اختُلِف في معنى قوله: ﴿أن تبسل نفس﴾ على أربعة أقوال: الأول: أن تُسلَم. والثاني: تُحْبَس. والثالث: تُفْضَح. والرابع: تُجْزى. ورجّح ابنُ جرير (٩/٣٢٣ بتصرف) المعنى الثاني مستندًا إلى اللغة، وقال: ""أصل الإبسال: التحريم، يُقال منه: أبسلت المكان، إذا حرّمته فلم يقرب، ومنه قوله الشاعر:بَكَرَتْ تَلُومُكَ بَعْدَ وهْنٍ فِي النَّدى... بَسْلٌ عَلَيْكِ مَلامَتِي وعِتابِيأي: حرام عليك ملامتي وعتابي. ومنه قولهم: أسد باسل، ويراد به: لا يقربه شيء، فكأنه قد حرَّم نفسه، ثم يجعل ذلك صفة لكل شديد يتحامى لشدته. فتأويل الكلام إذًا: وذكّر بالقرآن هؤلاء الذين يخوضون في آياتنا وغيرهم مِمَّن سلك سبيلهم من المشركين، كيلا تُبسل نفس بذنوبها وكفرها بربها، وترتهن فتغلق بما كسبت من إجرامها في عذاب الله"". ورجّح ابنُ كثير (٦/٧٩) الجمع بين هذه الأقوال مستندًا إلى النظائر بقوله: «وكل هذه الأقوال والعبارات متقاربة في المعنى، وحاصلها: الإسلام للهلكة، والحبس عن الخير، والارتهان عن درك المطلوب، كقوله: ﴿كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين﴾ [المدثر:٣٨-٣٩]». وبنحوه رجّح ابنُ عطية (٣/٣٨٨) مستندًا إلى اللغة، ثُمَّ ذكر قولًا مفاده: أنّ ﴿تبسل﴾ مأخوذ من البسل، أي: من الحرام. كما قال الشاعر:بَكَرَتْ تَلُومُكَ بعد وهْنٍ في النَّدى... بَسْلٌ عليك ملامتي وعتابيوانتَقَده بقوله: «وهذا بعيد»
أفادت الآثارُ اختلافَ المفسرين في تعيين الأشهر الحرم في هذه الآية على قولين: الأول: هي ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، ورجب. والثاني: أنها الأربعة التي قال الله فيها: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾، وهي: عشرون من ذي الحجة، والمحرم، وصفر، وربيع أول، وعشر من ربيع الآخر. ورجَّح ابنُ كثير (٧/١٤٨) مستندًا إلى السياق، وإلى لغة العرب القولَ الثاني، فقال: «والذي يظهر من حيث السياق ما ذهب إليه ابنُ عباس في رواية العوفي عنه، وبه قال مجاهد، وعمرو بن شعيب، ومحمد بن إسحاق، وقتادة، والسدي، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أنّ المراد بها أشهر التسيير الأربعة المنصوص عليها في قوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾، ثم قال: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ﴾، أي: إذا انقضت الأشهر الأربعة التي حرَّمنا عليكم فيها قتالهم، وأجَّلناهم فيها، فحيثما وجدتموهم فاقتلوهم؛ لأن عود العهد على مذكور أولى من مُقَدَّر؛ ثم إنّ الأشهر الأربعة المحرمة سيأتي بيان حكمها في آيةٍ أخرى بعدُ في هذه السورة الكريمة». وانتقد ابنُ تيمية (٨/٥١٤ منهاج السنة النبوية) القولَ الأول قائلًا: «وهذه الحرم المذكورة في قوله: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية ليس المراد الحرم المذكورة في قوله: ﴿مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة:٣٦]، ومن قال ذلك فقد غلط غلطًا معروفًا عند أهل العلم»
