أفادت الآثارُ اختلافَ المفسرين في المعنيين بأئمة الكفر على قولين: الأول: هم أبو جهل، وعتبة بن ربيعة، وأبو سفيان بن حرب، ونظراؤهم. والثاني: أنه لم يأتِ أهلها بعدُ. ورجَّح ابنُ عطية (٤/٢٧٠) مستندًا إلى دلالة العموم شمول الآية لهذه الأقوال، فقال: «وأَصْوَبُ ما في هذا أن يُقال: إنّه لا يُعنى بها مُعيَّن، وإنما وقع الأمر بقتال أئمة الناكثين بالعهود من الكَفَرة إلى يوم القيامة دون تعيين، واقتضت حال كفار العرب ومحاربي رسول الله ﷺ أن تكون الإشارة إليهم أولًا بقوله: ﴿أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾، وهم حصلوا حينئذ تحت اللفظة؛ إذ الذي يتولى قتال النبي ﷺ والدفع في صدر شريعته هو إمام مَن يَكْفُر بذلك الشرع إلى يوم القيامة، ثم تأتي في كل جيل من الكفار أئمة خاصة بجيلٍ جيل». ووافقه ابنُ كثير (٧/١٥٥) فقال: «الآية عامَّةٌ، وإن كان سبب نزولها مشركي قريش، فهي عامَّة لهم ولغيرهم». وانتقد ابنُ عطية مستندًا إلى التاريخ قول قتادة بأنّه أبو جهل وأضرابه قائلًا: «وهذا -إن لم يُتَأَوَّل أنّه ذكرهم على جهة المثال- ضعيف؛ لأن الآية نزلت بعد بدر بكثير». ووجَّه قول حذيفة رضي الله عنه بقوله: «يريد: لم ينقرضوا، فهم يحيون أبدًا ويُقاتلون»
ذكر ابنُ عطية (٤/٦٣) أنّ قوله تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهاهُمْ عَنِ المُنْكَرِ﴾ يحتمل احتمالين: الأول: أن يريد ابتداءَ وصف الله -تبارك تعالى- النبي ﷺ. الثاني: أن يجعله متعلقًا بـ﴿يَجِدُونَهُ﴾ في موضع الحال على تجوز، أي: يجدونه في التوراة آمرًا بشرط وجوده. ثم علَّق بقوله: «فالمعنى الأول لا يقتضي أنهم علموا مِن التوراة أنّه يأمرهم وينهاهم ويُحِلُّ ويُحَرِّم، والمعنى الثاني يقتضي ذلك، فالمعنى الثاني على هذا ذمٌّ لهم، ونحا إلى هذا أبو إسحاق الزجّاج». ثم بيّن أنّ أبا علي الفارسي قال بأن ﴿يَأْمُرُهُمْ﴾ تفسير لما كتب مِن ذكره، كما أن قوله تعالى: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آل عمران:٥٩] تفسير للمثل، ولا يجوز أن يكون حالًا مِن الضمير في ﴿يَجِدُونَهُ﴾؛ لأنّ الضمير للذكر والاسم، والذكر والاسم لا يأمران، ثم قال: «وما قدمته من التجوز وشرط الوجود يقرب ما منع منه أبو علي، وانظر»
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطاء- قال: كان الرجلُ إذا مات أبوه أو حميمُه كان أحقَّ بامرأته، إن شاء أمسكها، أو يحبسُها حتى تفتدي منه بصداقها، أو تموت فيذهب بمالها، قال عطاء بن أبي رباح: وكان أهل الجاهلية إذا هلك الرجل فترك امرأةً يحبسها أهلُه على الصبيِّ، تكون فيهم؛ فنزلت: ﴿لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها﴾
عن إسماعيل السُّدِّيِّ -من طريق أسباط- قال: أمّا قوله: ﴿لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها﴾ فإنّ الرجل في الجاهلية كان يموت أبوه أو أخوه أو ابنه، فإذا مات وترك امرأتَه، فإن سبق وارِثُ الميِّتِ فألقى عليها ثوبَه فهو أحقُّ بها أن يَنكِحها بمهر صاحبه، أو يُنكِحها فيأخذ مهرَها، وإن سبقته فذهبت إلى أهلها فهم أحقُّ بنفسها
عن عبد الله بن عمر -من طريق مجاهد- قال: خلق الله أربعًا بيده: العرش، وجنات عدن، والقلم، وآدم، ثم قال لكل شيء: كن. فكان. واحتجب من خلقه بأربعة: بنار وظلمة، ونور وظلمة[[أخرجه ابن جرير ٢٠/١٤٥ بنحوه، وأبو الشيخ في العظمة (١٠٣٠)، والبيهقي (٦٩٣).]][[c=٥٥٩٦]]
