سورة البقرة — الآية ٢

قال مقاتل بن سليمان: لَمّا سمع أبو ياسر بن أخْطَب اليهودي بهؤلاء الآيات قال لأخيه جُدَيّ بن أخطب: لقد سمعتُ من محمد كلمات أنزلهن الله على موسى بن عمران. فقال جُدَيٌّ لأخيه: لا تَعْجَل حتى تَتَثَبَّتَ في أمره. فعَمَدَ أبو ياسر وجُدَيُّ ابنا أخْطَب، وكعب بن الأشرف، وكعب بن أُسَيْد، ومالك بن الضَّيْف، وحُيَيّ بن أخْطَب، وسعيد بن عمرو الشاعر، وأبو لُبابة بن عمرو، ورؤساء اليهود، فأتَوُا النبي - ﷺ -، فقال جُدَيٌّ للنبي - ﷺ -: يا أبا القاسم، أخْبَرَني أبو ياسر بكلمات تقولهنَّ آنفًا. فقرأهنَّ النبي - ﷺ -، فقال جُدَيٌّ: صدقتم، أمّا ﴿الم (١) ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين (٢) الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون﴾ فنحن هم، وأما ﴿الذين يؤمنون بما أنزل إليك﴾ فهو كتابك، ﴿وما أنزل من قبلك﴾ فهو كتابنا، ﴿وبالآخرة هم يوقنون (٤) أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون﴾ فأنتم هم، قد آمنتم بما أُنزِل إليكم وإلينا، وآمنتم بالجنة والنار، فآيتان فينا، وآيتان فيكم. ثم قالوا للنبي - ﷺ -: نَنشُدُكَ بالله أنّها نزلت عليك من السماء؟ فقال النبي - ﷺ -: «أشهد بالله أنها نزلت عَلَيَّ من السماء». فذلك قوله سبحانه في يونس: ﴿ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي﴾، يعني: ويستخبرونك أحق هو؟ ﴿قل إي وربي﴾ يعني: بلى وربي، ﴿إنه لحق﴾.... فآيتان من أول هذه السورة نزلتا في أصحاب النبي - ﷺ - المهاجرين والأنصار، والآيتان اللتان تلِيانِهِما نزلتا في مشركي العرب، وثلاث عشرة آية في المنافقين من أهل التوراة

رجَّحَ ابن جرير (١/٥٩٠-٥٩١) مُسْتَدِلًّا بالسياقِ، وأقوالِ الحجّة من أهل التأويلِ أن يكون المقصود بقوله: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ أي: بيان من أمري وطاعتي، ورشادٌ إلى سبيلي وديني، فقال: «وقول أبي العالية في ذلك، وإن كان وجهًا من التأويل تحتمله الآية؛ فأقرب إلى الصواب منه عندي، وأشبه بظاهر التلاوة أن يكون تأويلها: فإما يأتينكم مني، يا معشر من أهبطتُه إلى الأرض من سمائي، وهو آدم وزوجته وإبليس، كما قد ذكرنا قبلُ في تأويل الآية التي قبلها: إما يأتينكم مني بيان من أمري وطاعتي، ورشاد إلى سبيلي وديني، فمن اتَّبعه منكم فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وإن كان قد سلف منهم قبل ذلك إليَّ معصية، وخلاف لأمري وطاعتي. يعرِّفهم بذلك -جَلَّ ثناؤه- أنّه التائب على من تاب إليه من ذنوبه، والرحيم لمن أناب إليه، كما وصف نفسه بقوله: ﴿إنه هو التواب الرحيم﴾، وذلك أن ظاهر الخطاب بذلك إنما هو للذين قال لهم -جلَّ ثناؤه-: ﴿اهبطوا منها جميعا﴾، والذين خُوطِبوا به هم مَن سمَّينا في قول الحُجَّة من الصحابة والتابعين الذين قد قَدَّمنا الرواية عنهم. وذلك وإن كان خطابًا من الله -جلَّ ذِكْرُه- لِمَن أُهبِط حينئذ من السماء إلى الأرض، فهو سنة الله في جميع خلقه، وتعريف منه بذلك للذين أخبر عنهم في أول هذه السورة بما أخبر عنهم في قوله: ﴿إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون﴾ [البقرة:٦]، وفي قوله: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين﴾ [البقرة:٨]، وأنّ حكمه فيهم إن تابوا إليه وأنابوا واتبعوا ما أتاهم من البيان من عند الله على لسان رسوله محمد ﷺ، أنّهم عنده في الآخرة مِمَّن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وأنّهم إن هلكوا على كفرهم وضلالتهم قبل الإنابة والتوبة كانوا من أهل النار المُخَلَّدين فيها»

أفادت الآثار اختلاف المفسرين في المعنيِّ بـ﴿هَؤُلاءِ﴾، والمعنيِّ بالقوم الموكَّلين بها على أقوال: الأول: فإن يكفر بها كفار قريش، فقد وكَّلنا بها الأنصار. وهو قول قتادة من طريق أبي هلال، والضحاك، والسدي، وابن جريج، وابن عباس. الثاني: فإن يكفر بها أهل مكة، فقد وكَّلنا بها الملائكة. وهو قول أبي رجاء العطاردي. الثالث: فإن يكفر بها كفار قريش، فقد وكَّلنا بها الأنبياء الذين ذُكِروا في الآيات السابقة. وهو قول قتادة من طريق معمر. وقد رجَّح ابنُ جرير (٩‏/‏٣٩٠) مستندًا إلى السياق القول الثالث، وقال معلِّلًا: «وذلك أنّ الخبر في الآيات قبلها عنهم مضى، وفي التي بعدها عنهم ذُكِر، فما بينها بأن يكون خبرًا عنهم أوْلى وأحقُّ من أن يكون خبرًا عن غيرهم». واختار ابنُ القيم (١‏/‏٣٥٤-٣٥٥) الجمع بين هذه الأقوال كلها عدا القول بكون القوم الموكلين بها هم الملائكة، مستندًا إلى زمن النزول، فقال: «السورة مكية، والإشارة بقوله: ﴿هَؤُلاءِ﴾ إلى مَن كفر به من قومه أصلًا، ومَن عداهم تبعًا، فيدخل فيها كلُّ مَن كفر بما جاء به من هذه الأمة، والقوم الموكَّلون بها هم الأنبياء أصلًا، والمؤمنون بهم تبعًا، فيدخل كل مَن قام بحفظها، والذبِّ عنها، والدعوة إليها، وهذا ينتظم في الأقوال التي قيلت في الآية». وانتقد مستندًا إلى السياق، ونظائر القرآن قولَ من قال: إنهم الملائكة، فقال: «وأما قول من قال: إنهم الملائكة، فضعيف جدًّا لا يدل عليه السياق، وتأباه لفظة ﴿قَوْمًا﴾؛ إذ الغالب في القرآن، بل المطرد تخصيص القوم ببني آدم دون الملائكة، وأما قول إبراهيم لهم: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات:٢٥] فإنّما قاله لَمّا ظنهم من الإنس»

