اختلفت القرأة في قراءة قوله تعالى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ على قراءتين، وقد ذكرهما ابن جرير (١٤‏/‏٥٩٩) فقال: الأولى: ﴿كلُّ ذلك كان سَيِّئُهُ﴾ على الإضافة، ووجَّهوا قراءتهم بقولهم: «لأن فيما عدَّدْنا من قوله: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ﴾ أمورًا، هي أمْرٌ بالجميل، كقوله: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾، وقوله: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾، وما أشبه ذلك. قالوا: فليس كل ما فيه نهيًا عن سيئةٍ، بل فيه نهيٌ عن سيئةٍ، وأَمْرٌ بحسنات، فلذلك قرأنا: ﴿سَيِّئُهُ﴾». الثانية: ‹كلُّ ذلك كان سَيِّئَةً› بالتنوين، والمعنى عند من قرأها كذلك: «أن الله إنما عَنى بذلك: كلُّ ما عدَّدْنا من قولنا: ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾، ولم يدخل فيه ما قَبْل ذلك، قالوا: وكلُّ ما عدَّدنا من ذلك الموضع إلى هذا الموضع سيِّئَةٌ لا حسنة فيه». ووجَّه ابنُ عطية (٥‏/‏٤٨٢) اسم الإشارة ﴿ذلك﴾ على القراءة الأولى بقوله: «والإشارة إلى جميع ما ذكر في هذه الآيات من بِرٍّ ومعصية، ثم اختَصَّ ذكر السَّيِّء منه بأنه مكروه عند الله تعالى». ووجَّهه على القراءة الثانية بقوله: «والإشارة إلى ما تقدم ذكره مما نهي عنه كقول: أُفٍّ، وقَذْف الناس، والمرح، وغير ذلك». وبمعناه ابنُ كثير (٩‏/‏١٣). ورجَّح ابنُ جرير (١٤‏/‏٦٠٠) مستندًا إلى دلالة اللغة القراءة الأولى، وعلَّل ذلك بقوله: «لأنّ في ذلك أمورًا منهيًّا عنها، وأمورًا مأمورًا بها، وابتداءُ الوصية والعهد من ذلك الموضع دون قوله: ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكُمْ﴾ إنما هو عطفٌ على ما تقدم من قوله: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ﴾، فإذ كان ذلك كذلك فقراءتُه بإضافة السيِّء إلى الهاء أوْلى وأحقُّ من قراءته ‹سَيِّئَةً› بالتنوين، بمعنى السيئةٍ الواحدة». واستدرك ابنُ عطية (٥‏/‏٤٨٣) على ابن جرير في قوله: بـ«أن هذه النواهي كلها معطوفة على قوله أولًا: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ﴾» قائلًا: «وليس ذلك بالبيِّن»

رجَّح ابنُ جرير (٢٢‏/‏١١) -مستندًا إلى اللغة، والسياق، والنظائر- أن قوله تعالى: ﴿وهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلى﴾ يعني: محمدًا ﷺ، ووجَّه ذلك بقوله: ""وذلك لَمّا أُسْرِي برسول الله ﷺ استوى هو وجبريل عليهما السلام بمطلع الشمس الأعلى، وعطف الأعلى، وعطف بقوله: ﴿وهُوَ﴾ على ما في قوله: ﴿فاسْتَوى﴾ من ذِكْرِ محمدٍ ﷺ، وأكثر كلام العرب إذا أرادوا العطف في مثل هذا الموضع أن يُظهِروا كناية المعطوف عليه، فيقولوا: استوى هو وفلانٌ. وقلَّما يقولون: استوى وفلانٌ. وقد ذكر الفراء عن بعض العرب أنه أنشده:ألم تر أن النَّبْعَ يصلُبُ عودُه ولا يستوي والخِرْوعُ المتقصِّفُومنه قول الله: ﴿أئِذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا﴾ [النمل:٦٧]، فعطف بالآباء على المُكنّى في: ﴿كُنّا﴾ من غير إظهار «نحن»، فكذلك قوله: ﴿فاسْتَوى وهُوَ﴾"". واستدرك ابنُ عطية (٨‏/‏١٠٨) على قول ابن جرير -مستندًا إلى اللغة- قائلًا: «وفي هذا التأويل العطف على المضمر المرفوع دون أن يؤكد، وذلك عند النحاة مستقبح». وعلَّق ابنُ كثير (١٣‏/‏٢٥٠) على قول ابن جرير بقوله: «وقد قال ابن جرير هاهنا قولًا لم أره لغيره، ولا حكاه هو عن أحد». ثم ذكر قوله وتوجيهه له من جهة العربية، ثم استدرك عليه -مستندًا إلى التاريخ- قائلًا: «وهذا الذي قاله من جهة العربية متجه، ولكن لا يساعده المعنى على ذلك؛ فإن هذه الرؤية لجبريل لم تكن ليلة الإسراء، بل قبلها، ورسول الله ﷺ في الأرض، فهبط عليه جبريل عليه السلام، وتدلى إليه، فاقترب منه وهو على الصورة التي خلقه الله عليها، له ستمائة جناح، ثم رآه بعد ذلك نزلة أخرى عند سدرة المنتهى -يعني: ليلة الإسراء- وكانت هذه الرؤية الأولى في أوائل البعثة بعد ما جاءه جبريل عليه السلام أول مرة...»

اختُلف في معنى العَوْد لِما قال المُظاهر في هذه الآية على قولين: الأول: أنّ المظاهر يعود إلى تحليل ما حرَّم على نفسه من وطء الزوجة بالعزم على الوطء. الثاني: أنّ العَوْد لِما قال هو إمساكه إيّاها، وتَرْكُه فِراقَها بعد تظهُّره منها، سواء عزم على الوطء أم لم يَعزِم. ونقل ابنُ جرير (٢٢‏/‏٤٥٩) عن أهل العربية معنيين آخرَين: أحدهما: أنّ «المعنى: فتحرير رقبة من قبل أن يتماسّا، فمن لم يجد فصيامٌ، فإطعامُ ستين مسكينًا، ثم يعودون لما قالوا: إنا لا نفعله، فيفعلونه...». ثم وجَّهه بقوله: «وكأن قائل هذا القول كان يرى أنّ هذا من المُقدّم الذي معناه التأخير». والآخر: أنه «يصلح فيها في العربية: ثم يعودون إلى ما قالوا، وفيما قالُوا. يريد: يرجعون عمّا قالُوا». ورجَّح ابنُ جرير (٢٢‏/‏٤٦٠) مستندًا إلى اللغة «أن يُقال: معنى اللام في قوله: ﴿لِما قالُوا﴾ بمعنى»إلى«أو»في«؛ لأنّ معنى الكلام: ثم يعودون لنقْض ما قالوا مِن التحريم فيحلِّلونه. وإن قيل: معناه: ثم يعودون إلى تحليل ما حرَّموا، أو: في تحليل ما حرَّموا، فصوابٌ؛ لأن كل ذلك عَوْدٌ له». ونقل ابنُ عطية (٨‏/‏٢٤٦) قولين آخرين: أحدهما: أنّ «المعنى: والذين يظاهَرون من نسائهم في الجاهلية». ثم وجَّهه بقوله: «كأنه تعالى قال: والذين كان الظِّهار عادتهم ثم يعودون إلى ذلك في الإسلام». والآخر: أنّ «المعنى: والذين يُظاهِرون ثم يُظاهِرون ثانية، فلا تلزم عندهم كفارة إلا بأن يعيد الرجل التظاهُر». ووجَّهه بقوله: «وحينئذ هو عائد إلى القول الذي هو منكر وزور». ثم انتقده قائلًا: «وهذا قول ضعيف». ونحوه قال ابنُ كثير (١٣‏/‏٤٤٨). وانتقد ابنُ عطية -مستندًا إلى السياق- القول الذي حكاه ابنُ جرير بأنّ في الآية تقديمًا وتأخيرًا قائلًا: «وهذا أيضًا قول يُفسِد نظم الآية، وحُكي عن الأخفش، لكنه غير قوي»

اتفق الأئمة على أنه إذا قُرئ: ﴿بضنين﴾ كان معناه: غير بخيل. وإذا قُرئ: ‹بِظَنِينٍ› كان معناه: غير مُتّهم. وزاد ابنُ عطية (٨‏/‏٥٥١) معلقًا على قراءة الظاء، فقال: «وهذا في المعنى نظير وصفه بـ﴿أمين﴾، وقيل: معناه: بضعف القوة عن التبليغ من قولهم: بئر ظنون إذا كانت قليلة الماء. ورجّح أبو عبيد قراءة الظاء مشالة؛ لأن قريشًا لم تبخل محمدًا ﷺ فيما يأتي به، وإنما كذّبته، فقيل: ما هو بمُتّهم». وأضاف ابنُ القيم (٣‏/‏٢٦٣): «وليس من الظن الذي هو الشعور والإدراك؛ فإن ذاك يتعدى إلى مفعولين». ورجّح ابنُ جرير (٢٤‏/‏١٧٠) -مستندًا لموافقتها مصاحف المسلمين- قراءة الضاد، فقال: «وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب: ما عليه خطوط مصاحف المسلمين متفقة، وإن اختلفت قراءتهم به، وذلك ﴿بضنين﴾ بالضاد؛ لأنّ ذلك كله كذلك في خطوطها. فإذا كان ذلك كذلك فأولى التأويلين بالصواب في ذلك: تأويل مَن تأوله، وما محمد على ما علمه الله من وحيه وتنزيله ببخيل بتعليمكموه -أيها الناس-، بل هو حريص على أن تؤمنوا به وتتعلموه». ورجّح ابنُ تيمية (٦‏/‏٤٧٩) قراءة الظاء بقوله: «وهو المناسب». وبنحوه ابنُ القيم (٣‏/‏٢٦٤) مستندًا إلى ظاهر الآية، والدلالة العقلية، فقال: «قلت: ويرجحه أنه وصفه بما وصف به رسوله المَلكيّ مِن الأمانة، فنفى عنه التُّهمة، كما وصف جبريل بأنه أمين. ويرجّحه أيضًا أنه سبحانه نفى أقسام الكذب كلّها عما جاء به من الغيب، فإنّ ذلك لو كان كذبًا فإمّا أن يكون منه، أو ممن علّمه، وإن كان منه فإمّا أن يكون تَعمَّده أو لم يَتعمّده، فإن كان مِن مُعلِّمه فليس هو بشيطان رجيم، وإن كان منه مع التعمد فهو المتهم ضد الأمين، وإن كان عن غير تعمُّد فهو المجنون، فنفى سبحانه عن رسوله ذلك كله». وعلّق ابنُ كثير (١٤‏/‏٢٧١) على القراءتين، فقال: «قلت: وكلاهما متواتر، ومعناه صحيح»

رجَّحَ ابن جرير (٢‏/‏٤٣٩-٤٤٠ بتصرف) العمومَ في معنى الآية وشمولها لكل الأقوال المذكورة؛ لعدم الدليل على التّعيين، فقال: «والصواب عندنا أن يقال: إنّ الله أخبر عن قوم أنهم قالوا بجهلهم نظير ما قال اليهود والنصارى بعضها لبعض مما أخبر الله عنهم أنهم قالوه في قوله: ﴿وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء﴾، وجائز أن يكونوا هم المشركين من العرب، وجائز أن يكونوا أمة كانت قبل اليهود والنصارى، ولا أمة أوْلى أن يُقال: هي التي عُنِيَت بذلك من أخرى؛ إذ لم يكن في الآية دلالة على أيٍّ من أيٍّ، ولا خبر بذلك عن رسول الله ثبتت حجته من جهة نقل الواحد العدل، ولا من جهة النقل المستفيض. وإنما قصد الله بقوله: ﴿كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ إعلامَ المؤمنين أن اليهود والنصارى قد أتوا من قيل الباطل، وافتراء الكذب على الله، وجحود نبوة الأنبياء والرسل، وهم أهل كتاب يعلمون أنهم فيما يقولون مبطلون، وبجحودهم ما يجحدون من ملتهم خارجون، وعلى الله مفترون؛ مثلَ الذي قاله أهل الجهل بالله وكتبه ورسله الذين لم يَبْعَث الله لهم رسولًا، ولا أوحى إليهم كتابًا». وذهبَ إلى مثلِه ابن كثير (٢‏/‏٢٤)، وقال: «اختار أبو جعفر ابن جرير أنها عامة تصلح للجميع، وليس ثَمَّ دليل قاطع يُعَيِّن واحدًا من هذه الأقوال، فالحمل على الجميع أوْلى». وزاد ابن عطية (١‏/‏٣٢٥) إضافة إلى ما ورد في أقوال السلف قولًا آخر، فقال: «وقال قوم: المراد اليهود، وكأنه أعيد قولهم». وانتَقَدَه بقوله: «وهذا ضعيف»

سورة المجادلة — الآية ٤

عن القاسم بن محمد، قال: أتتِ امرأةٌ إلى ابن عباس، فقالت: إني نذرتُ أنْ أنحر ابني. فقال ابن عباس: لا تنحري ابنك، وكفِّري عن يمينك. فقال شيخ عند ابن عباس: وكيف يكون في هذا كفّارة؟ فقال ابن عباس: إنّ الله تعالى قال: ﴿والَّذِينَ يُظاهَرونَ مِنكُم مِن نِسائِهِمْ﴾، ثم جعل فيه من الكفّارة ما قد رأيتَ

سورة آل عمران — الآية ١٥٣

عن عبد الملك ابن جُرَيْج -من طريق ابن ثور- ﴿والرسول يدعوكم في أُخراكم﴾: «أيْ عبادَ اللهِ، ارجِعوا، أيْ عبادَ الله، ارجعوا»

سورة آل عمران — الآية ١٥٦

عن عبد الملك ابن جُرَيْج -من طريق ابن ثور- ﴿ما ماتوا وما قتلوا﴾، قال: فَتَرادَّ على النبي ﷺ ثلثمائة وبضعة عشر

سورة آل عمران — الآية ١٩٤

عن عبد الملك ابن جريج -من طريق ابن ثور- ﴿ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك﴾، قال: يستنجزون موعد الله على رسله.

سورة آل عمران — الآية ٣٩

عن الرِّقاشِيِّ -من طريق ابن أبي نجيح- في قول الله: ﴿يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله﴾، قال: مُصَدِّقًا بعيسى ابن مريم