جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿الّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكّرُونَ فِي خَلْقِ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ رَبّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النّارِ﴾.
وقوله :﴿الّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِياما وَقُعُودا﴾ من نعت «أولي الألباب »، و«الذين » في موضع خفض ردّا على قوله :«لأولي الألباب ».
ومعنى الآية : إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب، الذاكرين الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم، يعني بذلك : قياما في صلاتهم وقعودا في تشهدهم وفي غير صلاتهم وعلى جنوبهم نياما. كما :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله :﴿الّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِياما وَقُعُودا﴾. . . الاَية، قال : هو ذكر الله في الصلاة وفي غير الصلاة، وقراءة القرآن.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله :﴿الّذِينَ يَذْكُرُون الله قِياما وَقُعُودا وَعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ وهذه حالاتك كلها يا ابن آدم، فاذكره وأنت على جنبك يسرا من الله وتخفيفا.
فإن قال قائل : وكيف قيل :﴿وَعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ فعطف ب«على »، وهي صفة على القيام والقعود وهما اسمان ؟ قيل : لأن قوله :﴿وَعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ في معنى الاسم، ومعناه : ونياما أو مضطجعين على جنوبهم¹ فحسن عطف ذلك على القيام والقعود لذلك المعنى، كما قيل :﴿وَإذَا مَسّ الإنْسانَ الضّرّ دَعانا لِجَنْبِهِ أوْ قاعِدا أو قائما﴾ فعطف بقوله :﴿أوْ قاعِدا أوْ قائما﴾ على قوله :﴿لِجَنْبِهِ﴾، لأن معنى قوله : لجنبه مضطجعا، فعطف بالقاعد والقائم على معناه، فكذلك ذلك في قوله :﴿وَعَلى جُنُوبِهِمْ﴾.
وأما قوله :﴿وَيَتَفَكّرُونَ فِي خَلْقِ السّمَواتِ والأرْضِ﴾ فإنه يعني بذلك أنهم يعتبرون بصنعة صانع ذلك، فيعلمون أنه لا يصنع ذلك إلا من ليس كمثله شيء، ومن هو مالك كل شيء ورازقه، وخالق كل شيء ومدبره، من هو على كل شيء قدير، وبيده الإغناء والإفقار، والإعزاز والإذلال، والإحياء والإماتة، والشقاء والسعادة.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿رَبّنا ما خَلَقْتَ هَذَا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذَابِ النّارِ﴾.
يعني بذلك تعالى ذكره : ويتفكرون في خلق السموات والأرض، قائلين :﴿رَبّنا ما خَلَقْتَ هَذَا باطِلاً﴾ فترك ذكر قائلين، إذ كان فيما ظهر من الكلام دلالة عليه¹ وقوله :﴿ما خَلَقْتَ هَذَا باطِلاً﴾ يقول : لم تخلق هذا الخلق عبثا ولا لعبا، لم تخلقه إلا لأمر عظيم من ثواب وعقاب ومحاسبة ومجازاة، وإنما قال : ما خلقت هذا باطلاً، ولم يقل : ما خلقت هذه، ولا هؤلاء، لأنه أراد بهذا الخلق الذي في السموات والأرض، يدل على ذلك قوله :﴿سُبْحانَكَ فَقِنا عَذَابَ النّارِ﴾ ورغبتهم إلى ربهم في أن يقيهم عذاب الجحيم، ولو كان المعنيّ بقوله :﴿ما خَلَقْتَ هَذَا باطِلاً﴾ السموات والأرض، لما كان لقول عقيب ذلك :﴿فَقِنا عَذَابَ النّارِ﴾ معنى مفهوم، لأن السموات والأرض أدلة على بارئها، لا على الثواب والعقاب، وإنما الدليل على الثواب والعقاب : الأمر والنهي¹ وإنما وصف جل ثناؤه أولي الألباب الذين ذكرهم في هذه الاَية، أنهم إذا رأوا المأمورين المنهيين، قالوا : يا ربنا لم تخلق هؤلاء باطلاً عبثا سبحانك، يعني : تنزيها لك من أن تفعل شيئا عبثا، ولكنك خلقتهم لعظيم من الأمر، لجنة أو نار. ثم فزعوا إلى ربهم بالمسألة أن يجيرهم من عذاب النار، وأن لا يجعلهم ممن عصاه وخالف أمره، فيكونوا من أهل جهنم.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾
قال أبو جعفر: وقوله:"الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا" من نعت"أولي الألباب"، و"الذين" في موضع خفض ردًّا على قوله:"لأولي الألباب".
* * *
ومعنى الآية: إنّ في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب، الذاكرين الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم= يعني بذلك: قيامًا في صلاتهم، وقعودًا في تشهدهم وفي غير صلاتهم، وعلى جنوبهم نيامًا. كما:-
٨٣٥٤ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن
(٢) في المطبوعة:
| "فكيف ينسب فقر إلى من كان | "، أخر"إلى"، والصواب الجيد تقديمها كما في المخطوطة. |
٨٣٥٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم"، وهذه حالاتك كلها يا ابن آدم، فاذكره وأنت على جنبك، يُسرًا من الله وتخفيفًا.
* * *
قال أبو جعفر: فإن قال قائل: وكيف قيل:"وعلى جنوبهم": فعطف بـ"على"، وهي صفة، (١) على"القيام والقعود" وهما اسمان؟
قيل: لأن قوله:"وعلى جنوبهم" في معنى الاسم، ومعناه: ونيامًا، أو:"مضطجعين على جنوبهم"، فحسن عطف ذلك على"القيام" و"القعود" لذلك المعنى، كما قيل: (وَإِذَا مَسَّ الإنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا) [سورة يونس: ١٢] فعطف بقوله:"أو قاعدا أو قائما" على قوله:"لجنبه"، لأن معنى قوله:"لجنبه"، مضطجعا، (٢) فعطف بـ"القاعد" و"القائم" على معناه، فكذلك ذلك في قوله:"وعلى جنوبهم". (٣)
* * *
وأما قوله:"ويتفكرون في خلق السموات والأرض"، فإنه يعني بذلك أنهم يعتبرون بصنعة صانع ذلك، فيعلمون أنه لا يصنع ذلك إلا مَن ليس كمثله شيء، ومن هو مالك كل شيء ورازقه، وخالق كل شيء ومدبره، ومن هو على كل شيء قدير، وبيده الإغناء والإفقار، والإعزاز والإذلال، والإحياء والإماتة، والشقاء والسعادة.
* * *
(٢) انظر ما سلف ٣: ٤٧٥.
(٣) انظر معاني القرآن للفراء ١: ٢٥٠.
القول في تأويل قوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره:"ويتفكرون في خلق السموات والأرض" قائلين:"ربنا ما خلقت هذا باطلا"، فترك ذكر"قائلين"، إذ كان فيما ظهر من الكلام دلالة عليه.
* * *
وقوله:"ما خلقت هذا باطلا" يقول: لم تخلق هذا الخلق عبثًا ولا لعبًا، ولم تخلقه إلا لأمر عظيم من ثواب وعقاب ومحاسبة ومجازاة، وإنما قال:"ما خلقت هذا باطلا" ولم يقل:"ما خلقت هذه، ولا هؤلاء"، لأنه أراد بـ"هذا"، الخلقَ الذي في السموات والأرض. يدل على ذلك قوله:"سبحانك فقنا عذاب النار"، ورغبتهم إلى ربهم في أن يقيهم عذاب الجحيم. ولو كان المعنيّ بقوله:"ما خلقت هذا باطلا"، السموات والأرض، لما كان لقوله عقيب ذلك:"فقنا عذاب النار"، معنى مفهوم. لأن"السموات والأرض" أدلة على بارئها، لا على الثواب والعقاب، وإنما الدليل على الثواب والعقاب، الأمر والنهي.
وإنما وصف جل ثناؤه:"أولي الألباب" الذين ذكرهم في هذه الآية: أنهم إذا رأوا المأمورين المنهيّين قالوا:"يا ربنا لم تخلُق هؤلاء باطلا عبثًا سبحانك"، يعني: تنزيهًا لك من أن تفعل شيئًا عبثًا، ولكنك خلقتهم لعظيم من الأمر، لجنة أو نار.