اختُلِف في تأويل قوله تعالى:﴿والذين هم به مشركون﴾ على ثلاثة أقوال: الأول: والذين هم بالله مشركون. وهو قول مجاهد، والضحاك. والثاني: مشركو الشيطان في أعمالهم. وهو قول الربيع. والثالث: والذين هم لأجل الشيطان وبسببه مشركون. ورجَّحَ ابنُ جرير (١٤‏/‏٣٦١-٣٦٢) القولَ الأولَ استنادًا إلى القرآن، وقال مُعَلِّلًا اختياره، ومسْتَدْرِكًا على القول الثاني: «ذلك أن الذين يتولون الشيطان إنما يشركونه بالله في عبادتهم، وذبائحهم، ومطاعمهم، ومشاربهم، لا أنهم يشركون بالشيطان، ولو كان معنى الكلام ما قاله الربيع لكان التنزيل: الذين هم مشركوه. ولم يكن في الكلام ﴿به﴾، فكان يكون لو كان التنزيل كذلك: والذين هم مشركوه في أعمالهم، إلا أن يوجِّه مُوَجِّه معنى الكلام إلى أن القوم كانوا يدينون بألوهة الشيطان، ويشركون الله به في عبادتهم إياه، فيصِحُّ حينئذ معنى الكلام، ويخرج عما جاء التنزيل به في سائر القرآن، وذلك أن الله تعالى وصف المشركين في سائر سور القرآن أنهم أشركوا بالله ما لم ينزل به عليهم سلطانًا، وقال في كل موضع تقدم إليهم بالزجر عن ذلك: لا تشركوا بالله شيئًا، ولم نجد في شيء من التنزيل: لا تشركوا الله بشيء، ولا في شيء من القرآن خبرًا من الله عنهم أنهم أشركوا الله بشيء، فيجوز لنا توجيه معنى قوله: ﴿والذين هم به مشركون﴾ إلى: والذين هم بالشيطان مشركو الله، فبين إذًا -إذ كان ذلك كذلك- أن الهاء في قوله: ﴿والذين هم به﴾ عائدة على»الرب«في قوله: ﴿وعلى ربهم يتوكلون﴾». وذَهَبَ ابنُ عطية (٥‏/‏٤٠٧) إلى القول الثالث مستندًا إلى اللغة، حيث قال عن الضمير في ﴿به﴾: «الظاهر أنه يعود على اسم إبليس، بمعنى من أجله وبسببه، كما تقول لمعلمك: أنا عالم بك. أي: بسببك، فكأنه قال: والذين هم بسببه مشركون بالله»

اختُلف هل علم النبي ﷺ بقدوم الجن عليه أم لا؟ وساق ابنُ عطية (٧‏/‏٦٣١) القولين، ثم رجَّح أنّ الوفد الوارد ذكره هنا غير الوفد المشار إليه في سورة الجن، فقال: «والتحرير في هذا أن النبي ﷺ جاءه جنٌّ دون أن يعرف بهم، وهم المتفرّقون من أجل الرّجم، وهذا هو قوله تعالى: ﴿قل أوحي إلي﴾ [الجن:١]، ثم بعد ذلك وفد عليه وفد، وهو المذكور صرْفه في هذه الآية». ولم يذكر مستندًا. وساق ابنُ كثير (١٣‏/‏٣١-٣٢) آثارًا تدل على عدم علم النبي بهم حال قراءته، وبيّن أنّ ما يعارضها مِن آثار تقتضي علمه، فيُحتمل أنه كان في مرة أخرى؛ إذ تكاثر الروايات يدل على تكرار توافد الجن عليه، فقال: «فأما ما رواه البخاري ومسلم جميعًا، [وهو حديث ابن مسعود الآتي في الآثار المتعلقة بالآيات أن شجرة آذنت الني ﷺ بالجن] فيحتمل أن يكون هذا في المرة الأولى، ويكون إثباتًا مقدمًا على نفي ابن عباس المذكور في تفسير الآية من طريق العوفي، ويحتمل أن يكون هذا في بعض المرات المتأخرات، والله أعلم. ويحتمل أن يكون في الأولى ولكن لم يشعر بهم حال استماعهم حتى آذَنَته بهم الشجرة، أي: أعلمته باستماعهم». وعلَّق (١٣‏/‏٤٢) على ما جاء عن ابن مسعود من اختلاف في الروايات بأنه يحتمل الآتي: أنه لم يكن مع رسول الله ﷺ حال مخاطبته الجنّ ودعائه إياهم، وإنما كان بعيدًا منه، ولم يخرج مع النبي ﷺ أحد سواه، ومع هذا لم يشهد حال المخاطبة. الثاني: أن يكون أول مرّة خرج إليهم لم يكن معه ابن مسعود ولا غيره، ثم بعد ذلك خرج معه ليلة أخرى. وعلَّق ابن عطية (٧‏/‏٦٣٢) على ما روي عن ابن مسعود بقوله: «واضطربت الروايات عن عبد الله بن مسعود... فاختصرتُ هذه الروايات وتطويلها؛ لعدم صحتها»