اختُلف في المراد بقوله: ﴿ولو ألقى معاذيره﴾ على أقوال: الأول: لو اعتذر يومئذ لم يُقبل منه. الثاني: لو تَجرّد من ثيابه. الثالث: لو أظهر حُجّته. قاله السُّدِّيّ. الرابع: لو أرخى السُّتور وأغلق الأبواب. الخامس: بل للإنسان على نفسه شهود من نفسه، ولو اعتذر بالقول مما قد أتى من المآثم، وركب من المعاصي، وجادل بالباطل. ورجَّح ابنُ جرير (٢٣/٤٩٦) -مستندًا إلى السياق- أنّ أولى الأقوال بالصواب قول مَن قال: ولو اعتذر. فقال: «لأنّ ذلك أشبه المعاني بظاهر التنزيل؛ وذلك أنّ الله -جلّ ثناؤه- أخبَر عن الإنسان أنّ عليه شاهدًا من نفسه بقوله: ﴿بل الإنسان على نفسه بصيرة﴾ فكان الذي هو أولى أن يَتبع ذلك، ولو جادل عنها بالباطل، واعتذر بغير الحق، فشهادة نفسه عليه به أحقّ وأولى من اعتذاره بالباطل». ورجَّح ابنُ كثير (١٤/١٩٤) -مستندًا إلى النظائر- القول الأخير الذي قاله مجاهد، وعطاء، فقال: «والصحيح قول مجاهد وأصحابه، كقوله: ﴿ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين﴾ [الأنعام:٢٣]، وكقوله: ﴿يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون﴾ [المجادلة:١٨]». وذكر ابنُ عطية (٨/٤٧٥) أنّ الحسن قال: المعنى: بل الإنسان على نفسه بَليّة ومِحنة، ووجَّهه بقوله: «كأنه ذهب إلى البصيرة التي هي طريقة الدّم، وداعية طلب الثأر». وانتقده بقوله: «وفي هذا نظر»
انتقد ابنُ تيمية في منهاج السنة النبوية (٧/ ٢٥٩-٢٦٤) حديث ابن عباس -مستندًا إلى الإجماع، والأدلة العقلية- فقال -بتصرف-: «والجواب من وجوه: أحدها: المطالبة بصحة النقل، وإن كنا غير مرتابين في كذب ذلك، لكن مطالبة المدعي بصحة النقل لا يأباه إلا معاند. الثاني: أن هذا مما هو كذب موضوع باتفاق العلماء وأهل المعرفة بالمنقولات.... الوجه الرابع: أن يقال: قوله: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ عامٌّ في كل مَن اتصف بذلك، فما الذي أوجب تخصيصه بالشيعة؟ فإن قيل: لأن من سواهم كافر؛ قيل: إن ثبت كفر مَن سواهم دليل، كان ذلك مغنيًا لكم عن هذا التطويل، وإن لم يثبت لم ينفعكم هذا الدليل، فإنه من جهة النقل لا يثبت، فإن أمكن إثباته بدليل منفصل فذاك هو الذي يُعتمد عليه لا هذه الآية. الوجه الخامس: أن يقال: مِن المعلوم المتواتر أن ابن عباس كان يوالي غير شيعة علي أكثر مما يوالي كثيرًا من الشيعة، حتى الخوارج كان يجالسهم ويفتيهم ويناظرهم. فلو اعتقد أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم الشيعة فقط، وأن من سواهم كفار، لم يعمل مثل هذا... الوجه السادس: أنه قال قبل ذلك: ﴿إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية﴾، ثم قال: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية﴾. وهذا يبين أن هؤلاء من سوى المشركين وأهل الكتاب. وفي القرآن مواضع كثيرة ذُكر فيها الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وكلها عامة. فما الموجب لتخصيص هذه الآية دون نظائرها؟...»
عن ابن عمرو، وابن عمر، وابن عباس -من طريق عطاء- أنّهم كانوا يقولون: اللغو: لا والله، وبلى والله
عن عامر الشعبي، قال: تمارى عليٌّ، وابنُ عباس في: ﴿العادِياتِ ضَبْحًا﴾، فقال ابن عباس: هي الخيل. وقال علي: كذبتَ، يا ابن فلانة، واللهِ، ما كان معنا يوم بدر فارس إلا المِقداد، وكان على فرس أبْلق. قال: وكان يقول: هي الإبل. فقال ابن عباس: ألا ترى أنها تُثير نقعًا، فما شيء تُثيره إلا بحوافرها!