ثم فَزِعوا إلى ربهم بالمسألة أن يجيرهم من عذاب النار، وأن لا يجعلهم ممن عصاه وخالف أمره، فيكونوا من أهل جهنم.
* * *
تفسير القرآن العظيم — ابن كثير
وقال الشيخ أبو سليمان الداراني : إني لأخرجُ من منزلي، فما يقع بصري على شيء إلا رأيت لله عَلَي فيه نِعْمَة، أوْ لِي فيه عِبْرَة. رواه ابن أبي الدنيا في كتاب " التفكر(٣) والاعتبار ".
وعن الحسن البصري أنه قال : تَفَكُّر سَاعَة خير من قيام ليلة. وقال الفُضَيل : قال الحسن : الفكرة مِرْآة تريك حَسنَاتك وسيئاتك. وقال سفيان بن عيينة : الفكرة نور يدخل قلبك. وربما تمثل بهذا البيت :
| إذا المرء كانت له فكْرَةٌ | ففي كل شيء له عبرَة |
وقال لقمان الحكيم : إن طول الوحدة ألْهَمُ للفكرة، وطولَ الفكْرة دليل على طَرْق باب الجنة.
وقال وهب بن مُنَبِّه : ما طالت فكرة امرِئ قط إلا فهم، وما(٤) فهم امرؤ قط إلا علم، وما علم امرؤ قط إلا عمل.
وقال عمر بن عبد العزيز : الكلام بذكر الله، عز وجل، حَسَن، والفكرة في نعم الله أفضل العبادة.
وقال مغيث الأسود : زوروا القبور كل يوم تفكركم، وشاهدوا الموقف بقلوبكم، وانظروا إلى المنصرف بالفريقين إلى الجنة أو النار، وأشعروا قلوبكم وأبدانكم ذكر النار ومقامعها وأطباقها، وكان يبكي عند ذلك حتى يُرْفع صَريعا من بين أصحابه، قد ذهب عقله.
وقال عبد الله بن المبارك : مَرَّ رجل برَاهبٍ عند مَقْبَرة ومَزْبَلَة، فناداه فقال : يا راهب، إن عندك كَنزين من كنوز الدنيا لك فيهما مُعْتَبَر، كنز الرجال وكنز الأموال.
وعن ابن عمر : أنه كان إذا أراد أن يتعاهد قلبه، يأتي الخَرِبة فيقف على بابها، فينادي بصوت حزين فيقول : أين أهْلُك ؟ ثم يرجع إلى نفسه فيقول :﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨].
وعن ابن عباس أنه قال : ركعتان مقتصدتان في تَفكُّر، خير من قيام ليلة والقلب ساه(٥).
وقال الحسن : يا ابن آدم، كُلْ في ثلث بطنك، واشرب في ثلثه، ودع ثلثه الآخر تتنفَّس للفكرة.
وقال بعض الحكماء : من نظر إلى الدنيا بغير العبرة انطَمَسَ مِنْ بَصَرِ قلبه بقدر تلك الغَفْلَة.
وقال بِشْر بن الحارث الحافي : لو تفكر الناس في عظمة الله تعالى لما عصوه.
وقال الحسن، عن عامر بن عبد قيس قال : سمعت غير واحد ولا اثنين ولا ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ يقولون : إن ضياء الإيمان، أو نور الإيمان، التفكر.
وعن عيسى، عليه السلام، أنه قال : يا ابن آدم الضعيف، اتق الله حيثما كنت، وكُنْ في الدنيا ضَيْفًا، واتَّخِذِ المساجدَ بيتا، وعَلِّم عينيك البكاء، وجَسَدك الصَّبْر، وقلبك الفِكْر، ولا تهتم برزق غد.
