فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿الذين يَذْكُرُونَ الله قياما وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِهِمْ﴾ الموصول نعت لأولي الألباب، وقيل : هو مفصول عنه خبر مبتدأ محذوف، أو منصوب على المدح. والمراد بالذكر هنا : ذكره سبحانه في هذه الأحوال من غير فرق بين حال الصلاة، وغيرها. وذهب جماعة من المفسرين إلى أن الذكر هنا عبارة عن الصلاة، أي : لا يضيعونها في حال من الأحوال، فيصلونها قياماً مع عدم العذر، وقعوداً، وعلى جنوبهم مع العذر. قوله :﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السماوات والأرض﴾ معطوف على قوله :﴿يَذَّكَّرُونَ﴾ وقيل : إنه معطوف على الحال، أعني :﴿قياما وَقُعُوداً﴾ وقيل : إنه منقطع عن الأوّل، والمعنى : أنهم يتفكرون في بديع صنعهما، وإتقانهما مع عظم أجرامها، فإن هذا الفكر إذا كان صادقاً، أوصلهم إلى الإيمان بالله سبحانه. قوله :﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا باطلا﴾ هو على تقدير القول، أي : يقولون ما خلقت هذا عبثاً، ولهواً، بل خلقته دليلاً على حكمتك، وقدرتك. والباطل : الزائل الذاهب، ومنه قول لبيد :
ألا كل شيء ما خلا الله باطل ***. . .
وهو منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف، أي : خلقاً باطلاً، وقيل : منصوب بنزع الخافض، وقيل : هو مفعول ثان، وخلق بمعنى : جعل، أو منصوب على الحال، والإشارة بقوله :﴿هذا﴾ إلى السماوات والأرض، أو إلى الخلق على أنه بمعنى المخلوق. قوله :﴿سبحانك﴾ أي : تنزيهاً لك عما لا يليق بك من الأمور التي من جملتها أن يكون خلقك لهذه المخلوقات باطلاً. وقوله :﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ الفاء لترتيب هذا الدعاء على ما قبله.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، عن ابن عباس قال : أتت قريش اليهود، فقالوا : ما جاءكم به موسى من الآيات ؟ قالوا عصاه، ويده بيضاء للناظرين، وأتوا النصارى، فقالوا : كيف كان عيسى فيكم ؟ قالوا : كان يبرئ الأكمه، والأبرص، ويحيي الموتى، فأتوا النبي ﷺ، فقالوا : ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهباً، فدعا ربه، فنزلت :﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض﴾ الآية. وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عباس قال : بتُّ عند خالتي ميمونة، فنام رسول الله ﷺ حتى انتصف الليل، أو قبله بقليل، أو بعده بقليل، ثم استيقظ، فجعل يمسح النوم عن وجهه بيديه، ثم قرأ العشر الآيات الأواخر من سورة آل عمران حتى ختم.
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند، والطبراني، والحاكم في الكنى، والبغوي في معجم الصحابة، عن صفوان بن المعطل قال : كنت مع النبيّ ﷺ في سفر، فذكر نحوه.
وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني، من طريق جويبر، عن الضحاك، عن ابن مسعود في قوله :﴿الذين يَذْكُرُونَ الله قياما وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِهِمْ﴾ الآية، قال : إنما هذه في الصلاة إذا لم يستطع قائماً، فقاعداً، وإن لم يستطع قاعداً، فعلى جنبه. وقد ثبت في البخاري من حديث عمران بن حصين قال :«كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة، فقال :" صلّ قائماً، فإن لم تستطع، فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب " وثبت فيه عنه قال :«سألت رسول الله ﷺ، عن صلاة الرجل، وهو قاعد، فقال :" من صلى قائماً، فهو أفضل، ومن صلى قاعداً، فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائماً، فله نصف أجر القاعد " وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في الآية قال : هذه حالاتك كلها يا ابن آدم، اذكر الله، وأنت قائم، فإن لم تستطع، فاذكره جالساً، فإن لم تستطع جالساً، فاذكره، وأنت على جنبك، يسر من الله، وتخفيف.
وأقول هذا التقييد الذي ذكره بعدم الاستطاعة مع تعميم الذكر لا وجه له لا من الآية، ولا من غيرها، فإنه لم يرد في شيء من الكتاب، والسنة ما يدل على أنه لا يجوز الذكر من قعود إلا مع عدم استطاعة الذكر من قيام، ولا يجوز على جنب إلا مع عدم استطاعته من قعود، وإنما يصلح هذا التقييد لمن جعل المراد بالذكر هنا : الصلاة، كما سبق عن ابن مسعود.
وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن حبان في صحيحه، وابن مردويه، عن عائشة مرفوعاً :" ويل لمن قرأ هذه الآية، ولم يتفكر فيها ". وأخرج ابن أبي الدنيا في التفكر عن سفيان رفعه " من قرأ آخر سورة آل عمران، فلم يتفكر فيها، ويله فعدّ أصابعه عشراً " قيل للأوزاعي : ما غاية التفكر فيهنّ ؟ قال : يقرأهنّ، وهو يعقلهنّ. وقد وردت أحاديث، وآثار عن السلف في استحباب التفكر مطلقاً.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أنس في قوله :﴿مَنْ تُدْخِلِ النار فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ قال : من تخلد. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن سعيد بن المسيب في الآية قال : هذه خاصة بمن لا يخرج منها. وأخرج ابن جرير، والحاكم، عن عمرو بن دينار قال : قدم علينا جابر بن عبد الله في عمرة، فانتهيت إليه أنا، وعطاء فقلت :
﴿وَمَا هُم بخارجين مِنَ النار﴾ [البقرة: ١٦٧] قال : أخبرني رسول الله ﷺ أنهم الكفار، قلت لجابر : فقوله :﴿إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النار فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ قال : وما أخزاه حين أحرقه بالنار، وإن دون ذلك خزياً.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن جريج في قوله :﴿مُنَادِياً يُنَادِى للإيمان﴾ قال : هو محمد ﷺ. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد مثله. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب القرظي قال : هو القرآن، ليس كل أحد سمع النبي ﷺ. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن جريج في قوله :﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ﴾ قال : يستنجزون موعد الله على رسله. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ القيامة﴾ قال : لا تفضحنا.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى