محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١٨ من سورة غافر في ١٠٨ كتب من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، و١٥ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١٨ من سورة غافر

١٠٨ كتب من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزفة إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ * يَعْلَمُ خَآئِنَةَ الأعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصّدُورُ * وَاللّهُ يَقْضِي بِالْحَقّ وَالّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنّ اللّهَ هُوَ السّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
يقول تعالى ذكره لنبيه : وأنذر يا محمد مشركي قومك يوم الاَزفة، يعني يوم القيامة، أن يُوافُوا الله فيه بأعمالهم الخبيثة، فيستحقوا من الله عقابه الأليم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله : يَوْمَ الاَزِفَةِ قال : يوم القيامة.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة وأنْذِرْهُمْ يَوْمَ الاَزِفَةِ يوم القيامة.
حدثنا محمد، قال : حدثنا أحمد، قال : حدثنا أسباط، عن السدي وأنْذِرْهُمْ يَوْمَ الاَزِفَةِ قال : يوم القيامة.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله وأنْذِرْهُمْ يَوْمَ الاَزِفَةِ قال : يوم القيامة، وقرأ : آزِفَتِ الاَزِفَةُ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللّهِ كاشِفَةٌ.
وقوله : إذِ القُلُوبُ لَدَى الحَناجِرِ كاظِمينَ يقول تعالى ذكره : إذ قلوب العباد من مخافة عقاب الله لدى حناجرهم قد شخصت من صدورهم، فتعلقت بحلوقهم كاظميها، يرومون ردّها إلى مواضعها من صدورهم فلا ترجع، ولا هي تخرج من أبدانهم فيموتوا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة إذِ القُلُوبُ لَدَى الحَناجِرِ قال : قد وقعت القلوب في الحناجر من المخافة، فلا هي تخرج ولا تعود إلى أمكنتها.
حدثنا محمد، قال : حدثنا أحمد، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ إذِ القُلُوبُ لَدَى الحَناجِرِ كاظِمِينَ قال : شخصت أفئدتهم عن أمكنتها، فنشبت في حلوقهم، فلم تخرج من أجوافهم فيموتوا، ولم ترجع إلى أمكنتها فتستقرّ.
واختلف أهل العربية في وجه النصب كاظِمِينَ فقال بعض نحويي البصرة : انتصابه على الحال، كأنه أراد : إذا القلوب لدى الحناجر في هذه الحال. وكان بعض نحويي الكوفة يقول : الألف واللام بدل من الإضافة، كأنه قال : إذا قلوبهم لدى حناجرهم في حال كظمهم. وقال آخر منهم : هو نصب على القطع من المعنى الذي يرجع من ذكرهم في القلوب والحناجر، المعنى : إذ قلوبهم لدى حناجرهم كاظمين. قال : فإن شئت جعلت قطعة من الهاء التي في قوله وأنْذِرهُمْ قال : والأوّل أجود في العربية، وقد تقدم بيان وجه ذلك.
وقوله : ما لِلظّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يقول : جلّ ثناؤه : ما للكافرين بالله يومئذ من حميم يحم لهم، فيدفع عنهم عظيم ما نزل بهم من عذاب الله، ولا شفيع يشفع لهم عند ربهم فيطاع فيما شفع، ويُجاب فيما سأل. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد، قال : حدثنا أحمد، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ ما لِلظّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ قال : من يعنيه أمرهم، ولا شفيع لهم.
وقوله : يُطاعُ صلة للشفيع. ومعنى الكلام : ما للظالمين من حميم ولا شفيع إذا شفع أطيع فيما شفع، فأجيب وقبلت شفاعته له.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
تفسير سورة الأحقاف بسم الله الرحمن الرحيم
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿حم (١) تَنزيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (٣)﴾
قد تقدم بياننا في معنى قوله (حم تَنزيلُ الْكِتَابِ) بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
وقوله (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَقِّ) يقول تعالى ذكره: ما أحدثنا السموات والأرض فأوجدناهما خلقا مصنوعا، وما بينهما من أصناف العالم إلا بالحقّ، يعني: إلا لإقامة الحقّ والعدل في الخلق.
وقوله (وَأَجَلٌ مُسَمًّى) يقول: وإلا بأجل لكل ذلك معلوم عنده يفنيه إذا هو بلغه، ويعدمه بعد أن كان موجودا بإيجاده إياه.
وقوله (وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ) يقول تعالى ذكره: والذين جحدوا وحدانية الله عن إنذار الله إياهم معرضون، لا يتعظون به، ولا يتفكرون فيعتبرون.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤)﴾
يقول تعالى ذكره: قل يا محمد لهؤلاء المشركين بالله من قومك: أرأيتم أيها القوم الآلهة والأوثان التي تعبدون من دون الله، أروني أيّ شيء خلقوا من الأرض، فإن ربي خلق الأرض كلها، فدعوتموها من أجل خلقها ما خلقت من ذلك آلهة وأربابا، فيكون لكم بذلك في عبادتكم إياها حجة، فإن من حجتي على عبادتي إلهي، وإفرادي له الألوهة، أنه خلق الأرض فابتدعها من غير أصل.
وقوله (أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ) يقول تعالى ذكره: أم لآلهتكم التي تعبدونها أيها الناس، شرك مع الله في السموات السبع، فيكون لكم أيضًا بذلك حجة في عبادتكموها، فإن من حجتي على إفرادي العبادة لربي، أنه لا شريك له في خلقها، وأنه المنفرد بخلقها دون كلّ ما سواه.
وقوله (اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا) يقول تعالى ذكره: بكتاب جاء من عند الله من قبل هذا القرآن الذي أُنزل عليّ، بأن ما تعبدون من الآلهة والأوثان خلقوا من الأرض شيئًا، أو أن لهم مع الله شركًا في السموات، فيكون ذلك حجة لكم على عبادتكم إياها، لأنها إذا صحّ لها ذلك صحت لها الشركة في النِّعم التي أنتم فيها، ووجب لها عليكم الشكر، واستحقت منكم الخدمة، لأن ذلك لا يقدر أن يخلقه إلا الله.
وقوله (أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ) اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الحجاز والعراق (أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ) بالألف، بمعنى: أو ائتوني ببقية من علم. ورُوي عن أبي عبد الرحمن السلميّ أنه كان يقرؤه "أَوْ أَثَرَةٍ مِنْ عِلْمٍ"، بمعنى: أو خاصة من علم أوتيتموه، وأوثرتم به على غيركم، والقراءة التي لا أستجيز غيرها (أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ) بالألف، لإجماع قرّاء الأمصار عليها.