وعن أمير المؤمنين عُمَرَ بن عبد العزيز، رضي الله عنه، أنه بكى يوما بين أصحابه، فسُئل عن ذلك، فقال : فَكَّرت في الدنيا ولذاتها وشهواتها، فاعتبرت منها بها، ما تكاد شهواتها تَنْقَضي حتى تكدرها مرارتُها، ولئن لم يكن فيها عبرة لمن اعتبر إن فيها مواعظ لمن ادّكر.
وقال ابن أبي الدنيا : أنشدني الحُسَين بن عبد الرحمن :
| نزهَة المؤمن الفكَرْ | لذّة المؤمن العِبرْ |
| نحمدُ اللهَ وَحْدَه | نحْنُ كل عَلَى خَطَرْ |
| رُبّ لاهٍ وعُمْرُه | قد تَقَضّى وما شَعَرْ |
| رُبّ عيش قَدْ كَانَ فو | ق المُنَى مُونقَ الزَهَرْ |
| في خَرير(٦) من العيُو | ن وَظل من الشَّجَرْ |
| وسُرُور من النَّبا | ت وَطيب منَ الثَمَرْ |
| غَيَّرَتْه وَأهْلَهُ(٧) | سرعةُ الدّهْر بالغَيرْ |
| نَحْمَد الله وحده | إنّ في ذا لمعتبر |
| إن في ذَا لَعبرةً | للبيب إن اعْتَبَرْ |
٢ صحيح البخاري برقم (١١١٥)..
٣ في النسخ: "التوكل"، والصحيح ما أثبتناه كما ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء (١٣/٤٠٢) ومعجم مصنفات ابن أبي الدنيا الموجود بالظاهرية، وسيأتي في نهاية المقطع مضبوطا. انظر ص ١٨٩..
٤ في ر: "ولا".
.
٥ في ر: "ساهي"..
٦ في ر: "جرير"..
٧ في ر: "وغيرت أهله".
.
٨ في جـ، ر، أ، و: "ليجزي"..
٩ في ر، أ، و: "يجزي"..
١٠ في أ: "فقنا"..
تيسير الكريم الرحمن — السعدي
﴿فقنا عذاب النار﴾ بأن تعصمنا من السيئات، وتوفقنا للأعمال الصالحات، لننال بذلك النجاة من النار.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
يخبر تعالى: ﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب﴾ وفي ضمن ذلك حث العباد على التفكر فيها، والتبصر بآياتها، وتدبر خلقها، وأبهم قوله: ﴿آيات﴾ ولم يقل: "على المطلب الفلاني" إشارة لكثرتها وعمومها، وذلك لأن فيها من الآيات العجيبة ما يبهر الناظرين، ويقنع المتفكرين، ويجذب أفئدة الصادقين، وينبه العقول النيرة على جميع المطالب الإلهية، فأما تفصيل ما اشتملت عليه، فلا يمكن لمخلوق أن يحصره، ويحيط ببعضه، وفي الجملة فما فيها من العظمة والسعة، وانتظام السير والحركة، يدل على عظمة خالقها، وعظمة سلطانه وشمول قدرته. وما فيها من الإحكام والإتقان، وبديع الصنع، ولطائف الفعل، يدل على حكمة الله ووضعه الأشياء مواضعها، وسعة علمه. وما فيها من المنافع للخلق، يدل على سعة رحمة الله، وعموم فضله، وشمول بره، ووجوب شكره.
وكل ذلك يدل على تعلق القلب بخالقها ومبدعها، وبذل الجهد في مرضاته، وأن لا يشرك به سواه، ممن لا يملك لنفسه ولا لغيره مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء.
وخص الله بالآيات أولي الألباب، وهم أهل العقول؛ لأنهم هم المنتفعون بها، الناظرون إليها بعقولهم لا بأبصارهم.
ثم وصف أولي الألباب بأنهم ﴿يذكرون الله﴾ في جميع أحوالهم: ﴿قياما وقعودا وعلى جنوبهم﴾ وهذا يشمل جميع أنواع الذكر بالقول والقلب، ويدخل في ذلك الصلاة قائما، فإن لم يستطع فقاعدا، فإن لم يستطع فعلى جنب، وأنهم ﴿يتفكرون في خلق السماوات والأرض﴾ أي: ليستدلوا بها على المقصود منها، ودل هذا على أن التفكر عبادة من صفات أولياء الله العارفين، فإذا تفكروا بها، عرفوا أن الله لم يخلقها عبثا، فيقولون: ﴿ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك﴾ عن كل ما لا يليق بجلالك، بل خلقتها بالحق وللحق، مشتملة على الحق.
