سورة الأعراف — الآية ١٧٢

عن سعيد بن جبير -من طريق جعفر- في قوله: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم﴾، قال: أخرج ذريته من ظهره كهيئة الذر، فعرضهم على آدم بأسمائهم وأسماء آبائهم وآجالهم، قال: فعرض عليه روح داود في نور ساطع، فقال: مَن هذا؟ قال: هذا مِن ذريتك نبيٌّ خليفة. قال: كم عمره؟ قال: ستون سنة. قال: زيدوه من عمري أربعين سنة. قال: والأقلام رطبة تجري. فأثبت لداود الأربعون، وكان عُمُرُ آدمَ عليه السلام ألفَ سنة، فلما استكملها إلا الأربعين سنة بُعِث إليه ملك الموت، فقال: يا آدم، أُمِرْتُ أن أقبضك. قال: ألم يبقَ من عمري أربعون سنة؟ قال: فرجع ملك الموت إلى ربه، فقال: إنّ آدم يَدَّعِي من عمره أربعين سنة. قال: أخبِر آدمَ أنّه جعلها لابنه داود والأقلام رطبة، فأُثْبِتَت لداود

سورة مريم — الآية ٨٧

عن أبي بكر الصديق، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مَن قال في دُبُر كلِّصلاة بعدما سلَّم هؤلاء الكلمات كتبه ملَك في رِقٍّ، فخَتَم بخاتم، ثم دفعها إلَيَّ يوم القيامة، فإذا بعث الله العبدُ مِن قبره جاءه الملَك ومعه الكتاب يُنادي: أين أهلُ العهود؟ حتى تدفع إليهم، والكلمات أن تقول: اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم، إني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا بأنّك أنت الله الذي لا إله إلا أنت، وحدك لا شريك لك، وأنّ محمدًا عبدُك ورسولك، فلا تَكِلْني إلى نفسي، فإنك إن تَكِلْنِي إلى نفسي تُقَرِّبْني مِن الشر، وتباعدني مِن الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعل رحمتك لي عهدًا عندك تؤديه إلَيَّ يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد»، وعن طاووس: أنه أمر بهذه الكلمات، فكُتِبَت في كفنه.

سورة القصص — الآية ٢٨

عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قال: فلمّا أتى الشيخَ وقصَّ عليه القصص قال: ﴿لا تخف نجوت من القوم الظالمين﴾. فأمر إحدى ابنتيه أن تأتيه بعصا، وكانت تلك العصا عصا استودعه إيّاها ملَك في صورة رجل، فدفعها إليه، فدخلت الجاريةُ، فأخذت العصا، فأتته بها، فلما رآها الشيخُ قال لابنته: ائتيه بغيرها. فألقتها، وأخذت تريد أن تأخذ غيرها، فلا يقع في يدها إلا هي، وجعل يُرَدِّدها، وكل ذلك لا يخرج في يدها غيرها، فلما رأى ذلك عهد إليه، فأخرجها معه، فرعى بها، ثم إنّ الشيخ ندم، وقال: كانت وديعة. فخرج يتلقى موسى، فلما رآه قال: أعطني العصا. فقال موسى: هي عصاي. فأبى أن يعطيه، فاختصما، فرضيا أن يجعلا بينهما أول رجل يلقاهما، فأتاهما ملَك يمشي، فقضى بينهما، فقال: ضعوها في الأرض، فمَن حملها فهي له. فعالجها الشيخ، فلم يُطِق

سورة الحشر — الآية ١٦

عن عبد الله بن عباس -من طريق عديّ بن ثابت- في الآية، قال: كان راهِبٌ في بني إسرائيل مُتعبِّدًا زمانًا، حتى كان يؤتى بالمجانين، فيَقرأ عليهم، ويُعوّذهم حتى يبرؤوا، فأُتِي بامرأة في شَرَفٍ قد عرَض لها الجنون، فجاء إخوتها إليه ليُعوِّذها، فلم يزل به الشيطان يُزيّن له حتى وقع عليها، فحمَلتْ، فلما عظُم بطنها لم يزل الشيطان يُزيّن له حتى قتَلها، ودفنَها في مكان، فجاء الشيطان في صورة رجل إلى بعض إخوتها، فأخبَره، فجعل الرجل يقول لأخيه: واللهِ، لقد أتاني آتٍ، فأخبَرني بكذا وكذا. حتى أفضى به بعضُهم إلى بعض، حتى رفعوه إلى مَلِكِهم، فسار الملِك والناسُ حتى استنزله، فأقَرّ واعترف، فأمَر به الملِك، فصُلِب، فأتاه الشيطان وهو على خشبته، فقال: أنا الذي زَيّنتُ لك هذا، وألقَيتُك فيه، فهل أنتَ مطيعي فيما آمرك به وأُخلّصك؟ قال: نعم. قال: اسجد لي سجدةً واحدةً. فسجد له وكفر، فقُتل في تلك الحال

ذكر ابنُ عطية (٥‏/‏١٠٣) أنّ الملِك لَمّا جمع النسوة وقال لهن: ما خطبكن... الآية كان ذلك استدعاء منه أن يعلمنه القصة، فجاوب النساءُ بجواب جيد، تظهر منه براءةُ أنفسهن جملة، وأعطين يوسف بعض براءة، وذلك أنّ الملك لما قرر لهن أنهن راودنه قلن جوابًا عن ذلك: ﴿حاش لله﴾، ثم قال: «وقد يحتمل- على بُعْدٍ- أن يكون قولهن: ﴿حاش لله﴾ في جهة يوسف عليه السلام، وقولهن: ﴿ما علمنا عليه من سوء﴾ ليس بإبراء تام، وإنما كان الإبراء التام وصفَ القصة على وجهها حتى يتقرر الخطأ في إحدى الجهتين، ولو قُلْنَ: ما علمنا عليه إلا خيرًا. لكان أدخل في التبرية. وقد بوَّب البخاري على هذه الألفاظ على أنها تزكية، وأدخل قول أسامة بن زيد في حديث الإفك: أهلك ولا نعلم إلا خيرًا. وأمّا مالك رحمه الله فلا يقنع بهذا في تزكية الشاهد، لأنه ليس بإثبات العدالة»

اختُلف في الذي عنى الله بالاستثناء في هذه الآية على أقوال: الأول: عنى به: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت. الثاني: عنى بذلك: الشهداء. الثالث: عنى بالاستثناء في الفزع: الشهداء، وفي الصعق: جبريل، وملك الموت، وحملة العرش. وقد رجّح ابن جرير (٢٠‏/‏٢٥٧) -مستندًا إلى الدلالة العقلية- القول الثالث، وانتقد القول الثاني، معللًا ذلك بقوله: «لأن الصعقة في هذا الموضع: الموت، والشهداء وإن كانوا عند الله أحياء -كما أخبر الله تعالى ذكره- فإنهم قد ذاقوا الموت قبل ذلك، وإنما عنى -جل ثناؤه- بالاستثناء في هذا الموضع: الاستثناء من الذين صعقوا عند نفخة الصعق، لا من الذين قد ماتوا قبل ذلك بزمان ودهر طويل؛ وذلك أنه لو جاز أن يكون المراد بذلك مَن قد هلك وذاق الموت قبل وقت نفخة الصعق؛ وجب أن يكون المراد بذلك: مَن قد هلك، فذاق الموت من قبل ذلك، لأنه ممن لا يصعق في ذلك الوقت إذا كان الميت لا يجدد له موت آخر في تلك الحال»

اختُلف في قوله: ﴿من كل أمر﴾ على قولين: الأول: أنهم ينزلون فيها بكلّ أمرٍ قدّره الله وقضاه في هذا العام. الثاني: أنّ المعنى: أنهم لا يلقون مؤمنًا ولا مؤمنة إلا سلّموا عليه. كما أفادته قراءة ابن عباس. وقد رجّح ابنُ جرير (٢٤‏/‏٥٤٨) القول الأول، ولم يذكر مستندًا، وعلّق على قراءة ابن عباس بقوله: «وهذه القراءة من قرأ بها وجَّه معنى (مِن كُلِّ امْرِئٍ): من كلّ ملَك؛ كان معناه عنده: تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كلّ مَلك يُسلّم على المؤمنين والمؤمنات». ثم انتقدها مستندًا لإجماع الحجة من القراء، ومصاحف المسلمين، فقال: «ولا أرى القراءة بها جائزة؛ لإجماع الحجّة من القراء على خلافها، وأنها خلاف لما في مصاحف المسلمين، وذلك أنه ليس في مصحف من مصاحف المسلمين في قوله: ﴿أمْرٍ﴾ ياء، وإذا قُرئتْ: (مِن كُلِّ امْرِئٍ) لحقتها همزة تصير في الخط ياء»

سورة الأنعام — الآية ٩٣

عن عبد الله بن عباس، قال: بينا رسول الله ﷺ ذاتَ يوم قاعدًا، وتلا هذه الآية: ﴿ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون﴾. ثم قال: «والَّذي نفسُ محمد بيده، ما من نفس تُفارِقُ الدنيا حتى تَرى مقعدَها من الجنة والنار». ثم قال: «إذا كان عندَ ذلك صَفَّ سِماطان من الملائكة نُظِموا ما بين الخافِقَين، كأنّ وجوههم الشمس، فينظُرُ إليهم ما يَرى غيرَهم، وإن كنتم ترَون أنّه ينظُرُ إليكم، مع كلِّ مَلَك منهم أكفان وحَنُوط، فإذا كان مؤمنًا بشَّرُوه بالجنة، وقالوا: اخْرُجي أيتها النفس الطيبة إلى رضوان الله وجنَّتِه، فقد أعدَّ الله لكِ من الكرامة ما هو خير لك من الدنيا وما فيها. فما يزالون يُبَشِّرُونه، ويحُفُّون به، فلَهم ألطفُ وأرأفُ من الوالدة بولدها، ويَسُلُّون رُوحَه من تحت كلِّ ظُفُر ومَفْصِل، ويموتُ الأولَ فالأول، ويبرُدُ كلُّ عضو الأول فالأول، ويُهَوَّنُ عليه، وإن كنتم ترَونه شديدًا، حتى تبلُغَ ذَقَنَه، فلَهو أشدُّ كراهةً للخروج حينئذ من الولد حينَ يخرُجُ من الرَّحِم، فيبتدِرُها كلُّ مَلَك منهم أيُّهم يقبِضُها، فيتولّى قبضَها ملك الموت». ثم تلا رسول الله ﷺ: ﴿قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون﴾ [السجدة:١١]. قال: «فيتلقّاها بأكفان بيض، ثم يحتضِنُها إليه، فهو أشدُّ لها لزومًا من المرأة لولدِها، ثم يفوحُ لها فيهم ريحٌ أطيبُ من المسك، يتباشَرون بها، ويقولون: مرحبًا بالريح الطيبة، والروح الطيب، اللهم صلِّ عليه روحًا، وصلِّ عليه جسدًا خرَجَتْ منه. فيصعدون بها، ولله خلقٌ في الهواء لا يعلمُ عِدَّتَهم إلا هو، فيفوحُ لها فيهم ريحٌ أطيبُ من المسك، فيُصَلُّون عليها، ويتباشَرُون بها، وتُفتحُ لها أبواب السماء، ويُصَلِّي عليها كل مَلَك في كل سماء تمُرُّ به، حتى تُوقَفَ بينَ يدَي الملك الجبار، فيقول الجبار عز وجل: مرحبًا بالنفس الطيبة، وبجسدٍ خرَجتْ منه. وإذا قال الربُّ عز وجل للشيء: مرحبًا. رحُب له كلُّ شيء، وذهَب عنه كلُّ ضَيْق، ثم يقول: اذهبوا بهذه النفس الطيبة، فأدخِلوها الجنة، وأرُوها مقعدَها، واعرِضوا عليها ما أُعِدَّ لها من النعيم والكرامة، ثم اهبِطوا بها إلى الأرض، فإني قضيتُ أنِّي منها خلَقتُهم، وفيها أعيدُهم، ومنها أُخرجُهم تارةً أُخرى. فو الذي نفسُ محمد بيده، لَهِي أشدُّ كراهة للخروج منها حين كانت تخرُجُ من الجسد، وتقول: أين تَذهَبون بي؟ إلى ذلك الجسد الذي كنتُ فيه؟! فيقولون: إنّا مأمورون بهذا، فلا بدَّ لكِ منه. فيهبِطون به على قدر فراغِهم من غُسلِه وأكفانه، فيُدخِلون ذلك الروحَ بين الجسد وأكفانه، فما خلَق الله كلمةً تكلَّمها حميم ولا غير حميم إلا وهو يسمَعُها، إلا أنه لا يُؤذنُ له في المراجعة، فلو سمِع أشد الناس له حبًّا ومن أعزِّهم كان عليه يقول: على رِسْلِكم، ما يُعجِلُكم. وأُذن له في الكلام للَعَنه، وإنه لَيسمعُ خفقَ نِعالِهم ونفضَ أيديهم إذا ولَّوا عنه، ثم يأتيه عند ذلك مَلَكان فظّان غليظان، يُسميّان: منكرًا، ونكيرًا، ومعهما عصًا من حديد، لو اجتمَع عليها الجنُّ والإنس ما أقلُّوها، وهي عليهما يسير، فيقولان له: اقعُدْ بإذن الله. فإذا هو مستوٍ قاعدًا، فينظرُ عند ذلك إلى خلق ٍكريه فظيع يُنسيه ما كان رأى عندَ موته، فيقولان له: مَن ربُّك؟ فيقول: الله. فيقولان: فما دينُك؟ فيقول: الإسلام. ثم ينتهِرانِه عند ذلك انتهارةً شديدة، فيقولان: فمن نبيك؟ فيقول: محمد ﷺ. ويعرَقُ عند ذلك عرقًا يبتلُّ ما تحتَه من التراب، ويصير ذلك العرق أطيب من ريح المسك، وينادى عند ذلك من السماء نداءً خفيًّا: صدَق عبدي، فلينفعْه صدقُه. ثم يُفْسَحُ له في قبره مَدَّ بصره، ويُنبَذُ له فيه الريحان، ويُسترُ بالحرير، فإن كان معه من القرآن شيء كفاه نورُه، وإن لم يكن معه جُعِل له نورٌ مثلُ الشمس في قبره، ويُفتحُ له أبواب وكِوًى إلى الجنة، فينظرُ إلى مقعدِه منها مما كان عايَن حينَ صُعِد به، ثم يقال له: نمْ قريرَ العين. فما نومُه ذلك إلى يوم يقومُ إلا كنومةٍ ينامُها أحدُكم شهيةً لم يُرْوَ منها، يقوم وهو يمسحُ عينيه، فكذلك نومُه فيه إلى يوم القيامة، وإن كان غير ذلك إذا نزَل به ملك الموت صَفَّ له سِماطان من الملائكة نُظِموا ما بينَ الخافقين، فيُخطَفُ بصرُه إليهم ما يَرى غيرهم، وإن كنتم ترَون أنه ينظرُ إليكم، ويُشدَّدُ عليه، وإن كنتم ترَون أنه يهوَّنُ عليه، فيلعنونه، ويقولون: اخرُجي، أيَّتُها النفس الخبيثة، فقد أعدَّ الله لكِ من النكال والنِّقمة والعذاب كذا وكذا، وساء ما قدَّمتِ لنفسِك. ولا يزالون يسُلُّونها في تعَب وغِلَظ، وغضب وشدة، من كلِّ ظُفُرٍ وعُضْو، ويموتُ الأول فالأول، وتنشَطُ نفسُه كما يصنع السَّفُّودُ ذو الشُّعَبِ بالصوف، حتى تقعَ الروحُ في ذَقَنِه، فلَهِي أشدُّ كراهيةً للخروج من الولد حينَ يخرج من الرحم، مع ما يبشِّرونه بأنواع النَّكال والعذاب، حتى تبلُغَ ذَقَنَه، فليس منهم ملكٌ إلا وهو يتحاماه كراهيةً له، فيتولّى قبضَها ملك الموت الذي وُكِّل بها، فيتلقّاها -أحسبُه قال-: بقطعةٍ من بِجاد أنتنَ ما خلَق الله وأخشنَه، فتُلقى فيها، ويفوحُ لها ريحٌ أنتنُ ما خلَق الله، ويسُدُّ ملك الموت مَنخِريه، ويسُدُّون آنافَهم، ويقولون: اللَّهُمَّ، العَنْها من روح، والعَنْه جسدًا خرَجت منه. فإذا صُعِد بها غلِّقت أبوابُ السماء دونَها، فيرسلُها مَلَك الموت في الهواء، حتى إذا دنَت من الأرض انحدَر مسرعًا في أثرِها، فيقبضُها بحديدة معه، يفعلُ بها ذلك ثلاث مرات». ثم تلا رسول الله ﷺ: ﴿ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق﴾ [الحج:٣١]. والسحيق: البعيد. «ثم يُنتَهى بها، فتُوقَفُ بين يدي الملك الجبار، فيقول: لا مرحبًا بالنفس الخبيثة، ولا بجسدٍ خرَجت منه. ثم يقول: انطلقوا بها إلى جهنم، فأرُوها مقعدَها منها، واعرِضوا عليها ما أعددتُ لها من العذاب والنِّقمة والنَّكال. ثم يقول الرب: اهبِطوا بها إلى الأرض، فإنِّي قضيتُ أنِّي منها خلقتُهم، وفيها أُعيدُهم، ومنها أُخرجُهم تارة أخرى. فيهبِطون بها على قدر فراغِهم منها، فيُدخِلون ذلك الروح بين جسده وأكفانه، فما خلَق الله حميمًا ولا غيرَ حميم من كلمة يَتكلَّمُ بها إلا وهو يسمَعُها، إلا أنّه لا يؤذنُ له في المراجعة، فلو سمِع أحبَّ الناس إليه وأعزَّهم عليه يقول: اخرجوا به، وعجِّلوا. وأُذن له في المراجعة للعَنه، وودَّ أنه تُرِك كما هو لا يُبلَغُ به حفرتَه إلى يوم القيامة، فإذا دخَل قبرَه جاءه ملكان أسودان أزرقان فظّان غليظان، ومعهما مِرْزَبَةٌ من حديد، وسلاسل، وأغلال، ومقامعُ الحديد، فيقولان له: اقعُدْ بإذن الله. فإذا هو مستوٍ قاعدًا، قد سقَطت عنه أكفانُه، ويَرى عند ذلك خَلْقًا فظيعًا يَنسى به ما رأى قبل ذلك، فيقولان له: من ربُّك؟ فيقول: أنت. فيفزعان عندَ ذلك فزْعة، ويقبِضان، ويضربانِه ضربة بمطرقة الحديد، فلا يبقى منه عضو إلا وقَع على حِدَةٍ، فيصيحُ عند ذلك صيحة، فما خلَق الله من شيء مَلك أو غيره إلا يسمَعُها، إلا الجنَّ والإنس، فيلعَنونه عند ذلك لعنة واحدة، وهو قوله: ﴿أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون﴾ [البقرة:١٥٩]. والذي نفسُ محمد بيده، لو اجتمَع على مِطرقتِهما الجنُّ والإنسُ ما أقلُّوها، وهي عليهما يسير، ثم يقولان: عُدْ بإذن الله. فإذا هو مستوٍ قاعدًا، فيقولان: مَن ربُّك؟ فيقول: لا أدري. فيقولان: مَن نبيك؟ فيقول: سمعتُ الناس يقولون: محمد. فيقولان: فما تقولُ أنت؟ فيقول: لا أدري. فيقولان: لا دَرَيتَ. ويعرَقُ عندَ ذلك عرقًا يبتلُّ ما تحتَه من التراب، فلَهو أنتنُ مِن الجيفة فيكم، ويضيقُ عليه قبرُه حتى تختلفَ أضلاعُه، فيقولان له: نَمْ نومةَ المُسْهَرِ. فلا يزالُ حيّات وعقارب أمثالُ أنياب البُخْت من النار ينهَشْنَه، ثم يُفتحُ له بابُه، فيَرى مقعدَه من النار، وتهُبُّ عليه أرواحُها وسَمومُها، وتلفَحُ وجهَه النار غُدُوًّا وعَشيًّا إلى يوم القيامة»

