في قوله: ﴿وما توعدون﴾ أقوال للسلف: الأول: ما توعدون مِن خير أو شرٍّ. الثاني: ما توعدون من الجنة والنار. الثالث: ما توعدون من أمر الساعة. الرابع: ما توعدون من الثواب والعقاب. وقد رجّح ابنُ جرير (٢١/٥٢٣) -مستندًا إلى دلالة العموم- القول الأول، فقال: «لأنّ الله عمّ الخبر بقوله: ﴿وما توعدون﴾ عن كل ما وُعِدنا من خير أو شر، ولم يخصّص بذلك بعضًا دون بعض، فهو على عمومه كما عمّه الله». وقد ذكر ابنُ القيم (٣/٤٢-٤٣) هذه الأقوال، ثم علّق بقوله: «كون الجنة والخير في السماء فلا إشكال فيه، وكون النار في السماء وما يوعد به أهلها يحتاج إلى تبيين». ثم علّق بقوله: «فإذا نظرتَ إلى أسباب الخير والشر وأسباب دخول الجنة والنار وافتراق الناس وانقسامهم إلى شقيّ وسعيد وجدتَ ذلك كلّه بقضاء الله وقدره النازل مِن السماء، وذلك كلّه مُثبت في السماء في صحف الملائكة وفي اللوح المحفوظ قبل العمل وبعده، فالأمر كلّه من السماء. وقول من قال: من أمر الساعة؛ يكشف عن هذا المعنى، فإنّ أمر الساعة يأتي من السماء، وهو الموعود بها، فالجنة والنار الغاية التي لأجلها قامت الساعة». ثم علّق قائلًا: «فصح كل ما قال السلف في ذلك». وقال ابنُ عطية (٨/٦٩): «و﴿توعدون﴾ يحتمل أن يكون مِن الوعد، ويحتمل أن يكون من الوعيد، والكلّ في السماء»
قال مقاتل بن سليمان: ثم قال -جلَّ وعزَّ-: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ﴾ يقول: مِن علامة الرب لأهل مكة إذ لم يروه ﴿اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ نَنزِع منه النهار؛ ﴿فَإذا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ بالليل، مثل قوله عز وجل: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فانْسَلَخَ مِنها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الأعراف:١٧٥]
عن عبد الله بن المِسْوَر، عن أبيه، قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا دخل النور القلبَ انفسَح له وانشرح». قيل: يا رسول الله، هل لذاك مِن علامة يُعرف به؟ قال: «نعم، الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزول الموت». وتعرَّضوا للعرض الأكبر ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنكُمْ خافِيَةٌ﴾
عن أبي ذرّ، قال: قلتُ: يا رسول الله، كم أنزل الله من كتاب؟ قال: «مائة كتاب وأربعة كتب، أنزل على شِيث خمسين صحيفة، وعلى إدريس ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، وعلى موسى قبل التوراة عشر صحائف، وأنزل التوراة، والإنجيل، والزّبور، والفرقان». قلتُ: يا رسول الله، فما كانت صحف إبراهيم؟ قال: «أمثال كلّها؛ أيّها الملك المُتسلّط المُبْتلى المغرور، لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض، ولكن بعثتُك لتردّ عني دعوة المظلوم، فإني لا أردّها ولو كانت مِن كافر، وعلى العاقل ما لم يكن مغلوبًا على عقله أن يكون له ثلاث ساعات: ساعة يناجي فيها ربّه، وساعة يحاسب فيها نفسه ويتفكّر فيما صنع، وساعة يخلو فيها لحاجته من الحلال؛ فإنّ في هذه الساعة عونًا لتلك الساعات، واستجمامًا للقلوب وتفريغًا لها، وعلى العاقل أنْ يكون بصيرًا بزمانه، مُقبلًا على شأنه، حافظًا للسانه، فإنّ مَن حسب كلامه من عمله أقلَّ الكلام إلا فيما يعنيه، وعلى العاقل أنْ يكون طالبًا لثلاث؛ مَرَمَّة لمعاش، أو تزوُّدٌ لمعاد، أو تلذُّذٌ في غير مُحرّم». قلتُ: يا رسول الله، فما كانت صحف موسى؟ قال: «كانت عِبرًا كلها؛ عجبتُ لمن أيقن بالموت ثم يفرح، ولمن أيقن بالنار ثم يضحك، ولمن يرى الدنيا وتقلبها بأهلها ثم يطمئن إليها، ولمن أيقن بالقَدَر ثم يَنصَب، ولمن أيقن بالحساب ثم لا يعمل». قلت: يا رسول الله، هل أنزل الله عليك شيئًا مما كان في صحف إبراهيم وموسى؟ قال: «يا أبا ذرّ، نعم: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا والآخِرَةُ خَيْرٌ وأَبْقى إنَّ هَذا لَفِي الصُّحُفِ الأُولى صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾»
قال يحيى بن سلّام: قال الله: ﴿نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ويذهبا بطريقتكم المثلى﴾ [طه:٦٣]. قال قتادة: كانوا أكثر عددًا وأموالًا. وقال بعضهم: ﴿نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة﴾ أعقلهم: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلا يَوْمًا﴾. وهي مواطن، قالوا: ﴿إلا يوما﴾، و﴿إلا عشرا﴾، و﴿قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم﴾ [الكهف:١٩]، وقال: ﴿كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها﴾ [النازعات:٤٦]، وقال: ﴿كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار﴾ [الأحقاف:٣٥]، وقال: ﴿ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون﴾ [الروم:٥٥] يحلف المجرمون المشركون: ﴿ما لبثوا غير ساعة﴾ [الروم:٥٥] أي: في الدنيا؛ وذلك لتصاغر الدنيا عندهم، وقِلَّتها في طول الآخرة
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ قال: خمس من الغيب استأثر الله بهن، فلم يُطلِع عليهنَّ ملكا مقرّبًا، ولا نبيًّا مرسلًا: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ ولا يدري أحد من الناس متى تقوم الساعة، في أي سنة ولا في أي شهر؛ أليلًا أم نهارًا، ﴿ويُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ فلا يعلم أحد متى ينزل الغيث؛ أليلًا أم نهارًا، ﴿ويَعْلَمُ ما فِي الأَرْحامِ﴾ فلا يعلم أحد ما في الأرحام؛ أذكر أم أنثى، أحمر أو أسود، ﴿وما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا﴾ أخير أم شر، ﴿وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أرْضٍ تَمُوتُ﴾ ليس أحد مِن الناس يدري أين مضجعه من الأرض؛ أفي بحر أم في بر، في سهل أم في جبل؟
عن سعيد بن أبي عروبةَ، قال: كان الحسنُ [البصري] يقولُ: ما أحْمَقَ هؤلاء القوم! يقولون: اللهُمَّ، أطِلْ عُمُرَه. واللهُ يقولُ: ﴿فإذا جاء أجلُهُم لا يستأْخرونَ ساعةً ولا يستقدمونَ﴾
عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تدعوا على أنفسكم، لا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم؛ لا تُوافِقوا مِن الله ساعةً يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم»
عن عبد الله بن عمرو بن العاصِ، قال: لا تقومُ الساعةُ حتى يرجِعَ القرآنُ مِن حيثُ نزَل، له دَوِيٌّ حولَ العرشِ كدويِّ النحلِ، يقولُ: أُتْلى ولا يُعْمَلُ بي
عن محمد ابن شهاب الزهري -من طريق مَعْمَر- قال: المملوكون ومَن لم يبلغ الحُلُم يستأذنوا في هذه الثلاث الساعات: صلاة العشاء التي تُسَمّى: العتمة، وقبل صلاة الفجر، ونصف النهار