عن عمرو بن أبي سَلمة، قال: سألت أبا معاذ الخراساني عن قول الله: ﴿لابِثِينَ فِيها أحْقابًا﴾. فأَخبَرنا عن مقاتل بن حيّان قال: منسوخة، نَسَخَتْها: ﴿فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إلّا عَذابًا﴾
قال عبد الله بن عباس: ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ ألواحها مِن ذهب، مُكلّلة بالزَّبَرْجد والدُّرّ والياقوت، مرتفعة ما لم يجئ أهلها، فإذا أراد أن يجلس عليها تواضعتْ له حتى يجلس عليها، ثم ترتفع إلى مواضعها
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العَوفيّ- في قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ فِي أحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾، يقول: يُردّ إلى أرذل العمر، كَبِر حتى ذهب عقله
قال مقاتل بن سليمان: مَثَل المطر مَثَل القرآن، كَما أنّ المطر حياةُ الناسفكذلك القرآن حياةٌ لِمَن آمَن به، ومثل الظلمات يعني: الكافر بالقرآن، يعني: الضلالة التي هُمْ فيها، ومَثَل الرعد ما خُوِّفوا به من الوعيد فِي القرآن، ومَثَل البرق الذي في المطر مثل الإيمان، وهو النور الذي في القرآن، ﴿يَجْعَلُونَ أصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ﴾ يقول: مَثَل المنافق إذا سَمِع القرآن فصَمَّ أُذُنَيْه كراهية للقرآن كمَثَل الَّذِي جعل إصبعيه في أُذُنَيْه من شِدَّة الصواعق
قال يحيى بن سلّام: ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ أي: أوَلَم يُبَيِّن الله لهم ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِنَ القُرُونِ﴾ يعني: ما قصَّ مِمّا أهلك به الأمم السالفة حين كذبوا رسلهم ﴿يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ﴾ يعني: يمرون فيها، كقوله: ﴿وإنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ [الصافات:١٣٧] نهارًا وليلًا، يعني: في مساكنهم التي كانوا فيها، منها ما يُرى ومنها ما لا يُرى، كقوله: ﴿مِنها قائِمٌ﴾ تراه ﴿وحَصِيدٌ﴾ [هود:١٠٠] لا تراه، ﴿إنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ﴾ أي: للمؤمنين، ﴿أفَلا يَسْمَعُونَ﴾ يعني: المشركين
قال مقاتل بن سليمان: ﴿كانَ ذَلِكَ فِي الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ يعني: مكتوبًا في اللوح المحفوظ: أنّ المؤمنين أولى ببعضٍ في الميراث من الكفار. فلمّا كثر المهاجرون ردَّ الله عز وجل المواريث على أولي الأرحام على كتاب الله في القسمة إن كان مهاجرًا أو غير مهاجر، فقال في آخر الأنفال [٧٥]: ﴿وأُولُو الأَرْحامِ﴾ من المسلمين ﴿بَعْضُهُمْ أوْلى بِبَعْضٍ﴾ مهاجر وغير مهاجر في الميراث ﴿فِي كِتابِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾؛ فنَسَخَتِ الآيةُ التي في الأنفال هذه الآيةَ التي في الأحزاب
قال يحيى بن سلّام: ﴿إنْ أنْتَ إلّا نَذِيرٌ﴾ تُنذِرُ الناسَ، والله يهدي من يشاء، ﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ﴾ بالقرآن ﴿بَشِيرًا﴾ بالجنة، ﴿ونَذِيرًا﴾ من النار، ﴿وإنْ مِن أُمَّةٍ إلّا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ يعني: الأمم الخالية كلها قد خلت فيهم النذر، وتفسير السُّدِّيّ: ﴿وإنْ مِن أُمَّةٍ إلّا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾، أي: وإن مِن أُمَّة مِمَّن أهلكنا إلا خلا فيها نذير، يعني: يُحَذِّرُ المشركين أن ينزل بهم ما نزل بهم إن كذّبوا النبي - ﷺ - كما كذبت الأممُ رسلَها
رجَّح ابنُ جرير (١٩/٢٨٦) أن معنى قوله تعالى: ﴿وإنّا أوْ إيّاكُمْ لَعَلى هُدًى أوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾: «أن ذلك أمْرٌ مِن الله نبيَّه بتكذيب مَن أمره بخطابه بهذا القول بأحسن التكذيب، كما يقول الرجل لصاحبٍ له يخاطبه وهو يريد تكذيبَه في خبرٍ له: أحدنا كاذبٌ. وقائل ذلك يعني صاحبَه لا نفْسَه؛ فلهذا المعنى صيَّر الكلام بـ﴿أو﴾». وذكر ابنُ عطية (٧/١٨٥-١٨٦) أن معنى: ﴿وإنّا أوْ إيّاكُمْ﴾: «تلطُّف في الدعوى والمحاورة، والمعنى كما تقول لمن خالفك في مسألة: أحدنا يخطئ. أي: تثبت وتنبه، والمفهوم من كلامك أن مخالفك هو المخطئ، وكذلك هذا معناه ﴿لَعَلى هُدىً أوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ فَلَنَتَبَيَّنْه، والمقصد: أن الضلال في حيز المخاطبين، وحذف أحد الخبرين لدلالة الباقي عليه». ثم نقل عن أبي عبيدة أن ﴿أو﴾ «في الآية بمعنى واو النَّسق، والتقدير: وإنا وإيّاكم لعلى هدًى أو في ضلالٍ مبين». ثم انتقده مستندًا إلى ظاهر اللفظ قائلًا: «وهذا القول غير مُتَّجه، واللفظ لا يساعده». ثم علَّق بقوله: «وإن كان المعنى -على كل قول- يقتضي أنّ الهُدى في حيِّز المؤمنين، والضلال في حيِّز الكفرة»
عن ابن عباس -من طريق مقسم- قال: قالت الأنصار: فعلنا، وفعلنا. وكأنهم فخروا، فقال ابن عباس: لنا الفضلُ عليكم. فبلغ ذلك رسولَ الله ﷺ، فأتاهم في مجالسهم، فقال: «يا معشر الأنصار، ألم تكونوا أذِلَّة فأعزّكم الله؟». قالوا: بلى، يا رسول الله. قال: «أفلا تجيبوني؟». قالوا: ما نقول، يا رسول الله؟ قال: «ألا تقولون: ألم يُخرجك قومك فآويناك؟! أولم يكذِّبوك فصدّقناك؟! أولم يخذلوك فنصرناك؟!». فما زال يقول حتى جَثوا على الرُّكب، وقالوا: أموالنا وما في أيدينا لله ورسوله. فنزلت: ﴿قُلْ لا أسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ فِي القُرْبى﴾
قال ابنُ القيم (٣/١٥٠): «في هذا دليلٌ على أنّ خروج البُضع مِن ملك الزوج متقوّم، وأنه متقوّم بالمُسمّى الذي هو ما أنفق الزوج لا بمهر المثل، وأنّ أنكحة الكفار لها حكم الصحة، لا يُحكم عليها بالبطلان، وأنه لا يجوز ردّ المسلمة المُهاجِرة إلى الكفار ولو شُرط ذلك، وأنّ المسلمة لا يحلّ لها نكاح الكافر، وأنّ المسلم له أن يتزوج المرأة المُهاجِرة إذا انقضت عِدّتها، وآتاها مهرها، وفي هذا أبين دلالة على خروج بُضعها من ملك الزوج، وانفساخ نكاحها منه بالهجرة والإسلام، وفيه دليل على تحريم نكاح المشركة على المسلم، كما حرم نكاح المسلمة على الكافر». وبنحوه قال ابنُ تيمية (٦/٢٩٢)