ذكر ابنُ تيمية (٢/١١٢-١١٣) جملة من الأحاديث عن السلف والتي تفسر الاستطاعة بالزاد والراحلة، ثم قال معلِّقًا عليها: «فهذه الأحاديث مسندة من طرق حسان، ومرسلة، وموقوفة؛ تدل على أن مناط الوجوب: وجود الزاد والراحلة، مع علم النبي بأن كثيرًا من الناس يقدرون على المشي». وقد ذهب ابنُ تيمية أن الاستطاعة معنيٌّ بها: الزاد والراحلة مستندًا إلى السنة، حيث ذكر بعض ما روي عن النبي ﷺ من تفسيره السبيل بأنه الزاد والراحلة، ثم علّق عليها بقوله: «فعلم بذلك أن الحج لا يوجبه إلا ملك الزاد والراحلة». وانتقد ابنُ جرير (٥/٦١٧) أسانيد الأحاديث التي رُوِيَت عن رسول الله ﷺ في ذلك بقوله: «فأما الأخبار التي رويت عن رسول الله ﷺ في ذلك بأنّه الزاد والراحلة، فإنها أخبار في أسانيدها نظر، لا يجوز الاحتجاج بمثلها في الدين»
اختلف في معنى قوله: ﴿أسفا﴾ على ثلاثة أقوال: الأول: غضبًا. والثاني: جزعًا. والثالث: حزنًا عليهم. واختار ابنُ جرير (١٥/١٤٩-١٥٠) المعنى الثالث مستندًا إلى أقوال السلف. ورأى ابنُ كثير (٩/١٠٤) تقارب الأقوال، فقال: «والمعنى متقارب، أي: لا تأسف عليهم، بل أبلغهم رسالة الله، فمن اهتدى فلنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات». ونقل ابنُ عطية (٥/٥٦٥) عن الزجاج قوله: والأسف: المبالغة في حزْن أو غضب. وعلق عليه بقوله: «والأسف -في هذا الموضع-: الحزن؛ لأنه على مَن لا يملكه ولا هو تحت يد الآسف، وأنه لو كان الأسف من مقتدر على مَن هو في قبضته وملْكه لكان غضبًا، كقوله تعالى: ﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾ [الزخرف:٥٥]، أي: أغضبونا»
عن يزيد بن معاوية، قال: إنِّي لفي المسجد زمنَ الوليد بن عقبة، في حَلْقة فيها حذيفة، وليس إذ ذاك حَجَزَةٌ ولا جَلاوِزَةٌ، إذ هَتَف هاتِف: مَن كان يقرأ على قراءة أبي موسى فليأتِ الزاوية التي عند أبواب كِندَةَ، ومَن كان يقرأ على قراءة عبد الله بن مسعود فليأتِ هذه الزاوية التي عند دار عبد الله. واختلفا في آيةٍ في سورة البقرة؛ قرأ هذا: (وأَتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلْبَيْتِ)، وقرأ هذا: ﴿وأَتِمُّواْ الحَجَّ والعُمْرَةَ للهِ﴾. فغضب حذيفةُ، واحْمَرَّت عيناه، ثم قام -وذلك في زمن عثمان- فقال: إمّا أن تَرْكَب إلى أمير المؤمنين، وإمّا أن أركب، فهكذا كان مَن قبلكم. ثم أقبل فجلس، فقال: إنّ الله بعث محمدًا، فقاتل بمَن أقْبَلَ مَن أدْبَرَ، حتى أظهر اللهُ دينه، ثُمَّ إنّ الله قبضه، فطعَن الناسُ في الإسلام طَعْنَةَ جوادٍ، ثُمَّ إنّ الله استخلف أبا بكر، فكان ما شاء الله، ثم إنّ الله قبضه، فطعَن الناسُ في الإسلام طَعْنَةَ جوادٍ، ثم إنّ الله استخلف عمر، فنزل وسَطَ الإسلام، ثم إنّ الله قبضه، فطعَن الناسُ في الإسلام طَعْنَةَ جوادٍ، ثم إنّ الله استخلف عثمان، وايمُ الله، لَيُوشِكَنَّ أن تَطْعَنُوا فيه طَعْنَةً تَحْلِقُونه كُلَّه
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قال: بعث رسولُ الله ﷺ أبا بكر الصديق رضي الله عنه أميرًا على الحاجِّ من سنة تسع ليقيم للناس حجَّهم، والناسُ مِن أهل الشرك على منازلهم مِن حجِّهم. فخرج أبو بكر ومَن معه من المسلمين، ونزلت سورة براءةَ في نَقْضِ ما بين رسول الله ﷺ وبين المشركين من العهد الذي كانوا عليه فيما بينه وبينهم: أن لا يُصَدَّ عن البيت أحدٌ جاءَه، وأن لا يُخاف أحدٌ في الشهر الحرام. وكان ذلك عهدًا عامًّا بينه وبين الناس مِن أهل الشرك، وكانت بين ذلك عهود بين