جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿الّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكّرُونَ فِي خَلْقِ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ رَبّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النّارِ﴾.
وقوله :﴿الّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِياما وَقُعُودا﴾ من نعت «أولي الألباب »، و«الذين » في موضع خفض ردّا على قوله :«لأولي الألباب ».
ومعنى الآية : إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب، الذاكرين الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم، يعني بذلك : قياما في صلاتهم وقعودا في تشهدهم وفي غير صلاتهم وعلى جنوبهم نياما. كما :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله :﴿الّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِياما وَقُعُودا﴾. . . الاَية، قال : هو ذكر الله في الصلاة وفي غير الصلاة، وقراءة القرآن.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله :﴿الّذِينَ يَذْكُرُون الله قِياما وَقُعُودا وَعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ وهذه حالاتك كلها يا ابن آدم، فاذكره وأنت على جنبك يسرا من الله وتخفيفا.
فإن قال قائل : وكيف قيل :﴿وَعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ فعطف ب«على »، وهي صفة على القيام والقعود وهما اسمان ؟ قيل : لأن قوله :﴿وَعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ في معنى الاسم، ومعناه : ونياما أو مضطجعين على جنوبهم¹ فحسن عطف ذلك على القيام والقعود لذلك المعنى، كما قيل :﴿وَإذَا مَسّ الإنْسانَ الضّرّ دَعانا لِجَنْبِهِ أوْ قاعِدا أو قائما﴾ فعطف بقوله :﴿أوْ قاعِدا أوْ قائما﴾ على قوله :﴿لِجَنْبِهِ﴾، لأن معنى قوله : لجنبه مضطجعا، فعطف بالقاعد والقائم على معناه، فكذلك ذلك في قوله :﴿وَعَلى جُنُوبِهِمْ﴾.
وأما قوله :﴿وَيَتَفَكّرُونَ فِي خَلْقِ السّمَواتِ والأرْضِ﴾ فإنه يعني بذلك أنهم يعتبرون بصنعة صانع ذلك، فيعلمون أنه لا يصنع ذلك إلا من ليس كمثله شيء، ومن هو مالك كل شيء ورازقه، وخالق كل شيء ومدبره، من هو على كل شيء قدير، وبيده الإغناء والإفقار، والإعزاز والإذلال، والإحياء والإماتة، والشقاء والسعادة.

القول في تأويل قوله تعالى :﴿رَبّنا ما خَلَقْتَ هَذَا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذَابِ النّارِ﴾.


يعني بذلك تعالى ذكره : ويتفكرون في خلق السموات والأرض، قائلين :﴿رَبّنا ما خَلَقْتَ هَذَا باطِلاً﴾ فترك ذكر قائلين، إذ كان فيما ظهر من الكلام دلالة عليه¹ وقوله :﴿ما خَلَقْتَ هَذَا باطِلاً﴾ يقول : لم تخلق هذا الخلق عبثا ولا لعبا، لم تخلقه إلا لأمر عظيم من ثواب وعقاب ومحاسبة ومجازاة، وإنما قال : ما خلقت هذا باطلاً، ولم يقل : ما خلقت هذه، ولا هؤلاء، لأنه أراد بهذا الخلق الذي في السموات والأرض، يدل على ذلك قوله :﴿سُبْحانَكَ فَقِنا عَذَابَ النّارِ﴾ ورغبتهم إلى ربهم في أن يقيهم عذاب الجحيم، ولو كان المعنيّ بقوله :﴿ما خَلَقْتَ هَذَا باطِلاً﴾ السموات والأرض، لما كان لقول عقيب ذلك :﴿فَقِنا عَذَابَ النّارِ﴾ معنى مفهوم، لأن السموات والأرض أدلة على بارئها، لا على الثواب والعقاب، وإنما الدليل على الثواب والعقاب : الأمر والنهي¹ وإنما وصف جل ثناؤه أولي الألباب الذين ذكرهم في هذه الاَية، أنهم إذا رأوا المأمورين المنهيين، قالوا : يا ربنا لم تخلق هؤلاء باطلاً عبثا سبحانك، يعني : تنزيها لك من أن تفعل شيئا عبثا، ولكنك خلقتهم لعظيم من الأمر، لجنة أو نار. ثم فزعوا إلى ربهم بالمسألة أن يجيرهم من عذاب النار، وأن لا يجعلهم ممن عصاه وخالف أمره، فيكونوا من أهل جهنم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى