قال محمد بن إسحاق: استجاب لإبراهيمَ رجالُ قومِه حين رأوا ما صنع اللهُ به مِن جَعْلِ النار عليه بردًا وسلامًا على خوف مِن نمرود وملئهم، وآمن به لوط، وكان ابن أخيه، وهو لوط بن هاران بن تارخ، وهاران هو أخو إبراهيم، وكان لهما أخ ثالث يُقال له: ناخور بن تارخ، وآمَنَتْ به أيضًا سارة، وهي بنت عمه، وهي سارة بنت هاران الأكبر عم إبراهيم، فخرج مِن كوثى مِن أرض العراق مهاجرًا إلى ربه، ومعه لوط وسارة، كما قال الله تعالى: ﴿فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي﴾ [العنكبوت:٢٦]
اختُلِف في الذي عُنِي به في هذا الموضع من الخشوع؛ فقال بعضهم: عني به: سكون الأطراف في الصلاة. وقال آخرون: الخوف. ورجَّح ابنُ جرير (١٧/١٠) صوابَ كلا القولين للعموم، فقال -بعد أن ذكر أن الخشوع: التذلل والخضوع-: «وإذ كان ذلك كذلك، ولم يكن الله -تعالى ذكره- دلَّ على أن مراده مِن ذلك معنًى دون معنًى في عقل ولا خبر؛ كان معلومًا أن معنى مراده من ذلك العموم. وإذ كان ذلك كذلك فتأويل الكلام ما وصفتُ مِن قبلُ مِن أنّه: والذين هم في صلاتهم متذللون لله بأداء ما ألزمهم مِن فرضه وعبادته، وإذا تذلل لله فيها العبد رُئيت ذلة خضوعه في سكون أطرافه، وشغله بفرضه، وتركه ما أمر بتركه فيها». وعلَّق ابنُ تيمية (٤/٤٥٤) بقوله: «الخشوع يتضمن السكينة والتواضع جميعًا»
عن مجاهد بن جَبْر -من طريق ابن أبي نَجِيح- قال: أمر موسى قومه أن يدخلوا الباب سُجَّدًا، ويقولوا: حطة، وطُؤْطِئَ لهم الباب ليسجدوا، فلم يسجدوا، ودخلوا على أدبارهم، وقالوا: حنطة. فنتق فوقهم الجبل-يقول: أخرج أصل الجبل من الأرض، فرفعه فوقهم كالظُّلَّة، والطور بالسُّريانية: الجبل- تخويفًا، فدخلوا سُجَّدًا على خوف- أو على حرف، شك أبو عاصم-، وأعينهم إلى الجبل، وهو الجبل الذي تجلّى له ربُّه
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قوله: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾، قال: هذا رجلٌ أصابه خوفٌ، أو مرضٌ، أو حابسٌ حبسه، يبعث بهديه، فإذا بلغت مَحِلَّها صار حلالًا، فإن أمِن أو بَرَأَ ووصل إلى البيت فهي له عمرة، وأحَلَّ، وعليه الحج عامًا قابِلًا، فإن هو لم يَصِل إلى البيت حتى يرجع إلى أهله فعليه عمرة، وحَجَّة، وهديٌ. قال قتادة: والمُتْعَة التي لا يَتَعاجَمُ الناسُ فيها أنّ أصلها كان هكذا
ذَكَر ابنُ عطية (٣/٤٣) أنّ قوله: ﴿أن تعدلوا﴾ يحتمل عدة احتمالات، فقال: «يحتمل أن يكون معناه: مخافة أن تعدلوا، ويكون العدل هنا بمعنى: العدول عن الحق. ويحتمل أن يكون معناه: محبة أن تعدلوا، ويكون العدل بمعنى: القسط، كأنه قال: انتهوا خوف أن تجوروا، أو محبة أن تقسطوا». وبنحوه قال ابنُ جرير (٧/٥٨٨-٥٨٩)، ثم قال: «فإن جعلت العامل ﴿تتبعوا﴾ فيحتمل أن يكون المعنى: محبة أن تجوروا»