﴿فقنا عذاب النار﴾ بأن تعصمنا من السيئات، وتوفقنا للأعمال الصالحات، لننال بذلك النجاة من النار.
ويتضمن ذلك سؤال الجنة، لأنهم إذا وقاهم الله عذاب النار حصلت لهم الجنة، ولكن لما قام الخوف بقلوبهم، دعوا الله بأهم الأمور عندهم، ﴿ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته﴾ أي: لحصوله على السخط من الله، ومن ملائكته، وأوليائه، ووقوع الفضيحة التي لا نجاة منها، ولا منقذ منها، ولهذا قال: ﴿وما للظالمين من أنصار﴾ ينقذونهم من عذابه، وفيه دلالة على أنهم دخلوها بظلمهم.
﴿ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان﴾ وهو محمد صلى الله عليه وسلم، أي: يدعو الناس إليه، ويرغبهم فيه، في أصوله وفروعه.
﴿فآمنا﴾ أي: أجبناه مبادرة، وسارعنا إليه، وفي هذا إخبار منهم بمنة الله عليهم، وتبجح بنعمته، وتوسل إليه بذلك، أن يغفر ذنوبهم ويكفر سيئاتهم، لأن الحسنات يذهبن السيئات، والذي من عليهم بالإيمان، سيمن عليهم بالأمان التام.
﴿وتوفنا مع الأبرار﴾ يتضمن هذا الدعاء التوفيق لفعل الخير، وترك الشر، الذي به يكون العبد من الأبرار، والاستمرار عليه، والثبات إلى الممات.
ولما ذكروا توفيق الله إياهم للإيمان، وتوسلهم به إلى تمام النعمة، سألوه الثواب على ذلك، وأن ينجز لهم ما وعدهم به على ألسنة رسله من النصر، والظهور في الدنيا، ومن الفوز -[١٦٢]- برضوان الله وجنته في الآخرة، فإنه تعالى لا يخلف الميعاد، فأجاب الله دعاءهم، وقبل تضرعهم، فلهذا قال:
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١١٥ كتابًا)
غريب الكلمات ومعانيها
معاني الكلمات الغريبة في الآية
- قِياماً
- القيام على ثلاثة أوجه:جمع قائم، كما هنا.ومصدر قمت قياما.وقيام الأمر وقوامه: ما يقوم به الأمر.
إعراب الآية ١٩١ من سورة آل عمران
من كتاب: إعراب القرآن
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٨٧]
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ (١٨٧)وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ على حكاية الخطاب، وقرأ أبو عمرو وعاصم بالياء «١» لأنهم غيب والهاء كناية عن أهل الكتاب، وقيل: عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أي عن أمره.
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٨٨]
لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٨٨)لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وروى الحسين بن علي الجعفي عن الأعمش بما آتوا «٢» أي أعطوا. قيل: يراد بهذا اليهود وفي قراءة أبيّ بما فعلوا «٣»، وقال ابن زيد: هم المنافقون كانوا يقولون للنبي صلّى الله عليه وسلّم: نخرج ونحارب معك ثم يتخلّفون ويعتذرون ويفرحون بما فعلوا لأنهم يرون أنهم قد تمّت لهم الحيلة فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ كرّر «تحسبنّ» لطول الكلام ليعلم أنه يراد الأول كما تقول: لا تحسب زيدا إذا جاءك وكلّمك لا تحسبه مناصحا.
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٨٩]
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩)وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ابتداء وخبر، وكذا وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٩٠]
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ (١٩٠)إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ في موضع نصب على أنه اسم «إن» لِأُولِي خفض باللام وزيدت فيها الواو فرقا بينها وبين «إلى». الْأَلْبابِ خفض بالإضافة وحكى سيبويه «٤» عن يونس: قد لببت ولا يعرف في المضاعف سواه.
