سورة هود — الآية ٨١

قال سفيان الثوري: لما جاء الرسل إلى لوط تبعهم أهل قريته، وكان لهم جمال، فلم يقولوا لهم شيئًا، فلما دخلوا على لوطٍ، ورأوا مَوْجِدَةَ لوط عليهم، وما قد دخله مِن خَشْيَتِهم؛ قالوا: ﴿إنا رسل ربك لن يصلوا إليك﴾. فلما دنوا أخذوا التراب، فرموهم به، ففَقَئُوا أعينَهم، فذلك قوله: ﴿فطمسنا أعينهم﴾، فرجعوا إلى أصحابهم وهم يقولون: سِحْرٌ سحرونا. فقال لوط للرُّسُل: الآنَ الآنَ. يعني: هلاكهم، فقالوا: ﴿إن موعدهم الصبح﴾ -فقال ابن عباس: ثلاثة أحرف في القرآن لا يحفظون، ألا ترى أنّه قول الله: ﴿أليس الصبح بقريب﴾، والحرفان الآخران، ثم أتبعهم ﴿إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذله﴾ قال الله: ﴿وكذلك يفعلون﴾ [النمل:٣٤]. وقول ليوسف: ﴿ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين﴾ فقال له مَلَكٌ مِن الملائكة: ولا حين هممت قال: ﴿وما أبرئ نفسي﴾ [يوسف:٥٢] فرجع.- فرفع جبريل عليه السلام القريةَ بجناحه، فدَحْدَها وما فيها، حتى أسمع أهل السماء الدنيا أصواتهم، ثم قلبها، ثُمَّ تتبع مَن شَذَّ منهم بالحجارة

سورة غافر — الآية ١٨

عن أُبيّ بن كعب -من طريق أبي العالية الرِّياحي- قال: يجيء الربُّ -تبارك وتعالى- يوم القيامة في ملائكة السماء السابعة، لا يعلم عددَهم إلا الله، فيؤتى بالجنة مُفتّحة أبوابها، يراها كل برّ وفاجر، عليها ملائكة الرحمة، حتى توضع عن يمين العرش، فيوجد ريحها مِن مسيرة خمسمائة عام. قال: ويؤتى بالنار تُقاد بسبعين ألف زمام، يقود كل زمام سبعون ألف مَلك، مُفتّحة أبوابها، عليها ملائكة سُود، معهم السلاسل الطوال، والأنكال الثِّقال، وسرابيل القْطران، ومُقطّعات النيران، لأعينهم لَمْعُ كالبرق، ولوجوههم لَهَب كالنار، شاخصة أبصارهم، لا ينظرون إلى ذي العرش تعظيمًا له، فإذا دَنَت النارُ فكان بينها وبين الخلائق مسيرةَ خمسمائة سنة زَفَرَتْ زفْرة، فلا يبقى أحدٌ إلا جثا على رُكبته، وأخذته الرّعدة، وصار قلبه متعلّقًا في حنجرته، لا يخرج ولا يرجع إلى مكانه، وذلك قوله: ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ﴾، وينادي إبراهيم: ربّ، لا تهلكني بخطيئتي. وينادي نوح ويونس، وتوضع النار على يسار العرش، ثم يؤتى بالميزان فيوضع بين يدي الجبار، ثم يُدعى الخلائق للحساب

سورة التكوير — الآية ١

عن أبى ذرّ الغفاري، قال: كنتُ آخذًا بيد رسول الله ﷺ، ونحن نتماشى جميعًا نحو المغرب، وقد طفلت الشمسُ، فما زلنا ننظر إليها حتى غابتْ، قال: قلت: يا رسول الله، أين تغرب؟ قال: «تغرب في السماء، ثم تُرفع مِن سماء إلى سماء، حتى تُرفع إلى السماء السابعة العليا، حتى تكون تحت العرش، فتخرّ ساجدة، فتسجد معها الملائكة المُوكَّلون بها، ثم تقول: يا رب، مِن أين تأمرني أن أطلع؟ أمن مغربي أم من مطلعي؟». قال: «فذلك قوله عز وجل: ﴿والشمس تجرى لمستقر لها﴾ حيث تُحبس تحت العرش، ﴿ذلك تقدير العزيز العليم﴾ [يس:٣٨]». قال: «يعني: ذلك صنع الرّبّ العزيز في مُلكه العليم بخَلْقه». قال: «فيأتيها جبرائيل عليه السلام بحُلّة ضوء مِن نور العرش، على مقادير ساعات النهار في طوله في الصيف، أو قِصره في الشتاء، أو ما بين ذلك في الخريف والربيع». قال: «فتلبس تلك الحُلّة كما يلبس أحدُكم ثيابه، ثم ينطلق بها في جوِّ السماء حتى تطلع من مطالعها». قال النبيُّ ﷺ: «فكأنها قد حُبستْ مقدار ثلاث ليالٍ، ثم لا تُكسى ضوءًا، وتؤمر أن تطلع مِن مغربها، فذلك قوله عز وجل: ﴿إذا الشمس كورت﴾»

سورة الفجر — الآية ٢٣

عن أُبيّ بن كعب -من طريق أبي العالية- قال: يجيء الرّبّ يوم القيامة في ملائكة السماء السابعة -وهم الكروبيون-، لا يعلم عددهم إلا الله، فيؤتى بالجنة مُفتّحة أبوابها، يراها كلُّ بَرٍّ وفاجر، عليها ملائكة الرحمة، حتى تُوضَع عن يمين العرش، فيوجد رِيحُها مِن مسيرة خمسمائة عام. قال: ويؤتى بالنار تُقاد بسبعين ألف زمام، يقود كلُّ زِمام سبعون ألف مَلَك، مُصفّدة أبوابها، عليها ملائكة سُود، معهم السلاسل الطوال، والأنكال الثقال، وسرابيل القَطِران، ومُقطَّعات النيران، لِأعينِهم لمعٌ كالبرْق، ولِوجوههم لهبٌ كالنار، شاخصة أبصارهم، لا ينظرون إلى ذي العرش تعظيمًا له، فإذا أُدنيت النار فكان بينها وبين الخلائق مسيرة خمسمائة عام زَفرتْ زفرة، لم يبقَ أحدٌ إلا جثا على رُكبتيه، وأخذتْه الرعدة، وصار قلبه مُعلّقًا في حنجرته، فلا يخرج ولا يرجع إلى مكانه، وذلك قوله: ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ﴾ [غافر:١٨]. فينادي إبراهيم: ربِّ، لا تهلكني بخطيئتي. وينادي نوح ويونس، وتوضع النار عن يسار العرش، ثم يؤتى بالميزان فيوضع بين يدي الجبّار -تبارك وتعالى-، ثم يدعى الخلائق للحساب

اختلف في معنى «الروح» في هذه الآية على أقوال: الأول: الوحي. الثاني: النبوة. الثالث: الرحمة والوحي. الرابع: كل كلام الله روح. الخامس: أنه لا ينزل ملك إلا ومعه روح. وهو قول مجاهد. وأن الروح خلق من الملائكة. وهو قول ابن جريج. وزاد ابن عطية (٥‏/‏٣٢٦، ٣٢٧) قولًا نسبه إلى الزجاج: أنّ الروح: ما تحيا به القلوب من هداية الله تعالى لها. ثم علَّق عليه بقوله: «وهذا قول حسن». ووجَّهه بقوله: «وكأن اللفظة على جهة التشبيه بالمقايسة، أي: إن هذا الذي أُمِر الأنبياء أن ينذروا به الناس من الدعاء إلى التوحيد هو بالمقايسة إلى الأوامر التي هي في الأفعال والعبادات كالروح للجسد، ألا ترى قوله تعالى: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا﴾ [الأنعام:١٢٢]». ثم بيَّن معنى ﴿مِن﴾ على هذا القول وعلى باقي الأقوال، فقال: «و﴿مِن﴾ في هذه الآية -على هذا التأويل الذي قدرناه- للتبعيض، وعلى سائر الأقوال لبيان الجنس». ونقل ابن عطية عن ابن جريج قوله: «الروح: شخص له صورة كصورة بني آدم، ما نزل جبريل قط إلا وهو معه، وهم كثير، وهم ملائكة». وانتقده مستندًا إلى عدم الدليل على صحته قائلًا: «وهذا قول ضعيف لم يأتِ به سند»

أفادت الآثارُ اختلافَ المفسرين في جنس إبليس: فقيل: هو من الملائكة. وقيل: هو من الجن. وذكر ابنُ عطية (٥‏/‏٦١٨) أنّ وجه التعبير عن الملائكة بالجن على القول الأول مِن حيث إنهم مستترون، وأنها صفة تعم الملائكة والشياطين، ثم وجَّه الاستثناء على القول الأول بأنّه متصل، وعلى الثاني بأنّه منقطع، ثم بيَّن أنه لا خلاف أن إبليس كان من الملائكة في المعنى؛ إذ كان مُتَصَرِّفًا بالأمر والنهي مُرْسَلًا، والملك مشتق من المألكة، وهي الرسالة، فهو في عداد الملائكة يتناوله قول ﴿اسْجُدُوا﴾. وعلَّق ابنُ كثير (٩‏/‏١٥٥) على الآثار الواردة في معنى: ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ قائلًا: «وقد رُوي في هذا آثار كثيرة عن السلف، وغالبها من الإسرائيليات التي تنقل لينظر فيها، والله أعلم بحال كثير منها، ومنها ما قد يقطع بكذبه لمخالفته للحق الذي بأيدينا، وفي القرآن غنية عن كل ما عداه من الأخبار المتقدمة؛ لأنها لا تكاد تخلو من تبديل وزيادة ونقصان، وقد وضع فيها أشياء كثيرة، وليس لهم من الحفاظ المتقنين الذين ينفون عنها تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، كما لهذه الأمة من الأئمة والعلماء، والسادة الأتقياء»

سورة البقرة — الآية ٣٠

عن عبد الله بن مسعود، وناس من أصحاب النبي - ﷺ - -من طريق السُّدِّيّ، عن مُرَّة الهمداني-، وعبد الله بن عباس -من طريق السُّدِّيّ، عن أبي مالك وأبي صالح-: لَمّا فَرَغَ اللهُ مِن خَلْق ما أحبَّ استوى على العرش، فجعل إبليسُ على مُلْك سماء الدنيا، وكان من قبيلةٍ من الملائكة يقال لهم: الجن؛ وإنما سموا الجِنَّ لأنهم خُزّان الجنة، وكان إبليس مع مُلْكِه خازِنًا، فوقع في صدره كِبْر، وقال: ما أعطاني الله هذا إلا لمزيد لي على الملائكة، فلما وقع ذلك الكِبْرُ في نفسه اطَّلَع الله على ذلك منه، فقال الله للملائكة: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾. قالوا: ربَّنا، وما يكون ذلك الخليفة؟ قال: يكون له ذريةٌ، يُفْسِدون في الأرض، ويَتَحاسَدُون، ويقتل بعضهم بعضًا. قالوا: ربنا، أتجعل فيها من يفسد فيها، ويسفك الدماء، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟! قال: إني أعلم ما لا تعلمون. يعني: من شأن إبليس. فبعث جبريلَ - عليه السلام - إلى الأرض؛ ليأتيه بطِين منها، فقالت الأرض: إنِّي أعوذ بالله منك أن تنقص مني، أو تُشِينَنِي. فرجع، ولم يأخذ، وقال: ربِّ، إنها عاذتْ بك؛ فأعذتُها. فبعث الله ميكائيل، فعاذت منه، فأعاذها، فرجع، فقال كما قال جبريل، فبعث ملك الموت، فعاذت منه، فقال: وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره. فأخذ من وجه الأرض، وخلط، فلم يأخذ من مكان واحد، وأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء؛ فلذلك خرج بنو آدم مختلفين، فصعد به، فبلَّ التراب حتى عاد طينًا لازِبًا -واللازِب: هو الذي يلتزق بعضه ببعض-، ثم تُرِك حتى أنتَن وتَغَيَّر، وذلك حين يقول: ﴿من حمإٍ مسنون﴾ [الحجر: ٢٦]، قال: مُنتِن. ثم قال للملائكة: ﴿إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين﴾ [ص: ٧٢]، فخلقه الله بيديه لكيلا يتكبر إبليس عليه؛ ليقول له: تتكبَّر عما عَمِلْتُ بيَدَيَّ ولم أتكبر أنا عنه؟ فخلقه بشرًا، فكان جسدًا من طين أربعين سنة من مقدار يوم الجمعة، فمَرَّت بهالملائكة، ففزِعوا منه لَمّا رَأَوْه، وكان أشدهم منه فَزَعًا إبليس، فكان يَمُرُّ فيضربه، فيُصَوِّت الجسدُ كما يُصَوِّت الفَخّارُ، وتكون له صَلْصَلَة، فذلك حين يقول: ﴿من صلصال كالفخار﴾ [الرحمن: ١٤]، ويقول: لأمر ما خُلِقْتَ. ودخل من فِيه، فخرج من دُبُرِه، فقال للملائكة: لا ترهبوا من هذا، فإن ربكم صَمَد، وهذا أجْوَف، لئن سُلِّطت عليه لأُهْلِكَنَّه. فلما بلغ الحينُ الذي يريد الله -جل ثناؤه- أن ينفخ فيه الروح، قال للملائكة: إذا نفخت فيه من روحي فاسجدوا له. فلما نفخ فيه الروح، فدخل الروح في رأسه عَطَس، فقالت له الملائكة: قل: الحمد لله. فقال: الحمد لله. فقال له الله: رحمك ربك. فلما دخل الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة، فلما دخل في جوفه اشتهى الطعام، فوثب قبل أن تبلغ الروح رجليه عَجْلان إلى ثمار الجنة، فذلك حين يقول: ﴿خلق الإنسان من عجل﴾ [الأنبياء: ٣٧]. ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين﴾ [الحجر: ٣٠ - ٣١]، أي: استكبر، وكان من الكافرين. قال الله له: ما منعك أن تسجد إذ أمرتك لما خَلَقْتُ بيَدَيَّ؟ قال: أنا خير منه، لم أكن لأسجد لبشر خلقتَه من طين. قال الله له: اخرج منها ﴿فما يكون لك﴾ يعني: ما ينبغي لك ﴿أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين﴾ [الأعراف: ١٣]. والصَّغار هو الذُّلُّ. قال: ﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾، ثم عَرَض الخلق على الملائكة، فقال: ﴿أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين﴾ أنّ بني آدم يُفْسِدون في الأرض، ويسفكون الدماء. فقالوا له: ﴿سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم﴾. قال الله: ﴿يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون﴾. قال: قولهم: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها﴾، فهذا الذي أبدوا، وأعلم ما كنتم تكتمون، يعني: ما أسَرَّ إبليسُ في نفسه من الكِبْر

