كان الحسن البصري لا يَعُدُّ السجود إلا من المسلمين، ولا يعد ذلك مِن المشركين
وجَّه ابنُ عطية (٦/١٣٥) قول طلق بن حبيب قائلًا: «إن كان رَوى هذا أنّ للناس يوم القيامة سجودًا، وجعل هذه الآية إخبارًا عنه؛ فقوله مستقيم، وإن كان أراد سجود الدنيا فقد أفسد المعنى»
ساق ابنُ تيمية (٤/٤١٣) هذا القول، وذكر قولًا آخر بأن السجود هنا بمعنى الطاعة؛ لأنه ما من شيء إلا وهو خاضع لله كما قال تعالى: ﴿قالتا أتينا طائعين﴾ [فصلت:١١]، وبَيَّن أن كلا القولين صحيح، فقال: «فإذا كان السجود في هذه الآية ليس عامًّا وهو هناك عام؛ كان السجود المطلق هو سجود الطوع. فهذه المذكورات تسجد تطوعًا هي وكثير من الناس، والكثير الذي حق عليه العذاب إنما يسجد كرهًا، وحينئذ فالكثير الذي حق عليه العذاب لم يقل فيه: إنه يسجد، ولا نفى عنه كل سجود، بل تخصيص مَن سواه بالذكر يدل على أنه ليس مثله، وحينئذ فإذا لم يسجد طائعًا حصل فائدة التخصيص، وهو مع ذلك يسجد كارهًا، فكلا القولين صحيح»
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العَوفيّ- ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾، يقول: يُدعَون يوم القيامة إلى السجود، فلا يستطيعون السجود؛ مِن أجل أنهم لم يكونوا يَسجدون لله في الدنيا
عن أبي سعيد الخدري، قال: رأيتُ فيما يرى النائم كأنِّي تحت شجرة، وكأن الشجرة تقرأ «ص»، فلما أتتْ على السجدة سَجَدَتْ، فقالتْ في سجودها: اللهم، اغفر لي بها، اللهم، حُطَّ عني بها وزرًا، وأحدِثْ لي بها شكرًا، وتقبّلها مِنِّي كما تقبَّلت مِن عبدك داود سجدتَه. فغدوتُ على رسول الله ﷺ، فأخبرته، فقال: «سجدتَ أنت، يا أبا سعيد؟». فقلت: لا. قال: «فأنت أحقُّ بالسجود من الشجرة». ثم قرأ رسول الله ﷺ ص، ثم أتى على السجدة، وقال في سجوده ما قالت الشجرة في سجودها
علَّق ابنُ جرير (١٦/٤٨٨) على قول مجاهد بقوله: «فعلى هذا التأويل الذي ذكرناه عن مجاهد وقع قوله: ﴿وكثير حق عليه العذاب﴾ بالعطف على قوله: ﴿وكثير من الناس﴾، ويكون داخلًا في عداد من وصفه الله بالسجود له، ويكون قوله: ﴿حق عليه العذاب﴾ مِن صلة: ﴿كثير﴾، ولو كان الكثير الثاني مِمَّن لم يَدخل في عداد من وُصف بالسجود كان مرفوعًا بالعائد مِن ذكره في قوله: ﴿حق عليه العذاب﴾. وكان معنى الكلام حينئذ: وكثير أبى السجود؛ لأن قوله: ﴿حق عليه العذاب﴾ يدل على معصية الله، وإبائه السجود، فاستحق بذلك العذاب»
عن أنس، قال: قال رسول اللهﷺ: «إن الله أمَرَ آدم بالسجود، فسجد، فقال: لك الجنةُ، ولِمَن سَجَد مِن ولدك. وأمر إبليسَ بالسجود، فأبى أن يسجد، فقال: لك النار، ولِمَن أبى مِن ولدك أن يسجد»
عن جابر بن عبد الله، قال: صلى رسول الله ﷺ صلاة الخوف، فصففنا خلفه صفين، والعدو بيننا وبين القبلة، فكبر النبي ﷺ، وكبرنا جميعًا، ثم ركع، وركعنا جميعًا، ثم رفع رأسه من الركوع، ورفعنا جميعًا، ثم انحدر للسجود والصف الذي يليه، وقام الصف المُؤَخَّر في نَحْرِ العدو، فلما قضى رسول الله ﷺ السجود وقام الصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود، [ثم قاموا، ثم] تقدم الصف المؤخر، وتأخر المقدم، ثم ركع النبي ﷺ، وركعنا جميعًا، ثم رفع رأسه من الركوع، ورفعنا جميعًا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخرًا في الركعة الأولى، وقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضى رسول الله ﷺ السجود والصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود، فسجدوا، ثم سلم النبي ﷺ، وسلمنا جميعًا. قال جابر رضي الله عنه: كما يصنع حرسكم هؤلاء بأمرائهم
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ألم تر﴾ يعني: ألم تعلم ﴿أن الله يسجد له من في السماوات﴾ مِن الملائكة وغيرهم، ﴿ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم﴾ سجود هؤلاء الثلاثة حين تغرب الشمس قبل المغرب لله تعالى تحت العرش، ﴿و﴾يسجد ﴿الجبال والشجر والدواب﴾ ظلهم حين تطلع الشمس، وحين تزول إذا تحول ظِلُّ كل شيء فهو سجوده. ثم قال سبحانه: ﴿و﴾يسجد ﴿كثير من الناس﴾ يعني: المؤمنين، ﴿و﴾يسجد ﴿كثير﴾ ممن ﴿حق عليه العذاب﴾ مِن كُفّار الإنس والجن سجودهم هو سجود ظلالهم، ﴿ومن يهن الله فما له من مكرم﴾
عن ابن سيرين، قال: سُئِلَتْ عائشة عن سجود القرآن. فقالت: حقٌّ لله تُؤدِّيه، أو تطوُّعٌ تَطوَّعُه، وما مِن مسلمٍ سجَدَ لله سجدةً إلا رفَعه الله بها درجة، أو حطَّ عنه بها خطيئة، أو جمَعهما له كلتيهما