واختلف أهل التأويل في تأويلها، فقال بعضهم: معناه: أو ائتوني بعلم بأن آلهتكم خَلَقت من الأرض شيئا، وأن لها شرك في السموات من قبل الخطّ الذي تخطونه في الأرض، فإنكم معشر العرب أهل عيافة وزجر وكهانة.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر بن آدم، قال: ثنا أبو عاصم، عن سفيان، عن صفوان بن سليم، عن أبي سلمة، عن ابن عباس (أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ) قال: خط كان يخطه العرب في الأرض.
حدثنا أبو كُرَيْب، قال: قال أَبو بكر: يعني ابن عياش: الخط: هو العيافة.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أو خاصة من علم.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتاده (أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ) قال: أو خاصة من علم.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ) قال: أي خاصة من علم.
حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: ثني أبي، عن الحسين، عن قتادة (أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ) قال: خاصة من علم.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أو علم تُشيرونه فتستخرجونه.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن، في قوله: (أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ) قال: أثارة شيء يستخرجونه فِطْرة.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أو تأثرون ذلك علمًا عن أحد ممن قبلكم؟
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛
وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعًا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد (أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ) قال: أحد يأثر علما.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أو ببينة من الأمر.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس (أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ) يقول: ببينة من الأمر.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ببقية من علم.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا أبو كُريب، قال: سُئل أَبو بكر، يعني ابن عياش عن (أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ) قال: بقية من علم.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: الأثارة: البقية من علم، لأن ذلك هو المعروف من كلام العرب، وهي مصدر من قول القائل: أثر الشيء أثارة، مثل سمج سماجة، وقبح قباحة، كما قال راعي الإبل:
وذاتِ أثارةٍ أكَلَتْ عَلَيْها[نَبَاتًا فِي أكمِتِهِ قَفَارا] (١)
يعني: وذات بقية من شحم، فأما من قرأه (أَوْ أَثَرَةٍ) فإنه جعله أثرة من الأثر،
(١) هذا بيت من قصيدة للراعي، مدح بها سعد بن عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد، عدتها سبعة وخمسون بيتا. وقوله " ذات آثارة " أي رب ناقة ذات سمن. والأثارة، بفتح الهمزة: شحم متصل بشحم آخر، ويقال هي بقية من الشحم العتيق، يقال: سمنت الناقة على أثارة، أي على بقية شحم. وأكمته: غلفه، جمع كمام، وهو جمع كم بكسر الكاف، وهو غطاء النور وغلافه. وقفارًا وقفارة: وصف للنبات: أي رعته خاليًا لها من مزاحمة غيرها في رعيه. وأصله من قولهم طعام قفار: أي أكل بلا إدام. (انظر خزانة الأدب الكبرى للبغدادي ٤: ٢٥١) واستشهد بالبيت أبو عبيدة في مجاز القرآن (الورقة ٢٢٢). عند قوله تعالى: " أو أثارة من علم " أي بقية من شحم أكلت عليه. ومن قال: " أثرة " فهو مصدر أثره يأثره: يذكره. وفي (اللسان: أثر) : وأثرة العلم وأثرته وأثارته، بقية منه تؤثر فتذكر. وقال الزجاج أثاره: في معنى علامة. ويجوز أن يكون على معنى بقية من علم ونسب البيت للشماخ.
وقوله: (لا ظُلْمَ الْيَوْمَ) يقول: لا بخس على أحد فيما استوجبه من أجر عمله في الدنيا، فينقص منه إن كان محسنا، ولا حُمِل على مسيء إثم ذنب لم يعمله فيعاقب عليه (إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) يقول: إن الله ذو سرعة في محاسبة عباده يومئذ على أعمالهم التي عملوها في الدنيا; ذُكر أن ذلك اليوم لا يَنْتَصِف حتى يقيل أهل الجنة في الحنة، وأهل النار في النار، وقد فرغ من حسابهم، والقضاء بينهم.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ (١٨) يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩) وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٢٠)﴾
يقول تعالى ذكره لنبيه: وأنذر يا محمد مشركي قومك يوم الآزفة، يعنى يوم القيامة، أن يوافوا الله فيه بأعمالهم الخبيثة، فيستحقوا من الله عقابه الأليم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: (يَوْمَ الآزِفَةِ) قال: يوم القيامة.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ) يوم القيامة.
حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ (وَأَنْذِرْهُمْ
يَوْمَ الآزِفَةِ) قال: يوم القيامة.
حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فى قوله (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ) قال: يوم القيامة، وقرأ: (أَزِفَتِ الآزِفَةُ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ).
وقوله: (إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ) يقول تعالى ذكره: إذ قلوب العباد من مخافة عقاب الله لدى حناجرهم قد شخصت من صدورهم، فتعلقت بحلوقهم كاظميها، يرومون ردّها إلى مواضعها من صدورهم فلا ترجع، ولا هي تخرج من أبدانهم فيموتوا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ) قال: قد وقعت القلوب في الحناجر من المخافة، فلا هي تخرج ولا تعود إلى أمكنتها.
حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ (إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ) قال: شخصت أفئدتهم عن أمكنتها، فنشبت في حلوقهم، فلم تخرج من أجوافهم فيموتوا، ولم ترجع إلى أمكنتها فتستقرّ.
واختلف أهل العربية في وجه النصب (كَاظِمِينَ) فقال بعض نحويِّي البصرة: انتصابه على الحال، كأنه أراد: إذ القلوب لدى الحناجر في هذه الحال. وكان بعض نحويي الكوفة يقول: الألف واللام بدل من الإضافة، كأنه قال: إذا قلوبهم لدى حناجرهم في حال كظمهم. وقال آخر منهم: هو نصب على القطع من المعنى الذي يرجع من ذكرهم في القلوب والحناجر، المعمى: إذ قلوبهم لدى حناجرهم كاظمين. قال: فإن شئت جعلت قطعة من الهاء التي في قوله (وَأَنْذِرْهُمْ) قال: والأول أجود في العربية، وقد تقدّم بيان وجه ذلك.
وقوله: (مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ) يقول جلّ ثناؤه: ما للكافرين بالله يومئذ من حميم يحم (١) لهم، فيدفع عنهم عظيم ما نزل بهم من عذاب الله، ولا شفيع يشفع لهم عند ربهم فيطاع فيما شفع، ويُجاب فيما سأل.
وبنحو الذي قلنا فى ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ (مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ) قال: من يعنيه أمرهم، ولا شفيع لهم. وقوله: (يطاع) صلة للشفيع. ومعنى الكلام: ما للظالمين من حميم ولا شفيع إذا شفع أطيع فيما شفع، فأجيب وقبلت شفاعته له.
وقوله: (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ) يقول جلّ ذكره مخبرا عن صفة نفسه: يعلم ربكم ما خانت أعين عباده، وما أخفته صدورهم، يعني: وما أضمرته قلوبهم; يقول: لا يخفى عليه شيء من أمورهم حتى ما يحدث به نفسه، ويضمره قلبه إذا نظر ماذا يريد بنظره، وما ينوي ذلك بقلبه (وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ) يقول: والله تعالى ذكره يقضي في الذي خانته الأعين بنظرها، وأخفته الصدور عند نظر العيون بالحق، فيجزي الذين أغمضوا أبصارهم، وصرفوها عن محارمه حذارَ الموقف بين يديه، ومسألته عنه بالحُسنى، والذين ردّدوا النظر، وعزمت قلوبهم على مواقعة الفواحش إذا قدّرت، جزاءها.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني عبد الله بن أحمد المَرْوَزِيّ، قال: ثنا عليّ بن حسين بن واقد قال: ثني أبي، قال: ثنا الأعمش، قال: ثنا سعيد بن جبير، عن ابن عباس
(١) في اللسان: حمنى: الأمر وأحمني: أهمني. وقال الأزهري: أحمني هذا الأمر واحتممت له، كأنه اهتمام بحميم قريب.
(يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ) إذا نظرت إليها تريد الخيانة أم لا (وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) إذا قدرت عليها أتزني بها أم لا؟ قال: ثم سكت، ثم قال: ألا أخبركم بالتي تليها؟ قلت نعم، قال: (وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ) قادر على أن يجزي بالحسنة الحسنة، وبالسيئة السيئة (إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) قال الحسن: فقلت للأعمش: حدثني الكلبيّ، إلا أنه قال: إن الله قادر على أن يجزي بالسيئة السيئة، وبالحسنة عشرا. وقال الأعمش: إن الذي عند الكلبيّ عندي، ما خرج مني إلا بحقير.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ) قال: نظر الأعين إلى ما نهى الله عنه.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (خَائِنَةَ الأعْيُنِ) : أي يعلم همزه بعينه، وإغماضه فيما لا يحبّ الله ولا يرضاه.
وقوله: (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ) يقول: والأوثان والآلهة التي يعبدها هؤلاء المشركون بالله من قومك من دونه لا يقضون بشيء، لأنها لا تعلم شيئا، ولا تقدر على شيء، يقول جلّ ثناؤه لهم: فاعبدوا الذي يقدر على كل شيء، ولا يخفى عليه شيء من أعمالكم، فيجزي محسنكم بالإحسان، والمسيء بالإساءة، لا ما لا يقدر على شيء ولا يعلم شيئا، فيعرف المحسن من المسيء، فيثيب المحسن، ويعاقب المسيء.
وقوله: (إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) يقول: إن الله هو السميع لما تنطق به ألسنتكم أيها الناس، البصير بما تفعلون من الأفعال، محيط بكل ذلك محصيه عليكم، ليجازي جميعكم جزاءه يوم الجزاء.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله: (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ) فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة:"وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ" بالتاء على وجه الخطاب. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة بالياء على وجه الخبر.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
يوم الآزفة هو : اسم من أسماء يوم القيامة، سميت بذلك لاقترابها، كما قال تعالى :﴿أَزِفَتِ الآزِفَةُ. لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ [النجم: ٥٧، ٥٨] وقال ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١]، وقال ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ [الانبياء: ١] وقال ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] وقال ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ [الملك: ٢٧].
وقوله :﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ [ أي ساكتين ] (١)، قال قتادة : وقفت القلوب في الحناجر من الخوف، فلا تخرج ولا تعود إلى أماكنها. وكذا قال عكرمة، والسدي، وغير واحد.
ومعنى ﴿كَاظِمِينَ﴾ أي : ساكتين، لا يتكلم أحد إلا بإذنه ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: ٣٨].
وقال ابن جُرَيْج (٢) :﴿كَاظِمِينَ﴾ أي : باكين.
وقوله :﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ أي : ليس للذين ظلموا أنفسهم بالشرك بالله من قريب منهم ينفعهم، ولا شفيع يشفع فيهم، بل قد تقطعت بهم الأسباب من كل خير.
١ - (١) زيادة من ت..
٢ - (٢) في ت: "جرير"..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (١) هُوَ يَشْمَلُ هَذَا كُلَّهُ، وَيَشْمَلُ أَنَّ كُلَّ عَامِلٍ سَيَلْقَى مَا عَمِلَ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ. كَمَا قَالَهُ آخَرُونَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ﴾ أَيْ: ظَاهِرُونَ بَادُونَ كُلُّهُمْ، لَا شَيْءَ يُكِنُّهُمْ وَلَا يُظِلُّهُمْ وَلَا يَسْتُرُهُمْ. وَلِهَذَا قَالَ: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ﴾ أَيِ: الْجَمِيعُ فِي عِلْمِهِ عَلَى السَّوَاءِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ تَعَالَى (٢) يَطْوِي السموات وَالْأَرْضَ بِيَدِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْجَبَّارُ، أَنَا الْمُتَكَبِّرُ، أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ؟ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟.
وَفِي حَدِيثِ الصُّورِ: أَنَّهُ تَعَالَى إِذَا قَبَضَ أَرْوَاحَ جَمِيعِ خَلْقِهِ، فَلَمْ يَبْقَ سِوَاهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، حِينَئِذٍ يَقُولُ: لِمَنِ الْمَلِكُ الْيَوْمَ؟ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ يُجِيبُ نَفْسَهُ قَائِلًا ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ أَيِ: الَّذِي هُوَ وَحْدَهُ قَدْ قَهَر كُلَّ شَيْءٍ وَغَلَبَهُ (٣).
وَقَدْ قَالَ (٤) ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ الدَّقَّاقُ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ أَبِيهِ، حَدَّثَنَا أَبُو نَضْرة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] (٥) قَالَ: يُنَادِي مُنَادٍ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ. فَيَسْمَعُهَا الْأَحْيَاءُ وَالْأَمْوَاتُ، قَالَ: وَيَنْزِلُ اللَّهُ [عَزَّ وَجَلَّ] (٦) إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا وَيَقُولُ: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾.
وَقَوْلُهُ: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ عَدْلِهِ فِي حُكْمِهِ بَيْنَ خَلْقِهِ، أَنَّهُ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ وَلَا مِنْ شَرٍّ، بَلْ يَجْزِي بِالْحَسَنَةِ عَشْرَ أَمْثَالِهَا، وَبِالسَّيِّئَةِ وَاحِدَةً؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (٧)، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -فِيمَا يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ-أَنَّهُ قَالَ: "يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا -إِلَى أَنْ قَالَ-: يَا عِبَادِي، إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا عَلَيْكُمْ (٨) ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نَفْسَهُ" (٩).
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ أَيْ: يُحَاسِبُ الْخَلَائِقَ كُلَّهُمْ، كَمَا يُحَاسِبُ نَفْسًا وَاحِدَةً، كَمَا قَالَ: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لُقْمَانَ: ٢٨]، وَقَالَ [تَعَالَى] (١٠) :﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [الْقَمَرِ: ٥٠].
﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ (١٨) يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩) وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٢٠)﴾
(١) في ت، س: "التلاق".
(٢) في ت: "أن الله".
(٣) انظر حديث الصور بتمامه عند تفسير الآية: ٧٣ من سورة الأنعام.
(٤) في ت: "وروى ابن أبي حاتم".
(٥) زيادة من أ.
(٦) زيادة من ت، أ.
(٧) في ت: "البخاري" وهو خطأ.
(٨) في ت، س: "لكم".
(٩) صحيح مسلم برقم (٢٥٧٧).
(١٠) زيادة من س.
يَوْمَ الْآزِفَةِ هُوَ: اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاقْتِرَابِهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَزِفَتِ الآزِفَةُ. لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ [النَّجْمِ: ٥٧، ٥٨] وَقَالَ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [الْقَمَرِ: ١]، وَقَالَ ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ١] وَقَالَ ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النَّحْلِ: ١] وَقَالَ ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ [الْمُلْكِ: ٢٧].
وَقَوْلُهُ: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ [أَيْ سَاكِتِينَ] (١)، قَالَ قَتَادَةُ: وَقَفَتِ الْقُلُوبُ فِي الْحَنَاجِرِ مِنَ الْخَوْفِ، فَلَا تَخْرُجُ وَلَا تَعُودُ إِلَى أَمَاكِنِهَا. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ.
وَمَعْنَى ﴿كَاظِمِينَ﴾ أَيْ: سَاكِتِينَ، لَا يَتَكَلَّمُ أَحَدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النَّبَأِ: ٣٨].
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج (٢) :﴿كَاظِمِينَ﴾ أَيْ: بَاكِينَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ أَيْ: لَيْسَ لِلَّذِينِ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِالشِّرْكِ بِاللَّهِ مِنْ قَرِيبٍ مِنْهُمْ يَنْفَعُهُمْ، وَلَا شَفِيعٍ يُشَفَّعُ فِيهِمْ، بَلْ قَدْ تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ عِلْمِهِ التَّامِّ الْمُحِيطِ بِجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، جَلِيلِهَا وَحَقِيرِهَا، صَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا، دَقِيقِهَا وَلَطِيفِهَا؛ لِيَحْذَرَ النَّاسُ عِلْمَهُ فِيهِمْ، فَيَسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقّ الْحَيَاءِ، ويَتَّقُوهُ حَقَّ تَقْوَاهُ، وَيُرَاقِبُوهُ مُرَاقَبَةَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَرَاهُ، فَإِنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ الْعَيْنَ الْخَائِنَةَ وَإِنْ أَبْدَتْ أَمَانَةً، وَيَعْلَمُ مَا تَنْطَوِي عَلَيْهِ خَبَايَا الصُّدُورِ مِنَ الضَّمَائِرِ وَالسَّرَائِرِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ وَهُوَ الرَّجُلُ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ بَيْتَهُمْ، وَفِيهِمُ الْمَرْأَةُ الْحَسْنَاءُ، أَوْ تَمُرُّ بِهِ وَبِهِمُ الْمَرْأَةُ الْحَسْنَاءُ، فَإِذَا غَفَلُوا لَحَظَ إِلَيْهَا، فَإِذَا فَطِنُوا غَضّ، فَإِذَا غَفَلُوا لَحَظَ، فَإِذَا فَطِنُوا غَضَّ [بَصَرَهُ عَنْهَا] (٣) وَقَدِ اطَّلَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِهِ أَنَّهُ وَدّ أَنْ لَوِ اطَّلَعَ عَلَى فَرْجِهَا. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿خَائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ هُوَ الْغَمْزُ، وَقَوْلُ الرَّجُلِ: رَأَيْتُ، وَلَمْ يَرَ؛ أَوْ: لَمْ أَرَ، وَقَدْ رَأَى.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْلَمُ [اللَّهُ] (٤) تَعَالَى مِنَ الْعَيْنِ فِي نَظَرِهَا، هَلْ تُرِيدُ الْخِيَانَةَ أَمْ لَا؟ وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ يَعْلَمُ إِذَا أَنْتَ قَدَرْتَ عَلَيْهَا هَلْ تَزْنِي بِهَا أَمْ لَا؟.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ أي: من الوسوسة.
(١) زيادة من ت.
(٢) في ت: "جرير".
(٣) زيادة من س، أ.
(٤) زيادة من س.

