وجَّهَ ابن جرير (٢/٣٩٠-٣٩٣ بتصرف) قراءة أهل المدينة والكوفة ﴿أوْ نُنْسِها﴾ بقوله: «لقراءة مَن قرأ ذلك وجهان من التأويل، أحدهما: أن يكون تأويله: ما ننسخ يا محمد من آية فنغير حكمها أو ننسها. وقد ذُكِرَ أنها في مصحف عبد الله: (ما نُنسِكَ مِن آيَةٍ أوْ نَنسَخْها) نجئ بمثلها، فذلك تأويل النسيان. والوجه الآخر منهما: أن يكون بمعنى: الترك، من قول الله -جل ثناؤه-: ﴿نَسُواْ اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة:٦٧]، يعني به: تركوا الله فتركهم، فيكون تأويل الآية حينئذ على هذا التأويل: ما ننسخ من آية فنغير حكمها ونبدل فرضها نأت بخير من التي نسخناها أو مثلها». ووجَّهَها ابن عطية (١/٣١٣) بقوله: «وهذه من: أنْسى، المنقول من: نَسِي»
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- في قوله: ﴿قد كان لكم آية في فئتين﴾ الآية، قال: أُنزِلت في التخفيف يوم بدر على المؤمنين؛ كانوا يومئذ ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا، وكان المشركون مِثْلَيْهم ستةً وعشرين وستمائة، فأيّد اللهُ المؤمنين، فكان هذا في التخفيف على المؤمنين
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق أبي بكر- قال: أتاه الشيطانُ، فأراد أن يُكَدِّر عليه نعمةَ ربِّه، قال: هل تدري مَن ناداك؟ قال: نعم، ناداني ملائكةُ ربي. قال: بل ذلك الشيطان، لو كان هذا مِن ربِّك لأخفاهُ إليك كما أخفيتَ نداءك. فقال: ﴿رب اجعل لي آية﴾
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب- في قوله: ﴿رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا﴾ الآية، قال: جعل آيتَه أن لا يُكَلِّمَ الناسَ ثلاثة أيّام إلا رمزًا، إلا أنّه يذكر الله. والرمزُ: الإشارةُ، يشير إليهم
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولئن أتيت﴾ يقول: ولئن جئت -يا محمد- ﴿الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك﴾ يعني: الكعبة، ﴿وما أنت بتابع قبلتهم﴾ يعني: بيت المقدس. ثم قال: ﴿وما بعضهم بتابع قبلة بعض﴾ يقول: إنّ اليهود يُصَلُّون قِبل المغرب لبيت المقدس، والنصارى قِبَل المشرق
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد بن بشير-: أنّ صالحا قال لقومه: إنّ آية ذلك أن تُصْبِح وجوهُكم أولَ يوم مُصْفَرَّة، واليوم الثاني مُحْمَرَّة، واليوم الثالث مُسْوَدَّة. قال: فخَدُّوا لهم أُخْدُودًا، وكَفَرَ غنيُّهم فقيرَهم، فأرسل الله عليهم صيحةً، فأهْمَدَتْهم، قال الله: ﴿كأن لم يغنوا فيها﴾
عن القاسم بن أبي بزة، أنّه سأل سعيد بن جبير: هل لِمَن قتل مؤمنًا متعمدًا مِن توبةٍ؟ فقرأت عليه: ﴿ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق﴾. فقال سعيد: قرأتُها على ابن عباس كما قرأتَها عليَّ، فقال: هذه مكية، نسختها آية مدنيةٌ، التي في سورة النساء
قال يحيى بن سلّام: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا﴾ ليس من أهل الجنة أحد إلا في يديه ثلاثة أسورة: سُوار من ذهب، وسُوار من فضة، وسوار من لؤلؤ، قال هاهنا: ﴿مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا﴾، وقال في آية أخرى: ﴿وحُلُّوا أساوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾ [الإنسان:٢١]
قال مقاتل بن سليمان:... قال الله تعالى في المخاطبة: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ﴾ إلى آخر الآية، هذا مُحكمٌ لم يُنسخ، ونَسَختْ براءةُ النّفقةَ. وقال في موضع آخر: ثم نَسَخ هذا كلّه آية السيف في براءة، غير هذين الحرفين: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ ولا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾
نقل ابن عطية (١/١٤٧، ١٤٨) في معنى: ﴿إن كنتم صادقين﴾ قولين آخرين: الأول: «أي: فيما قلتم من الريب». والثاني: «فيما قلتم من أنكم تقدرون على المعارضة». وعلَّق عليه بقوله: «ويؤيد هذا القول أنه قد حكي عنهم في آية أخرى ﴿لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا﴾ [الأنفال:٣١]»