رسول الله ﷺ وبين قبائل مِن العرب خصائص إلى أجل مُسَمًّى، فنزلت فيه وفيمن تخلَّف عنه من المنافقين في تبوك، وفي قول مَن قال منهم، فكشف الله فيها سرائرَ أقوامٍ كانوا يَسْتَخْفُون بغير ما يُظهِرون، منهم مَن سُمِّي لنا، ومنهم مَن لم يُسَمَّ لنا، فقال: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين﴾ أي: لأهل العهد العامِّ مِن أهل الشرك من العرب، ﴿فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾ إلى قوله: ﴿أن الله بريء من المشركين ورسوله﴾ أي: بعد هذه الحجة
عن سعيد بن جبير، قال: سُئِلت عن المتلاعنَينِ أيُفَرِّق بينهما؟ فما دَرَيْتُ ما أقول، فقُمْت من مكاني إلى منزل ابن عمر، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، المتلاعنان أيُفَرَّق بينهما؟ فقال: سبحان الله! نعم، إنّ أول مَن سأل عن ذلك فلانُ بن فلان، قال: يا رسول الله، أرأيتَ الرجلَ يرى امرأته على فاحشة، فإن تكلَّم تكلَّم بأمر عظيم، وإن سكت سكت على مثل ذلك! فسكت فلم يُجِبه، فلمّا كان بعد ذلك أتاه، فقال: إنّ الذي سألتُك عنه قد ابتُلِيت به. فأنزل اللهُ هذه الآية في سورة النور: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ حتى بلغ ﴿أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين﴾. فبدأ بالرجل، فوَعَظَه وذَكَّره، وأخبره أنّ عذاب الدنيا أهونُ مِن عذاب الآخرة، فقال: والذي بعثك بالحق، ما كَذَبْتُك. ثم ثَنّى بالمرأة، فوعظها وذَكَّرها، وأخبرها أنّ عذاب الدنيا أهونُ مِن عذاب الآخرة، فقالت: والذي بعثك بالحقِّ، إنّه لَكاذب. فبدأ بالرجل، فشهد أربع شهادات بالله أنه لَمِن الصادقين، والخامسة أنّ لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم ثنى بالمرأة، فشهِدت أربع شهادات بالله أنّه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين
قال ابن عطية (٦/٢٦٣) مُعَلِّقًا: «وهذا الحديث الذي فيه هذه الغرانقة وقع في كتب التفسير ونحوها، ولم يُدخِله البخاري ولا مسلم، ولا ذكره -في علمي- مصنف مشهور، بل يقتضي مذهبُ أهل الحديث أنّ الشيطان ألقى، ولا يعينون هذا السبب ولا غيره، ولا خلاف أن إلقاء الشيطان إنما هو لألفاظ مسموعة بها وقعت الفتنة، ثم اختلف الناس في صورة هذا الإلقاء، فالذي في التفاسير -وهو مشهور القول- أنّ النبي ﷺ تكلم بتلك الألفاظ، وأنّ الشيطان أوهمه ووسوس في قلبه حتى خرجت تلك الألفاظ على لسانه، وروي: أنه نزل إليه جبريل بعد ذلك فدارسه سورة النجم، فلما قالها رسول الله ﷺ قال له جبريل: لم آتِك بهذا. فقال رسول الله ﷺ: «افتريت على الله، وقلتُ ما لم يقل لي». وجعل يتفجع ويغتم؛ فنزلت هذه الآية ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول﴾». وقال ابنُ كثير (١٠/٨٣-٨٤) معلِّقًا: «وقد ذكر كثير من المفسرين هاهنا قصة الغَرانيق، وما كان من رجوع كثير من المهاجرة إلى أرض الحبشة ظَنًّا منهم أن مشركي قريش قد أسلموا. ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح»
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: أُمِر موسى أن يدخل مدينة الجبارين، فسار بمن معه حتى نزل قريبًا من المدينة، وهي أريحاء، فبعث إليهم اثني عشر عينًا، مِن كل سِبْط منهم عينٌ، فيأتوه بخبر القوم، فدخلوا المدينة، فرأوا أمرًا عظيمًا من هيئتهم وجسمهم وعِظَمِهم، فدخلوا حائطًا لبعضهم، فجاء صاحب الحائط ليجتني الثمار من حائطه، فجعل يجتني الثمار، فنظر إلى آثارهم، فتَتَبَّعهم، فكُلَّما أصاب واحدًا منهم أخذه فجعله في كُمِّه مع الفاكهة، حتى التقط الاثني عشر كلهم، فجعلهم في كُمِّه مع الفاكهة، وذهب إلى مَلِكِهم، فنثرهم بين يديه، فقال الملك: قد رأيتم شأننا وأمرَنا، اذهبوا فأخبروا صاحبكم. قال: فرجعوا إلى موسى، فأخبروه بما عاينوا من أمرهم، فقال: اكتموا عنّا. فجعل الرجل يخبر أباه وصديقه، ويقول: اكتم عَنِّي. فأُشِيع ذلك في عسكرهم، ولم يكتم منهم إلا رجلان: يوشع بن نون، وكالب بن يوقنا، وهم اللذان أنزل الله فيهما: ﴿قال رجلان من الذين يخافون﴾
اختلف المفسرون في تفسير قوله: ﴿لا تفتح لهم أبواب السماء﴾ على أقوال: الأول: لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء. والثاني: لا تفتح لأعمالهم ودعائهم أبواب السماء فلا يصعد منها إلى الله شيء. والثالث: لا تفتح لأرواحهم وأعمالهم ودعائهم أبواب السماء. كما قال ابن جريج وما في معناه. وقد رجّح ابنُ جرير (١٠/١٨٤) القول الثالث -قول ابن جريج- مستندًا إلى دلالة العموم، والسُّنَّة، حيث قال: «وإنما اخترنا في تأويل ذلك ما اخترنا من القول لعموم خبر الله -جل ثناؤه- أنّ أبواب السماء لا تفتح لهم، ولم يخصص الخبر بأنّه يفتح لهم في شيء، فذلك على ما عمه خبر الله تعالى بأنها لا تفتح لهم في شيء، مع تأييد الخبر عن رسول الله ﷺ ما قلنا في ذلك». وذكر حديثي رسول الله عن أبي هريرة وعن البراء المثبتان أعلاه. وعلّق ابنُ كثير (٣/٤١٤) على قول عبد الملك ابن جُرَيْج، فقال: «وهذا فيه جَمْعٌ بين القولين»
اختُلِف في سبب تفقد سليمان للهدهد وسؤاله عنه؛ فقال قوم: تفقده ليستخبره عن بُعد الماء في الوادي الذي نزل به في مسيره. وقال آخرون: لإخلاله بالنوبة التي كان ينوبها. وقال غيرهم: إنما طلبه لأن الطَّير كانت تُظِلُّهم من الشمس، فأخلَّ الهدهد بمكانه، فطلعت الشمس عليهم من الخلل. وذكر ابنُ جرير (١٨/٣٢) القولين الأولين، ورجح اندراجهما في العموم دون القطع بأحدهما؛ لعدم وجود الدليل القاطع، فقال: «والله أعلم بأي ذلك كان؛ إذ لم يأتنا بأي ذلك كان تنزيل، ولا خبر عن رسول الله ﷺ؛ فالصواب من القول في ذلك أن يُقال: إنّ الله أخبر عن سليمان أنه تفقد الطير؛ إمّا للنوبة التي كانت عليها وأخلت بها، وإما لحاجة كانت إليها عن بعد الماء». وذكر ابنُ عطية (٦/٥٢٨) في الآية أقوالًا أخرى، منها قوله: «قالت فرقة: ذلك بحسب ما تقتضيه العناية بأمور الملك والتهمم بكل جزء منها». ثم علَّق بقوله: «وظاهر الآية أنه تفقد جميع الطير»
اختلف في معنى: ﴿النذير﴾ في هذه الآية على قولين: الأول: أنه النبي ﷺ. الثاني: أنه الشيب. وذكر ابنُ عطية (٧/٢٢٥) أن ﴿النذير﴾ «في قول الجمهور: الأنبياء، كل نبي نذير أمته ومعاصريه، ومحمد ﷺ نذير العالم في غابر الزمن». وعلَّق على القول الثاني بقوله: «وهو قولٌ حسن، إلا أن الحجة إنما تقوم بالنذارة الشرعية». ورجَّح ابنُ كثير (١١/٣٣٦) القول الأول مستندًا إلى القرآن، وهو قول قتادة، والسدي، مقاتل، وابن زيد، وابن سلام، فقال: «وهو الأظهر؛ لقوله تعالى: ﴿ونادَوْا يامالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إنَّكُمْ ماكِثُونَ * لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ [الزخرف:٧٧-٧٨]، أي: لقد بيَّنّا لكم الحق على ألسنة الرسل، فأبيتم وخالفتم، وقال تعالى: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء:١٥]، وقال تبارك وتعالى: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نزلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك:٨-٩]»