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ﴾، نزلت في أبي مَرْثَدٍ الغَنَويِّ، واسمه أيمن، وفي عَناق القُرَشِيَّة، وذلك أنّ أبا مَرْثَد كان رجلًا صالحًا، وكان المشركون أسروا أُناسًا بمكة، وكان أبو مَرْثَد ينطلق إلى مكة مُسْتَخْفِيًا، فإذا كان الليلُ أخَذَ الطريق، وإذا كان النهارُ تَعَسَّفَ الجبال لِئَلّا يراه أحد، حتى يقدم مكة، فيَرْصُدُ المسلمين ليلًا، فإذا أخرجهم المشركون للبُراز تركوهم عند البُراز والغائِط، فينطلق أبو مَرْثَد، فيجعل الرجل منهم على عنقه، حتى إذا أخرجه من مكة كَسَرَ قَيْدَه بفِهْرٍ، ويُلْحِقه بالمدينة، كان ذلك دَأْبه. فانطلق يومًا حتى انتهى إلى مكة، فلَقِيَتْهُ عَناق، وكان يُصِيب منها في الجاهِلِيَّة، فقالت: أبا مَرْثَد، ما لَك فِيَّ حاجة؟ فقال: إنّ الله عز وجل قد حَرَّم الزِّنا. فلَمّا أيِسَتْ منه أنذَرَتْ به كُفّارَ مكة، فخرجوا يطلبونه، فاسْتَتَرَ منهم بالشجر، فلم يَقْدِرُوا عليه، فلَمّا رجعوا احتمل بعضَ المسلمين حتى أخرجه من مكة، فكَسَر قيدَه. ورَجَع إلى المدينة، فأَتى النبيَّ ﷺ، فأخبره بالخبر. فقال: والذي بعثك بالحقِّ، لو شئتُ أن آخذهم وأنا مُسْتَتِرٌ بالشجرة لفعلتُ. فقال له النبي ﷺ: «اشكر ربَّك، أبا مَرْثَد؛ إنّ الله عز وجل حَجَزَهم عنك». فقال أبو مَرْثَد: يا رسول الله، إنّ عَناق أُحِبُّها، وكان بيني وبينها في الجاهِلِيَّة، أفَتَأْذَنُ لي في تزويجها؛ فإنّها لَتُعْجِبُني. فأنزل اللهُ عز وجل: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَ﴾
انتقد ابنُ جرير (٨/٣٣٢) قول مجاهد هذا، فقال: «هذا قول وجدته عن مجاهد، وأخشى أن يكون غلطًا؛ لأنّ الصحيح من الرواية عنه ما قد ذكرنا قبل» أي: الرواية السابقة، ثم ساق هذه الرواية. وعلَّق ابنُ عطية (٣/١٤٦) على هذا القول، فقال: «إذ هو في العداء وإرادة القتل آثم، ولو لم ينفذ القتل». وكذا علَّق ابنُ كثير (٥/١٧٢ بتصرف)، فقال: «قد يتوهم كثير من الناس هذا القول، ويذكرون في ذلك حديثًا لا أصل له: «ما ترك القاتل على المقتول من ذنب». وقد روى الحافظ أبو بكر البزار حديثًا يشبه هذا، ولكن ليس به، فقال: حدثنا عمرو بن علي، ... عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ: «قتل الصبر لا يمر بذنب إلا محاه». وهذا بهذا لا يصح، ولو صح فمعناه: أنّ الله يكفر عن المقتول بألم القتل ذنوبه، فأما أن تحمل على القاتل فلا. ولكن قد يتفق هذا في بعض الأشخاص، وهو الغالب، فإنّ المقتول يطالب القاتل في العرصات، فيؤخذ له من حسناته بقدر مظلمته، فإن نفدت ولم يستوفِ حقه أخذ من سيئات المقتول، فطُرِحت على القاتل، فربما لا يبقى على المقتول خطيئة إلا وضعت على القاتل، وقد صح الحديث بذلك عن رسول الله ﷺ في المظالم كلها، والقتل من أعظمها وأشدها»
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم، فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا﴾، قال: يقول: لا تنكِحُوهُنَّ حتى يتوفاهُنَّ الموت، ولم يُخْرِجْهُنَّ من الإسلام، ثم نسخ هذا، وجعل السبيل أن يجعل لهن سبيلًا، قال: فجعل لها السبيل إذا زَنَتْ وهي مُحْصَنَةٌ رُجِمَتْ وأُخْرِجَت، وجعل السبيل للبكر جلدُ مائة
عن بكر بن سَوادة -من طريق عبيد الله بن زَحْرٍ- قال: حمَل رجلٌ من العدوِّ على المسلمين، فقتَل رجلًا، ثم حمَل، فقتَل آخر، ثم حمَل، فقتَل آخر، ثم قال: أينفَعُني الإسلامُ بعدَ هذا؟ قالوا: ما ندري. فذكَروا ذلك لرسول الله ﷺ، فقال: «نعم». فضرَب فرسَه، فدخَل فيهم، ثم حمَل على أصحابه، فقتَل رجلًا، ثم آخر، ثم آخر، ثم قُتِل. قال: فيُرَون أن هذه الآية نزَلت فيه: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾ الآية
ذكر ابنُ عطية (٨/٤٩٨) أنّ التَّسبيح في الآية هو الصلاة، وأنه يحتمل أن يريد قول: «سبحان الله»، ثم قال: «وذهب قومٌ مِن أهل العلم إلى أنّ هذه الآية إشارة إلى الصلوات الخمس. منهم ابن حبيب وغيره. فالبُكرة: صلاة الصبح، والأصيل: الظهر والعصر، ومن الليل: المغرب والعشاء. وقال ابن زيد وغيره: كان هذا فرضًا ونُسِخ، فلا فرض إلا الخمس. وقال قوم: هو مُحْكَم على وجه الندب»