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
{ ١٨ - ٢٠ } ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ * يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ * وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
يقول تعالى لنبيه محمد ﷺ :﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾ أي : يوم القيامة التي قد أزفت وقربت، وآن الوصول إلى أهوالها وقلاقلها وزلازلها، ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾ أي : قد ارتفعت وبقيت أفئدتهم هواء، ووصلت القلوب من الروع والكرب إلى الحناجر، شاخصة أبصارهم. ﴿كَاظِمِينَ﴾ لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا وكاظمين على ما في قلوبهم من الروع الشديد والمزعجات الهائلة.
﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ﴾ أي : قريب ولا صاحب، ﴿وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ لأن الشفعاء لا يشفعون في الظالم نفسه بالشرك، ولو قدرت شفاعتهم، فالله تعالى لا يرضى شفاعتهم، فلا يقبلها.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١٨ - ٢٠} ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ * يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ * وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ أي: يوم القيامة التي قد أزفت وقربت، وآن الوصول إلى أهوالها وقلاقلها وزلازلها، ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾ أي: قد ارتفعت وبقيت أفئدتهم هواء، ووصلت القلوب من الروع والكرب إلى الحناجر، شاخصة أبصارهم. ﴿كَاظِمِينَ﴾ لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا وكاظمين على ما في قلوبهم من الروع الشديد والمزعجات الهائلة.
﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ﴾ أي: قريب ولا صاحب، ﴿وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ لأن الشفعاء لا يشفعون في الظالم نفسه بالشرك، ولو قدرت شفاعتهم، فالله تعالى لا يرضى شفاعتهم، فلا يقبلها.
﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ وهو النظر الذي يخفيه العبد من جليسه ومقارنه، وهو نظر المسارقة، ﴿وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ مما لم يبينه العبد لغيره، فالله تعالى يعلم ذلك الخفي، فغيره من الأمور الظاهرة من باب أولى وأحرى.
﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ لأن قوله حق، وحكمه الشرعي حق، وحكمه الجزائي حق وهو المحيط علمًا وكتابة وحفظا بجميع الأشياء، وهو المنزه عن الظلم والنقص وسائر العيوب، وهو الذي يقضي قضاءه القدري، الذي إذا شاء شيئًا كان وما لم يشأ لم يكن، وهو الذي يقضي بين عباده المؤمنين والكافرين في الدنيا، ويفصل بينهم بفتح ينصر به أولياءه وأحبابه.
﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ وهذا شامل لكل ما عبد من دون الله ﴿لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ لعجزهم وعدم إرادتهم للخير واستطاعتهم لفعله. ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لجميع الأصوات، باختلاف اللغات، على تفنن الحاجات. ﴿الْبَصِيرُ﴾ (١) بما كان وما يكون، وما نبصر وما لا نبصر، وما يعلم العباد وما لا يعلمون.
قال في أول هاتين الآيتين ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ ثم وصفها بهذه الأوصاف المقتضية للاستعداد لذلك اليوم العظيم، لاشتمالها على الترغيب والترهيب.
(١) في النسختين (العليم) وهو خطأ فالوارد في الآية: (البصير).
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٠٨ كتب)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان معاني القرآن — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى تفسير القرآن — الصنعاني معاني القرآن — الأخفش غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب أضواء البيان — محمد الأمين الشنقيطي تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
يَوْمَ الْآزِفَةِ
يَوْمَ القِيَامَةِ القَرِيبَ.
لَدَى الْحَنَاجِرِ
قُلُوبُهُمْ عِنْدَ حُلُوقِهِمْ مِنْ شِدَّةِ الكَرْبِ.
كَاظِمِينَ
مُمْتَلِئِينَ غَمًّا، وَحُزْنًا.
حَمِيمٍ
قَرِيبٍ، وَصَاحِبٍ.