سورة النساء — الآية ٤٣

قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾، لَمّا نزلت هذه الآيةُ قال النبي ﷺ: «قد قدَّم الله عز وجل تحريم الخمر إلينا». وذلك أنّ عبد الرحمن بن عوف الزهري صنع طعامًا، فدعا أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعليًّا، وسعد بن أبى وقاص -رحمهم الله جميعًا-، فأكلوا، وسقاهم خمرًا، فحضرت صلاة المغرب، فأمَّهم عليُّ بن أبي طالب، فقرأ: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾، فقال في قراءته: نحن عابدون ما عبدتم. فأنزل الله عز وجل في علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأصحابه: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾ في صلاتكم. فتركوا شربها إلا من بعد صلاة الفجر إلى الضحى الأكبر، فيُصَلُّون الأولى وهم أصحياء. ثُمَّ إنّ رجلًا مِن الأنصار يُسَمّى: عتبان بن مالك دعا سعد بن أبى وقاص إلى رأس بعيرٍ مشوِيٍّ، فأكلا، ثم شربا فسكِرا، فغضب الأنصاريُّ، فرفع لَحْيَ البعير، فكسر أنف سعد؛ فأنزل الله عز وجل تحريم الخمر في المائدة بعد غزوة الأحزاب، ثم قال سبحانه: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾

سورة البقرة — الآية ١٥٨

عن عائشة -من طريق عروة- قالت: كان رجال من الأنصار مِمَّن كان يُهِلُّ لِمَناة في الجاهلية -ومَناة صَنَمٌ بين مكة والمدينة- قالوا: يا نبي الله، إنّا كُنّا لا نطوف بين الصفا والمروة تعظيمًا لمناة، فهل علينا من حرج أن نطوف بهما؟ فأنزل الله: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ الآية. قال عروة: فقلت لعائشة: ما أُبالِي أن لا أطوف بين الصفا والمروة؛ قال الله: ﴿فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾. فقالت: يا ابن أختي، ألا ترى أنه يقول: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾. قال الزُّهْرِي: فذكرتُ ذلك لأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. فقال: هذا العلم. قال أبو بكر: ولقد سمعتُ رجالًا من أهل العلم يقولون: لَمّا أنزل الله الطواف بالبيت، ولم ينزل الطواف بين الصفا والمروة؛ قيل للنبي ﷺ: إنّا كنا نطوف في الجاهلية بين الصفا والمروة، وإنّ الله قد ذكر الطواف بالبيت ولم يذكر الطواف بين الصفا والمروة، فهل علينا من حرج أن لا نطوف بهما؟ فأنزل الله: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ الآية كلها. قال أبو بكر: فأسمع هذه الآية نزلت في الفريقين كليهما؛ فيمن طاف، وفيمن لم يَطُف

سورة التوبة — الآية ٢٥

عن أبي عبد الرحمن الفهري، قال: كُنّا مع رسول الله ﷺ في حُنَيْن، فسِرْنا في يوم قائِظٍ شديدِ الحَرِّ، فنزلنا تحت ظِلال الشَّجَر، فلَمّا زالتِ الشمسُ لَبِستُ لَأْمَتي، ورَكِبتُ فرسي، فأتيتُ رسولَ الله ﷺ وهو في فُسطاطِه، فقلتُ: السلامُ عليك -يا رسول الله- ورحمةُ الله، قد حان الرَّواحُ؟ قال: «أجل». ثم قال رسول الله ﷺ: «يا بلالُ». فثار مِن تحت سَمُرَةٍ كأن ظِلَّه ظِلُّ طائر، فقال: لبَّيْك وسَعْديْك، وأنا فِداؤُك. ثم قال: «أسْرِجْ لي فرسي». فأتاه بدَفَّتَيْن مِن لِيفٍ ليس فيهما أشَرٌ ولا بَطَرٌ. قال: فرَكِب فرسَه، ثُمَّ سِرْنا يَوْمَنا، فلَقِينا العدُوَّ، وتَشامَّتِ الخَيْلان، فقاتَلْناهم، فولّى المسلمون مُدْبِرين كما قال الله عز وجل، فجعَل رسولُ الله ﷺ يقول: «يا عبادَ الله، أنا عبدُ الله ورسولُه، يا أيها الناس، إلَيَّ، أنا عبد الله ورسوله». فاقْتَحَم رسولُ الله ﷺ عن فرسه. وحَدَّثني مَن كان أقْرَبَ إليه مِنِّي: أنّه أخذ حَفْنَةً مِن تراب، فحَثاها في وُجُوهِ القوم، وقال: «شاهَتِ الوُجُوه». قال يعلى بن عطاء: فأخْبَرَنا أبناؤُهم عن آبائِهم أنّهم قالوا: ما بَقِيَ مِنّا أحدٌ إلا امْتَلَأَتْ عَيناهُ وفَمُه مِن التراب، وسَمِعْنا صَلْصَلَةً من السماء كمَرِّ الحديد على الطَّسْت الحديد، فهزمهم اللهُ عز وجل

