عن مروان، والمِسْوَر بن مَخْرَمَة، قالا: انصرف رسول الله - ﷺ - عام الحُدَيبية، فنزلت عليه سورة الفتح فيما بين مكة والمدينة، فأعطاه الله فيها خَيْبَر، ﴿وعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ خَيْبَر، فقدم النبِيُّ - ﷺ - المدينةَ في ذي الحجة، فأقام بها حتى سار إلى خَيْبَر في المُحرّم، فنزل رسول الله - ﷺ - بالرّجيع -وادٍ بين غَطَفان وخَيْبَر-، فتخوّف أن تمدهم غَطَفان، فبات به حتى أصبح فغدا عليهم
أفادت الآثار اختلاف أهل التأويل في الميثاق المذكور في هذه الآية على قولين: الأول: ما وقع للنبي ﷺ في بيعة العقبة، وبيعة الرضوان، وكل موطن قال الناس فيه: سمعنا وأطعنا. وهذا قول ابن عباس، والسُّدِّيّ، وجماعة من المفسرين. والثاني: هو الميثاق المأخوذ على النَّسَم حين اسْتُخْرِجُوا من ظهر آدم. وهذا قول مجاهد. ورجَّحَ ابنُ جرير (٨/١٢١-١٢٢)، وابنُ عطية (٣/١٢٣) القولَ الأول، استنادًا إلى السياق، قال ابن جرير: «وإنما قلنا: ذلك أوْلى بالصواب مِن قولِ مَن قال: عنى به: الميثاق الذي أخذ عليهم في صلب آدم -صلوات الله عليه-؛ لأن الله -جَلَّ ثناؤه- ذَكرَ بعَقِب تذكرة المؤمنين ميثاقَه الذي واثقهم به، ميثاقَه الذي واثق به أهل التوراة بعد ما أنزل كتابه على نبيه موسى ﷺ فيما أمرهم به ونهاهم فيها، فقال: ﴿ولَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ وبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ الآيات بعدها [المائدة:١٢-١٣]، مُنبِّهًا بذلك أصحاب رسول الله ﷺ محمد على مواضع حظوظهم من الوفاء لله بما عاهدهم عليه، ومعرِّفَهم سوءَ عاقبة أهل الكتاب في تضييعهم ما ضيعوا من ميثاقه الذي واثقهم به في أمره ونهيه، وتعزير أنبيائه ورسله، زاجرًا لهم عن نكث عهودهم، فيُحِلّ بهم ما أحلَّ بالناكثين عهوده من أهل الكتاب قبلهم. فكان -إذْ كان الذي ذكرهم فوعظهم به ونهاهم عن أن يركبوا من الفعل مثلَه، ميثاقَ قوم أخذ ميثاقهم بعد إرسال الرسول إليهم وإنزال الكتاب عليهم- واجبًا أن يكون الحال التي أخذ فيها الميثاق والموعوظين، نظيرَ حال الذين وعظوا بهم. وإذا كان ذلك كذلك كان بَيِّنًا صحة ما قلنا في ذلك، وفسادُ خلافه». وقال ابن عطية: «والقول الأول أرجح، وأليقُ بنمط الكلام». ويفهم أيضًا من كلام ابن تيمية (١/٤٥٥)، وابن كثير (٥/١٢٦) ميلهما إليه
اختُلف في عوْد الضمير في قوله: ﴿وإنه لعلم للساعة﴾ على أقوال: الأول: أنه عائد على القرآن، فهو علم للساعة لما فيه من البعث والجزاء. الثاني: أنه عائد على عيسى؛ إذ خروجه علم الساعة؛ لأنه من علامة القيامة وشروط الساعة. الثالث: أنه عائد على عيسى، والمعنى: أنّ ما أجراه الله على يديه من إحياء الموتى دليل على الساعة وبعْث الموتى. الرابع: أنه عائد على النبي ﷺ. ذكَره ابنُ عطية (٧/٥٥٩). وانتقد ابنُ كثير (١٢/٣٢٣) القول الثالث الذي قاله ابن إسحاق، فقال: «وفي هذا نظر». وكذا انتقد القول الأول الذي قاله الحسن من طريق قتادة، وقتادة من طريق معمر، فقال: «وأبعد منه [أي: من قول ابن إسحاق] ما حكاه قتادة...: أي