عن أبي مالك غزوان الغفاري -من طريق حُصَين- في قول الله: ﴿ويَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾، قال: الدّلو، والقِدْر، والفأس
عن أبي عبد الرحمن الحُبُليّ -من طريق خثيم بن عبد الله- قال: الفَلَق: جهنم
عن جابر بن عبد الله -من طريق الذَّيّال بن حَرْمَلة- قال: قال أبو جهل والملأ من قريش: لقد انتشر علينا أمرُ محمد، فلو التمسْتم رجلًا عالمًا بالسّحر والكهانة والشِّعر، فكلّمه، ثم أتانا ببيان أمره. فقال عُتبة: لقد سمعتُ قولَ السِّحر والكهانة والشِّعر، وعلمتُ مِن ذلك علمًا، وما يخفى عَلَيَّ إن كان كذلك. فأتاه، فلمّا أتاه قال له عُتبة: يا محمد، أنت خيرٌ أم هاشم؟ أنت خيرٌ أم عبد المطَّلب؟ أنت خيرٌ أم عبد الله؟ فلم يُجبْه، قال: فيم تشتم آلهتنا وتُضَلِّل آباءنا؟ فإن كنتَ إنّما بك الرياسة عقدنا ألويتنا لك، فكنتَ رأسنا ما بقيتَ، وإن كان بك الباءة زوَّجناك عشرة نسوة تختار مِن أي بنات قريش شئتَ، وإن كان بك المال جمعنا لك مِن أموالنا ما تستغني به أنت وعَقِبك من بعدك. ورسول الله ﷺ ساكِتٌ لا يتكلم، فلمّا فرغ قال رسول الله ﷺ: «بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾» فقرأ حتى بلغ: ﴿أنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ فأمسك عُتبة على فِيه، وناشده الرَّحِم أن يكفَّ عنه، ولم يخرج إلى أهله، واحتبس عنهم، فقال أبو جهل: يا معشر قريش، ما نرى عُتبةَ إلا قد صبأ إلى محمد، وأعجبه طعامه، وما ذاك إلا مِن حاجة أصابته، انطلِقوا بنا إليه. فأتَوْه، فقال له أبو جهل: واللهِ، يا عُتبة، ما حسبنا إلا أنّك صبوتَ إلى محمد، وأعجبك أمرُه، فإن كانت بك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد. فغضب، وأقسم بالله لا يكلِّم محمدًا أبدًا، وقال: لقد علمتم أنِّي مِن أكثر قريش مالًا، ولكني أتيته -فقصّ عليهم القصة- فأجابني بشيء، واللهِ، ما هو بسحر ولا شِعر ولا كهانة، قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ حتى بلغ: ﴿أنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾، فأمسكتُ بفِيه، وناشدتُه الرَّحِم، فكفَّ، وقد علمتم أنّ محمدًا إذا قال شيئًا لم يكذب، فخفتُ أن ينزل بكم العذاب
عن محمد بن السائب الكلبي، في قوله: ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم﴾ إلى قوله: ﴿والله ذو فضل عظيم﴾، بلغنا: أن أبا سفيان يوم أُحد حين أراد أن ينصرف قال: يا محمد، موعد ما بيننا وبينكم موسم بدر الصغرى، أن نقاتل بها إن شئت. فقال له رسول الله ﷺ: «ذلك بيننا وبينك». فانصرف أبو سفيان، فقدم مكة، فلقي رجلًا من أشْجَع يقال له: نُعيم بن مسعود، فقال له: إني قد واعدت محمدًا وأصحابه، ولا أخرج إليهم، وأكره أن يخرج محمد وأصحابه ولا أخرج، فيزيدهم ذلك علي جرأة، ويكون الخلف منهم أحب إلي، فلك عشرة من الإبل إن أنت حبسته عني فلم يخرج، فقدم الأشجعي المدينة وأصحاب رسول الله ﷺ يتجهزون لميعاد أبي سفيان، فقال: أين تريدون؟ فقالوا: واعدَنا أبا سفيان أن نلتقي بموسم بدر فنقتتل بها. فقال: بئس الرأي رأيتم، أتوكم في دياركم وقراركم فلم يفلت منكم إلا شريد، وأنتم تريدون أن تخرجوا إليهم وقد جمعوا لكم عند الموسم، والله إذن لا يفلت منكم أحد. فكره أصحاب رسول الله ﷺ أن يخرجوا، فقال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده لأخرجن، وإن لم يخرج معي منكم أحد». فخرج معه سبعون رجلًا حتى وافوا معه بدرًا، ولم يخرج أبو سفيان، ولم يكن قتال، فتَسَوَّقوا في السوق، ثم انصرفوا
قال محمد بن السائب الكلبي: بلَغَنا أن رسول الله ﷺ لما صافَّ المشركين يوم بدر، قال -لِيُحَرِّض الناس على القتال-: «إن الله وعدني أن يفتح لي بدرًا، وأن يغنمني عسكرهم؛ فمن قتل قتيلًا فله كذا وكذا من غنيمتهم -إن شاء الله-». فلما تَوافَدُوا أدخل الله في قلوب المشركين الرُّعب، فانهزموا، فأتبعهم سَرَعانٌ من الناس؛ فقتلوا سبعين، وغنموا العسكر وما فيه، وأقام وجوه الناس مع رسول الله في مَصافِّه، فلم يشُذَّ عنه منهم أحد، ثم قام أبو اليَسَر بن عمرو الأنصاري من بني سلمة فكَلَّم رسول الله، فقال: يا رسول الله، إنك وعدت من قتل قتيلًا أو أسر أسيرًا من غنيمة القوم الذي وعدتهم، وإنا قتلنا سبعين، وأسرنا سبعين. ثم قام سعد بن معاذ، فقال: يا رسول الله، إنه ما منعنا أن نطلب كما طلب هؤلاء زهادة في الأجر، ولا جبن عن العدو، ولكنا خفنا أن نُعَرِّي صَفَّك فتعطف عليك خيل المشركين. فأعرض عنهما رسول الله. ثم قال أبو اليَسَر مثل كلامه الأول، وعاد سعد فتكلم مثل كلامه الأول. وقال: يا رسول الله، الأسارى والقتلى كثير، والغنيمة قليلة، وإن تُعْطِ هؤلاء الذي ذكرت لهم لم يَبْقَ لسائر أصحابك كبير شيء. فنزلت هذه الآية: ﴿يسألونك عن الأنفال﴾ فقسمه رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار
عن عبد الله بن عباس، قال: كان أبو روميٍّ مِن شرِّ أهل زمانه، وكان لا يدع شيئًا مِن المحارم إلا ارتكبه، وكان النبيُّ ﷺيقول: «لَئِن رأيتُ أبا روميٍّ في بعض أزِقَّة المدينةِ لَأَضْرِبَنَّ عنقه». وإنّ بعض أصحاب النبيِّ ﷺ أتاه ضَيْفٌ له، فقال لامرأته: اذهبي إلى أبي رُومِيٍّ، فخُذي لنا منه بدرهم طعامًا حتى يُيَسِّره الله. فقالت له: إنّك لتبعثني إلى أبي رُوميٍّ وهو مِن أفسقِ أهل المدينة؟! فقالَ: اذهبي، فليس عليك مِنه بأسٌ -إن شاء اللهُ-. فانطلَقَتْ إليه فضربتْ عليه الباب، فقال: مَن هذا؟ فقالت: فلانةُ. قال: ما كُنتِ لنا بزوّارة! ففتح لها البابَ، فأخذها بكلام رَفَثٍ، ومدَّ يده إليها، فأخذها رعدةٌ شديدة، فقال لها: ما شأنُكِ؟ قالت: إنّ هذا عَمَلٌ ما عَمِلْتُه قطُّ. قال أبو روميٌّ: ثَكِلَتْ أبا روميٍّ أمُّه، هذا عَمَلٌ عَمِلَه منذُ هو صغيرٌ، لا تأخذه رِعْدَةٌ ولا يُبالي، على أبي رومي عهدُ الله إن عاد لشيءٍ مِن هذا أبدًا. فلمّا أصبح غدا على النبي ﷺ، فقال: «مرحبًا بأبي روميٍّ». وأخذ يُوَسِّع له بالمكان، وقال له: «يا أبا روميٍّ، ما عَمِلْتَ البارحة؟». فقال: ما عسى أن أعمل، يا نبيَّ الله؟! أنا شرُّ أهلِ الأرض. فقال النبيُّ ﷺ: «إن الله قد حوَّل مَكْتَبَكَ إلى الجنة». فقال: ﴿يمحوا الله ما يشاءُ ويثبتُ﴾
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذآ أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله﴾، نزلت في عياش بن أبي ربيعة بن المغيرة بن عمرو بن مخزوم القرشي، وذلك أنّ عيّاشًا أسلم، فخاف أهلَ بيته، فهرب إلى المدينة بدينه قبل أن يُهاجِر النبيُّ ﷺ إليها، فحلفت أمه أسماءُ بنت مخرمة بن أبي جندل بن نهشل التميمي ألا تأكل، ولا تشرب، ولا تغسل رأسها، ولا تدخل كِنًّا، حتى يرجع إليها، فصبرت ثلاثة أيام، ثم أكلت وشربت، فركب أبو جهل -عدوُّ الله- والحارث ابنا هشام، وهما أخواه لأمه، وهما بنو عمٍّ، حتى أتيا المدينة، فلقياه، فقال أبو جهل لأخيه عياش: قد علمت أنك كنت أحبَّ إلى أمك من جميع ولدها، وآثَرَ عندها -لأنه كان أصغرهم سِنًّا، وكان بها بارًّا-، وقد حلفت أمُّك ألا تأكل، ولا تشرب، ولا تغسل رأسها، ولا تدخل بيتًا، حتى ترجع إليها، وأنت تزعم أنّ في دينك بِرَّ الوالدين، فارجع إليها، فإنّ ربك الذي بالمدينة هو بمكة، فاعبده بها. فأخذ عياشٌ عليهم المواثيقَ ألّا يُحَرِّكاه، فاتبعهما، فأوثقاه، ثم جلده كلُّ واحد منهما مائة جلدة حتى يبرأ من دين محمد ﷺ؛ فأنزل الله عز وجل في عياش: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله﴾
قال مقاتل بن سليمان: لما نزلت ﴿وأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤] يعني: بني هاشم، وبني المُطَّلِب، وهما ابنا عبد مناف بن قُصيّ، قال النبي ﷺ: «يا علي، قد أُمرتُ أنْ أُنذِر عشيرتي الأقربين، فاصنع لي طعامًا حتى أدعوهم عليه، وأُنذِرهم». فاشترى عليٌّ -رحمة الله عليه- رِجل شاة، فطبخها، وجاء بعُسٍّ من لبن، فدعا النبي ﷺ بني هاشم وبني المُطَّلِب إلى طعامه، وهم أربعون رجلًا غير رجل، على رِجل شاة، وعُسٍّ من لبن، فأكلوا حتى شبعوا، وشربوا حتى رَوُوا. فقال أبو لهب: لهذا ما سحركم به، الرجال العشرة مِنّا يأكلون الجَذعة، ويشربون العُسّ، وإنّ محمدًا قد أشبعكم أربعين رجلًا مِن رِجل شاة، ورواكم مِن عُسٍّ من لبن. فلما سمع ذلك منه رسول الله ﷺ شقّ عليه، ولم يُنذِرهم تلك الليلة، وأمر النبيُّ عليًّا أن يتخذ لهم ليلة أخرى مثل ذلك، ففعل، فأكلوا حتى شبعوا، وشربوا حتى رَووا، فقال النبي ﷺ: «يا بني هاشم، ويا بني المُطَّلِب، أنا لكم النذير من الله، وأنا لكم البشير مِن الله؛ إني قد جئتكم بما لم يجئ به أحدٌ من العرب، جئتكم في الدنيا بالشّرف، فأسلِموا تسْلموا، وأطيعوني تهتدوا». فقال أبو لهب: تبًّا لك -يا محمد- سائر اليوم، لهذا دعوتنا؟! فأنزل الله عز وجل فيه: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ﴾
علَّق ابنُ كثير (٤/٢٦٥) على هذا الحديث بقوله: «لفظ الترمذي، ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعلم أحدًا أسنده غير محمد بن سلمة الحراني، وروى يونس بن بكير وغير واحد، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة مرسلًا لم يذكروا فيه عن أبيه عن جده. ورواه ابن حاتم عن هاشم بن القاسم الحراني، عن محمد بن سلمة، به ببعضه. ورواه ابن المنذر في تفسيره: حدثنا محمد بن إسماعيل -يعني الصائغ -حدثنا الحسن بن أحمد ابن أبي شعيب الحراني، حدثنا محمد بن سلمة. فذكره بطوله. ورواه أبو الشيخ الأصبهاني في تفسيره عن محمد بن العباس بن أيوب والحسن بن يعقوب، كلاهما عن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني، عن محمد بن سلمة، به. ثم قال في آخره: قال محمد بن سلمة: سمع مني هذا الحديث يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن إسرائيل. وقد روى الحاكم أبو عبد الله النيسابوري هذا الحديث في كتابه المستدرك، عن أبي العباس الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار العطاردي، عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق بمعناه أتم منه، وفيه الشعر. ثم قال: وهذا حديث صحيح، على شرط مسلم، ولم يخرجاه»
علّق ابنُ جرير (١٩/٢٨٢) على قراءة الحسن: «وروي عن الحسن أنه قرأ ذلك: (حَتّى إذا فُرِغَ عَن قُلُوبِهِمْ) بالراء والغين على التأويل الذي ذكرناه عن ابن زيد، وقد يحتمل توجيه معنى قراءة الحسن ذلك كذلك إلى: حتى إذا فرغ عن قلوبهم فصارت فارغة من الفزع الذي كان حلَّ بها». وذكر ابنُ عطية (٧/١٨٤) عن الحسن في هذه القراءة عدة أوجه، فقال: «وقرأ الحسن البصري بخلاف (فُزِعَ) بضم الفاء وكسر الزاي وتخفيفها، كأنه بمعنى: أقلع، ومن قال بأنها في العالم أجمعه قال: معنى هذه القراءة: فزع الشيطان عن قلوبهم، أي: بادر. وقرأ أيوب عن الحسن أيضًا (فُرِّغَ) بالفاء المضمومة والراء المشددة غير منقوطة والغين المنقوطة من التفريغ، قال أبو حاتم: رواها عن الحسن نحو من عشرة أنفس، وهي قراءة أبي مجلز. وقرأ مطر الوراق عن الحسن: (فُزِعَ) على بناء الفعل للفاعل، وهي قراءة مجاهد، وقرأ الحسن أيضًا (فَرَغَ) بالراء غير منقوطة مخففة من الفراغ، قال أبو حاتم: وما أظن الثقات رووها عن الحسن على وجوه إلا لصعوبة المعنى عليه؛ فاختلفت ألفاظه فيها». وعلّق عليها ابنُ كثير (١١/٢٨٢) على قراءة الحسن المذكورة، فقال: «وقرأ بعض السلف -وجاء مرفوعًا-: (حَتّى إذا فُرِّغَ) بالغين المعجمة، ويرجع إلى الأول [يعني: قراءة: فُزِّع]»