سورة النحل — الآية ٣٢

عن تميم الداري، عن النبي ﷺ، قال: «يقول الله لملك الموت: انطلق إلى وليي، فائتني به، فإني قد جربته بالسراء والضراء فوجدته حيث أحب، فائتني به لأريحه من هموم الدنيا وغمومها. فينطلق إليه ملك الموت، ومعه خمسمائة من الملائكة، معهم أكفان وحَنُوطٌ من حنوط الجنة، ومعهم ضَبائِرُ الريحان، أصل الريحانة واحد وفي رأسها عشرون لونًا، لكل لون منها ريح سوى ريح صاحبه، ومعهم الحرير الأبيض فيه المسك الأَذْفَر، فيجلس ملك الموت عند رأسه، وتَحْتَوِشُهُ الملائكة، ويضع كل ملَك منهم يده على عضو من أعضائه، ويبسط ذلك الحرير الأبيض والمسك الأذفر تحت ذقنه، ويفتح له باب إلى الجنة، فإن نفسه لَتَعَلَّلُ عند ذلك بطرف الجنة؛ مرة بأزواجها، ومرة بكسوتها، ومرة بثمارها، كما يعلل الصبيَّ أهلُه إذا بكى، وإن أزواجه لَيَبْتَهِشْنَ عند ذلك ابتهاشًا، وتَنزُو الروح نَزْوًا، ويقول ملك الموت: اخرجي أيتها الروح الطيبة إلى سدر مخضود، وطلح منضود، وظل ممدود، وماء مسكوب. وملَك الموت أشدُّ تلطُّفًا به من الوالدة بولدها، يعرف أن ذلك الروح حبيب إلى ربه، كريم على الله، فهو يلتمس بلطفه تلك الروح رضا الله عنه، فسلَّ روحه كما تُسَلُّ الشعرة من العجين، وإن روحه لتخرج والملائكة حوله يقولون: سلام عليكم، ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون. وذلك قوله: ﴿الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم﴾. قال: ﴿فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم﴾ [الواقعة:٨٩]. قال: روح من جهد الموت، وروح يؤتى به عند خروج نفسه، وجنة نعيم أمامه. فإذا قبض ملك الموت روحه يقول الروح للجسد: لقد كنت بي سريعًا إلى طاعة الله، بطيئًا عن معصيته، فهنيئًا لك اليوم؛ فقد نجوت وأنجيت. ويقول الجسد للروح مثل ذلك، وتبكي عليه بقاع الأرض التي كان يطيع الله عليها كل باب من السماء كان يصعد منه عمله وينزل منه رزقه أربعين ليلة، فإذا قبضت الملائكة روحه أقامت الخمسمائة ملك عند جسده، لا يقلبه بنو آدم لشِقٍّ إلا قلبته الملائكة عليهم السلام قبلهم، وعَلَتْه بأكفان قبل أكفانهم، وحنوط قبل حنوطهم، ويقوم من باب بيته إلى باب قبره صفّان من الملائكة يستقبلونه بالاستغفار، ويصيح إبليس عند ذلك صيحة تَتَصَدَّع منها بعض عظام جسده، ويقول لجنوده: الويل لكم؛ كيف خلص هذا العبد منكم؟ فيقولون: إنّ هذا كان معصومًا. فإذا صعد ملك الموت بروحه إلى السماء يستقبله جبريل في سبعين ألفًا من الملائكة، كلهم يأتيه من ربه، فإذا انتهى ملك الموت إلى العرش خرَّت الروح ساجدة لربها، فيقول الله لملك الموت: انطلق بروح عبدي فضعه في سدر مخضود، وطلح منضود، وظل ممدود، وماء مسكوب. فإذا وُضِع في قبره جاءت الصلاة فكانت عن يمينه، وجاء الصيام فكان عن يساره، وجاء القرآن والذِّكر فكانا عند رأسه، وجاء مشيه إلى الصلاة فكان عند رجليه، وجاء الصبر فكان ناحية القبر، ويبعث الله عُنُقًا من العذاب فيأتيه عن يمينه، فتقول الصلاة: وراءكَ، واللهِ، ما زال دائبًا عمره كله، وإنما استراح الآن حين وضع في قبره. فيأتيه عن يساره، فيقول الصيام مثل ذلك، فيأتيه من قِبَل رأسه، فيقول له مثل ذلك، فلا يأتيه العذاب من ناحية فيلتمس هل يجد لها مساغًا إلا وجد وليَّ الله قد أحرزته الطاعة، فيخرج عنه العذاب عندما يرى، ويقول الصبرُ لسائر الأعمال: أما إنه لم يمنعني أن أباشره بنفسي إلا أني نظرت ما عندكم، فلو عجزتم كنت أنا صاحبُه، فأما إذا أجزأتم عنه فأنا ذخر له عند الميزان. قال: ويبعث الله إليه ملَكين أبصارهما كالبرق الخاطف، وأصواتهما كالرعد القاصف، وأنيابهما كالصَّياصِيِّ، وأنفاسهما كاللهب؛ يطآن في أشعارهما بين منكبي كل واحد منهما مسيرة كذا وكذا، قد نزعت منهما الرأفة والرحمة إلا