ذكر ابنُ جرير (١٩/٤٦٤) هذه القراءة، وعلّق عليها، فقال: «قرأه بعضهم: ‹فِي ظُلَلٍ› بمعنى: جمع ظلة، كما تجمع الحلة: حُلَلًا». وعلّق عليها ابنُ عطية (٧/٢٥٨)، فقال: «وقرأ حمزة والكسائي ‹فِي ظُلَلٍ› وهي جمع ظلة، وهي قراءة طلحة، وعبد الله، وأبي عبد الرحمن، وهذه عبارة عن الملابس والمراتب من الحجال والستور ونحوها مِن الأشياء التي تظل، وهي زينة». وذكر ابن جرير قراءة من قرأ ذلك ﴿ظلال﴾، ثم علّق عليها، فقال: «وقرأه آخرون: ﴿في ظلال﴾؛ وإذا قرئ ذلك كذلك كان له وجهان: أحدهما: أن يكون مرادًا به جمع الظل الذي هو بمعنى الكن، فيكون معنى الكلمة حينئذ: هم وأزواجهم في كن لا يضحون لشمس كما يضحي لها أهل الدنيا؛ لأنه لا شمس فيها. والآخر: أن يكون مرادًا به: جمع ظلة، فيكون وجه جمعها كذلك نظير جمعهم الخلة في الكثرة: الخلال، والقلة: القلال». وعلّق عليها ابنُ عطية، فقال: «وقرأ جمهور القراء ﴿في ظلال﴾، وهو جمع: ظل؛ إذ الجنة لا شمس فيها، وإنما هواؤها سجسج، كوقت الإسفار قبل طلوع الشمس، ويحتمل أن يكون جمع: ظلة، قال أبو علي: كبرمة وبرام، وغير ذلك، وقال منذر بن سعيد: ﴿ظِلالٍ﴾ جمع ظلة بكسر الظاء. وهي لغة في ظلة»
اختُلِف في الذي عنى بهذه الآية على أقوال: الأول: عُني بذلك: الجزية والخراج. الثاني: عني بذلك: الغنيمة التي يصيبها المسلمون من عدوهم من أهل الحرب بالقتال عنوة. الثالث: عني بذلك: الغنيمة التي أوجف عليها المسلمون بالخيل والرّكاب، وأُخذتْ بالغلبة، وقالوا: كانت الغنائم في بدو الإسلام لهؤلاء الذين سمّاهم الله في هذه الآيات دون المُرجفين عليها، ثم نسخ ذلك بالآية التي في سورة الأنفال. الرابع: عني بذلك: ما صالح عليه أهل الحرب المسلمين من أموالهم، وقالوا قوله: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول﴾ الآيات، بيان قَسْم المال الذي ذكره الله في الآية التي قبل هذه الآية، وذلك قوله: ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب﴾. ذكر هذا ابن جرير عن بعض المتفقهة من المتأخرين. وعلّق ابنُ عطية (٨/٢٦٤) على القول الأول، فقال: «وليس في الآية نسخٌ على هذا التأويل». وقد ذكر ابنُ جرير (٢٢/٥١٨) هذه الأقوال، ثم قال: «والصواب من القول في ذلك عندي: أنّ هذه الآية حكمها غير حكم الآية التي قبلها، وذلك أنّ الآية التي قبلها مالٌ جعله الله عز وجل لرسوله ﷺ خاصة دون غيره، لم يجعل فيه لأحد نصيبًا، وبذلك جاء الأثر عن عمر بن الخطاب». وذكر أثرًا عن عمر، ثم قال: «فإذا كانت هذه الآية التي قبلها مضت، وذكر المال الذي خصّ الله به رسوله ﷺ، ولم يجعل لأحد معه شيئًا، وكانت هذه الآية خبرًا عن المال الذي جعله الله لأصناف شتى؛ كان معلومًا بذلك أنّ المال الذي جعله لأصناف من خلْقه غير المال الذي جعله للنبي ﷺ خاصة، ولم يجعل له شريكًا». وذكر ابنُ عطية (٨/٢٦٤) قول قتادة، وانتقده مستندًا لأحوال النزول، فقال: «وهذا القول يضعف؛ لأن آية الأنفال نَزَلَتْ إثر بدر، وقبل بني النَّضِير، وقبل أمر هذه القرى بسنة ونيّف»
