قال مقاتل بن سليمان: فإذا فعلتم ذلك ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ويُدْخِلْكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأَنْهارُ ومَساكِنَ طَيِّبَةً﴾ يعني: حسنة في منازل الجنة ﴿فِي جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ وجنة عدن قَصبة الجنان، وهي أشرف الجنان، ﴿ذَلِكَ﴾ الثواب هو ﴿الفَوْزُ العَظِيمُ﴾
عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: «المولودُ حتى يَبْلُغَ الحِنثَ ما عَمِلَ مِن حسنةٍ أُثْبِت لوالدِه أو لوالدَيه، وإن عمِل سيئةً لم تُكْتَبْ عليه ولا على والدَيه، فإذا بلَغ الحِنثَ، وجَرى عليه القلم؛ أُمِر الملكان اللَّذان معه فحَفِظاه وسدَّداه، فإذا بلَغ أربعين سنةً في الإسلام أمَّنَه اللهُ من البَلايا الثلاثة؛ من الجنون، والجُذامِ، والبَرَص، فإذا بلَغ الخمسين ضاعَفَ اللهُ حسناتِه، فإذا بلَغ ستينَ رزَقه اللهُ الإنابة إليه فيما يُحِبُّ، فإذا بلَغ سبعينَ أحَبَّه أهلُ السماء، فإذا بلَغ ثمانين سنةً كتَب اللهُ حسناتِه وتجاوَز عن سيئاتِه، فإذا بلَغ تسعين سنةً غفَر الله ما تقدَّم مِن ذنبِه وما تأخَّر، وشَفَّعه في أهل بيته، وكان اسمُه عندَه أسيرَ اللهِ في أرضِه، فإذا بلَغ أرْذَلَ العُمُر -﴿لكي لا يعلم بعد علم شيئًا﴾- كتَب اللهُ له مثلَ ما كان يعمَلُ في صحتِه من الخير، وإن عمِل سيئةً لم تُكْتَبْ عليه»
اختُلف في المراد بقوله: ﴿ن﴾ على أقوال: الأول: أنّ النُّون: الحوت الذي عليه الأرض. الثاني: أنّ النُّون: الدَّواة. الثالث: حرف من حروف الرحمن. الرابع: لَوح من نور. الخامس: اسم من أسماء السورة. السادس: قَسمٌ أقسم الله به. السابع: حرف من حروف المعجم. ورجَّح ابنُ القيم (٣/١٧٦) القول الأخير، فقال: «الصحيح أنّ ﴿ن﴾ و﴿ق﴾ و﴿ص﴾ من حروف الهجاء التي يَفتتح بها الرّبّ سبحانه بعض السور». ولم يذكر مستندًا. ووجّه ابنُ عطية (٨/٣٦٤-٣٦٥) المراد بالقلم على القول بأنّ ﴿ن﴾ اسم الحوت بأنه القلم الذي خَلَقه الله تعالى وأمره فكَتب الكائنات، وأنّ الضمير في ﴿يسطرون﴾ للملائكة، وعلى القول بأنّ ﴿ن﴾ اسم للدَّواة، فـ﴿القلم﴾ هو المتعارف بأيدي الناس، وأنّ الضمير في ﴿يسطرون﴾ للناس. ثم علَّق على هذا القول بقوله: «فجاء القَسم -على هذا- بمجموع أمر الكتاب الذي هو قوام للعلوم والمعارف، وأمور الدنيا والآخرة، فإنّ القلم أخو اللسان، ومَطية الفِطنة، ونعمة من الله عامة». ورجَّح ابنُ جرير (٢٣/١٤٥) -مستندًا إلى السنة- أنّ القلم المُقسَم به هو ما كُتب به القدَر، فقال: «وأما القلم: فهو القلم المعروف، غير أنّ الذي أقسم به ربنا من الأقلام: القلم الذي خَلَقه الله -تعالى ذِكْره-، فأمره فجَرى بكتابة جميع ما هو كائن إلى يوم القيامة». ثم ساق الأحاديث في ذلك. ورجَّح ابنُ كثير (١٤/٨٣) -مستندًا إلى النظائر- أنّ المراد بالقلم: جنس القلم، فقال: «وقوله: ﴿والقلم﴾ الظاهر أنه جنس القلم الذي يُكتب به، كقوله: ﴿اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم﴾ [العلق:٣-٥]، فهو قَسمٌ منه تعالى، وتنبيه لخَلْقه على ما أنعم به عليهم من تعليم الكتابة التي بها تُنال العلوم؛ ولهذا قال: ﴿وما يسطرون﴾»
اختُلف في معنى: ﴿ذُو مِرَّةٍ فاسْتَوى﴾ على قولين: الأول: ذو خَلْق حسن. الثاني: ذو قوَّة. ووجَّه ابنُ عطية (٨/١٠٧) القول الثاني بقوله: «ومنه قول النبي ﷺ: «لا تَحِلُّ الصدقة لغنيٍّ، ولا لذي مِرَّةٍ سَوِيٍّ»». ورجَّح ابنُ جرير (٢٢/١١) -مستندًا إلى الدلالة العقلية- «قول مَن قال: عُنِيَ بالمِرَّة: صحةُ الجسم وسلامته من الآفات والعاهات، والجسم إذا كان كذلك مِن الإنسان كان قويًّا». وعلَّل ذلك بقوله: «لأن المِرَّة واحدُ المِرَر، وإنما أريد به: ذو مِرَّةٍ سويَّةٍ، وإذا كانت المِرَّة صحيحة كان الإنسان صحيحًا، ومنه قول النبي ﷺ: «لا تَحِلُّ الصدقة لغنيٍّ، ولا لذي مِرَّةٍ سَوِيٍّ»». وذكر ابنُ عطية (٨/١٠٨) القول الأول، ثم نقل قولًا آخر أن المعنى: «ذو جسم طويل حسن». ثم انتقدهما قائلًا: «وهذا كله ضعيف». ولم يذكر مستندًا. وعلَّق ابنُ كثير (١٣/٢٤٩) على القول الأول والثاني بقوله: «ولا منافاة بين القولين؛ فإنه عليه السلام ذو مَنظر حسن، وقوة شديدة. وقد ورد الحديث الصحيح من رواية أبي هريرة وابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «لا تحل الصدقة لغنيٍّ، ولا لذي مرة سويٍّ»». ووجَّه ابنُ جرير (٢٢/١٢) «استوى» على القول بأن المتَّصف بقوله تعالى: ﴿شَدِيدُ القُوى﴾ هو جبريل عليه السلام بقوله: «وكأن قائل ذلك وجَّه معنى قوله: ﴿فاسْتَوى﴾ أي: ارتفع واعتدل»
عن جابر، قال: بلغني حديثٌ عن رجل مِن أصحاب رسول الله ﷺ في القَصاص، فابتعتُ بعيرًا، فشددتُ عليه رَحلي، ثم سِرتُ إليه شهرًا حتى قدمتُ مصر، فأتيت عبد الله بن أُنَيس، فقلت له: حديث بلغني عنك في القَصاص! فقال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «يَحشر الله العبادَ عُراة غُرْلًا بُهْمًا». قلنا: ما بُهمًا؟ قال: «ليس معهم شيء. ثم يناديهم بصوت يسمعه مَن بَعُد كما يسمعه مَن قَرُب: أنا الملك، أنا الدّيّان، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة، ولا لأحد من أهل النار أن يدخل النار، وعنده مظلمة حتى أقصّه منها، حتى اللّطْمة». قلنا: كيف، وإنما نأتي الله غُرلًا بُهمًا؟ قال: «بالحسنات، والسيئات». وتلا رسول الله ﷺ: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ﴾
اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿وجاهدوا في الله حق جهاده﴾ على ثلاثة أقوال: الأول: وجاهدوا المشركين في سبيل الله حق جهاده. الثاني: لا تخافوا في الله لومة لائم، وذلك حق الجهاد. الثالث: اعملوا بالحق حق عمله. وهو قول الضحاك. وقد رجّح ابنُ جرير (١٦/٦٤٠) القول الأول مستندًا إلى ظاهر اللفظ، والأغلب في الاستعمال، فقال: «والصواب من القول في ذلك: قولُ من قال: عنى به الجهاد في سبيل الله؛ لأن المعروف مِن الجهاد ذلك، وهو الأغلب على قول القائل: جاهدت في الله. وحق الجهاد: هو استفراغ الطاقة فيه». وعلَّق على قول الضحاك، فقال: «وهذا قول ذكره عن الضحاك بعض مَن في روايته نظر». وحكى ابنُ عطية (٦/٢٧٥) ما أفادته هذه الأقوال، ثم علّق بقوله: «والعموم حسن». ثم قال: «وبيّنٌ أن عُرفَ اللفظة يقتضي الجهاد في سبيل الله»
عن عمرو بن شعيب، في دية اليهودي والنصراني قال: جعلها عمر بن الخطاب نصف دية المسلم، ودية المجوسي ثمانمائة، فقلت لعمرو بن شعيب: إنّ الحسن يقول: أربعة آلاف. قال: كان ذلك قبل القيمة. وقال: إنما جعل دية المجوسي بمنزلة العبد
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة﴾، قال: هؤلاء مشرِكو العربِ، استعجلوا بالشرِّ قبل الخير، فقالوا: ﴿اللَّهُمَّ إن كانَ هَذا هُوَ الحَقَّ مِن عِندِكَ فَأَمطِرْ عَلَينْا حِجارَةً مِنَ السَمَآءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال:٣٢]
قال الحسن البصري، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هذا مَثَلٌ للقرآن في قلب المؤمن، فكما أنّ هذا المصباح يُسْتضاء به، وهو كما هو لا ينقص، فكذلك القرآن يُهْتَدى به، ويُؤخَذ ويُعمَل به، فالمصباح هو القرآن، والزجاجة قلبُ المؤمن، والمشكاة لسانُه وفمه، والشجرة المباركة شجرة الوحي
عن الحسن بن يحيى الخُشني قال: ما في جهنم دارٌ، ولا مغارٌ، ولا غلٌّ، ولا قيد، ولا سلسلة إلا اسمُ صاحبها عليه مكتوب، فحُدِّث به أبو سليمان الداراني فبكى، ثم قال: فكيف به لو جُمِع هذا كله عليه، فجُعل القيد في رجليه، والغل في يديه، والسلسلة في عنقه، ثم أُدخل الدار، وأُدخل المغار؟!