إعراب الآية ١٨ من سورة غافر

من كتاب: إعراب القرآن

قيل فيه ما رواه أبو وائل عن ابن مسعود، قال: يحشر النّاس على أرض بيضاء مثل الفضة لم يعص الله جلّ وعزّ عليها فيؤمر مناد أن ينادي لمن الملك اليوم؟ فهذا قول بيّن. فأما أن يكون هذا والخلق غير موجودين فبعيد لأنه لا فائدة فيه. والقول الأول صحيح عن ابن مسعود، وليس هو مما يؤخذ بالقياس، ولا بالتأويل والمعنى على قوله فينادي مناد يوم القيامة ليقرّر الناس لمن الملك اليوم فيقول العباد مؤمنهم وكافرهم: لله الواحد القهّار فيقول المؤمنون هذا سرورا وتلذاذا، ويقول الكافرون هذا رغما وانقيادا وخضوعا.

[سورة غافر (٤٠) : آية ١٨]

وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ (١٨)
إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ نصبت كاظمين على الحال وهو محمول على المعنى. قال أبو إسحاق: المعنى: إذ قلوب الناس لدى الحناجر في حال كظمهم، وأجاز الفراء «١» أن يكون التقدير: وأنذرهم كاظمين على أنه خبر القلوب، وقال: لأن المعنى إذ هم كاظمين. وقال الكسائي: يجوز رفع كاظمين على الابتداء ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ أي قريب وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ من نعت شفيع أي ولا شفيع يسأل فيجاب.

[سورة غافر (٤٠) : آية ١٩]

يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩)
يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ. قال أبو إسحاق: أي من نظر ونيّته الخيانة، وقال الفراء: يعلم خائنة الأعين النظرة الثانية وَما تُخْفِي الصُّدُورُ النظرة الأولى.

[سورة غافر (٤٠) : آية ٢٠]

وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٢٠)
إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ «هو» زائدة فاصلة، ويجوز أن يكون في موضع رفع بالابتداء وما بعدها خبر عنها والجملة خبر «إنّ».

[سورة غافر (٤٠) : الآيات ٢١ الى ٢٢]

أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ (٢١) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢٢)
أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا عطف على يسيروا في موضع جزم، ويجوز أن يكون في موضع نصب على أنه جواب، والجزم والنصب في التثنية والجمع واحد. كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ اسم كان والخبر في كيف. واقٍ في موضع خفض معطوف على اللفظ، ويجوز أن يكون في موضع رفع على الموضع فرفعه وخفضه واحد لأن الياء تحذف وتبقى الكسرة دالّة عليها.
(١) انظر معاني الفراء ٣/ ٦.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

عدّ الآي — ترقيم الآية عند مذاهب العدّ

كيف رقّمت مذاهب العدّ الستة هذه الآية

عَدُّ هذه الآية في مذاهبِ العدِّ الستَّة

سورة غافر، الآيةُ ١٨ في العدِّ الكوفيّ

رقمُ الآية في كلِّ عدّ

١٨ الكوفيّ المرجِع
١٧–١٨ المدَنيَّان والمكِّيّ والبصريّ والدِمَشقيّ

مواضعُ الخلافِ في هذه الآية

في أثنائها ﴿ كاظمين

يَعُدُّه رأسَ آية

المدَنيّ الأوَّل المدَنيّ الأخير المكِّيّ البصريّ الدِمَشقيّ

لا يَعُدُّه رأسَ آية

الكوفيّ

﴿كاظمين﴾ في أثناءِ هذه الآية: يَعُدُّه المدَنيَّان والمكِّيّ والبصريّ والدِمَشقيّ رأسَ آية، فتكونُ عندَه آيتَين، ولا يَعُدُّه الكوفيّ، فهي عندَه آيةٌ واحدة.

ما مذاهبُ العدِّ الستَّة؟

مذاهبُ العدِّ الستَّةُ أوجُهٌ مرويَّةٌ في عدِّ آي القرآن الكريم عن أهلِ المدينةِ ومكَّةَ والكوفةِ والبصرةِ والشام، والخلافُ بينها إنَّما هو في مواضعِ الفواصلِ ورؤوسِ الآي، لا في شيءٍ من حروفِ القرآن ولا كلماتِه.

القراءاتُ التي تأخُذُ بكلِّ عدّ

  • الكوفيّ: عاصم (شعبة وحفص) وحمزة (خلف وخلّاد) والكسائي (أبو الحارث والدوري الكسائي) وخلف العاشر (إسحاق وإدريس)
  • المدَنيّ الأخير: نافع (قالون وورش)
  • المدَنيّ الأوَّل: أبو جعفر (عيسى بن وردان وابن جمّاز)
  • المكِّيّ: ابن كثير (البزي وقنبل)
  • البصريّ: أبو عمرو (الدوري والسوسي) ويعقوب (رويس وروح)
  • الدِمَشقيّ: ابن عامر (هشام وابن ذكوان)

والرقمُ المعتمَدُ في الموسوعة هو رقمُ العدِّ الكوفيّ؛ وهو عدُّ مصحفِ المدينةِ النبويَّةِ برواية حَفصٍ عن عاصم.