اخْتَلَفَت القراءة في قوله تعالى: ﴿أمَرْنا﴾ على أربعة أوجه: الأول: بهمزة مفتوحة غير ممدودة، وبميم مخففة مفتوحة، هكذا ﴿أمَرْنا﴾، وتحتمل هذه القراءة أن يكون المعنى: أمرناهم بالطاعة فخالفونا وفسقوا. أو جعلناهم أمراء ففسقوا فيها. أو أكثرنا مترفيها ففسقوا فيها. والثاني: بهمزة مفتوحة غير ممدودة، وبميم مشددة مفتوحة، هكذا (أمَّرْنا)، بمعنى: جعلناهم أمراء، وملَّكناهم على الناس. والثالث: بهمزة مفتوحة ممدودة، وبميم مخففة مفتوحة، هكذا ‹آمَرْنا›، بمعنى: أكثرنا فسقتها. والرابع: بهمزة مفتوحة غير ممدودة، وبميم مخففة مكسورة، هكذا (أمِرْنا)، بمعنى: أكثرنا. وعلَّقَ ابن عطية (٥‏/‏٤٥٤) على الوجه الثاني، فقال: «وأما (أمَّرْنا) من الإمارة فمتوجه على وجهين: أحدهما: أن لا يريد إمارة الملْكِ، بل كونهم يأمرون ويُؤْتمر لهم؛ فإن العرب تقول لمن يأمر الإنسان -وإن لم يكن ملكًا- هو أمير... وأيضًا فلو أراد إمارة الملك في الآية لحَسُنَ المعنى؛ لأن الأمة إذا مَلَّكَ الله عليها مترفًا ففسق، ثم ولّى مثله بعده، ثم كذلك عَظُمَ الفساد وتوالى الكفر، واستحقوا العذاب، فنزل بهم على رجل الأخير من ملوكهم». وعلَّقَ على الوجه الرابع، فقال: «لا أتحقّق وجهًا لهذه القراءة إلا إن كان»أمِرَ القومُ«يتعدّى بلفظه». ورجَّحَ ابنُ جرير (١٤‏/‏٥٣٢) الوجه الأول بمعناه الأول، فقال: «أولى القراءات في ذلك عندي بالصواب قراءة مَن قرأ: ﴿أمَرْنا مُتْرَفِيها﴾ بقصر الألف مِن ﴿أمرنا﴾، وتخفيف الميم منها؛ لإجماع الحجة من القراء على تصويبها دون غيرها. وإذا كان ذلك هو الأولى بالصواب بالقراءة فأولى التأويلات به تأويل مَن تأوّله: أمرنا أهلها بالطاعة فعصوا وفسقوا فيها فحق عليهم القول؛ لأن الأغلب من معنى»أمرنا«الأمر الذي هو خلاف النهي دون غيره، وتوجيه معاني كلام الله -جل ثناؤه- إلى الأشهر الأعرف من معانيه أولى ما وجد إليه سبيل من غيره». و«الأمر» على اختيار ابن جرير دينيّ شرعيّ. ورَجَّحَ ابنُ القيم (٢‏/‏١٣٤-١٣٥) أنّ الأمر في الآية قدريٌّ كونيٌّ، فقال: «هذا أمر تقدير كوني لا أمر ديني شرعي؛ فإن الله لا يأمر بالفحشاء، والمعنى: قضينا ذلك وقدرناه. وقالت طائفة: بل هو أمر ديني، والمعنى: أمرناهم بالطاعة فخالفونا وفسقوا. والقول الأول أرجح؛ لوجوه: أحدها: أن الإضمار على خلاف الأصل، فلا يصار إليه إلا إذا لم يكن تصحيح الكلام بدونه. الثاني: أن ذلك يستلزم إضمارين: أحدهما: أمرناهم بطاعتنا. الثاني: فخالفونا أو عصونا ونحو ذلك. الثالث: أن ما بعد الفاء في مثل هذا التركيب هو المأمور به نفسه، كقولك: أمرته ففعل، وأمرته فقام، وأمرته فركب. لا يفهم المخاطب غير هذا. الرابع: أنه سبحانه جعل سبب هلاك القرية أمره المذكور، ومن المعلوم أن أمره بالطاعة والتوحيد لا يصلح أن يكون سبب الهلاك، بل هو سبب للنجاة والفوز، فإن قيل: أمره بالطاعة مع الفسق هو سبب الهلاك. قيل: هذا يبطل بالوجه الخامس وهو: أن هذا الأمر لا يختص بالمترفين، بل هو سبحانه يأمر بطاعته، واتّباع رسله المترفين وغيرهم، فلا يصح تخصيص الأمر بالطاعة بالمترفين، يوضحه الوجه السادس: أن الأمر لو كان بالطاعة لكان هو نفس إرسال رسله إليهم، ومعلوم أنه لا يحسن أن يقال: أرسلنا رسلنا إلى مترفيها ففسقوا فيها. فإن الإرسال لو كان إلى المترفين لقال مَن عداهم: نحن لم يرسل إلينا. السابع: أن إرادة الله سبحانه لإهلاك القرية إنما يكون بعد إرسال الرسل إليهم وتكذيبهم، وإلا فقبل ذلك هو لا يريد إهلاكهم؛ لأنهم معذورون بغفلتهم وعدم بلوغ الرسالة إليهم، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأَهْلُها غافِلُونَ﴾ [الأنعام:١٣١]، فإذا أرسل الرسل فكذبوهم أراد إهلاكها، فأمر رؤساءها ومترفيها أمرًا كونيًّا قدريًّا، لا شرعيًّا دينيًّا بالفسق في القرية، فاجتمع أهلها على تكذيبهم وفسق رؤسائهم، فحينئذ جاءها أمر الله، وحق عليها قوله بالإهلاك»