عن محمد بن جعفر، قال: سألتُ أبي جعفر بن محمد الصّادق عن الأسماء التِّسعة والتسعين التي مَن أحصاها دخل الجنة، فقال: هي في القرآن؛ ففي الفاتحة خمسةُ أسماء: يا الله، يا رب، يا رحمن، يا رحيم، يا مالك. وفي البقرة ثلاثةٌ وثلاثون اسمًا: يا محيط، يا قدير، يا عليم، يا حكيم، يا عليُّ، يا عظيم، يا تواب، يا بصير، يا ولي، يا واسع، يا كافي، يا رءوف، يا بديع، يا شاكر، يا واحد، يا سميع، يا قابض، يا باسط، يا حي، يا قيوم، يا غني، يا حميد، يا غفور، يا حليم، يا إله، يا قريب، يا مجيب، يا عزيز، يا نصير، يا قوي، يا شديد، يا سريع، يا خبير. وفي آل عمران: يا وهّاب، يا قائم، يا صادق، يا باعث، يا مُنعِم، يا مُتَفَضِّل. وفي النساء: يا رقيب، يا حسيب، يا شهيد، يا مقيت، يا وكيل، يا علي، يا كبير. وفي الأنعام: يا فاطر، يا قاهر، يا لطيف، يا برهان. وفي الأعراف: يا مُحْيِي، يا مُمِيت. وفي الأنفال: يا نِعْمَ المولى، يا نِعْمَ النَّصير. وفي هود: يا حفيظ، يا مجيد، يا ودود، يا فعّالُ لما يريد. وفي الرعد: يا كبير، يا متعال. وفي إبراهيم: يا منّان، يا وارث. وفي الحِجْر: يا خَلّاق. وفي مريم: يا فَرْد. وفي طه: يا غفّار. وفي قد أفلح: يا كريم. وفي النور: يا حقُّ، يا مبين. وفي الفرقان: يا هادي. وفي سبأ: يا فتّاح. وفي الزمر: يا عالم. وفي غافر: يا غافر، يا قابِلَ التَّوْبِ، يا ذا الطَّولِ، يا رفيع. وفي الذاريات: يا رزّاق، يا ذا القُوَّة، يا متين. وفي الطور: يا بَرُّ. وفي اقتربت: يا مليك، يا مقتدر. وفي الرحمن: يا ذا الجلال والإكرام، يا ربَّ المَشْرِقَيْن، يا ربَّ المَغْرِبَيْن، يا باقي، يا مهيمن. وفي الحديد: يا أول، يا آخر، يا ظاهر، يا باطن. وفي الحشر: يا ملك، يا قُدُّوس، يا سلام، يا مؤمن، يا مهيمن، يا عزيز، يا جبّار، يا متكبِّر، يا خالق، يا بارئُ، يا مصوِّر. وفي البروج: يا مُبْدِئُ، يا معيد. وفي الفجر: يا وِتر. وفي الإخلاص: يا أحد، يا صمد
عن نوف البِكاليّ -من طريق أبي عمران الجَوْنِيِّ- قال: كانت مريم عليها السلام فتاة بتولًا، وكان زكريا زوج أختها كفلها، فكانت معه، فكان يدخل عليها يُسَلِّمُ عليها، فتُقَرِّبُ إليه فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، فدخل عليها زكريا مرَّة، فقرَّبت إليه بعض ما كانت تُقَرِّب، ﴿قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب هنالك دعا زكريا ربه﴾ إلى قوله: ﴿آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا زمرا﴾ [آل عمران:٣٧-٤١]. قال: يُخْتَمُ على لسانك فلا تكلِّمُ الناس ﴿ثلاث ليال سويا﴾: صحيحًا. ﴿فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم﴾ كتب لهم ﴿أن سبحوا بكرة وعشيا﴾. قال: فبينما هي جالسة في منزلها إذا رجل قائم بين يديها قد هَتَكَ الحُجُبَ، فلمّا رأته قالت: ﴿إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا﴾. قال: فلما ذكرت الرحمن فزع جبريل عليه السلام، قال: ﴿إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا﴾ إلى قوله: ﴿وكان أمر مقضيا﴾. فنفخ في جيبها جبريلُ، فحملت، حتى إذا أثْقَلَتْ وجِعَتْ ما توجع النساء، وكانت في بيت النبوة، فاستحيت، وهربت حياءً مِن قومها، فأخذت نحو المشرق، وخرج قومها في طلبها، فجعلوا يسألون: رأيتم فتاة كذا وكذا؟ فلا يخبرهم أحد، وأخذها ﴿المخاض إلى جذع النخلة﴾ فتساندت إلى النخلة، قالت: ﴿يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا﴾ قال: حيضة من حيضة، ﴿فناداها من تحتها﴾ قال: جبريل مِن أقصى الوادي: ﴿أن لا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا﴾ قال: جدولًا، ﴿وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا﴾. فلمّا قال لها جبريلُ اشتدَّ ظهرها، وطابت نفسها، فقطعت سَرَرَه، ولفَّته في خِرْقَة، وحملته، فلقي قومها راعي بقر وهم في طلبها، قالوا: يا راعي، هل رأيت فتاة كذا وكذا؟ قال: لا، ولكن رأيت الليلة مِن بقري شيئًا لم أره منها قطُّ فيما خلا. قال: وما رأيتها منها؟ قال: رأيتها باتت سُجَّدًا نحو هذا الوادي. فانطلقوا حيث وصف لهم، فلما رأتهم مريم جلست، وجعلت تُرضِع عيسى، فجاؤوا حتى وقفوا عليها، فقالوا: ﴿يا مريم لقد جئت شيئا فريا﴾ قال: أمرًا عظيمًا، ﴿فأشارت إليه﴾ أن كلِّموه، فعجبوا منها، ﴿قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبي﴾؟! والمهد: حِجْرُها. فلما قالوا ذلك ترك عيسى ثديَها، واتَّكأ على يساره، ثم تكلم، ﴿قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا﴾. قال: واختلف الناس فيه
عن أبي مَيْسَرَة عمرو بن شُرَحْبِيل، أنّ رسول الله - ﷺ - قال لخديجة: «إنِّي إذا خلوت وحدي سمعت نداء، فقد -واللهِ- خشيت أن يكون هذا أمرًا». فقالت: معاذَ الله، ما كان الله ليفعل بك، فواللهِ، إنّك لَتؤدي الأمانة، وتصل الرَّحِم، وتصْدق الحديث. فلَمّا دخل أبو بكر -وليس رسول الله - ﷺ - ثَمَّ- ذَكَرَتْ خديجةُ حديثَه له، وقالت: اذهب مع محمد إلى ورَقَة. فلَمّا دخل رسول الله - ﷺ - أخَذَ أبو بكر بيده، فقال: انطلق بنا إلى ورَقة. فقال: «ومَن أخبرك؟». قال: خديجة. فانطلقا إليه، فقصّا عليه، فقال: «إذا خَلَوْتُ وحدي سمعت نداءً خلفي: يا محمد، يا محمد. فأَنطَلِقُ هاربًا في الأرض». فقال: لا تفعل، إذا أتاك فاثبت حتى تسمع ما يقول، ثم ائْتِنِي، فأخبرني. فلما خلا ناداه: يا محمد، قل: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ حتى بلغ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾. قال: قل لا إله إلا الله. فأتى ورقةَ، فذكر ذلك له، فقال له ورقةُ: أبْشِر، ثُمَّ أبْشِر، فإني أشهد أنك الذي بَشَّر به ابنُ مريم، وأنّك على مثل ناموس موسى، وأنّك نبيٌّ مُرْسَل