اختُلِف في تفسير الحدود التي إذا خيف من الزوجين ألا يُقيماها حَلَّت له الفِدْيَةُ من أجل الخوف عليهما تضييعَها؛ فقال قوم: هو استخفافُ المرأة بحقِّ زوجها، وأذاها له بالكلام. وقال آخرون: معنى ذلك: فإن خِفْتُم ألّا يُطِيعا. ورَجَّح ابنُ جرير (٤/١٤٨-١٤٩) عمومَ هذه الحدود لكل الفرائض الواجبة على كليهما نحو بعضهما البعض مستندًا لِما رُوِي عن السلف في ذلك، فقال: «والصَّوابُ من القول في ذلك: فإن خفتم ألّا يُقيما حدودَ الله ما أوجب اللهُ عليهما من الفرائض فيما أُلْزِمَ كُلُّ واحد منهما مِن الحق لصاحبه من العشرة بالمعروف، والصحبة بالجميل؛ فلا جناح عليهما فيما افتدت به». ثم بَيَّنَ دخولَ القولين الوارِدَيْن فيما ذَكَرَ، فقال: «وقد يدخل في ذلك ما رويناه عن ابن عباس، والشعبي، وما رويناه عن الحسن، والزهري؛ لأنّ من الواجب للزوج على المرأة إطاعتَه فيما أوجب اللهُ طاعتَه فيه، وأن لا تُؤْذِيَه بقولٍ، ولا تَمْتَنِعَ عليه إذا دعاها لحاجته، فإذا خالفت ما أمرها اللهُ به من ذلك كانت قد ضَيَّعَتْ حدود الله التي أمرها بإقامتها»
انتَقَدَ ابنُ جرير (٤/١٦٢-١٦٣ بتصرف) قولَ بكر بن عبد الله الذي يُفِيدُ نسخَ الآية مستندًا لمخالفته الإجماعَ، وظاهرَ الآية، فقال: «فأمّا ما قاله بكر بن عبد الله فقولٌ لا معنى له؛ لمعنيين: أحدهما: إجماعُ الجميع من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم من المسلمين على تخطئته، وإجازةِ أخْذِ الفِدْيَةِ من المُفْتَدِيَةِ نفسَها لزوجها. وفي ذلك الكفاية عن الاستشهاد على خطئه بغيره. والآخر: أنّ الآية التي في سورة النساء إنّما حَرَّم الله فيها على زوجِ المرأة أن يأخذ منها شيئًا مِمّا آتاها، بأن أراد الرجلُ استبدال زوج بزوج من غير أن يكون هنالك خَوْفٌ من المسلمين عليهما بمقام أحدهما على صاحبه أن لا يُقِيما حدود الله، ولا نشوز من المرأة على الرجل. وأمّا الآية التي في سورة البقرة فإنّها إنّما دَلَّت على إباحة الله -تعالى ذِكْرُهُ- له أخذَ الفِدْيَةِ منها في حال الخوف عليهما أن لا يُقِيما حدودَ الله بنُشُوزِ المرأة، وطلبِها فراقَ الرجل، ورغبته فيها. فالأمر الذي أُذِن به للزوج في أخذ الفدية من المرأة في سورة البقرة ضِدُّ الأمرِ الذي نُهِي من أجله عن أخذ الفِدْية في سورة النساء، كما الحظر في سورة النساء غير الطلاق والإباحة في سورة البقرة. فإنما يجوز في الحكمين أن يُقال: أحدهما ناسخ؛ إذا اتَّفقت معاني المحكوم فيه، ثُمَّ خُولِف بين الأحكام فيه باختلاف الأوقات والأزمنة. وأمّا اختلاف الأحكام باختلاف معاني المحكوم فيه في حال واحدة ووقت واحد فذلك هو الحكمة البالغة، والمفهوم في العقل والفطرة، وهو من الناسخ والمنسوخ بمعزِل». وبنحوه قال ابنُ عطية (١/٥٦٥)، وابنُ كثير (٢/٣٤٦)
قال ابن عطية (٧/٤٧٥): ""أما المعنى فيحتمل وجهين:أحدهما: أن يريد: وما كنتم تتصاونون وتحجزون أنفسكم عن المعاصي والكفر خوف أن يشهد، أو لأجل أن يشهد، ولكن ظننتم أن الله لا يعلم، فانهمكتم وجاهرتم. وهذا هو منحى مجاهد. والستر ينصرف على هذا المعنى ونحوه، ومنه قول الشاعر:والستر دون الفاحشات وما يلقاك دون الخير من ستروالمعنى الثاني أن يريد: وما كنتم تمتنعون ولا يمكنكم ولا يسعكم الاختفاء عن أعضائكم والاستتار عنها بكفركم ومعاصيكم، ولا تظنون أنها تصل بكم إلى هذا الحد. وهذا هو منحى السُّدّيّ، كأن المعنى: وما كنتم تدفعون بالاختفاء والستر أن تشهد؛ لأنّ الجوارح لزيمة لكم، وفي إلزامه إياهم الظنَّ بأن الله تعالى لا يعلم إلزامهم الكفر والجهل بالله، وهذا المعتقد يؤدي بصاحبه إلى تكذيب أمر الرسل واحتقار قدرة الله تعالى، لا ربّ غيره""
عن عمر بن عبد العزيز، قال: كانت قريش في الجاهلية تَعْتَفِد، وكان اعتفادها أنّ أهل البيت منهم كانوا إذا سافتْ -يعني: هلكتْ- أموالهم خرجوا إلى بَراز من الأرض، فضربوا على أنفسهم الأخبية، ثم تناوبوا فيها حتى يموتوا، من قبل أن يُعلم بخَلّتهم، حتى نشأ هاشم بن عبد مناف، فلما وبَل وعظم قدره في قومه قال: يا معشر قريش، إنّ العِزّ مع كثرة العدد، وقد أصبحتم أكثر العرب أموالًا، وأعزّهم نفرًا، وإنّ هذا الاعتفاد قد أتى على كثير منكم، وقد رأيتُ رأيًا. قالوا: رأيك رشدٌ، فمُرنا نأتمر. قال: رأيتُ أنْ أخلط فقراءكم بأغنيائكم، فأعمد إلى رجل غني فأضم إليه فقيرًا، عياله بعدد عياله، فيكون يوازره في الرحلتين؛ رحلة الصيف إلى الشام، ورحلة الشتاء إلى اليمن، فما كان في مال الغني من فضل عاش الفقير وعياله في ظِلّه، وكان ذلك قطعًا للاعتفاد. قالوا: نِعم ما رأيتَ. فألّف بين الناس، فلما كان من أمر الفيل وأصحابه ما كان، وأنزل الله ما أنزل، وكان ذلك مفتاح النبوة، وأول عِزّ قريش حتى هابهم الناس كلّهم، وقالوا: أهل الله، والله معهم. وكان مولد النبيِّ ﷺ في ذلك العام، فلما بعث الله رسوله ﷺ كان فيما أنزل عليه يعرّف قومه ما صنع إليهم، وما نصرهم من الفيل وأهله: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الفِيلِ﴾ إلى آخر السورة. ثم قال: ولِمَ فعلتُ ذلك -يا محمد- بقومك، وهم يومئذ أهل عبادة أوثان؟! فقال: ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ إلى آخر السورة. أي: لتراحمهم وتواصلهم، وإن كان الذي آمنهم منه من الخوف؛ خوفَ الفيل وأصحابه، وإطعامَهم إياهم من الجوع؛ من جوع الاعتفاد
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني: الذين صدَّقوا، ﴿والَّذِينَ هادُوا﴾ يعني: اليهود، ﴿والصّابِئُونَ﴾ هم قوم من النصارى صبأوا إلى دين نوح، وفارقوا هذه الفرق الثلاث، وزعموا أنهم على دين نوح عليه السلام، وأخطأوا لأن دين نوح عليه السلام كان على دين الإسلام، ﴿والنصارى﴾ إنما سموا نصارى لأنهم ابتدعوا هذا الدين بقرية تُسَمّى: ناصرة، قال الله عز وجل: ﴿مَن آمَنَ﴾ مِن هؤلاء ﴿بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا﴾ وأدّى الفرائض من قبل أن يُبعث محمد ﷺ فله الجنة، ومَن بقي منهم إلى أن يبعث محمد ﷺ فلا إيمان له إلا أن يُصَدِّق بمحمد ﷺ، فمَن صَدَّق بالله عز وجل أنّه واحد لا شريك له، وبما جاء به محمد ﷺ، وبالبعث الذي فيه جزاء الأعمال ﴿فلا خوف عليهم﴾