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٩١]
الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ (١٩١)الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ في موضع خفض على النعت لأولي الألباب. قِياماً وَقُعُوداً
(٢) انظر مختصر ابن خالويه ٢٣.
(٣) انظر مختصر ابن خالويه ٢٤، والبحر المحيط ٣/ ١٤٣. [.....]
(٤) انظر الكتاب ٤/ ١٤٧.
الموضوعات القرآنية للآية ١٩١ من سورة آل عمران
١٥ موضوعًا تتناولها هذه الآية
- الأدعية الواردة في القرآن الكريم
- أولو الألباب [من هم؟ وما صفاتهم]
- التعوذ بالله منها
- الجَنْب
- حبهم للّه تعالى و إلتزامهم لأوامره
- خلق الأرض
- خلقهما بعض آيات الله ودلائل قدرته
- الدعوة إلى أعماله وصولاً إلى الحق
- سمات ومقومات عباد الرحمن [الخائفون أبداً من عذاب الله]
- صيغ من التسابيح [سبحانك]
- صور من دعوات المؤمنين
- الكفر تعطيل للعقل عن تأمل الخلق لمعرفة الخالق
- الله الخالق البارىء المصوّر [آياته في خلقه دليل وجوده وقدرته]
- لم يخلق الكون باطلاً
- مدح المتفكرين في الآيات
أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور
٩ أقوال من موسوعة التفسير بالمأثور
تفسير
٤ أقوالعن عبد الله بن مسعود -من طريق جويبر، عن الضحاك- في قوله: ﴿الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم﴾، قال: إنما هذا في الصلاة، إذا لم يستطع قائمًا فقاعدًا، وإن لم يستطع قاعدًا فعلى جنبه١
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم﴾، قال: هذه حالاتك كلها، يا ابن آدم، اذكر الله وأنت قائم، فإن لم تستطع فاذكره جالسًا، فإن لم تستطع فاذكره وأنت على جنبك، يُسْرًا من الله وتخفيفًا١
عن عبد الملك ابن جُرَيْج -من طريق ابن ثور- في الآية، قال: هو ذِكْرُ الله في الصلاة، وفي غير الصلاة، وقراءة القرآن١.٢
قال مقاتل بن سليمان: ثم نعتهم، فقال سبحانه: ﴿الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا﴾، يقول: عبثًا لغير شيء، لقد خلقتهما لأمر قد كان، ﴿سبحانك فقنا عذاب النار﴾١
آثار متعلقة بالآية
٥ أقوالعن عمران بن حصين، قال: كانت بي بواسير١، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة؟ فقال: «صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب»٢
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجيح- قال: لا يكون عبد من الذاكرين الله كثيرًا حتى يذكر الله قائمًا، وقاعدًا، ومضطجعًا١
عن عبد الله بن سلام، قال: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه وهم يتفكرون، فقال: «لا تَفَكَّروا في الله، ولكن تَفَكُّروا فيما خلق»١
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- قال: تفكروا في كل شيء، ولا تفكروا في ذات الله١
عن عامر بن عبد قيس، قال: سمعت غير واحد ولا اثنين ولا ثلاثة من أصحاب محمد ﷺ يقولون: إن ضياء الإيمان أو نور الإيمان التفكر١
وقفات تدبرية في الآية ١٩١ من سورة آل عمران
٣٨ وقفةً في هذه الآية
-
إذا أردت أن تفكر في أمر مهم فاسبقه بالذكر ليصفي العقل ويصقله تأمل تقديم الذكر على الفكر في قوله{الذين يذكرون الله...} ثم قال{ ويتفكرون..}
— محمد الربيعة
-
العقل لا يتبصر ويهتدي مالم يتنور بنور ذكر الله تأمل تقديم الذكر على التفكر في قوله { الذين يذكرون الله...} ثم قال {ويتفكرون...}
— محمد الربيعة
-
قياما وقعودا وعلى جنوبهم وهم يقولون : ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار" والله ما كانوا متكبرين فيدعون الله بضمير الجمع وهم في خلواتهم وعلى جنوبهم لكنهم لم يطيقوا أن يدعوا لأنفسهم ، حتى ضموا إخوانهم معهم
— عبدالله بلقاسم
-
'ربنا ما خلقت هذا باطلا' 'ربنا إنك من تدخل النار' 'ربنا إننا سمعنا مناديا' 'ربنا فاغفر لنا' 'ربنا وآتنا' ألحّوا حتى : ' فاستجاب لهم ربهم '
— نايف الفيصل
-
"ما خلقت هذا باطلاً سُبحانك" للكون حقيقة، فهو ليس " عدماً " كما يقول المتفلسفة، وإنما يسير وفق ناموس، فليس للفوضى، ولا للصدفة فيه مجال.
