قال مقاتل بن سليمان: ثم خوّف كفار مكة بمثل عذاب الأمم الخالية ليحذروا، فيوحِّدوه، فقال تعالى: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ يعني: قبل أهل مكة مِن الأمم الخالية، يعني: عادًا، وثمود، وقوم لوط، ﴿كانُوا أكْثَرَ مِنهُمْ﴾ من أهل مكة عددًا، ﴿وأَشَدَّ قُوَّةً﴾ يعني: بَطْشًا، ﴿وآثارًا فِي الأَرْضِ﴾ يعني: أعمالًا ومُلكًا في الأرض، فكان عاقبتهم العذاب، ﴿فَما أغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ في الدنيا حين نزل بهم العذاب، يقول: ما دفع عنهم العذاب أعمالهم الخبيثة
قال مقاتل بن سليمان: ﴿لَهُمْ ما يَشاؤُونَ﴾ مِن الخير فِيها، وذلك أنّ أهل الجنّة يزورون ربّهم على مقدار كلّ يوم جمعة في رمال المِسْك، فيقول: سَلوني. فيسألونه الرضا، فيقول: رضاي أُحلكم داري، وأُنيلكم كرامتي. ثم يقرّب إليهم ما لم تره عين، ولم تسمعه أذن، ولم يخطر على قلب بشر، ثم يقول: سَلوني ما شئتم. فيسألونه حتى تنتهي مسألتهم، فيُعطَون ما سألوا وفوق ذلك، فذلك قوله: ﴿لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها﴾ ثم يزيدهم الله مِن عنده ما لم يسألوا ولم يتمنّوا ولم يخطر على قلب بشر من جنّة عدن، فذلك قوله تعالى: ﴿ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ يعني: وعندنا مزيد
اختُلِف في قوله: ﴿ولبثوا في كهفهم... ﴾ على قولين: الأول: أن هذا قول أهل الكتاب، فرده الله تعالى عليهم بقوله: ﴿قل الله أعلم بما لبثوا﴾. والثاني: أن هذا إخبار من الله تعالى عن مدة بقائهم في الكهف. ورجَّح ابنُ جرير (١٥/٢٣١-٢٣٢ بتصرف) مستندًا إلى ظاهر القرآن، ودلالة العقل القولَ الثاني الذي قاله مجاهد، وابن عمير، وابن إسحاق، والضحاك، وانتقد الأول، فقال: «الدالُّ على أنه -جلّ ثناؤه- ابتدأ الخبر عن قدر لبثهم في كهفهم ابتداء، فقال: ﴿ولَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وازْدادُوا تِسْعًا﴾، ولم يضع دليلًا على أن ذلك خبر منه عن قول قوم قالوه، وغير جائز أن يضاف خبره عن شيء إلى أنه خبر عن غيره بغير برهان؛ لأنّ ذلك لو جاز جاز في كل أخباره، وإذا جاز ذلك في أخباره جاز في أخبار غيره أن يضاف إليه أنها أخباره، وذلك قلب أعيان الحقائق وما لا يخيل فساده». وبنحوه ابنُ كثير (٩/١٢٦). وكذا رجَّحه ابنُ عطية (٥/٥٩٣). وانتقد ابنُ كثير (٩/١٢٦) ما استدل به أصحاب القول الأول مستندًا إلى الدلالات العقلية، وشذوذ قراءة ابن مسعود، فقال: «وفي هذا الذي زعمه قتادة نظر؛ فإن الذي بأيدي أهل الكتاب أنهم لبثوا ثلاثمائة سنة من غير تسع، يعنون بالشمسية، ولو كان الله قد حكى قولهم لما قال: ﴿وازْدادُوا تِسْعًا﴾... ورواية قتادة قراءة ابن مسعود منقطعة، ثم هي شاذة بالنسبة إلى قراءة الجمهور فلا يُحْتَجُّ بها»
قال يحيى بن سلام: ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف﴾، وهذا عند انقضاء العِدَّة قبل أن ينقضي، ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة إذا كانت مِمَّن يحيض، فإن كانت مِمَّن لا تحيض وليست بحاملٍ فما لم تَنقَضِ ثلاثةُ أشهر، وإن كانت حامِلًا ما لم تضع حَمْلَها، فإن كان في بطنها اثنان أو ثلاثة فما لم تضع الآخَرَ فهو يراجعها قبل ذلك إن شاء، فإنِ انقَضَتِ العِدَّةُ ولم يراجعها فهي تَطْلِيقَةٌ بائِنة. قال: ﴿أو سرحوهن بمعروف﴾، فالَّتسريح في كتاب الله واحدة بائنة. وكان زيدُ بن ثابت يقول: إن اختارت نفسَها فثلاثٌ، وكان ابن عمر وابن مسعود يقولان: واحدةٌ، وهو أحقُّ بها، وإن اختارته فلا شيء لها. كأنهما يقولان: إنّما يكونُ في طلاق السُّنَّة على الواحدة، ولا ينبغي للرجل أن يُطَلِّق ثلاثًا جميعًا، فإنّما خيرها على وجه ما ينبغي له أن يطلقها، وأما إذا قال: أمرك بيدك. ففي قولهما: إذا طلقَّتْ نفسَها ثلاثًا فهي واحدة على هذا الكلام الأول، وكان عليٌّ ورجال معه من أصحاب النبي عليه السلام يقولون: القولُ ما قالتْ. غير أنّ ابن عمر قال: إلا أن يقول: إنّما ملكتها في واحدة. فيحلف على ذلك، ويكون قضاؤها في واحدة، وبه يأخذ يحيى، ذكره عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر
عن صفوان بن عبد الله، قال: استأذن سعدٌ على ابن عامر، وتحته مرافِقُ من حرير، فأمر بها، فرُفعت، فلما دخل سعد دخل وعليه مِطْرف مِن خَزٍّ! فقال له: استأذنتَ عَلَيَّ وتحتي مرافقُ مِن حرير، فأمرتُ بها فرُفعت! فقال له سعد: نِعم الرجل أنت، إن لم تكن ممن قال الله: ﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا﴾، واللهِ، لأن أضطجع على جمر الغضى أحبّ إلي مِن أن أضطجع عليها. قال: فهذا عليك شطره حرير وشطره خَزّ؟! قال: إنما يلي جلدي منه الخزّ
نقل ابنُ عطية (٧/٩) في معنى: ﴿ظاهِرًا﴾ في هذه الآية أقوالًا أخرى: الأول: «معناه: بيِّنًا». ووجَّهه بقوله: «أي: ما أدَّته إليهم حواسهم، فكأن علومهم إنما هي علوم البهائم». الثاني: «معناه: ذاهبًا زائلًا». ووجَّهه بقوله ""أي: يعلمون من أمور الدنيا التي لا بقاء لها ولا عاقبة، ومثل هذه اللفظة قول الهُذَلي:وعَيَّرَها الواشون أني أُحِبُّها... وتِلْكَ شَكاةٌ ظاهرٌ عنك عارُها"". الثالث: «قال الرماني: كل ما يُعلم بأوائل الرؤية فهو الظاهر، وما يعلم بدليل العقل فهو الباطن». وعلَّق (٧/١٠) عليه بقوله: «وفيه تقع الغفلة، وتقصير الجهال»
علَّق ابنُ كثير (٦/٢٥٠-٢٥١) على قول قتادة، فقال: «وهو كما قال، فإنّ جميع الأنبياء قبله كلهم كانت دعوتهم إلى الإسلام، وأصله عبادة الله وحده لا شريك له، كما قال: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]، وقد أخبر تعالى عن نوح أنه قال لقومه: ﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللَّهِ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٧٢]، وقال تعالى: ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وإنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ * إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ * ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إلا وأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٠-١٣٢]، وقال يوسف: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ أنْتَ ولِيِّي فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ [يوسف:١٠١]، وقال موسى: ﴿يا قَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ * فَقالُوا عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ * ونَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ [يونس:٨٤-٨٦]، وقال تعالى: ﴿إنّا أنزلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا والرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ بِما اسْتُحْفِظُوا مِن كِتابِ اللَّهِ﴾ الآية [المائدة:٤٤]، وقال تعالى: ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ أنْ آمِنُوا بِي وبِرَسُولِي قالُوا آمَنّا واشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة:١١١]»
عن أبي إسحاق -من طريق معمر- ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها﴾، قال: نَزَلَتْ في امرأةٍ اسمها: خَوْلَة -وقال عكرمة: اسمها: خُوَيلَة ابنة ثَعْلَبة، وزوجها أوْس بن الصّامت- جاءت النبيَّ ﷺ، فقالتْ: إنّ زوجها جعلها عليه كظَهْر أُمّه. فقال النبي ﷺ: «ما أراكِ إلا قد حَرُمتِ عليه». وهو حينئذ يغسل رأسه، فقالت: انظر، جُعِلتُ فداك، يا نبي الله. فقال: «ما أراكِ إلا قد حَرُمتِ عليه». فقالت: انظر في شأني، يا رسول الله. فجَعلت تجادله، ثم حوّل رأسه ليغسله، فتَحوّلتْ من الجانب الآخر، فقالت: انظر، جعلني الله فداك، يا نبي الله. فقالت الغاسلة: أقْصِري حديثكِ ومُخاطبتكِ، يا خُوَيلَة، أما ترين وجه رسول الله ﷺ مُتربّدًا ليُوحى إليه. فأنزل الله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها﴾ حتى بلغ: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾. قال قتادة: فحرّمها، ثم يريد أن يعود لها فيطأها، ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ حتى بلغ ﴿بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
ذكر ابنُ جرير (٢/٢٦٥ بتصرف) في معنى قوله تعالى: ﴿وأشربوا في قلوبهم العجل﴾ قولين: أحدهما: أنهم أُشرِبُوا حبه. والآخر: أنهم شربوا الماء الذي ألقى موسى عليه السلام فيه برادة العجل. ثم رجَّحَ الأولَ مستندًا إلى دلالةِ اللغة، والعقل، والنّظائر، فقال: ""وأَوْلى التأويلين اللذَّيْن ذكرت تأويل مَن قال: وأشربوا في قلوبهم حب العجل؛ لأن الماء لا يقال منه: أُشرِبَ فلان في قلبه، وإنما يقال ذلك في حب الشيء، فيقال منه: أُشْرِب قلبُ فلان حُبَّ كذا، بمعنى: سُقِيَ ذلك حتى غَلَب عليه وخالَط قلبه، ولكنه ترك ذكر الحُبِّ اكتفاءً بفهم السامع لمعنى الكلام؛ إذ كان معلومًا أنّ العجل لا يُشرِب القلب، وأن الذي يشرب القلب منه حبه، كما قال -جل ثناؤه-: ﴿واسْأَلْهُمْ عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ﴾ [الأعراف:١٦٣]، ﴿واسْأَلِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها﴾ [يوسف:٨٢]، وكما قال الشاعر:حسِبتُ بُغامَ راحلتي عَناقًا وما هي ويبَ غيرِك بالعَناقِ""
عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك: كانت الكتبُ إلى قبائل العرب المرتدة كتابًا واحدًا: بسم الله الرحمن الرحيم، مِن أبي بكر خليفة رسول الله ﷺ، إلى مَن بلغه كتابي هذا مِن عامَّةٍ وخاصَّة؛ أقام على إسلامه أو رجع عنه، سلامٌ على مَنِ اتَّبَع الهدى، ولم يرجع بعد الهدى إلى الضلالة والعمى. فإنِّي أحمدُ اللهَ إليكم، الله الذي لا إله إلا هو، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، نُقِرُّ بما جاء به، ونُكَفِّر مَن أبى، ونجاهده. أمّا بعدُ، فإنّ الله تعالى أرسل محمدًا بالحقِّ مِن عنده إلى خلقه بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا؛ لينذر مَن كان حيًّا، ويحق القول على الكافرين، فهدى اللهُ بالحق مَن أجاب إليه، وضرب رسولُ الله ﷺ بإذنه مَن أدبر عنه، حتى صار الإسلامُ طوعًا وكرهًا، ثُمَّ تَوَفّى اللهُ رسولَه ﷺ، وقد نفذ لأمر الله، ونصح لأمته، وقضى الذى عليه، وكان الله قد بيَّن له ذلك ولأهل الاسلام في الكتاب الذي أنزل، فقال: ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾ [الزمر:٣٠]، وقال: ﴿وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإيْن مت فهم الخالدون﴾ [الأنبياء: ٣٤]، وقال للمؤمنين: ﴿وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإيْن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزى الله الشاكرين﴾. فمَن كان إنّما يعبد محمدًا فإنّ محمدًا قد مات، ومَن كان إنّما يعبد الله وحدَه لا شريك له فإنّ الله له بالمرصاد حَيٌّ قيُّومٌ لا يموت، ولا تأخذه سِنَةٌ ولا نوم، حافظ لأمره، منتقم من عدوه ويجزيه. وإنِّي أوصيكم بتقوى الله، وحظكم ونصيبكم من الله، وما جاءكم به نبيكم ﷺ، وأن تهتدوا بهُداه، وأن تعتصموا بدين الله، فإنّ كُلَّ مَن لم يهده اللهُ ضالٌّ، وكل مَن لم يُعافِه مُبْتلًى...