بالمؤمنين، يقال لهما: منكر ونكير، وفي يد كل واحد منهما مطرقة لو اجتمع عليها الثقلان لم يقلوها. فيقولان له: اجلس. فيستوي جالسًا في قبره، فتسقط أكفانه في حقويه، فيقولان له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول: ربي الله وحده لا شريك له، والإسلام ديني، ومحمد نبي، وهو خاتم النبيين. فيقولان له: صدقت، فيدفعان القبر، فيُوسِّعانه من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن يساره، ومن قِبَل رأسه، ومن قِبَل رجليه، ثم يقولان له: انظر فوقك. فينظر، فإذا هو مفتوح إلى الجنة، فيقولان له: هذا منزلك، يا وليَّ الله، لِما أطعت الله». قال رسول الله ﷺ: «فوالذي نفس محمد بيده، إنه لتصل إلى قلبه فرحة لا تَرْتَدُّ أبدًا، فيقال له: انظر تحتك. فينظر تحته، فإذا هو مفتوح إلى النار، فيقولان: يا وليَّ الله، نجوت من هذا. فوالذي نفسي بيده، إنّه لَتَصِل إلى قلبه عند ذلك فرحة لا ترتد أبدًا، ويفتح له سبعة وسبعون بابًا إلى الجنة يأتيه ريحها وبردها حتى يبعثه الله تعالى من قبره». قال: «ويقول الله تعالى لملَك الموت: انطلق إلى عدوي، فائتني به، فإني قد بسطت له رزقي، وسربلته نعمتي، وأبى إلا معصيتي، فائتني به لأنتقم منه اليوم. فينطلق إليه ملك الموت في أكره صورة رآها أحد من الناس، له ثنتا عشرة عينًا، ومعه سَفُّودٌ من النار كثير الشوك، ومعه خمسمائة من الملائكة، معهم نحاس وجمر مِن جمر جهنم، معهم سياط من النار تأجج، فيضربه ملك الموت بذلك السفود ضربة، يغيب أصلُ كل شوكة من ذلك السفود في أصل كل شعرة وعِرق من عروقه، ثم يلويه ليًّا شديدًا، فينزع روحَه من أظفار قدميه، فيلقيها في عقبيه، فيسكر عدوُّ الله عند ذلك سكرة، وتضرب الملائكة وجهه ودبره بتلك السياط، ثم يجذبه جذبة، فينزع روحه من عَقِبَيه، فيلقيها في ركبتيه، فيسكر عدوُّ الله سكرة، وتضرب الملائكة وجهه ودبره، ثم كذلك إلى حقويه، ثم كذلك إلى صدره، ثم كذلك إلى حلقه، ثم تبسط الملائكة ذلك النحاس وجمر جهنم تحت ذقنه، ثم يقول ملك الموت: اخرجي -أيتها النفس اللعينة الملعونة- إلى سموم وحميم، وظل من يحموم، لا بارد ولا كريم. فإذا قبض ملك الموت روحه قالت الروح للجسد: جزاك الله عني شرًّا، لقد كنت بي سريعًا إلى معصية الله، بطيئًا بي عن طاعة الله، فقد هلكت وأهلكت. ويقول الجسد للروح مثل ذلك، وتلعنه بقاع الأرض التي كان يعصي الله تعالى عليها، وتنطلق جنود إبليس إليه يُبَشِّرونه بأنهم قد أوردوا عبدًا من بني آدم النار، فإذا وضع في قبره ضُيِّق عليه قبرُه حتى تختلف أضلاعه؛ فتدخل اليمنى في اليسرى، واليسرى في اليمنى، ويبعث الله إليه حيّات دهمًا، تأخذ بأرنبته وإبهام قدميه، فتقرِضُه حتى تلتقي في وسطه، قال: ويبعث الله إليه الملَكين، فيقولان له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيُّك، فيقول: لا أدري. فيقال له: لا دريت، ولا تليت. فيضربانه ضربة يتطاير الشرار في قبره، ثم يعود، فيقولان له: انظر فوقك. فينظر، فإذا باب مفتوح من الجنة، فيقولان: عدوَّ الله، لو أطعت اللهَ كان هذا منزلك. فوالذي نفس محمد بيده، إنّه لتصل إلى قلبه عند ذلك حسرةٌ لا ترتدُّ أبدًا، ويفتح له باب إلى النار، فيقال: عدوَّ الله، هذا منزلك لما عصيت الله. ويفتح له سبعة وسبعون بابًا إلى النار، يأتيه حرها وسمومها، حتى يبعثه الله يوم القيامة إلى النار»

سورة آل عمران — الآية ١٩

عن عبد الله بن عمر -من طريق الربيع- أنّه كان يُكْثِرُ تلاوةَ هذه الآية: ﴿إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم﴾، يقول: بَغْيًا على الدنيا، وطلب مُلْكِها وسُلطانِها. مِن قِبَلِها -واللهِ- أُتِينا، ما كان علينا مَن يكونُ علينا بعد أن يأخُذ فينا كتابَ الله وسُنَّةَ نبيه، ولكِنّا أُتِينا مِن قِبَلِها