نقل ابنُ عطية (٢/٥٤، ٥٥) أقوال ابن عباس وما في معناها، وقول عطاء من طريق ابن جريج، وقول قتادة من طريق معمر، وقول ابن زيد، ثم علَّق عليها بقوله: «فقد تأوَّل المفسرون اللفظة بمعنى التقطيع، وبمعنى الإمالة، فقوله: ﴿إلَيْكَ﴾ على تأويل التقطيع متعلق بـ(خُذ)، وعلى تأويل الإمالة والضم متعلق بـ(صُرْهُنَّ)»
عن ابن عمر، أنّ رسول الله ﷺ قال: «الكريمُ ابنُ الكريمِ ابنِ الكريمِ ابنِ الكريم؛ يوسفُ بنُ يعقوبَ بنِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ -عليهم الصلاة والسلام-»
اختُلِف في الروح المسئول عنه على أقوال: الأول: أرواح بني آدم. الثاني: ملك له عشرة الآف جناح. الثالث: طائفة من الملائكة على صور بني آدم. الرابع: أنه جبريل ﷺ. الخامس: ملك له سبعون ألف وجه. السادس: أنه القرآن. السابع: طائفة مع الملائكة ولا تراهم الملائكة. الثامن:عيسى بن مريم. ذكره ابن عطية (٥/٥٣٥). وذكر أن الجمهور على القول الأول الذي قاله ابن عباس من طريق العوفي [الوارد في نزول الآية]، وبيّن أن الرُّوح على هذا القول اسم جنس، ورجَّحه، وانتقد البقية مستندًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «وهذا هو الصواب، وهو المشْكل الذي لا تفسير له... وهذه كلها أقوال مفسِّرة، والأول أظهرها وأصوبها». وذكر ابنُ تيمية (٥/٢٤٥) أنه على القول بأن المراد بالروح: أرواح بني آدم؛ فإن النص لم يخبر بكيفيتها؛ لأن الإخبار بالكيفية إنما يكون فيما له نظير يماثله، وليست الروح من جنس ما نشهده من الأعيان، فلا يمكن تعريفها بكيفيتها، وإن كانت لها كيفية في نفسها. وذكر ابنُ القيم (٢/١٥٣) أن أكثر السلف بل كلهم على أن الروح المسئول عنها في الآية ليست أرواح بني آدم، بل الروح الذي أخبر الله عنه في كتابه أنه يقوم يوم القيامة مع الملائكة، وهو ملك عظيم، وساق حديث ابن مسعود [الوارد في نزول الآية]، ثم رجَّح (٢/١٥٣-١٥٤بتصرف) القول بأنه مَلَك، وانتقد القول الأول مستندًا إلى الدلالة العقلية، والقرآن، فقال: «ومعلوم أنهم إنما سألوه عن أمر لا يعرف إلا بالوحي، وذلك هو الروح الذي عند الله لا يعلمها الناس، أما أرواح بني آدم فليست من الغيب، وقد تكلم فيها طوائف من الناس مِن أهل الملل وغيرهم، فلم يكن الجواب عنها من أعلام النبوة... ولم تقع تسميتها في القرآن إلا بالنفس، قال تعالى: ﴿يا أيتها النفس المطمئنة﴾ [الفجر:٢٧]، ﴿ولا أقسم بالنفس اللوامة﴾ [القيامة:٢]، ﴿كل نفس ذائقة الموت﴾ [آل عمران:١٨٥]، وأما السنة فجاءت بلفظ النفس والروح»
عن أسامة بن زيد، قال: كان النبي ﷺ وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى، قال الله عز وجل: ﴿ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا﴾ [آل عمران: ١٨٦] الآية، وقال الله: ﴿ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم﴾ [البقرة: ١٠٩] إلى آخر الآية، وكان النبي ﷺ يتأول العفو ما أمره الله به، حتى أذن الله فيهم، فلما غزا رسول الله ﷺ بدرا، فقتل الله به صناديد كفار قريش