عن سيف بن عمر، عن محمد والمهلب وطلحة وعمرو وأبو عمر وسعيد، قالوا: لما دخل سعد بن أبي وقاص المدائن، فرأى خلوتها، وانتهى إلى إيوان كسرى؛ أقبل يقرأ: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ وزُرُوعٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ ونَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ كَذلِكَ وأَوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾
قال مقاتل بن سليمان: ﴿لِيُدْخِلَ﴾ لكي يدخل ﴿اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ﴾ منهم عيّاش بن أبي ربيعة، وأبو جندل بن سُهيل بن عمرو، والوليد بن الوليد بن المُغيرة، وسلمة بن هشام بن المُغيرة، كلّهم من قريش، وعبد الله بن أسد الثَّقَفيّ
عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صَعْصَعة، عن أبيه -من طريق سفيان-، وكان أبوه يتيمًا في حِجْر أبي سعيد الخدريّ، قال: قال لي -يعني: أبا سعيد-: يا بُنيّ، إذا كنت في البوادي فارفع صوتك بالأذان؛ فإني سمعتُ النبي ﷺ يقول: «لا يسمعه جن، ولا إنس، ولا شجر، ولا حجر، إلا شهد له»
عن محمد بن إسحاق، قال: إنّ أبا بكر لَمّا حدَّث نفسَه بأن يغزو الروم فلم يُطْلِع عليه أحدًا، إذ جاءه شُرَحْبيل بن حَسَنَة، فجلس إليه، فقال: يا خليفةَ رسول الله، أتُحَدِّثُ نفسَك أنّك تبعثُ إلى الشام جُندًا؟ فقال: نعم، قد حدَّثْتُ نفسي بذلك، وما أطْلَعْتُ عليه أحدًا، وما سألتني عنه إلا لشيء. قال: أجل، إنِّي رأيت -يا خليفة رسول الله- فيما يرى النائمُ كأنّك تمشي في الناس فوق خَرْشَفَةٍ مِن الجبل، ثم أقبلتَ تمشي حتى صعدت قُنَّةً من القِنان العالية، فأَشْرَفْتَ على الناس ومعك أصحابك، ثم إنّك هبطت مِن تلك القِنان إلى أرض سهلة دَمِثَةٍ فيها الزَّرع والقرى والحصون، فقلتَ للمسلمين: شُنُّوا الغارةَ على أعداء الله، وأنا ضامِنٌ لكم بالفتح والغنيمة. فشدَّ المسلمون، وأنا فيهم معي راية، فتوجهت بها إلى أهل قرية، فسألوني الأمان، فأمَّنتُهم، ثم جئتُ فأجدُك قد انتهيتَ إلى حصن عظيم، ففَتَحَ اللهُ لك، وأَلْقَوْا إليك السلم، ووضع اللهُ لك مجلسًا، فجلست عليه، ثم قيل لك: يفتح الله عليك وتُنصَر، فاشكر ربك، واعمل بطاعته. ثم قرأ: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا﴾ [النصر:١-٣]، ثم انتبهتُ. فقال له أبو بكر: نامت عيناك، خيرًا رأيتَ، وخيرًا يكون إن شاء الله. ثم قال: بَشَّرْتَ بالفتح، ونَعَيْتَ إلَيَّ نفسي. ثم دَمَعَتْ عينا أبي بكر، ثم قال: أمّا الخَرْشَفَة التي رأيتَنا نمشي عليها حتى صعدنا إلى القُنَّةِ العالية فأَشْرَفْنا على الناس؛ فإنّا نُكابِدُ مِن أمر هذا الجند والعدو مَشَقَّةً ويُكابِدونه، ثم نعلو بعدُ ويعلو أمرُنا، وأمّا نزولنا مِن القُنَّةِ العالية إلى الأرض السهلة الدَّمِثَة والزرع والعيون والقرى والحصون؛ فإنّا ننزل إلى أمر أسهل مِمّا كنا فيه مِن الخصب والمعاش، وأمّا قولي للمسلمين: شُنُّوا على أعداء الله الغارة فإنِّي ضامن لكم الفتح والغنيمة؛ فإنّ ذلك دُنُوُّ المسلمين إلى بلاد المشركين، وترغيبِي إيّاهم على الجهاد والأجر والغنيمة التي تقسم لهم وقبولهم، وأمّا الراية التي كانت معك فتوجهتَ بها إلى قرية من قراهم ودخلتها واستأمنوا فأمَّنتَهم؛ فإنّك تكون أحدَ أمراء المسلمين، ويفتح الله على