لم يذكر ابنُ جرير (٢٢/١٩٧-١٩٩) غير قول ابن زيد، وقول قتادة، ومجاهد، وعبد الرحمن بن أبزى. وقال ابنُ عطية (٨/١٦٥): «وخصّ ذِكر المشرقين والمغربين بالتشريف في إضافة الرّب إليهما لعِظمهما في المخلوقات، وأنهما طرفا آية عظيمة وعِبرة، وهي الشمس وجريها. وحكى النّقاش: أنّ المشرقين مَشرِقا الشمس والقمر، والمَغرِبين كذلك على ما في ذلك من العِبر». وعلّق على ذلك بقوله: «وكلٌّ مُتَّجِه». ثم علّق قائلًا: «ومتى ذُكر المشرقان والمغربان فهي إشارة إلى نهايتي المشارق والمغارب؛ لأنّ ذِكر نهايتي الشيء ذِكر لجميعه»
قال مقاتل بن سليمان: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هُوَ المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ نزلت في نصارى نجران الماريَعقوبيين، منهم السيد والعاقب وغيرهما، ﴿قُلْ﴾ لهم، يا محمد: ﴿فَمَن يَمْلِكُ﴾ فمَن يقدر أن يمتنع ﴿مِنَ الله شَيئًا﴾ من شيء من عذابه ﴿إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ ومَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ بعذاب، أو بموت، فمَن الذي يحول بينه وبين ذلك. ثم عظَّم الرَّبُّ -جل جلاله- نفسَه عن قولهم حين قالوا: إنّ الله هو المسيح ابن مريم. فقال سبحانه: ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأَرْضِ﴾ يقول: إليه سلطان السموات والأرض، ﴿وما بَيْنَهُما﴾ من الخلق، ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ يعني: عيسى شاء أن يخلقه من غير بشر، ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ من خلق عيسى من غير بشر وغيره من الخلق قدير. مثلها في آخر السورة
قال يحيى بن سلّام: أي: وهم لا يُبْتَلُون بالجهاد في سبيل الله، وذلك أن قومًا كانوا بمكة ممن أسلم كان قد وُضع عنهم الجهاد والنبي عليه السلام بالمدينة بعد ما افْتُرِضَ الجهاد، وقُبِلَ منهم أن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ولا يجاهدوا، ثم أُذن لهم في القتال حين أخرجهم أهل مكة، فقال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩]، فلما أُمِرُوا بالجهاد كره قوم القتال، فقال الله تبارك وتعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أيْدِيَكُمْ وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ إذا فَرِيقٌ مِنهُمْ يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أوْ أشَدَّ خَشْيَةً وقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ لَوْلا أخَّرْتَنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ٧٧]، وأنزل في هذه السورة: ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾
قال ابنُ جرير (٦/٤٥٧-٤٥٩ بتصرف): «وقد ذُكِرَ أنّ هذه الآية نزلت على النبي ﷺ تبيينًا مِن الله الواجبَ مِن الحكم في ميراث مَن مات وخلّف ورَثَةً على ما بيَّن؛ لأنّ أهل الجاهلية كانوا لا يقسمون مِن ميراث الميت لأحد مِن ورثته بعده مِمَّن كان لا يُلاقي العدوَّ، ولا يُقاتِل في الحروب مِن صغار ولده، ولا للنساء منهم. وكانوا يَخُصُّون بذلك المُقاتِلة دون الذرية. فأخبر الله -جل ثناؤه- أن ما خلفه الميت بين مَن سَمّى وفرض له ميراثًا في هذه الآية، وفي آخر هذه السورة، فقال في صغار ولد الميت وكبارهم وإناثهم: لهم ميراث أبيهم، إذا لم يكن له وارِثٌ غيرُهم، للذكر مثل حظ الأنثيين. وقال آخرون: بل نزل ذلك مِن أجل أنّ المال كان للولد قبل نزوله، وللوالدين الوصية، فنسخ الله -تبارك وتعالى- ذلك بهذه الآية»
انتقد ابنُ كثير (١٠/٣٨٧) مستندًا إلى أحوال النزول، وعدم الدليل النقلي الثابت، بأن يكون سبب نزول هذه الآية في شعراء الأنصار؛ فقال بعد أن ذكر رواية أبي الحسن، وعروة في نزول الآية، وحكى عن ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، وزيد بن أسلم قولهم: إنّ هذا استثناء مما تقدم: «ولا شك أنه استثناء، ولكن هذه السورة مكية، فكيف يكون سبب نزول هذه الآية في شعراء الأنصار؟! في ذلك نظر، ولم يتقدم إلا مرسلات لا يعتمد عليها». ولكنه رجَّح عموم معنى الاستثناء في الآية لهم ولغيرهم، فقال: «ولكن هذا الاستثناء يدخل فيه شعراء الأنصار وغيرهم، حتى يدخل فيه مَن كان مُتَلَبِّسًا مِن شعراء الجاهلية بذمِّ الإسلام وأهله، ثم تاب وأناب، ورجع وأقلع، وعمل صالحًا، وذكر الله كثيرًا في مقابلة ما تقدم من الكلام السَّيئ، فإنّ الحسنات يذهبن السيئات، وامتدح الإسلام وأهله في مقابلة ما كذب بذمه»
عن أبي سعيد الخدريِّ، وعبد الله بن مسعود، مرفوعًا، قال: «إنّ عيسى ابن مريم أسْلَمَتْهُ أُمُّه إلى الكُتّاب ليُعَلّمَه، فقال له المُعَلِّم: اكتب: باسم الله. قال له عيسى: وما باسم الله؟ قال له المعلم: ما أدري. قال له عيسى: الباءُ بهاءُ الله، والسينُ سناؤُه، والميم مملكتُه. واللهُ: إلهُ الآلهة. والرحمنُ: رحمنُ الآخرة والدنيا. والرحيمُ: رحيمُ الآخرة. أبو جاد: الألفُ آلاءُ الله، والباءُ بهاءُ الله، جيمٌ جَلالُ الله، دالٌ اللهُ الدائم. هَوَّز: الهاءُ الهاويةُ، واوٌ ويلٌ لأهل النّارِ وادٍ في جهنّم، زاي زِيِّ أهل الدّنيا. حُطِّي: حاءٌ اللهُ الحليم، طاءٌ اللهُ الطالب لكل حقٍّ حتّى يَرُدَّه، [والياءُ] آيُ أهل النّارِ، وهو الوَجَعُ. كَلَمُن: الكافُ اللهُ الكافي، لامٌ اللهُ القائم، ميمٌ الله المالك، نونٌ نونُ البحر. صَعْفَص: صادٌ اللهُ الصادق، عينٌ الله العالم، فاءٌ اللهُ -ذكر كلمةً-، صادٌ اللهُ الصمد. قَرَسَت: قافٌ الجبلُ المحيطُ بالدّنيا الَّذي اخضرت منه السّماء، راءٌ رياءُ النّاس بها، سينٌ سترُ الله، تاءٌ تمّت أبدًا». (٣/٥٥١-٥٥٢)
عن حمزة الزيّات، قال: خرجتُ ذاتَ ليلةٍ أريد الكوفةَ، فآواني الليلُ إلى خَرِبة، فدخلتُها، فبينا أنا فيها دخل عليَّ عفريتان مِن الجنِّ، فقال أحدُهما لصاحبه: هذا حمزةُ بنُ حبيب الزَّيّاتُ الذي يُقْرِئُ الناسَ بالكوفة؟ قال: نعم، واللهِ، لأَقْتُلَنَّهُ. قال: دَعْهُ المسكينَ يعيشُ. قال: لأَقْتُلَنَّه. فلمّا أزْمَعَ على قتلي قلتُ: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم﴾، وأنا على ذلك من الشاهدين. فقال له صاحبه: دونَك الآنَ، فاحفَظْهُ راغِمًا إلى الصّباح
عن زيد بن أسلم -من طريق ابنه عبد الرحمن-: أنّ عبد الله بن رواحة ضافَه ضيفٌ مِن أهله وهو عند النبي ﷺ، ثم رجَع إلى أهله فوجَدهم لم يُطْعِموا ضيفَهم انتظارًا له، فقال لامرأته: حبَسْتِ ضيفي مِن أجلي! هو حرامٌ عَلَيَّ. فقالتِ امرأتُه: هو عليَّ حرامٌ. قال الضيفُ: هو عَلَيَّ حرامٌ. فلمّا رأى ذلك وضَعَ يدَه، وقال: كُلُوا بسم الله. ثم ذهب إلى النبي ﷺ، فأخبره، فقال رسول الله ﷺ: «قد أصبتَ». فأنزل الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: (لا يُحِبُّ اللهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلّا مَن ظَلَمَ)، فقرأ: ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار﴾ حتى بلغ: ﴿وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما﴾. ثم قال -بعد ما قال: هم في الدرك الأسفل من النار-: ﴿ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما﴾، (لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلّا مَن ظَلَمَ) قال: لا يحب اللهُ أن يقول لهذا: ألستَ نافقتَ؟ ألستَ المنافق الذي ظلمتَ وفعلتَ
عن ربيعة الجُرَشيّ أنّه قام في الناس يومًا، فقال: اتَّقُوا الله في السرائر، وما تُرْخى عليه الستور، ما بال أحدكم ينزع عن الخطيئة للنَّبَطِيِّ يَمُرُّ به، والأَمَةِ مِن إمائه، والله تعالى يقول: ﴿أفمنْ هو قائمٌ على كل نفس بما كسبت﴾. ويحكم! فأجِلُّوا مقامَ الله، ما يأمَنُ أحدكم أن يمسَخَه قردًا أو خنزيرًا بمعصيته إيّاه، فإذا هو خِزْيٌ في الدنيا وعقوبة في الآخرة. فقال رجلٌ مِن القوم: واللهِ الذي لا إله إلا هو، لَيَكُونَنَّ ذاك، يا ربيعة. فنظر القوم مَنِ الحالف، فإذا هو عبدُ الرحمن بنُ غَنْمٍ