سورة الصافات — الآية ١٠٧

عن عبيد بن عمير -من طريق ابنه عبد الله- قال: قال موسى: يا ربِّ، يقولون: يا ربَّ إبراهيم وإسحاق ويعقوب. لِأَيِّ شيء يقولون ذلك؟ قال: لأنّ إبراهيم لم يعدل بي شيئًا إلا اختارني عليه، وإنّ إسحاق جاد لي بنفسه، فهو على ما سواه أجود، وأما يعقوب فما ابتليته ببلاء إلا ازداد بي حسن الظن

علَّقَ ابنُ كثير (٢‏/‏٤٦٥) على هذا الحديث، فقال: «وفي هذا الحديث كفاية في تفسير هذه الآية، وتبيين ما فيها من المثل بعمل من أحسن العمل أولًا، ثم بعد ذلك انعكس سيره، فبدل الحسنات بالسيئات، عياذًًا بالله من ذلك، فأبطل بعمله الثاني ما أسلفه فيما تقدم من الصالح، واحتاج إلى شيء من الأول في أضيق الأحوال، فلم يحصل له منه شيء، وخانه أحوج ما كان إليه»

علَّقَ ابنُ جرير (٣‏/‏١٠٩) على قول الحسن قائلًا: «والواجب على تأويل القول الذي روينا عن علي والحسن -في قوله: ﴿كُتب عليكم القصاص﴾ أنه بمعنى: مُقاصّة دِيَة النفس الذكَر من دية نَفس الأنثى، والعبد من الحر، والتراجع بفضل ما بين ديتي أنفسهما- أن يكون معنى قوله: ﴿فمنْ عُفي له من أخيه شيء﴾: فمن عُفي له من الواجب لأخيه عليه من قصاص دية أحدهما بدية نفس الآخر إلى الرِّضا بدية نفس المقتول فاتِّباع من الوليّ بالمعروف، وأداء من القاتل إليه ذلك بإحسان»

قال ابن عطية (٨‏/‏٥): «كانت عادة العرب -وهي إلى الآن- الاشتراك في الآراء، وأن يتكلّم كلٌّ بما شاء ويفعل ما أحب، فمشى بعض الناس ممن لم تتمرّن نفسه مع النبي ﷺ على بعض ذلك، قال قتادة: فربما قال قوم: لو نزل كذا وكذا في معنى كذا وكذا، وينبغي أن يكون كذا. وأيضًا فإنّ قومًا ذبحوا ضحاياهم قبل النبي ﷺ، حكاه الحسن بن أبي الحسن، وقومًا فعلوا في بعض حروبه وغزواته أشياء بآرائهم، فنَزَلتْ هذه الآية ناهيةً عن جميع ذلك»

علّق ابنُ عطية (٨‏/‏٥٤٠) على ما جاء عن مجاهد، وابن الزُّبير، وابن عباس، والحسن، فقال: «وذهب أُبيّ بن كعب، وابن عباس، والحسن، ومجاهد، وغيرهم إلى أن المراد: ﴿إلى طَعامِهِ﴾ إذا صار رجيعًا؛ ليتأمل حيث تصير عاقبة الدنيا، وعلى أي شيء يتفانى أهلها، وتستدير رحاها، وهذا نظير ما روي عن ابن عمر: أنّ الإنسان إذا أحدث فإنّ ملكًا يأخذ بناصيته عند فراغه، فيردّ بصره إلى نحوه موقفًا له ومعجبًا، فينفع ذلك مَن له عقل»

سورة يوسف — الآية ٨٦

عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قال: أتى جبريلُ يوسفَ وهو في السجن، فسلَّم عليه، وجاءه في صورة رجل حسن الوجه، طيِّب الريح، نَقِي الثياب، فقال له يوسف: أيها الملك الحسن الوجه، الكريم على ربِّه، الطيِّب ريحُه، حدثني كيف يعقوب؟ قال: حَزِن عليك حزنًا شديدًا. قال: فما بلغ مِن حُزْنِه؟ قال: حُزْن سبعين مُثكَلَة. قال: فما بلغ مِن أجره؟ قال: أجر سبعين شهيدًا. قال يوسف: فإلى مَن أوى بعدى؟ قال: إلى أخيك بنيامين. قال: فتُراني ألقاه؟ قال: نعم. فبكى يوسفُ لِما لَقِي أبوه بعده، ثم قال: ما أُبالي بما لقيت إنِ اللهُ أرانِيهِ

أفادت الآثارُ اختلاف السلف في معنى الإصلاح الذي عناه الله بقوله: ﴿وأصلحنا له زوجه﴾ على قولين: الأول: كانت عقيمًا لا تَلِد، فأصلحها الله، فجعلها ولودًا. والثاني: كان في خلقها سوءٌ، فرزقها الله حُسن الخلق. وقد رجّح ابنُ جرير (١٦‏/‏٣٨٩) مستندًا إلى عموم اللفظ صِحّةَ القولين، فقال: «والصواب من القول في ذلك أن يُقال: إنّ الله أصلح لزكريا زوجه كما أخبر -تعالى ذكره- بأن جعلها ولودًا، حسنة الخلق؛ لأنّ كل ذلك من معاني إصلاحه إيّاها. ولم يخصص الله -جلَّ ثناؤه- بذلك بعضًا دون بعض في كتابه، ولا على لسان رسوله، ولا وضع على خصوص ذلك دلالة، فهو على العموم، ما لم يأت ما يَجِبُ التَّسليم له بأنّ ذلك مرادٌ به بعضٌ دون بعض». ورجّح ابنُ عطية (٦‏/‏١٩٧-١٩٨) مستندًا إلى السياق القول الأول، فقال: «وهذا هو الذي يُشبه الآية». ثم انتقد القول الثاني، فقال: «وهذا ضعيف». ثم علّق بقوله حيث قال: «وعموم اللفظة يتناول كل وجوه الإصلاح». ورجّح ابنُ كثير (٩‏/‏٤٣٩) مستندًا إلى السياق القول الأول، فقال: «والأظهر مِن السياق الأول»

سورة الأنعام — الآية ١٦٠

عن سفيان الثوري: لَمّا نزلت: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ قال النبي ﷺ: «ربي، زدني». فنزلت: ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة﴾ الآية [البقرة:٢٦١]. قال: «يا ربِّ، زِدْ أمتي». فنزلت: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة﴾ [البقرة:٢٤٥]. قال: «ربِّ، أمتي». فنزلت: ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾ [الزمر:١٠]

سورة الأعراف — الآية ٤٣

عن علي بن أبي طالب -من طريق عاصم بن ضَمْرَة- أنّه ذَكَر الجنة، فقال: يدخلون، فإذا شجرة يخرج من تحت ساقها عينان، قال: فيغتسلون من إحداهما، فتجري عليهم نضرة النعيم، فلا تشعث أشعارُهم، ولا تَغْبَرُّ أبشارهم. ويشربون من الأخرى، فيخرج كلُّ قذًى وقَذَر -أو: شيء في بطونهم-. قال: ثُمَّ يفتح لهم باب الجنة، فيُقال لهم: ﴿سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين﴾ [الزمر:٧٣]. قال: فتستقبلهم الولدان، فيَحُفُّونَ بهم كما تَحُفُّ الوِلدان بالحميم إذا جاء مِن غَيْبَتِه، ثم يأتون فيُبَشِّرون أزواجهم، فيُسَمُّونهم بأسمائهم وأسماء آبائهم، فيقُلْن: أنت رأيتَه؟ قال: فيَسْتَخِفَّهُنَّ الفرحُ. قال: فيجِئْنَ، حتى يَقِفْنَ على أُسْكُفَّةِ الباب. قال: فيجيئون، فيدخلون، فإذا أُسُّ بيوتهم بجَندلِ اللُّؤْلُؤ، وإذا صُرُوحٌ صُفْرٌ وخُضْرٌ وحُمْرٌ ومِن كل لون، وسرر مرفوعة، وأكواب موضوعة، ونمارق مصفوفة، وزرابي مبثوثة، فلولا أنّ الله قدَّرها لهم لالتُمِعتْ أبصارهم مما يرون فيها، فيُعانِقون الأزواج، ويقعدون على السُّرُر، ويقولون: ﴿الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله﴾ إلى آخر الآية

اختُلف في معنى: «السِّيما» في هذه الآية على أقوال: الأول: أنها علامة يجعلها الله في وجوه المؤمنين يوم القيامة، من أثر سجودهم في الدنيا. الثاني: أنها السَّمْت الحسن. الثالث: أنها أثرٌ يكون في وجوه المصلين؛ مثل أثر السهر الذي يظهر في الوجه. الرابع: أنها آثار تُرى في الوجه من ثَرى الأرض، أو نَدى الطهور. والأقوال الثلاثة الأخيرة على أنها علامة في الدنيا. وجمع ابنُ جرير (٢١‏/‏٣٢٦) -بدلالة عدم التخصيص- بين الأقوال كلّها بقوله: «إن الله -تعالى ذكره- أخبرنا أنّ سيما هؤلاء القوم الذين وصف صفتهم في وجوههم من أثَر السجود، ولم يَخُصَّ ذلك على وقت دون وقت، وإذ كان ذلك كذلك فذلك على كل الأوقات، فكان سيماهم الذي كانوا يُعرفون به في الدنيا آثارَ الإسلام، وذلك خشوعه وهدْيُه وزهده وسَمْتُه، وآثارُ عناء فرائضه وتطوُّعه، وفي الآخرة ما أخبر أنهم يُعرَفون به، وذلك الغُرَّة في الوجْه والتَّحْجيلُ في الأيدي والأرْجُل من أثر الوضوء، وبياض الوجوه من أثَر السجود». وعلَّق ابنُ عطية (٧‏/‏٦٨٩) على القول الأول بقوله: «كما يجعل غُرَّةً من أثر الوضوء... الحديث، ويؤيِّد هذا التأويل اتصال القول بقوله تعالى: ﴿فَضْلا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا﴾، كأنه تعالى قال: علامتهم في تحصيلهم الرضوان يوم القيامة سيماهم في وجوههم من أثَر السجود». وعلَّق على القول الثاني بقوله: «وهذه حالة مكثري الصلاة؛ لأنها تنهاهم عن الفحشاء والمنكر، وتُقِلُّ الضحك، وتردُّ النَّفس بحالة تخشع معها الأعضاء». ونقل (٧‏/‏٦٩٠) عن عطاء بن أبي رباح، والربيع بن أنس أن «السِّيما»: «حُسْنٌ يعتري وجوه المصلين». ثم وجَّهه بقوله: «وذلك أنّ الله تعالى يجعل لها في عين الرّائي حُسْنًا تابعًا للإجلال الذي في نفسه، ومتى أجلَّ الإنسان أمْرًا حَسُنَ عنده منظره، ومن هذا الحديث الذي في الشِّهاب: «مَن كثُرت صلاته بالليل حَسُن وجْهُه بالنهار»»