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

١٥ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

١٥ قولًا
١
عن الحسن البصري -من طريق عبد الواحد بن زيد-: فيقول بعضهم لبعض: ﴿فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا﴾ [الأعراف:٥٣]، فيُنادون: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب صفة النار -موسوعة الإمام ابن أبي الدنيا ٦‏/‏٤٥٣-٤٥٤ (٢٥٠)-.
٢
عن إسماعيل السُّدّيّ -من طريق أسباط- ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾، قال: مَن يعنيه أمرهم، ولا شفيع لهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٠‏/‏٣٠٢.
٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ما لِلظّالِمِينَ﴾ يعني: المشركين ﴿مِن حَمِيمٍ﴾ يعني: قريب ينفعهم، ﴿ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ فيهم١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏٧٠٩.
٤
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- ﴿وأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ﴾، قال: يوم القيامة١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٥٨٢، وأخرجه ابن جرير ٢٠‏/‏٣٠٠. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حُمَيد، وابن المنذر.
٥
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿وأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ﴾، قال: الساعة١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏١٨٠ من طريق معمر، وابن جرير ٢٠‏/‏٣٠٠. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حُمَيد.
٦
عن إسماعيل السُّدّيّ -من طريق أسباط- ﴿وأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ﴾، قال: يوم القيامة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٠‏/‏٣٠١.
٧
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وأَنْذِرْهُمْ﴾ يعني: النبيَّ ﷺ، أنذِر أهل مكة ﴿يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ يعني: اقتراب الساعة١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏٧٠٩.
٨
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿وأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ﴾، قال: يوم القيامة. وقرأ: ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ﴾ [النجم:٥٧-٥٨]١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٠‏/‏٣٠١.
٩
عن سفيان بن عُيْينة -من طريق ابن أبي عمر- في قوله: ﴿يوم الآزفة﴾، قال: يوم القيامة. ثم قرأ: ﴿أزفت الآزفة ليس لها من دون الله كاشفة﴾ [النجم:٥٧-٥٨]١
التخريج
  1. ١أخرجه إسحاق البستي ص٢٧٨.
١٠
عن أُبيّ بن كعب -من طريق أبي العالية الرِّياحي- قال: يجيء الربُّ -تبارك وتعالى- يوم القيامة في ملائكة السماء السابعة، لا يعلم عددَهم إلا الله، فيؤتى بالجنة مُفتّحة أبوابها، يراها كل برّ وفاجر، عليها ملائكة الرحمة، حتى توضع عن يمين العرش، فيوجد ريحها مِن مسيرة خمسمائة عام. قال: ويؤتى بالنار تُقاد بسبعين ألف زمام، يقود كل زمام سبعون ألف مَلك، مُفتّحة أبوابها، عليها ملائكة سُود، معهم السلاسل الطوال، والأنكال الثِّقال، وسرابيل القْطران، ومُقطّعات النيران، لأعينهم لَمْعُ كالبرق، ولوجوههم لَهَب كالنار، شاخصة أبصارهم، لا ينظرون إلى ذي العرش تعظيمًا له، فإذا دَنَت النارُ فكان بينها وبين الخلائق مسيرةَ خمسمائة سنة زَفَرَتْ زفْرة، فلا يبقى أحدٌ إلا جثا على رُكبته، وأخذته الرّعدة، وصار قلبه متعلّقًا في حنجرته، لا يخرج ولا يرجع إلى مكانه، وذلك قوله: ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ﴾، وينادي إبراهيم: ربّ، لا تهلكني بخطيئتي. وينادي نوح ويونس، وتوضع النار على يسار العرش، ثم يؤتى بالميزان فيوضع بين يدي الجبار، ثم يُدعى الخلائق للحساب١
التخريج
  1. ١أخرجه يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ٤‏/‏١٢٩-.
١١
عن الحسن البصري -من طريق عبد الواحد بن زيد- في قوله: ﴿وأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ﴾، قال: أزِفتْ -واللهِ- عقولُهم، وطارت قلوبهم، فتردّدت في أجوافهم بالغُصص إلى حناجرهم؛ لَمّا أُمر بهم مَلَكٌ يسوقهم إلى النار١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب صفة النار -موسوعة الإمام ابن أبي الدنيا ٦‏/‏٤٥٣-٤٥٤ (٢٥٠)-.
١٢
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ﴾، قال: وقعت في حناجرهم مِن المخافة؛ فلا تخرج، ولا تعود إلى أمكنتها١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏١٨٠ من طريق معمر، وابن جرير ٢٠‏/‏٣٠١ بنحوه. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حُمَيد.
١٣
عن إسماعيل السُّدّيّ -من طريق أسباط- ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ﴾، قال: شخَصَتْ أفئدتهم عن أمكنتها، فنشَبتْ في حُلوقهم؛ فلم تخرج مِن أجوافهم فيموتوا، ولم ترجع إلى أمكنتها فتستقرّ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٠‏/‏٣٠١.
١٤
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ﴾، وذلك أنّ الكُفّار إذا عاينوا النار في الآخرة شخَصَتْ أبصارهم إليها فلا يَطرفون، وأخذتهم رعدة شديدة من الخوف، فشهقوا شهْقة، فزالتْ قلوبهم مِن أماكنها، فنَشبتْ في حلوقهم؛ فلا تخرج من أفواههم، ولا ترجع إلى أماكنها أبدًا، فذلك قوله تعالى: ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى﴾ يعني: عند ﴿الحَناجِرِ كاظِمِينَ﴾ يعني: مكروبين١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏٧٠٩.
١٥
عن عبد الملك ابن جُرَيْج: ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ﴾ قال: إذا عاين أهلُ النارِ النارَ حتى تبلغ حناجرهم، فلا تخرج فيموتون، ولا ترجع إلى أماكنها من أجوافهم. وفي قوله: ﴿كاظِمِينَ﴾ قال: باكين١٢
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابنُ عطية (٧/٤٣١) أن قوله: ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ﴾ يحتمل احتمالين: الأول: أن يكون حقيقة يوم القيامة من انتقال قلوب البشر إلى حناجرهم وتبقى حياتهم، بخلاف الدنيا التي لا تبقى لأحد فيها حياة مع تنقّل قلبه. الثاني: أن يكون تجوّزًا عبّر به عمّا يجده الإنسان مِن الجزع وصعود نفسه وتضايق حنجرته بصعود قلبه، وهذا كما تقول العرب: كادت نفسي أن تخرج. وهذا المعنى يجده المفرِّط الجزِع كالذي يساق إلى القتل ونحوه.
التفسير بالمأثور لسورة غافر كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١٨ من سورة غافر

٦ وقفات في هذه الآية

  • ما للظالمين من (حميم)..." من العذاب فقدان الأحبة الذي يشاركون الإنسان أوجاعه ويتألمون بصدق لآلامه لذا كان من عذاب أهل النار : فقدانهم

    — عبدالله بلقاسم

  • " وبلغت القلوب الحناجر " . لا تظن أنّ النصر يأتِي بمجرد أمنيات أو دعوات تُتَمتم بها ؛ ثمّة ابتلاءٌ وتَمحيص؛ ثمّ يأتِي النّصر والفُتوحات.!*

    — تدبر

  • قال أحد السلف : وكيف يكون للظالمين حميمٌ أو شفيع والطالبُ له رب العالمين .

    — صالح التركي / من لطائف القرآن

  • من شدة الفزع يوم القيامة ،، القلوب تصل إلى الحناجر . ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْآزِفَةِ إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَٰظِمِينَ﴾

    — هذا بصائر للناس

  • سمي يوم القيامة بالآزفة من أزف الرحيل قرب وترتفع القلوب خوفا والكفار ممتلئين غما فليس لهم نصير ولا شفيع....

    — مجالس التدبر

  • (ما للظالمين من حميم ولا شفيع يُطاع) ما أعظم شعور المعاقب بالوحدة والندامة عندما لا يجد صديقاً يواسيه، ولا شافعاً لدفع العقاب عنه!

    — مجالس التدبر

ترجمات معاني الآية ١٨ من سورة غافر

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(18) And warn them, [O Muḥammad], of the Approaching Day, when hearts are at the throats, filled [with distress]. For the wrongdoers there will be no devoted friend and no intercessor [who is] obeyed.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال