اختُلف في معنى: ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ على أقوال: الأول: عاملة في النار ناصبة فيها. الثاني: عاملة في الدنيا ناصبة فيها، والآية في القِسِّيسين، وعباد الأوثان، وكلّ مَن اجتهد في كُفر. الثالث: عاملة في الدنيا ناصبة يوم القيامة. ووجَّه ابنُ عطية (٨/٥٩٦) القول الثالث بقوله: «فالعمل -على هذا- هو مساعي الدنيا». ورجَّح ابنُ تيمية (٧/٥) -مستندًا إلى اللغة، والدلالة العقلية، والنظائر- القول الأول، فقال: «هذا هو الحق لوجوه: أحدها: أنه على هذا التقدير يتعلق الظرف بما يليه، أي: وجوه يوم الغاشية خاشعة عاملة ناصبة صالية، وعلى الأولى لا يتعلق إلا بقوله: ﴿تصلى﴾، ويكون قوله: ﴿خاشعة﴾ صفة للوجوه، قد فصل بين الصفة والموصوف بأجنبي متعلّق بصفة أخرى متأخرة، والتقدير: وجوه خاشعة عاملة ناصبة يومئذٍ تصلى نارًا حامية، والتقديم والتأخير على خلاف الأصل؛ فالأصل إقرار الكلام على نظْمه وترتيبه لا تغيير ترتيبه، ثم إنما يجوز فيه التقديم والتأخير مع القرينة، أما مع اللبس فلا يجوز؛ لأنه يلتبس على المخاطب، ومعلوم أنه ليس هنا قرينة تدل على التقديم والتأخير، بل القرينة تدل على خلاف ذلك، فإرادة التقديم والتأخير بمثل هذا الخطاب خلاف البيان، وأمْر المخاطب بفهمه تكليف لما لا يطاق. الوجه الثاني: أنّ الله قد ذكر وجوه الأشقياء ووجوه السعداء في السورة، فقال بعد ذلك: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ لِسَعْيِها راضِيَةٌ فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾، ومعلوم أنه إنما وصفها بالنعمة يوم القيامة لا في الدنيا؛ إذ هذا ليس بمدح، فالواجب تشابه الكلام وتناظر القسمين، لا اختلافهما، وحينئذ فيكون الأشقياء وُصفتْ وجوههم بحالها في الآخرة. الثالث: أنّ نظير هذا التقسيم قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إلى رَبِّها ناظِرَةٌ ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٥]، وقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ تَرْهَقُها قَتَرَةٌ أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ [عبس:٣٨-٤٢]، وهذا كله وصفٌ للوجوه لحالها في الآخرة لا في الدنيا. الرابع: أنّ وصف الوجوه بالأعمال ليس في القرآن، وإنما في القرآن ذِكْر العلامة، كقوله: ﴿سِيمِاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ [الفتح:٢٩]، وقوله: ﴿ولَوْ نَشاءُ لأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ﴾ [محمد:٣٠]، وقوله: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا المُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ [الحج:٧٢]، وذلك لأنّ العمل والنَّصَب ليس قائمًا بالوجوه فقط؛ بخلاف السيما والعلامة. الخامس: أنّ قوله: ﴿خاشِعَةً عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ لو جُعل صفة لهم في الدنيا لم يكن في هذا اللفظ ذم، فإنّ هذا إلى المدح أقرب، وغايته أنه وصفٌ مشترك بين عُبّاد المؤمنين وعُبّاد الكفار، والذم لا يكون بالوصف المشترك، ولو أُريد المختص لقيل: خاشعة للأوثان -مثلًا-، عاملة لغير الله، ناصبة في طاعة الشيطان. وليس في الكلام ما يقتضي كون هذا الوصف مختصًّا بالكفار، ولا كونه مذمومًا، وليس في القرآن ذمٌّ لهذا الوصف مطلقًا، ولا وعيد عليه، فحمْله على هذا المعنى خروج عن الخطاب المعروف في القرآن. السادس: أنّ هذا الوصف مختص ببعض الكفار، ولا موجب للتخصيص، فإنّ الذين لا يتعبّدون من الكفار أكثر، وعقوبة فُسّاقهم في دينهم أشد في الدنيا والآخرة، فإنّ مَن كفَّ منهم عن المحرمات المتفق عليها، وأدّى الواجبات المتفق عليها لم تكن عقوبته كعقوبة الذين يدعون مع الله إلهًا آخر، ويقتلون النفس التي حرّم الله إلا بالحق ويَزْنُون. فإذا كان الكفر والعذاب على هذا التقدير في القسم المتروك أكثر وأكبر؛ كان هذا التخصيص عكس الواجب. السابع: أنّ هذا الخطاب فيه تنفير عن العبادة والنُّسك ابتداء، ثم إذا قُيِّد ذلك بعبادة الكفار والمبتدعة -وليس في الخطاب تقييد- كان هذا سعيًا في إصلاح الخطاب بما لم يُذكر فيه»
عن وهْبِ بن مُنَبِّه -من طريق عبد الصمد بن مَعْقِلٍ- قال: إنّ في الجنة شجرةً يُقال لها: طُوبى، يسيرُ الراكبُ في ظِلّها مائة عامٍ لا يقطعها؛ وزهرها رِياطٌ، وورقها بُرُودٌ، وقُضْبانها عَنبَرٌ، وبَطْحاؤُها ياقوتٌ، وتُرابها كافورٌ، ووَحْلُها مِسْكٌ، يخرج مِن أصلها أنهار الخَمْر واللَّبَن والعَسَل، وهي مجلِسٌ مِن مجالس أهل الجنة، ومُتَحَدَّثٌ بينهم، فبينما هم في مجلسهم إذ أتتهم ملائكةٌ مِن ربهم يقُودون نُجُبًا مَزْمُومةً بسلاسل مِن ذهبٍ، وُجُوهُها كالمصابيح مِن حُسْنِها، ووَبَرُها كخَزِّ المِرْعِزّى مِن لِينه، عليها رِحالٌ ألواحها مِن ياقوتٍ، ودُفوفها مِن ذهب، وثيابها مِن سُندُس وإستبرق، فيُنِيخُونها، ويقولون: ربُّنا أرْسَلَنا إليكم لِتَزُورُوه. فيركبونها، فهي أسرع مِن الطائر، وأَوْطَأ مِن الفِراش، نُجُبًا مِن غير مَهَنة، يسيرُ الرجل إلى جنب أخيه وهو يُكَلِّمه ويناجيه، لا تُصِيب أُذُنُ راحلةٍ منها أُذُنُ صاحبتها، ولا بَرْكُ راحلةٍ بَرْك صاحبتها، حتى إنّ الشجرة لَتَتَنحّى عن طُرُقهم؛ لِئَلّا تُفَرِّق بين الرجل وأخيه، فيأتون إلى الرحمن الرحيم، فيُسْفِر لهم عن وجهه الكريم حتى ينظروا إليه، فإذا رأوه قالوا: اللهمَّ، أنت السلام، ومنك السلام، وحُقَّ لك الجلال والإكرام. ويقول عز وجل عند ذلك: أنا السلامُ، ومِنِّي السلامُ، وعليكم حَقَّتْ رحمتي ومَحَبَّتي، مرحبًا بعبادي الذين خَشَوْني بالغيب، وأطاعوا أمري. فيقولون: ربَّنا، إنّا لم نعبدك حقَّ عبادتك، ولم نقْدُرك حقَّ قدرك، فأْذَن لنا في السجود قُدّامك. فيقول الله عز وجل: إنّها ليست بدار نَصَب ولا عبادةٍ، ولكنها دارُ مُلْكٍ ونعيمٍ، وإنِّي قد رفعتُ عنكم نَصَب العبادة، فسلُوني ما شئتم، فإنّ لِكُلِّ رجلٍ منكم أُمنِيَّته. فيسألونه، حتى إنّ أقصرهم أُمْنِيَّة لَيقول: ربِّ، تنافسَ أهلُ الدنيا في دنياهم، فتَضايقوا فيها، ربِّ، فآتِني كلَّ شيءٍ كانوا فيه مِن يوم خلقتها إلى أن انتَهَتِ الدنيا. فيقول الله عز وجل: لقد قَصَرَتْ بك أُمْنيَّتُك، ولقد سألتَ دون منزلتك، هذا لك مِنِّي، وسأُتحِفُك بمنزلتي؛ لأنّه ليس في عطائي نَكَدٌ ولا تَصْرِيدٌ. ثم يقول: اعرضوا على عبادي ما لم تَبْلُغ أمانيُّهم، ولم يخطر لهم على بال. فيعْرِضون عليهم حتى تَقْصُر بهم أمانيُّهم التي في أنفسهم، فيكون فيما يَعْرضون عليهم براذينُ مُقرَّنةٌ، على كلِّ أربعةٍ منهم سريرٌ مِن ياقوتة واحدةٍ، على كلٍّ منها قُبّةٌ مِن ذهبٍ مُفَرَّغة، في كلّ قُبَّةٍ منها فُرشٌ مِن فُرُش الجنة مُظاهرةٌ، في كلِّ قبة منها جاريتان مِن الحور العين، على كلِّ جارية مِنهُنَّ ثوبان مِن ثياب الجنة، وليس في الجنة ألوانٌ إلا وهو فيهما، ولا ريحٌ طيبةٌ إلا وقد عَبِقتا به، يَنفُذ ضوءُ وجوههما غِلَظَ القُبَّة، حتى يَظُنَّ مَن يراهما أنّهما مِن دون القُبَّة، يرى مُخُّهما مِن فوق سُوقِهما كالسِّلك الأبيض مِن ياقوتة حمراء، يَرَيان له مِن الفضل على صحابته كفضل الشمس على الحجارة أو أفضل، ويرى هو لهما مثل ذلك، ثم يدخل إليهما فيُحَيِّيانِه ويُقَبِّلانه ويُعانِقانِه، ويقولان له: واللهِ، ما ظننّا أنّ اللهَ يخلق مثلك. ثم يأمر الله الملائكةَ، فيسيرون بهم صفًّا في الجنة، حتى ينتهي كلُّ رجلٍ منهم إلى منزلته التي أُعِدَّت له
عن وهب بن مُنَبِّه -من طريق عبد الصمد بن معقل-: أنّ إبراهيم عليه السلام حين أخرجه قومُه بعدما ألقوه في النار خرج بامرأته سارَة ومعه أخوها لوط، وهما ابنا أخيه، فتوَجَّها إلى أرضِ الشام، ثم بلغوا مصر، وكانت سارةُ مِن أجمل الناس، فلمّا دخلت مصرَ تحدَّث الناسُ بجمالها، وعَجِبوا له، حتى بلغ ذلك المَلِك، فدعا بها، وسأله: ما هو مِنها؟ فخاف إن قال له: زوجها. أن يقتله، فقال: أنا أخوها. فقال: زَوِّجْنِيها. فكان على ذلك حتى بات ليلة، فجاءه حلم فخنقه وخوَّفه، فكان هو وأهلُه في خوف وهولٍ حتى عَلِم أنه قد أُتِي مِن قِبَلِها، فدعا إبراهيمَ، فقال: ما حملك على أن تَغُرَّني؛ زعمتَ أنها أختُك؟ فقال: إنِّي خِفْتُ إن ذكرتُ أنّها زوجتي أن يصيبني منك ما أكره. فوهب لها هاجر أمَّ إسماعيل، وحمَلهم، وجهَّزهم حتى استقر قرارهم على جبل إيليا، فكانوا بها حتى كثرت أموالهم ومواشيهم، فكان بين رِعاءِ إبراهيم ورِعاءِ لوط حوار وقتال، فقال لوط لإبراهيم: إنّ هؤلاء الرِّعاءَ قد فَسَدَ ما بينهم، وكادت تضيق فيهم المراعي، ونخاف ألا تحملنا هذه الأرض، فإن أحببت أن أخِفَّ عنك خففت. قال إبراهيم: ما شئتَ؛ إن شئتَ فانتَقِلْ منها، وإن شئتَ انتقلتُ عنك. قال لوط: لا، بل أنا أحقُّ أن أخِفَّ عنك. ففرَّ بأهله وماله إلى سهل الأردن، فكان بها حتى أغار عليه أهلُ فلسطين، فسَبَوْا أهله وماله، فبلغ ذلك إبراهيم، فأغار عليهم بما كان عنده مِن أهله ورقيقه، وكان عددُهم زيادةً على ثلاثمائة، مَن كان مع إبراهيم، فاستنقذ مِن أهل فلسطين مَن كان معهم من أهل لوط وماله، حتى ردَّهم إلى قرارهم، ثم انصرف إبراهيم إلى مكانه. وكان أهل سدوم الذين فيهم لوط قومٌ قد اسْتَغْنَوْا عن النِّساء بالرجال، فلمّا رأى الله ما كان عند ذلك بعث الملائكةُ ليعذبوهم، فأتوا إبراهيم، فلمّا رآهم راعَه هيئتُهم وجمالهم، فسلَّموا عليه، وجلسوا إليه، فقام لِيُقَرِّب إليهم قِرًى، فقالوا: مكانك. قال: بل دعوني آتيكم بما ينبغي لكم، فإنّ لكم حقًّا، لم يأتِنا أحدٌ أحقُّ بالكرامة منكم. فأمر بعجلٍ سمين، فحُنِذ له -يعني: شُوي لهم-، فقرَّب إليهم الطعام، ﴿فلمّا رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة﴾، وسارة وراء الباب تسمع، قالوا: لا تخفْ، إنّا نُبَشِّرُك بغلام عليم مبارك. فبَشَّر به امرأتَه سارة، فضحكت وعَجِبَت: كيف يكون له مِنِّي ولدٌ وأنا عجوزٌ وهو شيخ كبير؟! قالوا: أتعجبين مِن أمر الله! فإنّه قادِرٌ على ما يشاء، وقد وهبه الله لكم، فأبشِروا به. فقاموا وقام معهم إبراهيم، فمشَوا معًا وسألهم، قال: أخبِرُوني لِمَ بُعِثْتُم؟ وما خطبكم؟ قالوا: إنّا أُرسِلنا إلى أهل سدوم لِنُدَمِّرها؛ فإنّهم قومُ سوء، وقد اسْتَغْنَوْا بالرجال عن النساء. قال إبراهيم: إنّ فيها قومًا صالحين، فكيف يصيبهم مِن العذاب ما يصيب أهل عمل السوء؟ قالوا: وكم فيها؟ قال: أرأيتم إن كان فيها خمسون رجلًا صالحًا؟ قالوا: إذن لا نعذبهم. قال: إن كان فيهم أربعون؟ قالوا: إذن لا نعذبهم. فلم يزل ينقص حتى بلغ إلى عشرة، ثم قال: فأهل بيت؟ قالوا: فإن كان فيها بيت صالح. قال: فلوط وأهل بيته؟ قالوا: إنّ امرأته هواها معهم، فكيف يُصرف عن أهل قرية لم يَتِمَّ فيها أهلُ بيت صالحين؟ فلمّا يئِس منهم إبراهيم انصرف...
ذكر ابنُ عطية (٣/٣٥٨) في المراد بالكتاب هنا قولين: أحدهما: أنه القرآن. والآخر: أنه اللوح المحفوظ. ورجَّح القولَ الأول مستندًا إلى السياق، فقال: «و﴿الكتاب﴾: القرآن، وهو الذي يقتضيه نظام المعنى في هذه الآيات». وبيَّن ابنُ القيم (١/٣٤٦-٣٤٨) أنّ القول بكونه القرآن؛ إما أن يكون من العام المراد به الخاص، أي: ما فرطنا فيه من شيء يحتاجون إلى ذكره وبيانه، كقوله: ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾، وإما أن يكون من العام المراد به عمومه، والمراد: أنّ كل شيء ذُكِرَ فيه مجملًا ومفصلًا. ورجَّح ابنُ القيم أنّه اللوح المحفوظ مستندًا إلى السياق، فقال: «وكأن هذا القول أظهر في الآية، والسياق يدل عليه؛ فإنه قال: ﴿وما مِن دابَّةٍ فِي الأَرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلّا أُمَمٌ أمْثالُكُم﴾، وهذا يتضمن أنها أممٌ أمثالنا في الخلق والرزق والأكل والتقدير الأول، قد قُدِّر خلقها وأجلها ورزقها وما تصير إليه، ثم ذكر عاقبتها ومصيرها بعد فنائها، ثم قال: ﴿إلى ربهم يحشرون﴾، فذكر مبدأها ونهايتها، وأدخَلَ بين هاتين الحالتين قوله: ﴿ما فَرَّطْنا فِي الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾، أي: كلها قد كُتبت وقُدِّرت وأُحصيت، فلا يناسب هذا ذكر كتاب الأمر والنهي، وإنما يناسبه ذكر الكتاب الأول». وبنحوه رجَّح ابنُ تيمية (٣/٢٣) مستندًا إلى السياق. ووجَّه ابنُ عطية معنى قوله تعالى: ﴿من شيء﴾ على القول الثاني بأنّها عامة في جميع الأشياء، وأنها خاصة في الأشياء التي فيها منافع للمخاطبين وطرائق هدايتهم على القول الأول. ثم ذكر ابنُ القيم أنّ من قال بكونه القرآن يمكنه الاستناد إلى نفس الآية المستدل بها أصحاب القول الآخر، ذلك أنّ القرآن تضمن الإخبار عن كل ما كان وما هو كائن جملة وتفصيلًا، وأنه يشهد لكونه القرآن أنّ هذا ذُكر عقيب قوله تعالى: ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً ولَكِنَّ أكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾، فنبههم على أعظم الآيات وأدلها على صدق رسول الله ﷺ، وهو الكتاب الذي يتضمن بيان كل شيء، ولم يفرط فيه من شيء، ثم نبههم بأنهم أمة من جملة الأمم التي في السماوات والأرض، وهذا يتضمن التعريف بوجود الخالق، وكمال قدرته وعلمه وسعة ملكه. فهذا دليل على وحدانيته وصفات كماله من جهة خلقه وقدره، وإنزال الكتاب الذي لم يفرط فيه من شيء دليل من جهة أمره وكلامه، فهذا استدلال بأمره، وذاك بخلقه. ثم ذكر أنّ مَن قال إن الكتاب اللوح المحفوظ يمكنه أيضًا الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً ولَكِنَّ أكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾، ذلك أنهم لما سألوا آية أخبرهم سبحانه بأنه لم يترك إنزالها لعدم قدرته على ذلك، فإنّه قادر على ذلك، وإنما لم ينزلها لحكمته ورحمته بهم وإحسانه إليهم؛ إذ لو أنزلها على وفق اقتراحهم لعوجلوا بالعقوبة إن لم يؤمنوا، ثم ذكر ما يدل على كمال قدرته بخلق الأمم العظيمة التي لا يحصي عددها إلا هو، فمن قدر على خلق هذه الأمم مع اختلاف أجناسها وأنواعها وصفاتها وهيئاتها كيف يعجز عن إنزال آية؟! ثم أخبر عن كمال قدرته وعلمه بأن هؤلاء الأمم قد أحصاهم وكتبهم وقدر أرزاقهم وآجالهم وأحوالهم في كتاب لم يفرط فيه من شيء ثم يميتهم ثم يحشرهم إليه... فهو أظهر القولين
ذكر ابنُ عطية (ط: دار الكتب العلمية ٥/١٣٩) اختلافًا «في معنى الاستثناء في هذه الآية؛ فقال بعض المتأوِّلين: هو استثناءٌ من المَلَك المُخْبر للنبي ﷺ في نومه، فذكر الله تعالى مقالته كما وقعت. وقال آخرون: هو أخْذٌ مِن الله تعالى عباده بأدبه في استعمال الاستثناء في كل فعل يوجب وقوعه، كان ذلك مما يكون ولا بُدَّ، أو كان مما قد يكون وقد لا يكون. وقال بعض العلماء: إنما استثنى من حيث كلُّ واحد من الناس متى ردَّ هذا الوعد إلى نفسه أمكن أن يتم هذا الوعد فيه وألا يتمَّ؛ إذ قد يموت الإنسان أو يمرض أو يغيب، وكلّ واحد في ذاته محتاج إلى الاستثناء، فلذلك استثنى عز وجل في الجملة، إذ فيهم ولا بُدَّ من يموت. وقال آخرون: استثنى لأجل قوله تعالى: ﴿آمِنِينَ﴾، لا لأجل إعلامه بالدخول، فكأن الاستثناء مؤخَّر عن موضعه». ثم علَّق على القول الأخير بقوله: «ولا فرق بين الاستثناء مِن أجل الأمن، أو من أجل الدخول؛ لأن الله -تبارك وتعالى- قد أخبر بهما، ووقعت الثقة بالأمرين، فالاستثناء مِن أيِّهما كان هو استثناءٌ من واجب». ثم نقل عن قوم أنّ: ﴿إنْ﴾ بمعنى: إذ، ثم وجَّهه بقوله: «فكأنه تعالى قال: إذ شاء اللهُ». غير أنه استدرك عليه قائلًا: «وهذا حسنٌ في معناه، لكن كون ﴿إنْ﴾ بمعنى: إذ؛ غير موجود في لسان العرب». ثم علَّق بقوله: «وللناس بعد في هذا الاستثناء أقوالٌ مخلّطة غير هذه لا طائل فيها اختصرتها». ووجَّه ابنُ تيمية (٦/٣٣) قول من قال: ﴿إنْ﴾ بمعنى: إذ. بقوله: «ومقصوده بهذا تحقيق الفعل بـ﴿إن﴾ كما يتحقق مع: إذ، وإلا فـ:إذ ظرف توقيت، و﴿إن﴾ حرف تعليق». ثم ذكر (٦/٣٣-٣٤) أن «طائفة من الناس فرُّوا من هذا المعنى -أي: معنى تحقيق المشيئة-، وجعلوا الاستثناء لأمر مشكوك فيه، فقال الزَّجّاج: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ أي: أمركم الله به. وقيل: الاستثناء يعود إلى الأمن والخوف، أي: لتدخلنّه آمنين، فأما الدخول فلا شكّ فيه. وقيل: لتدخلنّ جميعكم أو بعضكم؛ لأنه علم أنّ بعضهم يموت، فالاستثناء لأنهم لم يدخلوا جميعهم». ثم انتقد (٦/٣٤) هذه الأقوال -مستندًا إلى دلالة اللفظ، وإلى الدلالة العقلية- قائلًا: «كل هذه الأقوال وقع أصحابها فيما فرُّوا منه، مع خروجهم عن مدلول القرآن، فحرَّفوه تحريفًا لم ينتفعوا به، فإنّ قول مَن قال: أي: أمركم الله به، هو سبحانه قد علم هل يأمرهم أو لا يأمرهم، فعلّمه بأنه سيأمرهم بدخوله كعلمه بأن سيدخلوا، فعلَّقوا الاستثناء بما لم يدل عليه اللفظ، وعِلْمُ الله متعلق بالمُظْهَر والمضمَر جميعًا. وكذلك أمنهم وخوفهم، هو يعلم أنهم يدخلون آمنين أو خائفين، وقد أخبر أنهم يدخلون آمنين مع علْمه بأنهم يدخلون آمنين، فكلاهما لم يكن فيه شكّ عند الله، بل ولا عند رسوله. وقول مَن قال: جميعهم أو بعضهم. يُقال: المُعلّق بالمشيئة دخول مَن أريد باللفظ، فإن كان أراد الجميع فالجميع لا بُدَّ أن يدخلوه، وإن أريد الأكثر كان دخولهم هو المعلّق بالمشيئة، وما لم يرد لا يجوز أن يعلق بـ﴿إن﴾، وإنما علّق بـ﴿إن﴾ ما سيكون؛ وكان هذا وعدًا مجزومًا به، ولهذا لما قال عمر للنبي ﷺ عام الحُدَيبية: ألم تكن تحدّثنا أنا نأتي البيت ونطوف به؟ قال: «بلى، قلت لك: إنك تأتيه هذا العام؟». قال: لا. قال: «فإنك آتيه، ومُطَوّف به»»
عن سعيد بن جبير -من طريق أبي بكر-: أنّ موسى لَمّا عالج فرعون بالآيات الأربع: العصا، واليد، ونقص من الثمرات، والسنين، قال: يا ربِّ، إنّ عبدك هذا قد علا في الأرض، وعتا في الأرض، وبغى عَلَيَّ، وعلا عليك، وعادَّني بقومه؛ ربِّ، خُذْ عبدك بعقوبة تجعلها له ولقومه نقمة، وتجعلها لقومي عِظَةً، ولمنبعدي آيةً في الأمم الباقية. فبعث الله عليهم الطوفان -وهو الماء- وبيوت بني إسرائيل وبيوت القبط مشتبكة مختلطة بعضها في بعض، فامتلأت بيوتُ القِبْطِ ماءً، حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم، من حبس منهم غرق، ولم يدخل في بيوت بني إسرائيل قطرةٌ، فجَعَلَتِ القِبْطُ تُنادي: موسى، ادع لنا ربك بما عهد عندك، لَئِن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك، ولنرسلن معك بني إسرائيل. قال: فواثقوا موسى ميثاقًا أخَذَ عليهم به عهودَهم، وكان الماءُ أخذهم يوم السبت، فأقام عليهم سبعة أيام إلى السبت الآخر، فدعا موسى ربَّه، فرفع عنهم الماء، فأَعْشَبَتْ بلادُهم من ذلك الماء، فأقاموا شهرًا في عافية، ثم جحدوا، وقالوا: ما كان هذا الماءُ إلا نعمة علينا، وخِصْبًا لبلادنا، ما نُحِبُّ أنه لم يكن، قال: وقد قال قائل لابن عباس: إني سألت ابن عمر عن الطوفان، فقال: ما أدري موتًا كان أو ماء؟ ، فقال ابن عباس: أما يقرأ ابن عمر سورة العنكبوت، حين ذكر الله قوم نوح، فقال: ﴿فأخذهم الطوفان وهم ظالمون﴾ [العنكبوت: ١٤]؟! أرأيتَ لو ماتوا؛ إلى مَن جاء موسى - عليه السلام - بالآيات الأربع بعد الطوفان؟!. قال [سعيد بن جبير]: فقال موسى: يا ربِّ، إنّ عبادك قد نقضوا عهدي، وأخلفوا وعدي؛ ربِّ، خذهم بعقوبة تجعلها لهم نقمة، ولقومي عِظَةً، ولمن بعدهم آية في الأمم الباقية. قال: فبعث الله عليهم الجرادَ، فلم يدع لهم ورقة ولا شجرة ولا زهرة ولا ثمرة إلا أكلها، حتى لم يُبْقِ جَنًى، حتى إذا أفنى الخَضِر كلها أكَل الخشب، حتى أكل الأبواب، وسقوف البيوت، وابتُلِي الجراد بالجوع، فجعل لا يشبع، غير أنّه لا يدخل بيوت بني إسرائيل، فعَجُّوا وصاحوا إلى موسى، فقالوا: يا موسى، هذه المرَّةَ ادع لنا ربك بما عهد عندك، لَئِن كشفت عنّا الرجز لَنُؤْمِنَنَّ لك، ولَنُرْسِلَنَّ معك بني إسرائيل. فأعطوه عهد الله وميثاقه، فدعا لهم ربه، فكشف الله عنهم الجراد بعد ما أقام عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت، ثم أقاموا شهرا في عافية، ثم عادوا لتكذيبهم ولإنكارهم، ولأعمالهم أعمال السوء، قال: فقال موسى: يا ربِّ، عبادك قد نقضوا عهدي، وأخلفوا موعدي؛ فخذهم بعقوبة تجعلها لهم نقمة، ولقومي عظة، ولمن بعدي آية في الأمم الباقية. فأرسل الله عليهم القُمَّل، قال أبو بكر: سمعت سعيد بن جبير، والحسن يقولان: كان إلى جنبهم كثيبٌ أعفرُ بقرية من قرى مصر، تُدْعى:عين شمس، فمشى موسى إلى ذلك الكثيب، فضربه بعصاه ضربةً صار قملًا تدب إليهم -وهي دواب سود صغار-، فدب إليهم القمل، فأخذ أشعارهم وأبشارهم وأشفار عيونهم وحواجبهم، ولزم جلودهم، كأنه الجُدَرِيُّ عليهم، فصرخوا وصاحوا إلى موسى: إنّا نتوب، ولا نعود، فادع لنا ربك. فدعا ربَّه فرفع عنهم القمل بعد ما أقام عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت، فأقاموا شهرًا في عافية، ثم عادوا، وقالوا: ما كُنّا قطُّ أحقَّ أن نستيقن أنّه ساحرٌ مِنّا اليوم، جعل الرَّمْلَ دوابَّ، وعِزَّةِ فرعونَ، لا نصدقه أبدًا، ولا نتبعه. فعادوا لتكذيبهم وإنكارهم، فدعا موسى عليهم، فقال: يا ربِّ، إنّ عبادك نقضوا عهدي، وأخلفوا وعدي؛ فخذهم بعقوبة تجعلها لهم نقمة، ولقومي عظة، ولمن بعدي آية في الأمم الباقية. فأرسل الله عليهم الضفادع، فكان أحدهم يضطجع، فتركبه الضفادع، فتكون عليه رُكامًا، حتى ما يستطيع أن ينصرف إلى الشق الآخر، ويفتح فاه لِأَكْلَتِه فيسبق الضفدعُ أكْلَتَه إلى فيه، ولا يعجن عجينًا إلا تسدَّحت فيه، ولا يطبخ قدرًا إلا امتلأت ضفادع، فعُذِّبوا بها أشد العذاب، فبكوا إلى موسى - عليه السلام -، وقالوا: هذه المرة نتوب، ولا نعود. فأخذ عهدهم وميثاقهم، ثم دعا ربه، فكشف الله عنهم الضفادع بعد ما أقام عليهم سبعًا من السبت إلى السبت، فأقاموا شهرًا في عافية، ثم عادوا لتكذيبهم وإنكارهم، وقالوا: قد تبين لكم سحره، ويجعل التراب دواب، ويجيء بالضفادع في غير ماء. فآذوا موسى - عليه السلام -، فقال موسى: يا ربِّ، إنّ عبادك نقضوا عهدي، وأخلفوا وعدي؛ فخذهم بعقوبة تجعلها لهم عقوبة، ولقومي عظة، ولمن بعدي آية في الأمم الباقية. فابتلاهم الله بالدم، فأفسد عليهم معايشهم، فكان الإسرائيليُّ والقبطيُّ يأتيان النيل فيستقيان، فيخرج للإسرائيلي ماءً، ويخرج للقبطي دمًا، ويقومان إلى الحُبِّ فيه الماء؛ فيخرج للإسرائيلي في إنائه ماء، وللقبطي دمًا
اختلف العلماء في هذه الأصناف الثمانية: هل يجب استيعاب الدفع إليها، أو إلى ما أمكن منها؟ على قولين: أحدهما: أنه يجب ذلك. وهو قول الشافعي وجماعة. والثاني: أنه لا يجب استيعابها، بل يجوز الدفع إلى واحد منها، ويعطى جميع الصدقة مع وجود الباقين. وهو قول مالك وجماعة. وذكر ابنُ جرير (١١/٥٣١) أنّ القول الثاني قولُ عامَّةِ أهل العلم. وعلَّق ابنُ كثير (٧/٢١٩) على القول الثاني بقوله: «وعلى هذا فإنما ذكرتُ الأصناف هاهنا لبيان المَصْرِف، لا لوجوب استيعاب الإعطاء». ورَجَّح ابنُ تيمية (٣/٣٩٠-٣٩١) مستندًا إلى اللغة، والدلالات العقلية القولَ الثاني، وانتَقَد الأولَ، فقال: ""هذا خطأٌ لوجوه:أحدها: أن اللام في هذه إنما هي لتعريف الصدقة المعهودة التي تقدم ذكرها في قوله: ﴿ومنهم من يلمزك في الصدقات﴾ وهذه إذًا صدقات الأموال دون صدقات الأبدان باتفاق المسلمين. ولهذا قال في آية الفدية: ﴿ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ [البقرة:١٩٦]، لم تكن هذه الصدقة داخلة في آية براءة، واتفق الأئمة على أنّ فدية الأذى لا يجب صرفها في جميع الأصناف الثمانية، وكذلك صدقة التطوع لم تدخل في الآية بإجماع المسلمين، وكذلك سائر المعروف فإنه قد ثبت في الصحيح من غير وجه عن النبي ﷺ أنّه قال: «كل معروف صدقة». لا يختص بها الأصناف الثمانية باتفاق المسلمين. وهذا جواب مَن يمنع دخول هذه الصدقة في الآية، وهي تَعُمُّ جميع الفقراء والمساكين والغارمين في مشارق الأرض ومغاربها، ولم يقل مسلمٌ أنّه يجب استيعاب جميع هؤلاء، بل غاية ما قيل: إنه يجب إعطاء ثلاثة من كل صنف، وهذا تخصيص اللفظ العام من كل صنف، ثم فيه تعيين فقير دون فقير. وأيضًا لم يُوجِب أحدٌ التسويةَ في آحاد كل صنف، فالقول عند الجمهور في الأصناف عمومًا وتسوية، كالقول في آحاد كل صنف عمومًا وتسوية. الوجه الثاني: أن قوله: ﴿إنما الصدقات﴾ للحصر، و﴿إنما﴾ يثبت المذكور وينفي ما عداه، والمعنى: ليست الصدقة لغير هؤلاء، بل لهؤلاء، فالمثبت من جنس المنفي، ومعلوم أنّه لم يقصد تبيين الملك، بل قصد تبيين الحل، أي: لا تحل الصدقة لغير هؤلاء، فيكون المعنى: بل تحل لهم، وذلك أنه ذُكِر في معرض الذَّمِّ لِمَن سأله مِن الصدقات وهو لا يستحقها، والمذموم يُذَمُّ على طلب ما لا يحل له، لا على طلب ما يحل له، وإن كان لا يملكه، إذ لو كان كذلك لذم هؤلاء وغيرهم إذا سألوها من الإمام قبل إعطائها، ولو كان الذمُّ عامًّا لم يكن في الحصر ذمٌّ لهؤلاء دون غيرهم، وسياق الآية يقتضي ذمَّهم، والذمُّ الذي اختصوا به سؤال ما لا يحل، فيكون ذلك الذي نفي، ويكون المثبت هذا يحل، وليس من الإحلال للأصناف وآحادهم وجود الاستيعاب والتسوية، كاللام في قوله تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا﴾ [البقرة:٢٩]، وقوله: ﴿وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه﴾ [الجاثية:١٣]، وقوله ﷺ: «أنت ومالك لأبيك». وأمثال ذلك مِمّا جاءت به اللام للإباحة. فقول القائل: إنّه قسمها بينهم بواو التشريك ولام التمليك ممنوعٌ لِما ذكرناه. الوجه الثالث: أنّ الله لَمّا قال في الفرائض: ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ [النساء:١١]، وقال: ﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم﴾ إلى قوله: ﴿ولهن الربع مما تركتم﴾ [النساء:١٢]، وقال: ﴿وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين﴾ [النساء:١٧٦] لَمّا كانت اللامُ للتمليك وجب استيعاب الأصناف المذكورين، وإيرادُ كلِّ صنف، والتسوية بينهم، فإذا كان لرجل أربع زوجات، وأربعة بنين أو بنات، أو أخوات، أو إخوة، وجب العموم والتسوية في الأفراد؛ لأنّ كُلًّا منهم استحق بالنسب، وهم مستوون فيه. وهناك لم يكن الأمر فيه كذلك، ولم يجب فيه ذلك. ولا يقال: أفراد الصنف لا يمكن استيعابه؛ لأنه يقال: بل يجب أن يقال في الأفراد ما قيل في الأصناف. فإذا قيل: يجب استيعابها بحسب الإمكان، ويسقط المعجوز عنه. قيل في الأفراد كذلك. وليس الأمر كذلك، لكن يجب تحري العدل بحسب الإمكان، كما ذكرناه""
عن وهب بن مُنَبِّه -من طريق عثمان بن ساج-: أنّ آدم لَمّا أُهْبِط إلى الأرض استوحش فيها؛ لِما رأى مِن سَعَتِها، ولم يَرَ فيها أحدًا غيره، فقال: يا ربِّ، أما لأرضك هذه عامِرٌ يُسَبِّحُك فيها ويُقَدِّس لك غيري؟ قال الله: إنِّي سأجعل فيها مِن ذُرِّيَّتِك مَن يُسَبِّح بحمدي، ويُقَدِّس لي، وسأجعل فيها بيوتًا ترفع لذكري، فيُسَبِّح فيها خلقي، سأُبَوِّئُك فيها بيتًا أختاره لنفسي، وأَخُصُّه بكرامتي، وأُوثِرُه على بيوت الأرض كلها باسمي، وأُسَمِّيه بيتي، أنظمه بعظمتي، وأحوزه بحُرْمَتي، وأجعله أحقَّ البيوت كلها وأولاها بذكري، وأَضَعُه في البقعة المباركة التي اخترت لنفسي، فإنِّي اخترتُ مكانه يوم خلقتُ السموات والأرض، وقبل ذلك قد كان بغيتي، فهو صفوتي مِن البيوت، ولست أسكنه، وليس ينبغي أن أسكن البيوت، ولا ينبغي لها أن تحملني، أجعل ذلك البيتَ لك ومَن بعدك حَرَمًا وأَمْنًا، أُحَرِّم بحُرْمَتِه ما فوقه وما تحته وما حوله، فمَن حرَّمه بحرمتي فقد عظَّم حرمتي، ومَن أحلَّه فقد أباح حرمتي، مَن أمَّن أهلَه استوجب بذلك أماني، ومَن أخافهم فقد أخْفَرني في ذِمَّتي، ومَن عظَّم شأنه فقد عَظُم في عيني، ومَن تهاون به صَغُر عندي، ولكل ملك حيازة، وبطن مكة حوزتي التي حُزْتُ لنفسي دون خلقي، فأنا الله ذو بَكَّة، أهلها خَفْرتي وجيران بيتي، وعُمّارها وزُوّارها وفْدِي وأضيافي في كَنَفي وضماني وذِمَّتي وجِواري، أجعله أولَ بيت وُضِع للناس، وأعمره بأهل السماء وأهل الأرض، يأتونه أفواجًا شُعْثًا غُبْرًا، على كُلِّ ضامر يأتين مِن كل فج عميق، يَعُجُّون بالتكبير عَجِيجًا، ويَرُجُّون بالتلبية رَجِيجًا، فمَنِ اعتمره لا يريد غيري فقد زارني، وضافني، ووفد إلَيَّ، ونزل بي، فحقٌّ لي أن أُتْحِفَه بكرامتي، وحقُّ الكريم أن يُكْرِم وفده وأضيافه وزُوّاره، وأن يسعف كلَّ واحد منهم بحاجته، تعمره -يا آدمُ- ما كُنتَ حَيًّا، ثم يعمره مِن بعدك الأممُ والقرونُ والأنبياءُ مِن ولدك، أُمَّة بعد أُمَّة، وقرنًا بعد قرن، ونبيًّا بعد نبي، حتى ينتهي ذلك إلى نبيٍّ مِن ولدك يُقال له: محمد، وهو خاتم النبيين، فأجعله من عُمّاره وسُكّانه وحُماته ووُلاته وحُجّابه وسُقاته، يكون أميني عليه ما كان حَيًّا، فإذا انقلب إلَيَّ وجدني قد ادَّخَرْتُ له مِن أجره ونصيبه ما يتمكن به مِن القُرْبَة إلَيَّ والوسيلة عندي، وأفضل المنازل في دار المقامة، وأجعل اسم ذلك البيت وذِكْرَه وشرفه ومجده وسناه ومكرمته لنبيٍّ مِن ولدك، يكون قبيل هذا النبي، وهو أبوه، يُقال له: إبراهيم، أرفع له قواعده، وأقضي على يديه عمارته، وأنيط له سقايته، وأُريه حِلَّه وحَرَمه ومواقفه، وأُعلمه مشاعره ومناسكه، وأَجعلُه أُمَّة واحدة قانتًا قائمًا بأمري، داعيًا إلى سبيلي، وأَجتبيه وأهديه إلى صراط مستقيم، أبتليه فيصبر، وأعافيه فيشكر، وآمره فيفعل، ويُنذر لي فيفي، ويَعِدُني فيُنجِز، أستجيب دعوتَه في ولده وذريته مِن بعده، وأُشَفِّعه فيهم، وأجعلهم أهلَ ذلك البيت وحُماته وسُقاته وخدمه وخزنته وحُجّابه، حتى يبتدعوا ويُغَيِّروا ويُبَدِّلوا، فإذا فعلوا ذلك فأنا أقدر القادرين على أن استبدل مَن أشاء بِمَن أشاء، وأجعلُ إبراهيم إمامَ ذلك البيت وأهلَ تلك الشريعة، يأتمُّ به مَن حضر تلك المواطن مِن جميع الإنس والجن، يَطَؤُون فيها آثاره، ويَتَّبعون فيها سُنَّته، ويقتدون فيها بهديه، فمَن فعل ذلك منهم أوْفى بنذره، واستكمل نُسُكَه، وأصاب بُغْيَته، ومَن لم يفعل ذلك منهم ضَيَّع نسكه، وأخطأ بغيته، ولم يوف بنذره، فمن سأل عنِّي يومئذ في تلك المواطن: أين أنا؟ فأنا مع الشُّعْثِ، الغُبْر، المُوفِين بنذرهم، المستكملين مناسكهم، المتبتلين إلى ربهم، الذي يعلم ما يبدون وما يكتمون
قال مقاتل بن سليمان: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إذْ قالَ لِلْإنْسانِ اكْفُرْ﴾ وذلك أنه كان راهبًا في بني إسرائيل اسمه: برصيصا، وكان في صومعته أربعين عامًا يعبد الله، ولا يُكلّم أحدًا، ولا يُشرف على أحد، وكان لا يَكِلُّ مِن ذِكر الله عز وجل، وكان الشيطان لا يَقدِر عليه مع ذِكره لله تعالى، فقال الشيطان لإبليس: قد غلبني برصيصا، ولستُ أقدِر عليه. فقال إبليس: اذهب، فانصب له ما نصبتَ لأبيه من قبل. وكانت جارية ثلاثة من بني إسرائيل، عظيمة الشرف، جميلة، من أهل بيت صدق، ولها إخوة، فجاء الشيطان إليها، فدخل في جوفها، فخَنقها حتى أزبدت، فالتمس إخوتُها لها الأطباء، وضربوا لها ظهرًا وبطنًا ويمينًا وشمالًا، فأتاهم الشيطان في منامهم، فقال: عليكم ببرصيصا الرّاهب، فليَدعُ لها؛ فإنه مستجاب الدعاء. فلما أصبحوا قال بعضهم لبعض: انطلِقوا بأُختنا إلى برصيصا الرّاهب، فليَدعُ لها، فإنّا نرجو البركة في دعائه، فانطلَقوا بها إليه، فقالوا: يا برصيصا، أشْرِف علينا، وكلِّمنا، فإنّا بنو فلان، وإنما جِئنا لباب حسنة وأجر. فأشرفَ، فكلّمهم، وكلّموه، فلما ردّ عليها وجد الشيطانُ خللًا، فدخل في جوفه، ووسوس إليه، فقال: يا برصيصا، هذا باب حسنة وأجر، تدعو اللهَ لها فيَشفيها. فأمرهم أن يُدخلوها الخربة، وينطلقوا هم، فأدخَلوها الخربة، ومضَوا، وكان برصيصا لا يُتّهم في بني إسرائيل، فقال له الشيطان: يا برصيصا، انزِل، فضع يدك على بطنها وناصيتها، وادعُ لها. فما زال به حتى أنزله من صَومَعته، فلما نزل خرج منه، فدخل في جوف الجارية، فاضطربتْ، وانكشفت، فلمّا رأى ذلك، ولم يكن له عهدٌ بالنساء وقع بها، قال الشيطان: يا برصيصا، يا أعبَدَ بني إسرائيل، ما صنعتَ؟! الزّنا بعد العبادة، يا برصيصا! إنّ هذه تُخبر إخوتها بما أتيتَ لها، فتُفتضح في بني إسرائيل، فاعمد إليها، فاقتلها، وادفنها في التُّراب، ثم اصعد إلى صومعتك، وتُبْ إلى الله، وتعبَّدْ، فإذا جاء إخوتها، فسألوا عنها، فأخبِرهم أنّك دعوتَ لها، وأنّ الجني طار عنها، وأنهم طاروا بها، فمَن هذا الذي يَتّهمك في بني إسرائيل، فقتَلها، ودفنَها في الخَربة، فلما جاء إخوتها قالوا: أين أُختنا؟ فقال: أُختكم طارتْ بها الجنُّ. فرجعوا وهم لا يتّهمونه، فأتاهم الشيطان في المنام، فقال: إنّ برصيصا قد فضَح أُختكم. فلما أصبحوا جعل كلُّ واحد منهم يُكلّم صاحبه بما رأى، فتكلّم بما رأى. فقال الآخر: لقد رأيتُ مثل ما رأيتَ. فقال الثالث مثل ذلك، فلم يرفعوا بذلك رأسًا حتى رَأوا ثلاث ليال، فانطلَقوا إلى برصيصا، فقالوا: أين أُختنا؟ فقال: لا أدري، طارتْ بها الجن. فدخلوا الخَربة، فإذا هم بالتُّراب ناتئ في الخَربة، فضربوه بأرجلهم، فإذا هم بأُختهم، فأتَوه، فقالوا: يا عدوّ الله، قتلتَ أُختنا. فانطلقوا إلى الملِك، فأخبِروه، فبَعث إليه، فاستنزَله من صَومَعته، ونَحتوا له خشبة، فأوثَقوه عليها، فأتاه الشيطان، فقال: أتعرفني، يا برصيصا؟ قال: لا. قال: أنا الذي أنزَلتُك هذه المنزلة، فإن فعلتَ ما آمرُك به استنقذتُك مما أنتَ فيه، وأطلعتُك إلى صَومَعتك. قال: وبماذا؟ قال: أتَمَثَّلُ لك في صورتي، فتسجد لي سجدةً واحدةً، وأُنجِيك مما هنا؟ قال: نعم. فتَمثّل له الشيطان في صورته، فسجد له، وكفر بالله، فانطلَق الشيطان، وتركه، وقُتل برصيصا، فذلك قوله: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إذْ قالَ لِلْإنْسانِ اكْفُرْ﴾ ﴿قالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكَ إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «تُوقفون موقفًا واحدًا يوم القيامة مقدار سبعين عامًا، لا يُنظر إليكم، ولا يُقضى بينكم، قد حُصر عليكم، فتَبْكُون حتى ينقطع الدمع، ثم تَدمعون دمًا، وتَبْكُون حتى يبلغ ذلك منكم الأذقان، أو يُلْجِمكم، فتضجّون، ثم تقولون: مَن يشفع لنا إلى ربّنا، فيقضي بيننا؟ فيقولون: مَن أحقّ بذلك مِن أبيكم؟ جبل الله تربته، وخَلَقه بيده، ونفخ فيه مِن روحه، وكلّمه قِبَلًا. فيؤتى آدم ﷺ، فيُطلب ذلك إليه، فيأبى، ثم يَستَقرون الأنبياء نبيًّا نبيًّا، كلما جاءوا نبيًّا أبى». قال رسول الله ﷺ: «حتى يأتوني، فإذا جاءوني خرجتُ حتى آتي الفحص». قال أبو هريرة: يا رسول الله، ما الفحص؟ قال: «قدام العرش، فأخرّ ساجدًا، فلا أزال ساجدًا حتى يبعث الله إلَيّ مَلكًا، فيأخذ بعضدي، فيرفعني، ثم يقول الله لي: محمد؟ وهو أعلم، فأقول: نعم. فيقول: ما شأنك؟ فأقول: يا ربّ، وعدتني الشفاعة، شفِّعني في خَلْقك فاقضِ بينهم. فيقول: قد شفّعتُك، أنا آتيكم فأقضي بينكم». قال رسول الله ﷺ: «فأنصرف حتى أقف مع الناس، فبينا نحن وقوف سمعنا حِسًّا مِن السماء شديدًا، فهالنا، فنزل أهلُ السماء الدنيا بمثلَي مَن في الأرض مِن الجن والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت الأرض بنورهم، وأخذوا مصافّهم، وقلنا لهم: أفيكم ربُّنا؟ قالوا: لا، وهو آتٍ. ثم ينزلُ أهل السماء الثانية بمثلي مَن نزل مِن الملائكة، وبمثلي مَن فيها من الجن والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت الأرض بنورهم، وأخذوا مصافّهم، وقلنا لهم: أفيكم ربّنا؟ قالوا: لا، وهو آتٍ. ثم نزل أهل السموات على قدْر ذلك من الضِّعف، حتى نزل الجبّار في ظُلَلٍ مِن الغمام والملائكة، ولهم زَجَلٌ مِن تسبيحهم، يقولون: سبحان ذي المُلك والملكوت، سبحان ربِّ العرش ذي الجبروت، سبحان الحيِّ الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت، سُبُّوحٌ قُدُّوس ربّ الملائكة والروح، قدوس قدوس، سبحان ربنا الأعلى، سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والسلطان والعظمة، سبحانه أبدًا أبدًا. يحمل عرشه يومئذ ثمانية، وهم اليوم أربعة، أقدامهم على تخوم الأرض السفلى، والسموات إلى حُجَزهم، والعرش على مناكبهم، فوضع الله عرشه حيث شاء مِن الأرض، ثم ينادي بنداء يُسمع الخلائق، فيقول: يا معشر الجنّ والإنس، إني قد أنصتُّ منذ يوم خلقتُكم إلى يومكم هذا، أسمع كلامكم، وأُبصر أعمالكم، فأنصِتوا إلَيَّ، فإنما هي صحفكم وأعمالكم تُقرأ عليكم، فمَن وجد خيرًا فليحمد الله، ومَن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه. ثم يأمر الله جهنم فتخرج منها عُنقًا ساطعًا مُظلمًا، ثم يقول الله: ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ إلى قوله: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [يس:٦٠-٦٣]، ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ﴾ [يس:٥٩]. فيتميز الناس ويجثون، وهي التي يقول الله: ﴿وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها اليَوْمَ﴾ الآية [الجاثية:٢٨]. فيقضي الله بين خَلْقه؛ الجنّ والإنس والبهائم، فإنه ليُقيد يومئذ للجمّاء من ذات القرون، حتى إذا لم يبق تبعة عند واحدة لأخرى قال الله: كونوا ترابًا. فعند ذلك يقول الكافر: ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا﴾ [النبأ:٤٠]. ثم يقضي الله سبحانه بين الجنّ والإنس»