يديك، وأمّا الحصن الذي فتح الله لي؛ فهو ذلك الوجه الذي يفتح الله لي، وأمّا العرش الذي رأيتني عليه جالسًا؛ فإنّ الله يرفعني ويضع المشركين، وقال الله -تبارك وتعالى- ليوسف: ﴿ورفع أبويه على العرش﴾، وأمّا الذي أمرني بطاعة الله وقرأ عَلَيَّ السورة؛ فإنّه نَعى إلَيَّ نفسي، وذلك أنّ النبي ﷺ نعى اللهُ إليه نفسَه حين نزلت هذه السورة، وعلم أنّ نفسَه قد نُعِيَت إليه. ثم سالتا عيناه، فقال: لَآمُرَنَّ بالمعروف، ولَأَنْهَيَنَّ عن المنكر، ولأجهدن فيمَن نزل أمر الله، ولَأُجَهِّزَنَّ الجنود إلى العادلين بالله في مشارق الأرض ومغاربها، حتى يقولوا: الله أحدٌ أحدٌ لا شريك له. أو يُؤَدُّوا الجزيةَ عن يدٍ وهم صاغرون، هذا أمرُ الله وسنةُ رسول الله ﷺ، فإذا تَوَفّاني الله عز وجل لا يجدني اللهُ عاجِزًا ولا وانِيًا ولا في ثواب المجاهدين زاهِدًا. فعند ذلك أمر الأمراء، وبعث إلى الشام البُعُوث
عن أبي العالية -من طريق الربيع بن أنس- في قوله: ﴿إن الذين كفروا﴾، قال: أُنزِلَت هاتان الآيتان في قادة الأحزاب، وهم الذين ذَكَرهم الله في هذه الآية: ﴿ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا﴾ [إبراهيم: ٢٨]، قال: فهم الذين قُتِلوا يوم بدر، ولم يدخل من القادة أحدٌ في الإسلام إلا رجلان: أبو سفيان، والحكم بن أبي العاص
عن زيد بن أسلم قال: كتب أبو عبيدة إلى عمر بن الخطاب يذكر له جموعًا من الروم، وما يتخوف منهم. فكتب إليه عمر: أما بعد، فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من شدة يجعل الله بعدها فرجًا، وإنه لن يغلب عسر يسرين، وإن الله يقول في كتابه: ﴿يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون﴾
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطاء- قال: لَمّا كان العرشُ على الماء قبل أن يخلق الله السموات والأرض بعث الله تعالى ريحًا هَفّافَةً، فصَفَقَت الريحُ الماء، فأبرزت عن خَشَفَةٍ في موضع البيت كأنها قُبَّة، فدحا الله تعالى الأرض من تحتها، فمادَت ثُمَّ مادَت، فأَوْتَدَها الله بالجبال، فكان أول جبل وضع فيه أبو قُبَيْسٍ؛ فلذلك سُمِّيت: أم القرى
عن الضَّحّاك بن مُزاحِم بنحوه مُطَوَّلًا بذكر قصة قتل قريش لخُبَيب بن عَدِيٍّ صَبْرًا، وفيه: ويقال: كان رجل من المشركين يُقال له: سلامان أبو ميسرة، معه رُمْحٌ، فوضعه بين ثَدْيَيِ خُبَيب، فقال له خُبَيب: اتَّقِ الله. فما زاده ذلك إلا عُتُوًّا، فطعنه، فأنفذه، وذلك قوله عز وجل: ﴿وإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ﴾، يعني: سلامان
عن أُمِّ سلمة، قالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «ما من عبد تصيبه مصيبة، فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم، أْجُرْني في مُصِيبَتي، وأَخْلِف لي خيرًا منها. إلا آجَرَه الله في مصيبته، وأَخْلَفَ له خيرًا منها». قالت: فلما تُوُفِّي أبو سلمة قلت كما أمرني رسول الله ﷺ، فأخلف الله لي خيرًا منه؛ رسول الله ﷺ
قال محمد ابن شهاب الزهري: وقال: ﴿لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾، قال أبو يزيد: بلغني: أنّ الرجل كان في الجاهلية لا يُوَرِّثُ امرأةَ أبيه، لا يُوَرِّثُها مِن الميراث شيئًا حتى تفتدي ببعض ما أعطوها. قال ابن شهاب: فوعظ الله سبحانه في ذلك عبادَه المؤمنين، ونهاهم عنه