قال وهْب بن مُنَبِّه: إنّ ذا القرنين أتى وأَشْرَفَ على جبل قاف، فرأى تحته وحوله جبالًا صغارًا، فقال له: ما أنت؟ قال: أنا قاف. قال: فما هذه الجبال حولك؟ قال: هي عروقي، وما من مدينة من المدائن إلا وفيها عِرْقٌ من عروقي، فإذا أراد الله عز وجل أن يُزلزل تلك الأرض أمرني، فحرّكتُ عِرقي ذلك، فتزلزلت تلك الأرض. فقال له: يا قاف، فأخبِرْني بشيءٍ مِن عظمة الله. قال: إنّ شأن ربّنا لعظيم، تَقْصُرُ عنه الصفات، وتنقضي دونه الأوهام. قال: فأخبِرني بأدنى ما يوصف منها. قال: إنّ ورائي لَأرضًا مسيرة خمسمائة عام، في عَرض خمسمائة عام، مِن جبال ثلجٍ يَحْطِمُ بعضه بعضًا، لولا ذاك الثلج لاحترقتُ من حرّ جهنم. قال: زدني. قال: إنّ جبريل عليه السلام واقف بين يدي الله سبحانه تَرْعُدُ فرائصه، يخْلق الله من كل رِعْدَةٍ مائة ألف مَلك، فأولئك الملائكة وقوف وصفوف بين يدي الله سبحانه، مُنكِّسو رؤوسهم، فإذا أذن الله لهم في الكلام قالوا: لا إله إلا الله، وهو قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وقالَ صَوابًا﴾ [النبأ:٣٨]، يعني: قول: لا إله إلا الله
اختُلِف في عود الضمير في قوله: ﴿ذُنُوبِهِمُ﴾ على قولين: الأول: أنه يعود للمجرمين. الثاني: يعود على مَن أهلك من الأمم السابقة. ورجح ابنُ جرير (١٨/٣٢٨) مستندًا إلى الدلالة العقلية القولَ الأول، وانتقد الثاني الذي قاله محمد بن كعب، ومقاتل، فقال: «وهي بأن تكون مِن ذكر المجرمين أولى؛ لأن الله -تعالى ذكره- غير سائل عن ذنوب مذنب غير من أذنب، لا مؤمن ولا كافر. فإذ كان ذلك كذلك فمعلوم أنه لا معنى لخصوص المجرمين، لو كانت الهاء والميم اللتان في قوله: ﴿عن ذنوبهم﴾ لمن الذي في قوله: ﴿من هو أشد منه قوة﴾ من دون المؤمنين، يعني: لأنه غير مسؤول عن ذلك مؤمن ولا كافر، إلا الذين ركبوه واكتسبوه». وساق ابنُ عطية (٦/٦١٤-٦١٥) القولين، ثم علَّق قائلًا: «وفي كتاب الله تعالى آيات تقتضي أن الناس يوم القيامة يسألون، كقوله تعالى: ﴿وقِفُوهُمْ إنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ﴾ [الصافات:٢٤] وغير ذلك، وفيه آيات تقتضي أنه لا يسأل أحد، كقوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرحمن:٣٩] وغير ذلك، ويمكن أن تكون الآيات التي توجب السؤال إنما يراد بها أسئلة التوبيخ والتقرير، والذي ينفيه يراد به أسئلة الاستفهام على جهة الحاجة إلى علم ذلك من المسؤولين، أي: أن ذلك لا يقع؛ لأن العلم بهم محيط، وسؤال التوبيخ غير معتدٍّ به»
عن ابن عباس، عن جابر بن عبد الله بن رِئاب، قال: مرَّ أبو ياسر بن أخْطَبَ في رجال من يهودَ برسول الله - ﷺ -، وهو يتلو فاتحة سورة البقرة: ﴿الم ذلك الكتاب﴾، فأتى أخاه حُيَيّ بن أخْطَب في رجال من اليهود، فقال: تعلمون -والله- لقد سمعت محمدًا يتلو فيما أُنزِل عليه: ﴿الم ذلك الكتاب﴾. فقالوا: أنتَ سَمِعْتَه؟ قال: نعم. فمشى حُيَيٌّ في أولئك النفر إلى رسول الله - ﷺ -، فقالوا: يا محمد، ألم يُذكر أنك تتلو فيما أُنزِل عليك: ﴿الم ذلك الكتاب﴾؟ قال: «بلى». قالوا: قد جاءك بهذا جبريل من عند الله؟ قال: «نعم». قالوا: لقد بعث الله قبلك أنبياء، ما نعلمه بَيَّن لنبيٍّ منهم ما مُدَّة ملكه، وما أجل أمته غيرك. فقال حُيَيُّ بن أخطب -وأقبل على مَن كان معه-: الألِف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنة، أفتدخلون في دين نبيٍّ إنما مدة ملكه وأجل أمته إحدى وسبعون سنة؟! ثم أقبل على رسول الله - ﷺ -، فقال: يا محمد، هل مع هذا غيره؟ قال: «نعم». قال: وما ذاك؟ قال: «﴿المص﴾». قال: هذه أثقل وأطول؛ الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والصاد تسعون، فهذه إحدى وستون ومائة سنة، هل مع هذا يا محمد غيره؟ قال: «نعم». قال: وما ذاك؟ قال «﴿الر﴾». قال: هذه أثقل وأطول؛ الألف واحدة، واللام ثلاثون، والراء مائتان، فهذه إحدى وثلاثون ومائتا سنة، فهل معهذا يا محمد غيره؟ قال: «نعم، ﴿المر﴾». قال: فهذه أثقل وأطول؛ الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والراء مائتان، فهذه إحدى وسبعون سنة ومائتان. ثم قال: لقد لُبّس علينا أمرك، يا محمد، حتى ما ندري أقليلًا أُعْطِيتَ أم كثيرًا؟ ثم قاموا، فقال أبو ياسر لأخيه حُيَيّ ومَن معه مِن الأحبار: ما يُدريكم، لعله قد جُمع هذا لمحمد كلُّه؛ إحدى وسبعون، وإحدى وستون ومائة، وإحدى وثلاثون ومائتان، وإحدى وسبعون ومائتان، فذلك سبعمائة وأربع وثلاثون. فقالوا: لقد تشابه علينا أمره. فيزعمون أن هذه الآيات نزلت فيهم: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات﴾ [آل عمران: ٧]
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العوفي- قوله: ﴿سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا﴾ إلى: ﴿بما كانوا يكسبون﴾، وذلك أنّ رسول الله ﷺ قيل له: ألا تغزو بني الأصفر؛ لعلك أن تُصِيب بنتَ عظيم الروم؛ فإنّهُنَّ حِسانٌ. فقال رجلان: قد علمتَ -يا رسول الله- أنّ النساءَ فِتنة؛ فلا تَفْتِنّا بِهِنَّ؛ فَأْذَن لَنا. فأذِن لهما، فلمّا انطَلقا قال أحدهما: إن هو إلا شَحْمَةٌ لِأَوَّلِ آكِلٍ. فسار رسول الله ﷺ، ولم ينزل عليه في ذلك شيء، فلمّا كان ببعض الطريق نزل عليه وهو على بعض المياه: ﴿لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة﴾ [التوبة:٤٢]، ونزل عليه: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ [التوبة:٤٣]، ونزل عليه: ﴿لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ [التوبة:٤٤]، ونزل عليه: ﴿إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون﴾. فسمع ذلك رجلٌ مِمَّن غزا مع النبي ﷺ، فأتاهم وهم خلفهم، فقال: تعلمون أن قد أُنزِل على رسول الله ﷺ بعدكم قرآنٌ؟ قالوا: ما الذي سَمِعتَ؟ قال: ما أدري، غير أنِّي سمعتُ أنّه يقول: ﴿إنهم رجس﴾. فقال رجلٌ يُدْعى مخشيًّا: واللهِ، لَوَدِدتُ أنِّي أُجْلَد مائة جلدة وأنِّي لست معكم. فأتى رسولَ الله ﷺ، فقال: «ما جاء بك؟». فقال: وجْهُ رسولِ الله ﷺ تَسْفَعُه الرِّيحُ، وأنا في الكِنِّ. فأنزل الله عليه: ﴿ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني﴾ [التوبة:٤٩]، ﴿وقالوا لا تنفروا في الحر﴾ [التوبة:٨١]. ونزل عليه في الرجل الذي قال: لَوَدِدتُ أنِّي أُجْلَدُ مائة جلدة؛ قولُ الله: ﴿يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم﴾ [التوبة:٦٤]. فقال رجلٌ مع رسول الله: لَئِن كان هؤلاء كما يقولون ما فينا خيرٌ. فبلغ ذلك رسولَ الله ﷺ، فقال له: «أنت صاحبُ الكلمة التي سمعتُ؟». فقال: لا، والَّذي أنزَل عليك الكتابَ. فأنزل الله فيه: ﴿ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم﴾ [التوبة:٧٤]. وأنزل فيه: ﴿وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين﴾ [التوبة:٤٧]
عن عبد الله بن عباس -من طريق مقاتل وجرير بن علي عن الضحاك- قال: كانت فترتان؛ فترة بين إدريس ونوح، وفترة بين عيسى ومحمد، فكان أولُّ نبيٍّ بُعِث إدريس بعد آدم، وكان بين موت آدم وبين بعثة إدريس مائتا سنة؛ لأنّ آدم عاش ألف سنة إلا أربعين عامًا، وولد إدريس وادفر، فمات آدم وإدريس ابن مائة سنة، فجاءته النبوة بعد موت آدم بمائتي سنة، وكان في نبوته مائة سنة وخمس سنين، فرفعه الله تعالى وهو ابن أربعمائة سنة وخمس سنين، وكان الناس مِن آدم إلى إدريس أهل ملة واحدة مُتَمَسِّكين بالإسلام، وتُصافحهم الملائكة، فلمّا رُفِع إدريس اختلفوا، وفَتَر الوحيُ إلى أن بعث الله تعالى نوحًا، فكان نوح -يعني: يوم بعث- أربعمائة سنة وثمانين سنة، فتر الوحيُ فيما بين إدريس ونوح مائة سنة، وكانت نبوة نوح ألف سنة إلا خمسين عامًا، وعُمِّر بعد الغرق خمسين عامًا، ويقال: مئتي [عام]، والله تعالى أعلم، وكان سام بن نوح بعد ما مات نوحٌ ابن مائة سنة، وعاش بعده مائتي سنة، وكان بين نوح وهود ثمانمائة سنة، وعاش هود أربعمائة وأربع وستين سنة، وكان بين هود وصالح مائة سنة، وعاش صالح ثلاثمائة سنة إلا عشرين عامًا، وكان بين صالح وإبراهيم ستمئة سنة وثلاثون سنة، وعاش إبراهيم مائة سنة وخمسة وسبعين سنة، وقال بعض هؤلاء المسمين: مائتي سنة، وعاش إسماعيل مائة سنة وتسعة وثلاثين، وعاش إسحاق مائة سنة وثمانين سنة، وعاش يعقوب بن إسحاق مائة سنة وتسعة وأربعين سنة، وكان بين موسى وإبراهيم سبعمائة سنة، وكانت الأنبياء بين موسى وعيسى مُتواتِرة، وكذلك بين نوح إلى موسى مُتواتِرة، يقول الله تعالى في كتابه العزيز في سورة المؤمنين من بعد قصة نوح: ﴿ثم أرسلنا رسلنا تترا﴾ بعضها على إثر بعض، ﴿كلما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضًا﴾ إلى قوله: ﴿ثم أرسلنا﴾ مِن بعدهم ﴿موسى وأخاه هارون﴾، فمَن زعم أنّه يعلم عِدَّتَهم وأسماءَهم فقد كذب؛ لأنّ الله تعالى يقول لنبيه -عليه الصلاة والسلام-: ﴿منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك﴾ [غافر:٧٨]