الضمير في ﴿وإنه﴾ عائد على القرآن». ثم رجَّح -مستندًا إلى دلالة السياق والقرآن والقراءات- القول الثاني الذي قاله ابن عباس، ومجاهد، والضَّحّاك، وأبو مالك، والحسن، وابن زيد، ومقاتل، والسُّدّي، فقال: «بل الصحيح أنه عائد على عيسى عليه السلام؛ فإن السياق في ذكره، ثم المراد بذلك نزوله قبل يوم القيامة، كما قال تبارك وتعالى: ﴿وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته﴾ أي: قبل موت عيسى ﷺ، ثم ﴿ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا﴾ [النساء:١٥٩]، ويؤيد هذا المعنى القراءة الأخرى: (وإنَّهُ لَعَلَمٌ لِّلسّاعَةِ) أي: أمارة ودليل على وقوع الساعة». وساق ابنُ عطية الأقوال، ثم علَّق بقوله: «مَن قال: إن الإشارة إلى عيسى. حسن مع تأويله»علْم«، و»عَلَم«أي: هو إشعار بالساعة وشرط من أشراطها، يعني: خروجه في آخر الزمان، وكذلك من قال: الإشارة إلى محمد ﷺ، أي: هو آخر الأنبياء. فقد تميّزت الساعة به نوعًا وقدرًا من التمييز، وبقي التحديد التام الذي انفرد الله بعلمه، ومن قال: الإشارة إلى القرآن. حسُن قوله في قراءة من قرأ: ﴿لعلم﴾ بكسر العين وسكون اللام، أي: يعلمكم بها وبأهوالها وصفاتها، وفي قراءة من قرأ: (لَذِكْرٌ)»
عن نافع، قال: كُنّا مع ابن عمر في سَفَر، فقيل: إنّ السَّبُعَ في الطريق قد حبَس الناس، فاستخفَّ ابن عمر راحلتَه، فلما بلغ إليه نَزَل فعَرَك أُذنَه، وقَعَّدَه، وقال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «إنما يُسلَّطُ على ابن آدم مَن خافه ابنُ آدم، ولو أنّ ابن آدم لم يَخفْ إلا الله لم يُسلِّطْ عليه غيرَه، وإنما وُكِل ابن آدم بمَن رجا ابنُ آدم، ولو أنّ ابنَ آدم لم يرجُ إلا اللهَ لم يكِلْه إلى سواه»
علَّق ابن عطية (٨/٢٣٦-٢٣٧) على قول ابن زيد، والشعبي، بقوله: «فهذا على معنى لفظ ﴿أصاب﴾ لا على عُرف المصيبة، فإنّ عُرفها في الشر». وذكر ابن ابن عباس قال: معناه: أنه أراد عُرف المصيبة. وعلَّق عليه بقوله: «وخصّها بالذكر لأنها أهمّ على البشر، وهي بعض من الحوادث تدلُّ على أن جميع الحوادث خيرها وشرها كذلك»
اختُلِف في تفسير هذه الآية؛ فذهب قومٌ إلى أنّ المعنى: فأتوهن من حيث أمركم الله باعتزالهنَّ في حال الحيض، وهو الفَرْج. وذهب آخرون إلى أنّ المعنى: فأتوهن من قُبُل الطُّهْرِ، لا من قُبُلِ الحيض. وذكر قوم أنّ المعنى: فأتوهن من قِبَل الحلال، لا الزِّنا. وذكر آخرون أنّ المعنى: فأتوهن من قِبَل حال الإباحة، لا صائمات ولا محرمات ولا نحو ذلك. ورَجَّحَ ابنُ جرير (٣/٧٤٠-٧٤١) القولَ الثاني الذي قال به ابن عباس من طريق عطية العوفي وأبي رزين، وعكرمة من طريق العتكي، وقتادة من طريق مَعْمَر، والسدي، والضحاك، مستندًا إلى الإجماع، والدلالات العقلية، فقال: «وذلك أنّ كل أمر بمعنًى فنهْيٌ عن خلافه وضِدِّه، وكذلك النَّهْيُ عن الشيء أمرٌ بضده وخلافه. فلو كان معنى قوله: ﴿فأتوهن من حيث أمركم الله﴾: فأتوهن من قبل مخرج الدم الذي نهيتكم أن تأتوهنَّ من قبله في حال حيضهن؛ لَوَجَبَ أن يكون قوله: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ تأويله: ولا تقربوهن في مخرج الدم دون ما عدا ذلك من أماكن جسدها، فيكون مطلقًا في حال حيضها إتيانهن في أدبارهن. وفي إجماع الجميع على أنّ الله -تعالى ذِكْرُه- لم يُطْلِق في حال الحيض من إتيانهن في أدبارهن شيئًا حَرَّمه في حال الطُّهْرِ، ولا حَرَّم من ذلك في حال الطُّهْرِ شيئًا أحلَّه في حال الحيض، ما يعلم به فساد هذا القول»
اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿ثم اهتدى﴾ على سبعة أقوال: الأول: لم يشك في إيمانه. الثاني: لزم الإيمان والعمل الصالح حتى يموت. الثالث: أخذ بسنة النبي ﷺ. الرابع: أصاب العمل. الخامس: عرف جزاء عمله من خير بثواب، أو شر بعقاب. السادس: ثم اهتدى إلى ولاية أهل بيت النبي ﷺ. السابع: أنه استقام. وقد رجّح ابنُ جرير (١٦/١٢٧) مستندًا إلى الدلالة العقلية أن معناه: «ثم لزم ذلك، فاستقام ولم يضيع شيئًا منه». وعلل (١٦/١٢٩) ذلك بقوله: «وإنما اخترنا القول الذي اخترنا في ذلك من أجل أن الاهتداء: هو الاستقامة على هدى. ولا معنى للاستقامة عليه إلا وقد جمعه الإيمان والعمل الصالح والتوبة، فمن فعل ذلك وثَبَتَ عليه فلا شك في اهتدائه». وذكر ابنُ عطية (٦/١١٩) الأقوال المختلفة في الآية، ثم علّق فقال: «وهذه كلها تخصيص واحد منها دون ما هو من نوعه بعيد ليس بالقوي، والذي يقوى في معنى ﴿ثُمَّ اهْتَدى﴾ أن يكون: ثم حفط معتقداته مِن أن يخالف الحق في شيء من الأشياء، فإنّ الاهتداء على هذا الوجه غير الإيمان وغير العمل، ورب مؤمن عمل صالحًا قد أوبقه عدم الاهتداء، كالقدرية والمرجئة وسائر أهل البدع والخوارج. فمعنى ﴿ثُمَّ اهْتَدى﴾: ثم مشى في عقائد الشرع على طريق قويم»
اختُلف في قراءة قوله: ﴿يوم التناد﴾؛ فقرأ قوم: ﴿يوم التناد﴾ بتخفيف الدال، وترْك إثبات الياء. وقرأ آخرون: ﴿يوم التنادِّ﴾ بتشديد الدال. وقرأ غيرهم: ﴿التنادي﴾ بتخفيف الدال، وإثبات الياء. وذكر ابنُ جرير (٢٠/٣١٦-٣١٩) أن القراءة الأولى لها وجهان: أحدهما: أن تكون بمعنى التفاعل، مِن تنادى القوم تناديًا، كما قال -جل ثناؤه-: ﴿ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم﴾ [الأعراف:٤٤]، وقال: ﴿ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء﴾ [الأعراف:٥٠]. والآخر: ما روي عن النبي ﷺ في حديث أبي هريرة في تفسير الآية، والمعنى: ويا قوم إني أخاف عليكم يوم ينادي الناس بعضهم بعضًا من فزع نفخة الفزع. وأما القراءة الثانية، فهي بمعنى: التفاعل «من النَّدِّ»، وذلك إذا هربوا فندوا في الأرض، كما تند الإبل: إذا شردت على أربابها. ورجَّح ابنُ جرير (٢٠/٣١٩-٣٢٠) القراءة الأولى مستندًا إلى إجماع القراء، فقال: «وذلك أن ذلك هو القراءة التي عليها الحجة مجمعة من قرأة الأمصار، وغير جائز خلافها فيما جاءت به نقلًا»
عن عبد الملك ابن جُرَيْج -من طريق ابن ثور- في الآية، قال: هو ذِكْرُ الله في الصلاة، وفي غير الصلاة، وقراءة القرآن.
عن طاووس قال: عاب ابن عباس، على ابن الزبير في رجل أُخذ في الحِلِّ، ثم أدخله الحرم، ثم أخرجه إلى الحِلِّ فقتله