سورة الفرقان — الآية ٦٣

عن الحسن البصري -من طريق يحيى بن المختار- في قوله: ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما﴾، قال: إنّ المؤمنين قومٌ ذُلُلٌ، ذَلَّت منهم -واللهِ- الأسماعُ والأبصارُ والجوارحُ، حتى يحسبهم الجاهلُ مرضى، وإنّهم لَأصِحّاء القلوب، ولكن دخلهم مِن الخوف ما لم يدخل غيرَهم، ومنعهم من الدنيا عِلْمُهم بالآخرة، فقالوا: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن. واللهِ، ما حزنهم حزن الدنيا، ولا تعاظم في أنفسهم ما طلبوا به الجنة، أبكاهم الخوف من النار، وإنّه مَن لم يَتَعَزَّ بعزاء الله تقطع نفسه على الدنيا حسرات، ومَن لم ير لله عليه نعمة إلا في مطعم ومشرب فقد قلَّ عِلْمُه، وحضر عذابه

سورة الحجر — الآية ٢

عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا اجتمع أهلُ النار في النار، ومعَهُم مَن شاء الله مِن أهل القبلة؛ قال الكُفّار للمسلمين: ألم تكونوا مسلمين؟ قالوا: بلى. قالوا: فما أغنى عنكم الإسلامُ وقد صِرتُم معنا في النار؟ قالوا: كانت لنا ذنوبٌ، فأُخِذنا بها. فسمِع الله ما قالوا، فأمر بكل مَن كان في النار مِن أهل القبلة، فأُخرِجوا، فلمّا رأى ذلك مَن بقي مِن الكُفّار قالوا: يا ليتنا كُنّا مسلمين؛ فنخرج كما خرجوا». ثم قرأ رسول الله ﷺ: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿الر تلك ءايات الكتاب وقرءان مبين * ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين﴾»

سورة الصافات — الآية ٢٤

عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- قال: يحشر اللهُ الجنَّ والإنس إلى صُقع من الأرض، فيأخذون مقامهم منها، ثم ينزل الله سِبطًا مِن الملائكة، فيطيفون بالجن والإنس -أي: يُحْدِقون بهم-، ثم ينزل الله سبطًا من الملائكة، يطيفون بالملائكة وبالجن والإنس، ثم ينزل سبطًا ثالثًا، ورابعًا، وخامسًا، وسادسًا، وينزل الله سبحانه وتعالى في السبط السابع، مجتنباه جهنم، فإذا رأوه الخلائق ابْذَعَرُّوا فرارًا، فيقول: ﴿وقِفُوهُمْ إنَّهُمْ مَسْئُولُونَ * ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ * بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾. فينادي: ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأَرْضِ فانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إلّا بِسُلْطانٍ﴾ [الرحمن:٣٣]

سورة الجاثية — الآية ٢٧

عن عبد الله بن عمر، أنه مرَّ على قومٍ وعليه بُردة حمراء حسناء، فقال رجل مِن القوم: إنْ أنا سلبتُه بُردته، فما لي عندكم؟ فجعلوا له شيئًا، فأتاه، فقال: يا أبا عبد الرحمن، بُردتك هذه لي. فقال: إنِّي اشتريتها أمس. قال: قد أعلمتُك، وأنت في حرجٍ مِن لُبسها. فخلعها ليدفعَها إليه، فضحك القوم، فقال: ما لكم؟ فقالوا: هذا رجل بَطَّالٌ. فالتفت إليه، فقال له: يا أخي، أما علمتَ أنّ الموت أمامك لا تدري متى يأتيك صباحًا أو مساء، ليلًا أو نهارًا، ثم القبر، وهوْل المُطَّلَعِ، ومُنكر ونكير، وبعد ذلك القيامة، يومٌ يخسر فيه المبطلون. فأبكاهم، ومضى

اختُلِف في قوله: ﴿لم نجعل له من قبل سميا﴾؛ فقال قوم: معناه:لم تلد مثله عاقر قط. وقال آخرون: لم نجعل له من قبله مِثْلًا. وقال غيرهم: معنى ذلك: أنّه لم يسم باسمه أحد قبله. ورجَّح ابنُ جرير (١٥‏/‏٤٦٣) مستندًا إلى اللغة القولَ الأخير الذي قاله ابن عباس، وقتادة، وابن جريج، والسدي، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، فقال: «والسّمي: فعيل، صُرِف من»مفعول«إليه». ووجَّهَ ابنُ عطية (٦‏/‏١٠) القول الثاني الذي قاله مجاهد، فقال: «وهذا كأنه من المساماة، والسمو». ثم انتقده مستندًا للواقع، فقال: «وفي هذا بُعْد؛ لأنه لا يُفضل على إبراهيم وموسى عليهما السلام، إلاّ أن يفضل في السؤود والحصر»

ذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٤٩٤) أنّ قوله تعالى: ﴿مِن فِضَّةٍ﴾ يَقتضي أنها من زجاج ومن فِضّة، ثم قال: «وذلك متمكن؛ لكونه من زجاج في شفوفه ومن فِضّة في جوهره، وكذلك فِضّة الجنة شفافة». ونقل ابنُ القيم (٣‏/‏٢٣٦) أنّ ابن قتيبة قال: الآية على التشبيه، أراد: قوارير كأنها من فِضّة، وهذا كقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن:٥٨]، أي: لهنّ ألوان المرجان في صفاء الياقوت. وانتقده مستندًا للغة، فقال: «وهذا مردود عليه؛ فإنّ الآية صريحة أنها من فِضّة، و﴿مِن﴾ ههنا لبيان الجنس كما تقول: خاتم من فِضّة. ولا يُراد بذلك أنه يُشبه الفِضّة، بل جنسه ومادته الفِضّة»

سورة الكوثر — الآية ١

عن عبد الله بن عباس، أنّ نافع بن الأزرق قال له: أخبِرني عن قوله تعالى: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾. قال: نهر في بُطنان الجنة، حافتاه قِباب الدُّرّ والياقوت، فيه أزواجه وخدمه. قال: وبأيِّ شيء ذُكر ذلك؟ قال: إنّ رسول الله ﷺ دخل باب المروة، وخرج من باب الصفا، فاستقبله العاصي بن وائل السهمي، فرجع العاصي إلى قريش، فقالت له قريش: مَن استقبلك -يا أبا عمرو- آنفًا؟ قال: ذلك الأَبْتَر. يريد به: النبيَّ ﷺ، فما برح النبي ﷺ حتى أنزل الله هذه السورة: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ إنَّ شانِئَكَ هُوَ الأَبْتَر﴾، يعني: عدوّك العاصي بن وائل الأَبْتَر من الخير؛ لا أُذكر في مكان إلا ذُكرتَ معي، يا محمد، فمَن ذكرني ولم يذكرك ليس له في الجنة نصيب. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعتَ حسّان بن ثابت يقول: وحَباه الإلهُ بالكوثرِ الأكــ ـبرِ فيه النعيمُ والخيرات؟

قال ابن جرير (٢١‏/‏٤٠٣-٤٠٤): «في هذا الكلام متروكٌ استُغْنِي بدلالة ما ذُكر عليه مِن ذكره، وذلك أنّ الله دلّ بخبره عن تكذيب هؤلاء المشركين الذين ابتدأ هذه السورة بالخبر عن تكذيبهم رسوله محمدًا ﷺ بقوله: ﴿بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب﴾ على وعيده إيّاهم على تكذيبهم محمدًا ﷺ، فكأنه قال لهم -إذ قالوا منكرين رسالة الله رسوله محمدًا ﷺ: ﴿هذا شيء عجيب﴾-: ستعلمون -أيها القوم- إذا أنتم بُعثتم يوم القيامة ما يكون حالكم في تكذيبكم محمدًا ﷺ، وإنكاركم نبوته. فقالوا مجيبين رسول الله ﷺ: ﴿أئذا متنا وكنا ترابا﴾ نعلم ذلك، ونرى ما تعِدنا على تكذيبك ﴿ذلك رجع بعيد﴾ أي: أن ذلك غير كائن، ولسنا راجعين أحياء بعد مماتنا. فاستغني بدلالة قوله: ﴿بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب﴾ مِن ذِكر ما ذكرت مِن الخبر عن وعيدهم». ثم ذكر أن قول الضَّحّاك فيه دلالة على صحة ما قاله مِن أنهم أنكروا البعث إذا تُوعّدوا به

قال ابنُ عطية (٨‏/‏٣٢٦-٣٢٧ بتصرف): «اختُلف في البداية بالنبي، ثم قوله تعالى بعد ذلك: ﴿طلَّقتم﴾؛ فقال بعض النحويين -حكاه الزهراوي-: ذلك خروج من مخاطبة أفراد إلى مخاطبة جماعة، وهذا موجود. وقال آخرون منهم: إنّ نداء النبي ﷺ أُريدت أُمّته معه، فلذلك قال تعالى: ﴿طلَّقتم﴾. وقال آخرون منهم: إنّ المعنى: يا أيها النبي قل لهم: ﴿إذا طلَّقتم﴾. وقال آخرون: إنه من حيث يقول الرجل العظيم: فعلنا، وضَعْنا، خُوطب النبي ﷺ في هذه بـ﴿طلَّقتم﴾ إظهارًا لتعظيمه، وهذا على نحو قوله تعالى في عبد الله بن أبيّ: ﴿هم الذين يقولون﴾ [المنافقون:٧] إذا كان قوله مما يقوله جماعة، فكذلك النبي في هذه الآية ما يُخاطب به فهو خطاب لجماعة. والذي يظهر لي في هذا أنهما خطابان مفترقان، خُوطب النبي على معنى تنبيه لسماع القول وتلقِّي الأمر، ثم قيل له: ﴿إذا طلَّقتم﴾ أي: أنت وأُمّتك، فقوله: ﴿إذا طلَّقتم﴾ ابتداء كلام لو ابتدأ السورة به. وطلاق النساء حَلُّ عِصمتهنّ»

سورة إبراهيم — الآية ٤٨

عن أبي سعيد الخدريِّ، قال: قال رسول ﷺ: «تكون الأرضُ يوم القيامة خُبزةً واحدةً، يتكفَّؤُها الجبّارُ بيده، كما يَتَكَفَّأُ أحدُكم خُبزَته في السُّفرة، نُزُلًا لأهل الجنة». قال: فأتاه رجلٌ مِن اليهود، فقال: بارَكَ الرحمنُ عليك، أبا القاسم، ألا أُخْبِرُك بنُزُلِ أهل الجنة يوم القيامة؟ قال: تكونُ الأرض خُبزةً واحدةً يوم القيامة، كما قال رسول الله ﷺ. قال: فنظر إلينا رسولُ الله ﷺ، ثم ضحك حتى بدت نواجِذه، ثم قال: ألا أُخْبِرُك بإدامِهم؟ قال: «بلى». قال: إدامُهم بالامُ ونُون. قالوا: ماهذا؟ قال: «هذا ثورٌ ونُونٌ، يأكلُ من زائدة كبدها سبعون ألفًا»