سورة الصافات — الآية ١٤٠

عن أبي سلمة [بن عبد الرحمن بن عوف] -من طريق محمد بن عمرو-: لَمّا وعد يونسُ قومَه أن يصيبهم العذاب قال: فانتظِروه. حتى جاء السحر أخذ مزودته وعصاه، وخرج، وخرجوا من قريتهم، وأخرجوا مواشيهم، ثم فرَّقوا بين كل ماشية وولدها، ثم صاحوا إلى الله -جل ذكره-، وتابوا إليه، وقد أقبل عليهم العذاب، فكشف الله عنهم، فخرج على يونس خارِجٌ من القرية بعد أن أصبح وارتفعت الشمس، فقال: ما فعل أهلُ القرية وراءك؟ أنزل الله -جل ذكره- عليهم العذاب؟ فقال: لا. فخرج عليهم مغاضبًا حتى جاء إلى الساحل، فقال: يا أيها السفينة، احملوني معكم. فحملوه، حتى إذا لَجَّجوا استدارت بهم، فقال: أيكم أشرٌّ؟ قال: ﴿فساهم فكان من المدحضين﴾. قال: ألقوني، فإني أنا صاحبكم. فألقوه، فأمر الله عز وجل الحوت أن يلتقمه، ولا يكسر له عظمًا، فالتقمه وهو مليم، وذهب به في بطون البحر، ﴿فَنادى فِي الظُّلُماتِ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧]. فقالت الملائكة: يارب، صوت غريب في أرض غريبة! قال: مَن دعا منكم فليُجِبْه. قال الله: ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ ونَجَّيْناهُ مِنَ الغَمِّ وكَذَلِكَ نُنْجِي المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء:٨٨]

اختُلِف في قوله: ﴿بخس﴾ على أقوال: الأول: أنّه الحرام. الثاني: أنّ معناه: الظلم. الثالث: أن معناه: القليل. وقد رجّح ابنُ جرير (١٣‏/‏٥٣) مستندًا إلى اللُّغَة أنّ البخس معناه: النقص، فقال: «وأما قوله: ﴿بخس﴾ فإنه يعني: نقص، وهو مصدر مِن قول القائل: بخست فلانًا حَقَّه: إذا ظلمته، يعني: ظلمه فنقصه عمّا يجب له من الوفاء، أبخسه بخسًا، ومنه قوله: ﴿ولا تبخسوا الناس أشياءهم﴾ [الأعراف:٨٥]، وإنما أريد بثمن مبخوس: منقوص، فوضع البخس وهو مصدر مكان مفعول، كما قيل: ﴿بدم كذب﴾ وإنما هو: بدم مكذوب فيه». وبنحوه قال ابنُ عطية (٥‏/‏٦٠)، وكذا ابنُ كثير (٨‏/‏٢٣). وانتقد ابنُ كثير مستندًا إلى دلالة العقل تفسير البخس بالحرام، والظلم في هذا الموطن، فقال: «وقيل: المراد بقوله: ﴿بخس﴾ الحرام. وقيل: الظلم. وهذا وإن كان كذلك لكن ليس هو المراد هنا؛ لأنّ هذا معلوم يعرفه كلُّ أحدٍ أنّ ثمنه حرام على كل حال، وعلى كل أحد؛ لأنّه نبيٌّ ابن نبي ابن نبي ابن خليل الرحمن، فهو الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم، وإنّما المراد هنا بالبخس: الناقص، أو الزيوف، أو كلاهما»