سورة يوسف — الآية ١٠٠

عن محمد بن إسحاق، قال: إنّ أبا بكر لَمّا حدَّث نفسَه بأن يغزو الروم فلم يُطْلِع عليه أحدًا، إذ جاءه شُرَحْبيل بن حَسَنَة، فجلس إليه، فقال: يا خليفةَ رسول الله، أتُحَدِّثُ نفسَك أنّك تبعثُ إلى الشام جُندًا؟ فقال: نعم، قد حدَّثْتُ نفسي بذلك، وما أطْلَعْتُ عليه أحدًا، وما سألتني عنه إلا لشيء. قال: أجل، إنِّي رأيت -يا خليفة رسول الله- فيما يرى النائمُ كأنّك تمشي في الناس فوق خَرْشَفَةٍ مِن الجبل، ثم أقبلتَ تمشي حتى صعدت قُنَّةً من القِنان العالية، فأَشْرَفْتَ على الناس ومعك أصحابك، ثم إنّك هبطت مِن تلك القِنان إلى أرض سهلة دَمِثَةٍ فيها الزَّرع والقرى والحصون، فقلتَ للمسلمين: شُنُّوا الغارةَ على أعداء الله، وأنا ضامِنٌ لكم بالفتح والغنيمة. فشدَّ المسلمون، وأنا فيهم معي راية، فتوجهت بها إلى أهل قرية، فسألوني الأمان، فأمَّنتُهم، ثم جئتُ فأجدُك قد انتهيتَ إلى حصن عظيم، ففَتَحَ اللهُ لك، وأَلْقَوْا إليك السلم، ووضع اللهُ لك مجلسًا، فجلست عليه، ثم قيل لك: يفتح الله عليك وتُنصَر، فاشكر ربك، واعمل بطاعته. ثم قرأ: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا﴾ [النصر:١-٣]، ثم انتبهتُ. فقال له أبو بكر: نامت عيناك، خيرًا رأيتَ، وخيرًا يكون إن شاء الله. ثم قال: بَشَّرْتَ بالفتح، ونَعَيْتَ إلَيَّ نفسي. ثم دَمَعَتْ عينا أبي بكر، ثم قال: أمّا الخَرْشَفَة التي رأيتَنا نمشي عليها حتى صعدنا إلى القُنَّةِ العالية فأَشْرَفْنا على الناس؛ فإنّا نُكابِدُ مِن أمر هذا الجند والعدو مَشَقَّةً ويُكابِدونه، ثم نعلو بعدُ ويعلو أمرُنا، وأمّا نزولنا مِن القُنَّةِ العالية إلى الأرض السهلة الدَّمِثَة والزرع والعيون والقرى والحصون؛ فإنّا ننزل إلى أمر أسهل مِمّا كنا فيه مِن الخصب والمعاش، وأمّا قولي للمسلمين: شُنُّوا على أعداء الله الغارة فإنِّي ضامن لكم الفتح والغنيمة؛ فإنّ ذلك دُنُوُّ المسلمين إلى بلاد المشركين، وترغيبِي إيّاهم على الجهاد والأجر والغنيمة التي تقسم لهم وقبولهم، وأمّا الراية التي كانت معك فتوجهتَ بها إلى قرية من قراهم ودخلتها واستأمنوا فأمَّنتَهم؛ فإنّك تكون أحدَ أمراء المسلمين، ويفتح الله على يديك، وأمّا الحصن الذي فتح الله لي؛ فهو ذلك الوجه الذي يفتح الله لي، وأمّا العرش الذي رأيتني عليه جالسًا؛ فإنّ الله يرفعني ويضع المشركين، وقال الله -تبارك وتعالى- ليوسف: ﴿ورفع أبويه على العرش﴾، وأمّا الذي أمرني بطاعة الله وقرأ عَلَيَّ السورة؛ فإنّه نَعى إلَيَّ نفسي، وذلك أنّ النبي ﷺ نعى اللهُ إليه نفسَه حين نزلت هذه السورة، وعلم أنّ نفسَه قد نُعِيَت إليه. ثم سالتا عيناه، فقال: لَآمُرَنَّ بالمعروف، ولَأَنْهَيَنَّ عن المنكر، ولأجهدن فيمَن نزل أمر الله، ولَأُجَهِّزَنَّ الجنود إلى العادلين بالله في مشارق الأرض ومغاربها، حتى يقولوا: الله أحدٌ أحدٌ لا شريك له. أو يُؤَدُّوا الجزيةَ عن يدٍ وهم صاغرون، هذا أمرُ الله وسنةُ رسول الله ﷺ، فإذا تَوَفّاني الله عز وجل لا يجدني اللهُ عاجِزًا ولا وانِيًا ولا في ثواب المجاهدين زاهِدًا. فعند ذلك أمر الأمراء، وبعث إلى الشام البُعُوث

رجَّح ابنُ القيم (١‏/‏٣٤٥-٣٤٦) أنّ المراد: أنّ ما كان يخفيه المشركون فبدا لهم يوم القيامة هو حقيقة ما انطووا عليه من علمهم أنهم على باطل، وأن الرسل على حق. وانتَقَد (١‏/‏٣٤٤) مستندًا إلى السياق، والدلالات العقلية، ولغة العرب القولَ بأنّ الذي بدا لهم هو العذاب، وبأنهم كانوا يخفون الشرك في بعض المواطن يوم القيامة فلما وقفوا على النار بدا لهم جزاء ما أخفوه، وهو موافق لقول مقاتل، فقال: «وظنوا أنّ الذي بدا لهم العذاب، فلما لم يروا ذلك ملتئمًا مع قوله: ﴿ما كانوا يخفون من قبل﴾ قدَّروا مضافًا محذوفًا، وهو خبر ما كانوا يخفون من قبل، فدخل عليهم أمرٌ آخر لا جواب لهم عنه، وهو أنّ القوم لم يكونوا يخفون شركهم وكفرهم، بل كانوا يظهرونه ويدعون إليه، ويحاربون عليه، ولَمّا علموا أنّ هذا وارد عليهم، قالوا: إنّ القوم في بعض موارد القيامة ومواطنها أخفوا شركهم وجحدوه، وقالوا: ﴿والله ربنا ما كنا مشركين﴾. فلما وقفوا على النار بدا لهم جزاء ذلك الذي أخفوه». وذكر ابنُ عطية (٣‏/‏٣٤٣) نقلًا عن الزهراوي أنّ هناك من قال بأن الآية في المنافقين؛ لأنهم كانوا يخفون الكفر فبان لهم وباله يوم القيامة. وانتقده مستندًا للسياق بقوله: «وتقلق العبارة على هذا التأويل؛ لأنه قال: ﴿وقفوا﴾ يريد جماعة كفار، ثم قال: ﴿بدا لهم﴾ يريد: المنافقين من هؤلاء الكفار، والكلام لا يعطي هذا إلا على تحامل». ووجَّهه ابنُ كثير (٦‏/‏٢٣) بقوله: «ويحتمل أن يكون المراد بهؤلاء المنافقين: الذين كانوا يظهرون للناس الإيمان ويبطنون الكفر، ويكون هذا إخبارًا عما يكون يوم القيامة من كلام طائفة من الكفار، ولا ينافي هذا كون هذه السورة مكية، والنفاق إنما كان من بعض أهل المدينة ومَن حولها من الأعراب، فقد ذكر الله وقوع النفاق في سورة مكية، وهي العنكبوت، فقال: ﴿وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين (١١)﴾؛ وعلى هذا فيكون إخبارًا عن حال المنافقين في الدار الآخرة، حين يعاينون العذاب يظهر لهم حينئذ غب ما كانوا يبطنون من الكفر والشقاق والنفاق». وذكر ابنُ عطية (٣‏/‏٣٤٣-٣٤٤) أنّ الزهراوي قال: وقيل: إنّ الكفار كانوا إذا وعظهم النبي ﷺ خافوا، وأخفوا ذلك الخوف؛ لئلا يشعر به أتباعهم، فظهر لهم ذلك يوم القيامة. ثم قال: «ويصِحُّ أن يكون مقصد الآية الإخبار عن هول ما لقوه والتعظيم لما شقوا به، فعبر عن ذلك بأنهم ظهرت لهم مستوراتهم في الدنيا من معاص وغير ذلك، فكيف الظن -على هذا- بما كانوا يعلنون من كفر ونحوه، وينظر إلى هذا التأويل قوله تعالى في تعظيم شأن يوم القيامة: ﴿يوم تبلى السرائر﴾ [الطارق:٩]، ويصح أن يقدر الشيء الذي كانوا يخفونه في الدنيا نبوة محمد ﷺ وأقواله، وذلك أنّهم كانوا يخفون ذلك في الدنيا بأن يحقروه عند مَن يرد عليهم ويصفوه بغير صفته ويتلقوا الناس على الطرق، فيقولون لهم: هو ساحر، هو يفرق بين الأقارب. يريدون بذلك إخفاء أمره وإبطاله، فمعنى هذه الآية -على هذا-: بل بدا لهم يوم القيامة أمرك وصدقك وتحذيرك وإخبارك بعقاب مَن كفر الذي كانوا يخفونه في الدنيا، ويكون الإخفاء على ما وصفناه». ثم نقل عن الزجاج أنّه قال: المعنى: ظهر للذين اتبعوا الغواة ما كان الغواة يخفون من البعث. وعلَّق عليه بقوله: «فالضميران على هذا ليسا لشيء واحد». ثم ذكر أن المهدويَّ حكى عن الحسن نحو هذا