها القُوَّة في أمري، فأنت جندٌ عظيم من جنودي، بعثتك إلى خلق ضعيف مِن خلقي، بَطِرَ نعمتي، وأمِنَ مكْري، وغرَّته الدنيا حتى جحد حقي، وأنكر ربوبيتي، وعَبَدَ مَن دوني، وزعم أنه لا يعرفني، وإنِّي لَأُقْسِم بعِزَّتي: لولا العُذْر والحُجَّة التي وضعتُ بيني وبين خلقي لَبَطَشت به بطشة جبار يغضب لغضبه السموات والأرض والجبال والبحار، فإن أمرت السماء حَصَبَته، وإن أمرتُ الأرضَ ابتَلَعَتْه، وإن أمرتُ البحار غَرَّقَتْهُ، وإن أمرت الجبال دمَّرته، ولكنه هان عَلَيَّ، وسقط من عيني، وسِعَهُ حلمي، واستغنيت بما عندي، وحق لي أني أنا الغني لا غَنِيَّ غيري، فبلِّغه رسالتي، وادعُه إلى عبادتي وتوحيدي وإخلاص اسمي، وذكِّره بأيامي، وحذِّره نقمتي وبأسي، وأخبِره أنّه لا يقوم شيءٌ لغضبي، وقل له فيما بين ذلك قولًا لَيِّنًا، لعله يتذكر أو يخشى، وأخبره أنِّي أنا العَفُوُّ، والمغفرة أسرعُ مِنِّي إلى الغضب والعقوبة، ولا يروعنك ما ألبستُه من لباس الدنيا؛ فإنّ ناصيته بيدي، ليس يَطْرِفُ ولا ينطق ولا يتنفس إلا بإذني، وقل له: أجِب ربك؛ فإنّه واسع المغفرة، فإنه قد أمهلك أربعمائة سنة، في كلها أنت مُبارِزُه بالمحاربة، تَتَشَبَّه وتَتَمَثَّل به، وتصدُّ عبادَه عن سبيله، وهو يُمْطِر عليك السماء، ويُنبِت لك الأرض، لم تسقم، ولم تهرم، ولم تفتقر، ولم تُغْلَب، ولو شاء أن يجعل لك ذلك أو يَسْلُبَكَهُ فعل، ولكنه ذو أناة وحلم عظيم، وجاهِده بنفسك وأخيك وأنتما محتسبان بجهاده، فإنِّي لو شئت أن آتيه بجنود لا قِبَل له بها فعلتُ، ولكن لِيعلم هذا العبدُ الضعيفُ الذي قد أعْجَبَتْهُ نفسه وجموعُه أنّ الفئة القليلة -ولا قليل مِنِّي- تغلب الفئة الكبيرة بإذني، ولا يُعْجِبَنَّكما زِينته، ولا ما مُتِّع به، ولا تَمُدّا إلى ذلك أعينكما؛ فإنها زهرة الحياة الدنيا، وزينة المترفين، وإنِّي لو شئت أن أزينكما من الدنيا بزينة يعلم فرعون حين ينظر إليها أنّ مقدرته تعجز عن مثل ما أوتيتما فعلتُ، ولكني أرغب بكما عن ذلك، وأزْوِيه عنكما، وكذلك أفعل بأوليائي، وقديمًا ما خرتُ لهم عن ذلك، فإنِّي لَأذُودُهم عن نعيمها ورخائها كما يذود الراعي الشفيقُ غنمَه عن مواقع الهَلَكَة، وإنِّي لَأُجَنِّبهم سلوها وعيشها كما يجنب الراعي الشفيق إبلَه عن مَبارِكِ العُرَّة، وما ذاك لهوانهم عَلَيَّ، ولكن ليستكملوا نصيبهم مِن كرامتي سالمًا مُوَفَّرًا لم تَكْلَمُه الدنيا، ولم يُطْغِه الهوى، واعلم أنه لم يتزين إلَيَّ العبادُ بزينةٍ هي أبلغُ فيما عندي مِن الزهد في الدنيا؛ فإنّه زينة المتقين، عليهم منه لباسٌ يعرفون به من السكينة والخشوع، سيماهم في وجوههم مِن أثر السجود، أولئك هم أوليائي حقًّا، فإذا لَقِيتَهم فاخفض لهم جناحك، وذلِّل لهم قلبك ولسانك، واعلم أنه مَن أهان لي ولِيًّا أو أخافه فقد بارزني بالمحاربة وبادَأَنِي، وعرض لي نفسه ودعاني إليها، وأنا أسرع شيء إلى نُصرة أوليائي، فيظن الذي يحاربني أن يقوم لي؟! أو يظن الذي يحادني أو يعاديني أن يعجزني؟! أو يظن الذي يبارزني أن يسبقني أو يفوتني؟! وكيف وأنا الثائر لهم في الدنيا والآخرة، لا أكِلُ نصرتهم إلى غيري؟! قال: فأقبل موسى إلى فرعون في مدينةٍ قد جعل حولها الأُسْدَ في غَيْضَةٍ قد غرسها، والأُسد فيها مع ساسَتِها، إذا أرسلها على أحدٍ أكلتْه، وللمدينة أربعة أبواب في الغَيْضَة، فأقبل موسى من الطريق الأعظم الذي يراه فرعون، فلما رأته الأُسْدُ صاحت صياح الثعالب، فأنكر ذلك السّاسَة، وفرقوا من فرعون، فأقبل موسى حتى انتهى إلى الباب الذي فيه فرعون، فقرعه بعصاه، وعليه جُبَّةٌ مِن صوف وسراويل، فلمّا رآه البوّاب عجب مِن جراءته، فتَرَكه، ولم يأذن له، فقال: هل تدري بابَ مَن أنت تضرب؟! إنّما أنت تضرب بابَ سيِّدك. قال: أنت وأنا وفرعون عبيدٌ لربي، فأنا ناصِره. فأخبرَ البواب الذي يليه مِن البوابين، حتى بلغ ذلك أدناهم، ودونه سبعون حاجبًا، كل حاجب منهم تحت يده مِن الجنود ما شاء الله، حتى خلص الخبر إلى فرعون، فقال: أدخلوه عَلَيَّ. فأُدْخِل، فلمّا أتاه قال له فرعون: أعرفُك؟ قال: نعم. قال: ألم نُرَبِّك فينا وليدًا؟ قال: فردَّ إليه موسى الذي ردَّ، قال فرعون: خذوه. فبادَرَ موسى فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين، فحملت على الناس، فانهزموا منها، فمات منهم خمسة وعشرون ألفًا، قَتَل بعضهم بعضًا، وقام فرعون مُنْهَزِمًا حتى دخل البيت، فقال لموسى: اجعل بيننا وبينك أجلًا ننظر فيه. قال: موسى: لم أُومَر بذلك، إنّما أُمِرْتُ بمُناجَزَتِك، وإن أنت لم تخرج إلَيَّ دَخَلْتُ عليك. فأوحى الله إلى موسى: أن اجعل بينك وبينه أجلًا، وقل له: أن يجعله هو. قال فرعون: اجعله إلى أربعين يومًا. ففعل. قال: وكان فرعونُ لا يأتي خلاء إلا في كل أربعين يومًا مرة، فاختلفَ ذلك اليوم أربعين مرة. قال: وخرج موسى مِن المدينة، فلمّا مر بالأُسْد خضعت له بأذنابها، وسارت مع موسى تشِّيعه ولا تَهِيجه، ولا أحدًا من بني إسرائيل

اختُلِف في المشار إليه ببقوله: ﴿أفمَن﴾ على قولين: الأول: محمد ﷺ. الثاني: المؤمنون. واختُلِف في المراد بالشاهد على أقوال: الأول: أنّه القرآن. الثاني: القرآن ونظمه وإعجازه. الثالث: محمد ﷺ. الرابع: لسان محمد ﷺ. الخامس: جبريل عليه السلام. السادس: مَلَكٌ يحفظه. السابع: الإنجيل. نقله ابن عطية (٤‏/‏٥٥٣). وكذا نقل ابنُ عطية (٤‏/‏٥٥٢) اختلافًا في البيِّنة على قولين: الأول: أنّه القرآن؛ أي: على جليَّة بسبب القرآن. الثاني: أنّه محمد ﷺ، أي: على جليَّة بسبب محمد ﷺ. وقد ذكر كذلك أنّ قوله: ﴿يتلوه﴾ يحتمل معنيين: الأول: بمعنى: يقرأه. الثاني: بمعنى يتبعه. وأن هذين المعنيين يتصرفان بحسب الخلاف في الشاهد. ثم وجَّه (٤‏/‏٥٥٣) الأقوال وكيف يتركب بعضها على بعض، فقال: «ولنرتب الآن اطِّراد كل قول وما يحتمل. فإذا قلنا: إنّ قوله: ﴿أفمن﴾ يُراد به: المؤمنون، فإن جعلت بعد ذلك البينة محمدًا ﷺ صحَّ أن يترتب الشاهد: الإنجيل، ويكون ﴿يتلوه﴾ بمعنى: يقرؤه؛ لأنّ الإنجيل يقرأ شأن محمد ﷺ. وأن يترتب: جبريل عليه السلام، ويكون ﴿يتلوه﴾ بمعنى: يتبعه، أي: في تبليغ الشرع والمعونة فيه. وأن يترتب: الملَك، ويكون الضمير في ﴿منه﴾ عائدًا على البينة التي قدَّرناها: محمدًا ﷺ. وأن يترتب: القرآن، ويكون ﴿يتلوه﴾ بمعنى: يتبعه، ويعود الضمير في ﴿منه﴾ على الربِّ. وإن جعلنا البيِّنة: القرآن على أنّ ﴿أفمن﴾ هم المؤمنون صح أن يترتب الشاهد: محمد ﷺ، وصح أن يترتب: الإنجيل، وصح أن يترتب: جبريل والملَك، ويكون ﴿يتلوه﴾ بمعنى: يقرؤه، وصح أن يترتب الشاهد: الإعجاز، ويكون ﴿يتلوه﴾ بمعنى: يتبعه، ويعود الضمير في ﴿منه﴾ على القرآن. وإذا جعلنا ﴿أفمن﴾ للنبي ﷺ كانت البيِّنة القرآن، وترتب الشاهد: لسان محمد ﷺ، وترتب: الإنجيل، وترتب: جبريل والملَك، وترتب: علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، وترتب: الإعجاز، ويُتأوَّل ﴿يتلوه﴾ بحسب الشاهد كما قلنا». وذكر ابنُ تيمية (٣‏/‏٥٢٦) أنّ كلَّ مَن فسر ﴿يتلوه﴾ بمعنى: يقرؤه؛ جعل الضمير فيه عائدًا على القراءة، وجعل الشاهد غير القرءان. وقد حكى ابنُ جرير (١٢‏/‏٣٥٣- ٣٦١) الخلاف في الشاهد، ورجَّح مستندًا إلى السياق، والدلالة العقلية أنّ الشاهد: جبريل، وأن التلاوة بمعنى: القراءة، فقال: «وأولى هذه الأقوال التي ذكرناها بالصواب في تأويل قوله: ﴿ويتلوه شاهد منه﴾ قولُ مَن قال: هو جبريل. لدلالة قوله: ﴿ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة﴾ على صحة ذلك، وذلك أن نبيَّ الله ﷺ لم يتلُ قبل القرآن كتاب موسى، فيكون ذلك دليلًا على صحة قول مَن قال: عنى به لسان محمد ﷺ، أو: محمد نفسه، أو عليّ. ولا يُعلَمُ أنّ أحدًا كان تلا ذلك قبل القرآن أو جاء به مِمَّن ذكر أهل التأويل أنه عنى بقوله: ﴿ويتلوه شاهد منه﴾ غيرُ جبريل عليه السلام». ثم أورد اعتراضًا خُلاصته: أنّ القراءة برفع ﴿كتاب﴾، وعلى القول الذي رجَّحَه يتعين نصبها؛ لأنّ المعنى: ومن قبل القرآن يتلو جبريل كتابَ موسى. وأجاب عن هذا الاعتراض بقوله: «إنّ القراء في الأمصار قد أجمعت على قراءة ذلك بالرفع فلم يكن لأحد خلافها، ولو كانت القراءة جاءت في ذلك بالنصب كانت قراءة صحيحةً ومعنى صحيحًا... ووجه رفعهم هذا أنهم ابتدءوا الخبر عن مجيء كتاب موسى قبل كتابنا المنزل على محمد، فرفعوه بـ﴿ومن قبله﴾، والقراءة كذلك، والمعنى الذي ذكرت من معنى تلاوة جبريل ذلك قبل القرآن، وأنّ المراد من معناه ذلك، وإن كان الخبر مستأنفًا على ما وصفتُ اكتفاء بدلالة الكلام على معناه». ورجَّح ابنُ عطية (٤‏/‏٥٥٤-٥٥٥) مستندًا إلى السياق «أن يكون ﴿أفمن﴾ للمؤمنين، أو لهم وللنبي ﷺ معهم؛ إذ قد تقدم ذكر ﴿الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار﴾، فعقَّب ذكرَهم بذكر غيرهم. والبينة: القرآن وما تضمَّن. والشاهد: محمد ﷺ، أو جبريل إذا دخل النبي في قوله: ﴿أفمن﴾، أو الإنجيل. والضمير في ﴿يتلوه﴾ للبينة، وفي ﴿منه﴾ للرب تعالى. والضمير في ﴿قبله﴾ للبينة». ثُمَّ حكم بكون بقية الأقوال التي ذكرها محتملة. ووجَّه ابنُ تيمية (٣‏/‏٥١٦-٥٢٣) قول مَن فسَّره بالنبي ﷺ بأن مرادهم التمثيل لا التخصيص، لأنّ محمدًا ﷺ هو أول من كان على بينة من ربه. ورجَّح (٣‏/‏٥١٢) مستندًا إلى القرآن، واللغة، والسياق، والدلالة العقلية أنّ المشار إليه بقوله: ﴿أفمَن﴾ يعم النبيَّ ﷺ والمؤمنين، وذكر بعض الآيات الدالة على كونهم على بينة. وعلل ذلك بما يلي: أولًا: لفظ «من» في ﴿أفمن﴾ أبلغ صيغ العموم؛ لا سيما إذا كانت شرطًا أو استفهامًا، وإذا كان العلماء يحكمون في كثير من المواطن بعموم الخطاب الذي لفظه للنبي ﷺ وشموله للجميع كقوله: ﴿فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك﴾ [يونس:٩٤]، و﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ [الزمر:٦٥] فكيف تُجعَلُ الصيغة العامة له وللمؤمنين مختصة به؟! ثانيًا: أنّه تعالى قد ذكر بعد ذلك قوله: ﴿أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده﴾، وذكر بعد هذا: ﴿مثل الفريقين﴾، وقد تقدم قبل هذا ذكر الفريقين، وقوله: ﴿أولئك يؤمنون به﴾ إشارة إلى جماعة ولم يُقَدِّم قبل هذا ما يصلح أن يكون مشارا إليه إلا «مَن»، والضمير يعود تارة إلى لفظ «من»، وتارة إلى معناها، كقوله: ﴿ومنهم من يستمع إليك﴾ [الأنعام:٢٥، محمد:١٦]، ﴿ومنهم من يستمعون إليك﴾ [يونس:٤٢]، وأمّا الإشارة إلى معناها فهو أظهر من الضمير. ثالثًا: أنّ قوله: ﴿أولئك يؤمنون به﴾ دليل على أنّ الذي على بينة من ربِّه كثيرون لا واحد. ورجَّح ابنُ تيمية (٣‏/‏٥١٢- ٥٢٨) كذلك مستندًا إلى النظائر، والدلالة العقلية أنّ المراد بالبينة: الإيمان، وبالشاهد: القرآن وأنّ ﴿يتلوه﴾ بمعنى: يتبعه، وأن المعنى: أن المؤمن على بينة من ربه بإيمانه وهداه، يتبعه شاهد من الله وهو القرآن بمثل ما هو عليه من بينة الإيمان. وكان من مستندات ترجيحه: أولًا: أنّ الإيمان هو المقصود؛ لأنّه إنما يراد بإنزال القرآن: الإيمان وزيادته، ولهذا كان الإيمان بدون القرآن ينفع صاحبه ويدخل به الجنة، والقرآن بلا إيمان لا ينفع صاحبه في الآخرة. ثانيًا: أنّ المعنى الذي رجحه يناظره قوله تعالى في آية النور [٣٥]: ﴿نور على نور﴾، وذلك نور الإيمان ونور القرآن حين يجتمعان. ثالثًا: أنّ هذا المعنى يؤيده آيات كثيرة من مثل قوله تعالى: ﴿وكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ [هود:١٢٠]، وقوله: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النحل:١٠٢]. رابعًا: أنّ الضمير في الآية في قوله تعالى: ﴿ومن قبله﴾ يعود إلى الشاهد، وهو القرآن، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أرَأَيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف:١٠]، وقيل: يعود إلى الرسول ﷺ. وهما متلازمان. خامسًا: أنّ الضمير في قوله: ﴿أولئك يؤمنون به﴾ عائد على القرآن، ودليله قوله تعالى: ﴿فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك﴾، وهذا هو القرآن بلا ريب. وقيل: إنّه الخبر المذكور، وهو أنّه من يكفر به من الأحزاب، وهذا أيضًا هو القرآن، فعُلِمَ أنّ المراد هو الإيمان بالقرآن والكفر به باتفاقهم. وانتقد ابنُ عطية (٤‏/‏٥٥٣) مستندًا إلى اللغة القول بأنّ ﴿أفمن﴾ للنبي ﷺ وما يترتب عليه بأنّه: «يضعفه قوله: ﴿أولئك﴾؛ فإنّا إذا جعلنا قوله: ﴿أفمن﴾ للنبي ﷺ وحدَه لم نجد في الآية مذكورين يُشار إليهم بذلك، ونحتاج في الآية إلى تَجَوُّز وتشبيه بقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء﴾ [الطلاق:١]، وهو شبه ليس بالقوي». وانتقد ابنُ تيمية (٤‏/‏٥١٣) مستندًا إلى الدلالة العقلية، وأحوال النُّزول، ودلالة الآية القولَ بأنّ الشاهد: جبريل عليه السلام، أو لسان محمد ﷺ، أو علي بن أبي طالب، فقال: «لأنّ كون شاهد الإنسان منه لا يقتضي أن يكون الشاهد صادقًا، فإنّه مثل شهادة الإنسان لنفسه، بخلاف ما إذا كان الشاهد مِن الله؛ فإنّ الله يكون هو الشاهد، وهذا كما قيل في قوله: ﴿قُلْ كَفى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ ومَن عِندَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ [الرعد:٤٣]: إنّه علي. فهذا ضعيف؛ لأنّ شهادة قريب له قد اتبعه على دينه ولم يهتدِ إلا به لا تكون برهانًا للصدق، ولا حُجَّة على الكفر، بخلاف شهادة مَن عنده علم الكتاب الأول؛ فإنّ هؤلاء شهادتهم برهان ورحمة... ومَن قال: إنّه جبريل، فجبريل لم يقل شيئًا مِن تلقاء نفسه، بل هو الذي بلَّغ القرآن عن الله، وجبريل يشهد أنّ القرآن منزل من الله، وأنه حق، كما قال: ﴿لَّكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِما أنزَلَ إليكَ أنزَلَهُ بِعِلْمِهِ والمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ وكَفى بِاللّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء:١٦٦]. والذي قال هو جبريل قال: ﴿يتلوه﴾ أي: يقرؤه، كما قال: ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة:١٨]، أي: إذا قرأه جبريل فاتِّبع ما قرأه، وقال: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم:٥]. ومن قال: الشاهد: لسانه، وجعل الضمير المذكور عائدًا على القرآن، ولم يذكر لأنّه جعل البينة هي القرآن، ولو كانت البينة هي القرآن لما احتاج إلى ذلك وقد قال: ﴿على بينة من ربه﴾ فقد ذكر أنّ القرآن من الله، وقد علم أنّه نزل به جبريل على محمد، وكلاهما بلغه وقرأه، فقوله: ﴿ويَتْلُوهُ﴾ جبريل أو محمد تكرير لا فائدة فيه، ولهذا لم يذكر مثل ذلك في القرآن. وأيضًا فكونه على القرآن لم نجد لذلك نظيرًا في القرآن؛ فإن القرآن كلام الله، وأحد لا يكون عليه، وإذا كان المراد على الإيمان بالقرآن والعمل به فهذا الذي ذكرناه: إن البينة هي الإيمان بما جاء به الرسول، وهو إخباره أنّه رسول الله، وأنّ الله أنزل القرآن عليه، ولَمّا أنزلت هذه السورة وهي مكية لم يكن قد نزل من القرآن قبلها إلا بعضه، وكان المأمور به حينئذ هو الإيمان بما نزل منه، فمَن آمن حينئذٍ بذلك ومات على ذلك كان مِن أهل الجنة، وأيضًا فتسمية جبريل شاهدًا لا نظير له في القرآن، وكذلك تسمية لسان الرسول شاهدًا، وتسمية علي شاهدًا، لا يوجد مثل ذلك في الكتاب والسنة... ومَن قال: إنّ الشاهد لسان محمد، فهو إنما أراد بهذا القول التلاوة، أي: أنّ لسان محمد يقرأ القرآن، وهو شاهد منه، أي: من نفسه؛ فإن لسانه جزء منه، وهذا القول ونحوه ضعيف. والله أعلم. هذا إن ثبت ذلك عمَّن نقل عنه، فإنّ هذا وضده ينقلان عن علي بن أبي طالب، وذلك أن طائفة من جهال الشيعة ظنُّوا أنّ عليًّا هو الشاهد منه، أي: من النبي ﷺ، كما قال له: «أنت مِنِّي، وأنا منك». وهذا قاله لغيره أيضًا، فقد ثبت في الصحيحين أنّه قال: «الأشعريون هم مِنِّي، وأنا منهم». وقال عن جُلَيْبِيب: «هذا مني، وأنا منه». وكل مؤمن هو مِن النبي ﷺ كما قال الخليل: ﴿فمن تبعني فإنه مني﴾ [إبراهيم:٣٦]. وقال: ﴿ومن لم يطعمه فإنه مني﴾ [البقرة:٢٤٩]. ورووا هذا القول عن عليٍّ نفسه، وروي عنه بإسناد أجود منه أنّه قال: كذب مَن قال هذا. قال ابن أبي حاتم: ذكر عن حسين بن زيد الطحان، ثنا إسحاق بن منصور، ثنا سفيان، عن الأعمش، عن المنهال، عن عباد بن عبد الله، قال: قال علي: ما مِن قريش أحد إلا نزلت فيه آية قيل فما أنزل فيك؟ قال: ﴿ويتلوه شاهد منه﴾. وهذا كَذِب على عليٍّ قطعًا. وإن ثبت النقل عن عبّاد هذا فإنّ له منكرات عنه، كقوله: أنا الصديق الأكبر، أسلمتُ قبل الناس بسبع سنين. وقد رووا عن عليٍّ ما يُعارِض ذلك، قال ابن أبي حاتم: ثنا أبي، ثنا عمرو بن علي الباهلي، ثنا محمد بن شواص، ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن عروة، عن محمد بن علي -يعني: ابن الحنفية- قال: قلت لأبي: يا أبة، ﴿ويتلوه شاهد منه﴾، إنّ الناس يقولون: إنّك أنت هو. قال: وددت لو أني أنا هو، ولكنه لسانه. قال ابن أبي حاتم: وروي عن الحسن وقتادة نحو ذلك. قلت: وقد تقدم عن الحسين ابنه أنّ الشاهد منه: هو محمد ﷺ. وإنّما تكلم علماء أهل البيت في أنّه محمد ﷺ ردًّا على مَن قال مِن الجهلة: إنه علي. فإنّ هذه السورة نزلت بمكة وعليٌّ كان إذ ذاك صغيرًا لم يبلغ، وكان مِمَّن اتبع الرسول، ولو كان ابن رسول الله ليس ابن عمه لم تكن شهادته تنفع، لا عند المسلمين ولا عند الكفار، بل مثل هذه الشهادة فيها تهمة القرابة، ولهذا كان أكثر العلماء على أنّ شهادة الوالد وشهادة الولد لوالده لا تقبل، فكيف يجعل مثل هذا حجة لنبوة محمد ﷺ مُؤَكِّدًا لها؟!»