عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿لقد سمع الله﴾ الآية، قال: ذُكِرَ لنا: أنها نزلت في حُيَيّ بن أخطب، لَمّا أنزل الله: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة﴾ [البقرة:٢٤٥] قال: يستقرضنا ربنا، إنما يستقرض الفقيرُ الغنيَّ
عن عُمران بن حُصين -من طريق الحسن- أنه دخل عليه بعض أصحابه، وكان قد ابتُلي في جسده، فقال: إنّا لنبتئس لك لِما نرى فيك. قال: فلا تبتئس لما ترى، فإنّ ما ترى بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر. ثم تلا: ﴿وما أصابَكُمْ مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ ويَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾
عن أبي الأسود الدُّؤلي: أنّ الزبير بن العوام لَمّا قدِم البصرة دخل بيت المال، فإذا هو بصفراء وبيضاء، فقال: يقول الله: ﴿وعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾... ﴿وأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها﴾، فقال: هذا لنا
عن عبد الله بن عباس، أنّ نافع بن الأزرق قال له: أخبِرني عن قوله: ﴿ثَجّاجًا﴾. قال: الثَّجاج: الكثير الذي يَنبتُ منه الزرع. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعتَ أبا ذُؤيب يقول: سقى أُمَّ عمرو كلَّ آخر ليلة غمائمُ سُود ماؤهن ثجيج؟
اختلف المفسرون في تفسير قوله: ﴿فإذا أمنتم فاذكروا الله﴾؛ فقال قوم: المعنى: فإذا أمنتم مِمَّن كنتم تخافونه على أنفسكم حال صلاتكم فصَلُّوا. وقال آخرون: المعنى: إذا خرجتم من دار السفر إلى دار الإقامة. ورَجَّح ابنُ جرير (٤/٣٩٦ بتصرف) القولَ الأول، وانتَقَدَ الثانيَ الذي قاله مجاهد مستندًا إلى الإجماع، والسياق، فقال: «هذا القول الذي ذكرنا عن مجاهد قولُ غيرِه أوْلى بالصواب منه؛ لإجماع الجميع على أنّ الخوف متى زال فواجبٌ على المصلي المكتوبةَ -وإن كان في سفرٍ- أداؤُها بركوعها وسجودها وحدودها، وقائمًا بالأرض غيرَ ماشٍ ولا راكب، كالذي يجب عليه من ذلك إذا كان مقيمًا في مصره وبلده، إلا ما أبيح له مِن القصر فيها في سفره. ولم يجرِ في هذه الآية للسفر ذِكْرٌ، فيتوجه قوله: ﴿فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾ إليه. فإن كان جرى للسفر ذِكْرٌ، ثم أراد الله -تعالى ذكره- تعريفَ خلقه صفةَ الواجب عليهم من الصلاة بعد مقامهم لقال: فإذا أقمتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون. ولم يقل: ﴿فإذا أمنتم﴾». وعلَّق ابنُ عطية (١/٦٠٥) فقال: «وفي هذا تحويم على المعنى كثير». وذكَر قولَيْن آخَرَيْن: الأول: أن المعنى: فإذا زال خوفكم الذي ألجأكم إلى هذه الصلاة فاذكروا الله بالشكر على هذه النعمة في تعليمكم هذه الصلاة التي وقع بها الإجزاء، ولم تَفُتْكم صلاة من الصلوات، وعلَّق عليه بقوله: «وهذا هو الذي لم يكونوا يعلمونه». الثاني: فإذا كنتم آمنين قبل، أو بعد، كأنه قال: فمتى كنتم على أمن فاذكروا الله، أي: صلوا الصلاة التي قد علمتموها، أي: فصَلُّوا كما علَّمكم صلاةً تامةً، وذكر أن النقاش حكاه هو وغيره. ثم علَّق بقوله: «وقوله -على هذا التأويل- ﴿ما لم تكونوا﴾ بدل من»ما«التي في قوله: ﴿كما﴾، وإلا لم يتَّسِق لفظ الآية، وعلى التأويل الأول ﴿ما﴾ مفعولة بـ﴿علمكم﴾»
أفادت الآثار اختلاف السلف في تفسير قوله: ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا﴾ على أقوال: الأول: أن الإسراف ما كان من نفقة في معصية الله. والإقتار: المنع من حقوق الله. الثاني: أن السرف: هو مجاوزة الحد في النفقة. والإقتار: التقصير عن الحدِّ الذي لا بُدَّ منه. الثالث: أنّ الإسراف هو أكل مال الغير بغير حق. وقد رجّح ابنُ جرير (١٧/٥٠١) مستندًا إلى الدلالة العقلية القول الثاني، فقال: «والصواب من القول في ذلك قولُ مَن قال: الإسراف في النفقة الذي عناه الله في هذا الموضع: ما جاوز الحدَّ الذي أباحه الله لعباده إلى ما فوقه. والإقتار: ما قصر عما أمر الله به. والقوام: بين ذلك. وإنما قلنا إن ذلك كذلك لأنّ المسرف والمقتر كذلك، ولو كان الإسراف والإقتار في النفقة مرخصًا فيهما ما كانا مذمومين، ولا كان المسرف ولا المقتر مذمومًا؛ لأنّ ما أذن الله في فعله فغير مستحق فاعله الذم». وانتقد ابنُ عطية (٦/٤٥٧-٤٥٨ بتصرف) مستندًا إلى ظاهر الآية القول الأول، وقول مَن قال: الإسراف: أن تنفق مال غيرك، فقال: «هذه الأقوال غير مرتبطة بلفظ الآية، وخلط الطاعة والمعصية بالإسراف والتقتير فيه نظر. والوجه أن يُقال: إنّ النفقة في المعصية أمر قد حظرت الشريعة قليلَه وكثيرَه، وكذلك التعدِّي على مال الغير، وهؤلاء الموصوفون مُنَزَّهون عن ذلك». ثم رجّح أن «التأديب بهذه الآية هو في نفقة الطاعات وفي المباحات، فأدبُ الشرع فيها أن لا يُفَرِّط الإنسان حتى يضيع حقًّا آخر أو عيالًا ونحو هذا، وأن لا يضيق أيضًا ويقتر حتى يجيع العيال ويفرط في الشُّحّ، والحسن في ذلك هو القوام، أي: المعتدل، والقوام في كل واحد بحسب عياله وحاله وخِفَّة ظهره وصبره وجلده على الكسب أو ضد هذه الخصال، وخير الأمور أوسطها»
عن عليِّ بن أبي طالب، قال: سار رسول الله ﷺ إلى بدر، فسَبَقْنا المشركين إليها، فوجدنا فيها رجلين؛ منهم رجلٌ مِن قريش، ومولًى لعُقْبَة بن أبي مُعَيْط، فأمّا القُرَشِيُّ فانفَلَتَ، وأمّا مولى عُقْبَة فأخذناه، فجعلنا نقول: كم القوم؟ فيقول: هم -واللهِ- كثيرٌ شديدٌ بأسُهم. فجعل المسلمون إذا قال ذلك ضربوه، حتى انتَهَوْا به إلى رسول الله ﷺ، فقال له: «كم القوم؟». فقال: هم –واللهِ- كثيرٌ شديدٌ بأسُهم. فجَهَدَ النبي ﷺ على أن يخبرهم كم هم، فأبى. ثُمَّ إنّ رسول الله ﷺ سأله: «كم يَنحَرُون مِن الجُزُر؟». قال: عشرةً كُلَّ يوم. قال رسول الله ﷺ: «القومُ ألفٌ»
عن أبي عثمان النَّهْدِيّ، قال: بَلَغَنِي عن أبي هريرة حديث أنه قال: إنَّ الله ليكتب لعبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة. فحججتُ ذلك العام، ولم أكن أريد أن أحُجَّ إلا لألقاه في هذا الحديث، فلقِيتُ أبا هريرة، فقلتُ له، فقال: ليس هذا قلتُ، ولم يحفظ الذي حَدَّثك، إنما قلتُ: إن الله ليعطي العبد المؤمن بالحسنة الواحدة ألْفَيْ ألف حسنة. ثم قال أبو هريرة: أو ليس تجدون هذا في كتاب الله: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة﴾، فالكثيرة عند الله أكثر من ألفِ ألفٍ وألْفَي ألفٍ، والذي نفسي بيده لقد سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الله يضاعفُ الحسنةَ ألْفَيْ ألفِ حسنة»
اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿إنه ليس من أهلك﴾ على قولين: الأول: أنّه لم يكن مِن ولده، بل مِن ولد غيره. الثاني: أنّ معنى الآية: ليس مِن أهلك الذين وعدتُك أن أنجيهم. وقد رجّح ابنُ جرير (١٢/٤٣٣) مستندًا إلى دلالة القرآن، والنظائر القولَ الثانيَ، فقال: «وأولى القولين في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: تأويلُ ذلك: إنّه ليس مِن أهلك الذين وعدتُك أن أنجيهم؛ لأنّه كان لدينك مخالفًا، وبي كافرًا. وكان ابنَه؛ لأنّ الله -تعالى ذِكْرُه- قد أخبر نبيَّه محمدًا ﷺ أنه ابنه، فقال: ﴿ونادى نوح ابنه﴾، وغيرُ جائِز أن يُخْبِر أنّه ابنه فيكون بخلاف ما أخبر. وليس في قوله: ﴿إنه ليس من أهلك﴾ دلالة على أنّه ليس بابنه، إذ كان قوله: ﴿ليس من أهلك﴾ محتملًا مِن المعنى ما ذكرنا، ومحتملًا أنّه ليس مِن أهل دينك، ثم يحذف «الدين» فيُقال: إنّه ليس مِن أهلك، كما قيل: ﴿واسأل القرية التي كنا فيها﴾ [يوسف:٨٢]». وبنحوه قال ابنُ تيمية (٣/٥٤١)، وبيَّن أنّ خيانة امرأة نوحٍ له إنّما كانت في الدِّين، وليست في العِرض، فإنها كانت تقول: إنه مجنون. وبنحوهما قال ابنُ كثير (٧/٤٤٤) مستندًا إلى أقوال السلف، ودلالة العقل، والسنّة، فقال: «وقال ابن عباس وغيرُ واحد من السَّلَف: ما زَنَتِ امرأة نبيٍّ قطُّ. قال: وقوله: ﴿إنه ليس من أهلك﴾ أي: الذين وعدتك نجاتهم. وقول ابن عباس في هذا هو الحقُّ الذي لا مَحِيد عنه، فإنّ الله سبحانه أغيرُ مِن أن يمكن امرأة نبيٍّ مِن الفاحشة، ولهذا غضب الله على الذين رموا أُمَّ المؤمنين عائشة بنت الصديق زوج النبي ﷺ، وأنكر على المؤمنين الذين تكلموا بهذا وأشاعوه». وبيّن ابنُ عطية (٣/٥٧٧-٥٧٨بتصرف) أنّ مَن قال: إنه لم يكن ابنه، عوَّل في ذلك على قوله تعالى: ﴿إنه ليس من أهلك﴾. ومَن قال: هو ابنه، عوّل على قوله: ﴿إن ابني من أهلي﴾. وعلى هذا رتّب ابنُ عطية الخلاف في قراءة قوله: ﴿إنه عمل غير صالح﴾؛ فمَن قال ليس ابنه استقام له على ذلك قراءة: ﴿إنه عملٌ غير صالح﴾ بالتنوين. ومن قال ليس ابنه، وقرأ هذه القراءة بتنوين ﴿عمل﴾ فإنهم خرّجوا ذلك عدة تخريجات، ذكرها ابنُ عطية، فقال: ""فمن قرأ مِن هذه الفرقة: ﴿إنه عملٌ غيرُ صالح﴾ جعله وصفًا له بالمصدر على جهة المبالغة، فوصفه بذلك كما قالت الخنساء تصف ناقة ذهب عنها ولدها:ترتع ما غفلت حتى إذا ادَّكَرَتْ فإنما هي إقبال وإدبارأي: ذات إقبال وإدبار. وقالت فرقة: الضمير في قوله: ﴿إنه عمل غير صالح﴾ على قراءة جمهور السبعة على سؤال الذي يتضمنه الكلام وقد فسره آخر الآية«. وعلّق على هذا القول، فقال: «ويقوي هذا التأويل أنّ في مصحف ابن مسعود: (إنَّه عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ أن تَسْأَلَنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ». ثم قال: «وقالت فرقة: الضميرُ عائِد على رُكُوبِ ولد نوح معهم الذي يتضمنه سؤال نوح، المعنى: أنّ ركوب الكافر مع المؤمنين عمل غير صالح. وقال أبو علي: ويحتمل أن يكون التقدير: أنّ كونك مع الكافرين وتركك الركوب معنا عمل غير صالح». وانتقد مستندًا إلى دلالة الآية قول أبي علي بقوله: «وهذا تأويل لا يَتَّجِه مِن جهة المعنى». ثم علّق على هذه الأقوال بقوله: «وكل هذه الفرق قال: إنّ القول بأن الولد كان لغية وولد فراش خطأ محض، وقالوا: إنّه روي عن النبي ﷺ: «أنه ما زنت امرأة نبي قط». وقالوا في قوله عز وجل: ﴿فخانتاهما﴾: إنّ الواحدة كانت تقول للناس: هو مجنون، والأخرى كانت تنبه على الأضياف، وأما غير هذا فلا، وهذه مَنازِع ابنِ عباس وحُجَجُه، وهو قوله، وقول الجمهور من الناس""
عن كعب بن مالك -من طريق ابنه-: أنّ كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعرًا، وكان يهجو رسول الله ﷺ، ويُحَرِّض عليه كفارَ قريش في شعره، وكان المشركون واليهود من أهل المدينة حين قدم رسول الله ﷺ يؤذون رسول الله ﷺ وأصحابه أشدَّ الأذى، فأمر اللهُ رسولَه والمسلمين بالصبر على ذلك، والعفوِ عنهم، ففيهم أنزل الله: ﴿ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا﴾ الآية [آل عمران:١٨٦]. وفيهم أنزل الله: ﴿ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارًا حسدًا﴾ الآية