— مشارى السعدون
-
التفكّر في مخلوقات الله من صفات الصالحين وأوليائه الذي قال فيهم؛ ﴿ويتفكّرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سُبحانك﴾.
— فرائد قرآنية
-
( الذين يذكرون الله ...ويتفكرون) اللهج بالذكر قادهم لدوام الفكر.
— عقيل الشمري
-
﴿ ويتفكرون في خلق السماوات والأرض﴾ قال الداراني: إني لأخرج من منزلي فما يقع بصري على شيء إلا رأيت لله علي فيه نعمة ولي فيه عبرة.
— فوائد القرآن
-
﴿ ويتفكرون في خلق السموات والأرض ﴾ قال ابن عوف : الفكرة : تذهب الغفلة ، وتحدث للقلب خشية ؛ كما يحدث الماء للزرع النماء
— روائع القرآن
-
قارن: كيف ذم الله تعالى من لا يعتبر بمخلوقاته الدالة على ذاته وصفاته وشرعه وقدره وآياته: (وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ) ، ومدح عباده المؤمنين: (لِّأُوْلِي الألباب * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) قائلين: (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً)).
— ابن كثير
-
الفكر هو مبدأ أي عمل؛ فالإنسان إنما يعمل -عادة- بعد أن يجيل فكره، وبعد أن ينظر، ثم بعد ذلك يقدم على العمل: (وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) ، فبعد أن تفكروا عملوا؛ فسألوا الله الجنة، واستعاذوا به من النار.
— خالد السبت
-
(وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) وهذا دليل على أنَّ التوسل بأفعال الله تعالى وربوبيته من أسباب إجابة الدعاء؛ فإنه قال بعد ذلك: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ)
— محمد بن صالح ابن عثيمين
و٢٦ وقفةً أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.
فتاوى متعلقة بالآية ١٩١ من سورة آل عمران
فتوى واحدة تتعلق بهذه الآية
ترجمات معاني الآية ١٩١ من سورة آل عمران
ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً
(191) Who remember Allāh while standing or sitting or [lying] on their sides and give thought to the creation of the heavens and the earth, [saying], "Our Lord, You did not create this aimlessly; exalted are You [above such a thing]; then protect us from the punishment of the Fire.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال
- الإنجليزية
- الفرنسية
- الإسبانية
- البرتغالية
- الألمانية
- الإيطالية
- التركية
- الإندونيسية
- الفلبينية
- الفارسية
- الأردية
- البنغالية
- الكردية
- البشتوية
- البوسنية
- الألبانية
- الأوكرانية
- الصينية
- الأويغورية
- اليابانية
- الكورية
- الفيتنامية
- الكازاخية
- الأوزبكية
- الأذرية
- الطاجيكية
- الهندية
- المليبارية
- الغوجراتية
- الماراتية
- التلجوية
- التاميلية
- السنهالية
- الأسامية
- الخميرية
- النيبالية
- التايلاندية
- الصومالية
- الهوساوية
- الأمهرية
- اليورباوية
- الأورومية
- الفنلندية
- ماراناو
- فلمكني (هولندية)
- النرويجية
- البولندية
- الرومانية
- الروسية
- تتاري
- السواحلية
- لغة الملايو
- تشيكي
- المالديفية
- السويدية
- العبرية
- الجورجية
- الصربية
- اللوغندية
- الإنكو بامبارا