ذكر ابن عطية (٢‏/‏٣٤٩) أن اللام «في قوله: ﴿لِيَقْطَعَ﴾ متعلقة بقوله: ﴿وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾، وعلى هذا لا يكون قطع الطرف مختصًّا بيوم، اللهم إلا أن تكون الألف واللام في ﴿النصر﴾ للعهد»، ثم ذكر لتعلّق اللام احتمالين آخرين: الأول: أن «العامل فيه ﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ﴾ حكاه ابن فورك»، ثم انتقده مستندًا إلى دلالة لفظ الآية قائلًا: «وهو قلق؛ لأن قوله: ﴿أوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ لا يترتب عليه». والآخر: «أن تكون اللام في قوله: ﴿لِيَقْطَعَ﴾ متعلقة بـ﴿جَعَلَهُ﴾، فيكون قطع الطَّرَف إشارةً إلى من قُتل ببدر على ما قال الحسن وابن إسحاق وغيرهم، أو إلى من قُتل بأُحُد على ما قال السُّدِّي»

اختُلِف في معنى الصور على معنيين: الأول: قرن ينفخ فيه نفختان: إحداهما لفناء من كان حيًّا على الأرض، والثانية لنشر كل ميت. والثاني: الصور في هذا الموضع: جمع صورة، ينفخ فيها روحها، فتحيا. ورجَّح ابنُ جرير (٩‏/‏٣٤٠) القول الأول دون الثاني الذي قاله الحسن وقتادة مستندًا إلى السنة، فقال: «والصواب من القول في ذلك عندنا ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «إنّ إسرافيل قد التقم الصور، وحنى جبهته، ينتظر متى يؤمر فيَنفُخ». وأنّه قال: «الصور قرن ينفخ فيه»». وبنحوه رجَّح ابنُ كثير (٦‏/‏٨٢) مستندًا إلى السُّنَّة

أفادت الآثارُ الاختلافَ في المعنيِّ بقوله تعالى: ﴿واللذان يأتيانها منكم﴾ على ثلاثة أقوال: أولها: أنّ المعنيَّ بها: البكران غير المحْصَنَين من الرجال والنساء. وهذا قول السديِّ، وابن زيد. وثانيها: أنّ المعنيَّ بها: الرجلان الزانيان. وهذا قول مجاهد. وثالثها: أنّ المعنيَّ بها: الرجل والمرأة؛ بكران أو ثيّبان. وهذا قول عطاء، وعكرمة، والحسن، وعبد الله بن كثير. ورَجَّحَ ابنُ جرير (٦‏/‏٥٠١-٥٠٢) القولَ الأولَ استنادًا إلى اللغة، والنظائر، والسياق، وقال: «لو كان مقصودًا بذلك قصد البيان عن حُكْمِ الزناة مِن الرجال، كما كان مقصودًا بقوله: ﴿واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم﴾ قصد البيان عن حكم الزواني؛ لقيل: والذين يأتونها منكم فآذوهم. أو قيل: والذي يأتيها منكم. كما قيل في التي قبلها: ﴿واللاتي يأتين الفاحشة﴾، فأخرج ذكرَهُنَّ على الجميع، ولم يقل: واللتان يأتيان الفاحشة. وكذلك تفعل العربُ إذا أرادت البيانَ على الوعيد على فعلٍ أو الوعدِ عليه أخرجت أسماءَ أهلِه بذكر الجميع أو الواحد؛ وذلك أن الواحدَ يدل على جنسه، ولا تخرجها بذكر اثنين، فتقول: الذين يفعلون كذا فلهم كذا، والذي يفعل كذا فله كذا، ولا تقول: اللذان يفعلان كذا فلهما كذا. إلا أن يكون فعلًا لا يكون إلا من شخصين مختلفين، كالزِّنا لا يكون إلا من زانٍ وزانية. فإذا كان ذلك كذلك قيل بذكر الاثنين، يُراد بذلك الفاعل والمفعول به. فأمّا أن يذكر بذكر الاثنين، والمراد بذلك شخصان في فعل قد ينفرد كل واحد منهما به، أو في فعل لا يكونان فيه مشتركين؛ فذلك ما لا يُعْرف في كلامها». ثُمَّ انتَقَدَ القولين الآخرين من جهة اللغة، والعقل، فقال: «وإذا كان ذلك كذلك فبيِّنٌ فسادُ قول مَن قال: عُنِي بقوله: ﴿واللذان يأتيانها منكم﴾ الرجلان. وصحةُ قول مَن قال: عني به: الرجل والمرأة. وإذا كان ذلك كذلك فمعلومٌ أنهما غير اللواتي تقدم بيان حكمهن في قوله: ﴿واللاتي يأتين الفاحشة﴾؛ لأنّ هذين اثنان، وأولئك جماعة. وإذا كان ذلك كذلك فمعلومٌ أنّ الحبس كان للثيِّبات عقوبةً حتى يَتَوَفَّيْن مِن قبلِ أن يجعل لهن سبيلًا؛ لأنّه أغلظُ في العقوبة مِن الأذى الذي هو تعنيفٌ وتوبيخٌ أو سَبٌّ وتعييرٌ، كما كان السبيل التي جعلت لهن من الرجم أغلظ من السبيل التي جعلت للأبكار من جلد المائة ونفي السنة». وعلَّقَ ابنُ عطية (٢‏/‏٤٩١) على القول الأول بقوله: «ومعنى هذا القولِ تامٌّ، إلا أن لفظ الآية يقلق عنه»

سورة النجم — الآية ١٤

قال مقاتل بن سليمان: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ أغصانها اللؤلؤ والياقوت والزَّبَرْجد، وهي شجرة عن يمين العرش فوق السماء السابعة العليا... وإنما سُمّيت: المنتهى؛ لأنها ينتهي إليها عِلْمُ كلِّ مَلك مخلوق، ولا يعلم ما وراءها أحدٌ إلا الله عز وجل، كلّ ورقة منها تُظِلُّ أُمّةً مِن الأمم، على كلّ ورقة منها مَلَك يذكرُ الله عز وجل، ولو أنّ ورقة منها وُضِعَت في الأرض لأضاءت لأهل الأرض نورًا، تحمل لهم الحُلل والثمار من جميع الألوان، ولو أنّ رجلًا ركب حِقَّةً فطاف على ساقها ما بلغ المكان الذي ركب منه حتى يقتله الهَرَم، وهي طوبى التي ذكر الله تعالى في كتابه: ﴿طُوبى لَهُمْ وحُسْنُ مَآبٍ﴾ [الرعد:٢٩]، ينبع مِن ساق السّدرة عينان؛ أحدهما السلسبيل، والأخرى الكوثر، فينفجر من الكوثر أربعة أنهار، التي ذكر الله تعالى في سورة محمد ﷺ؛ الماء، واللبن، والعسل، والخمر

سورة البروج — الآية ٢

عن خباب، عن رجل، قال: دخلتُ مسجد المدينة، فإذا أنا برجل يُحدّث عن رسول الله - ﷺ - والناسُ حوله، فقلتُ: أخبِرني عن: ﴿شاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾. قال: نعم؛ أمّا الشاهد: فيوم الجمعة، وأمّا المشهود: فيوم عرفة. فجُزته الى آخر يُحدّث عن رسول الله - ﷺ -، فقلتُ: أخبِرني عن: ﴿شاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾. قال: الشاهد: يوم الجمعة، والمشهود: يوم النحر. فجُزتهما الى غلام كأنّ وجهه الدينار، وهو يُحدِّث عن رسول الله - ﷺ -، فقلتُ: أخبِرني عن: ﴿شاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾. قال: نعم؛ أمّا الشاهد: فمحمد - ﷺ -، وأمّا المشهود: فيوم القيامة، أما سمعته يقول: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥]، وقال - عز وجل -: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣]؟ فسألتُ عن الأول، فقالوا: ابن عباس، وسألتُ عن الثاني، فقالوا: ابن عمر، وسألتُ عن الثالث، فقالوا: الحسن بن علي

لم يذكر ابنُ جرير (٥‏/‏٤٣٦) إلا ما جاء في هذا القول من أنّ ﴿إلى﴾ بمعنى: مع، ووجَّهَه مستندًا إلى لغة العرب بقوله: «وإنما حَسُنَ أن يقال: ﴿إلى الله﴾ بمعنى: مع الله؛ لأن من شأن العرب إذا ضموا الشيء إلى غيره، ثم أرادوا الخبر عنهما بضم أحدهما مع الآخر إذا ضم إليه؛ جعلوا مكان»مع«:»إلى«أحيانًا». وخالف ابنُ عطية (٢‏/‏٢٣٤) ابنَ جرير، حيث ذهب إلى أنّ ﴿إلى﴾ في الآية ليست بمعنى: مع، وإنما هي للدلالة على الغاية، فقال مُعَلِّقًا على قول مَن جعلها بمعنى: مع: «نعم، إنّ»مع«تسد في هذه المعاني مَسَدَّ»إلى«، لكن ليس يباح من هذا أن يقال: إن»إلى«بمعنى»مع«، حتى غلط في ذلك بعض الفقهاء في تأويل قوله تعالى: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾ [المائدة:٦]، فقال: ﴿إلى﴾ بمعنى»مع«، وهذه عجمة، بل ﴿إلى﴾ في هذه الآية غاية مجردة، وينظر هل يدخل ما بعد ﴿إلى﴾ فيما قبلها من طريق آخر». وبنحوه قال ابنُ كثير (٣‏/‏٦٧). ويكون معنى قوله: ﴿من أنصاري إلى الله﴾ عندهما، أي: من يتبعني أو من ينصرني في السبيل إلى الله

اختُلِف في الوقت الذي يودُّ فيه الذين كفروا لو كانوا مسلمين على أقوال: الأول: عند معاينة الموت في الدنيا. الثاني: عند معاينة أهوال يوم القيامة. الثالث: عند دخولهم النار ومعرفتهم بدخول المؤمنين الجنة. وعلَّق ابنُ عطية (٥‏/‏٢٧٢) على القول الثاني بقوله: «وهذا بيِّن؛ لأنّ حُسْن حال المسلمين ظاهر فَيُوَدُّ». وعلى القول الثالث بقوله: «واحتج لهذا القول بحديث رُوي في هذا من طريق أبي موسى الأشعري، وهو أنّ الله تعالى إذا أدخل عصاة المسلمين النارَ نظر إليهم الكفار، فقالوا: أليس هؤلاء مِن المسلمين؟ فماذا أغنت عنهم: لا إله إلا الله؟ قال: فيغضب الله تعالى لقولهم، فيقول: أخرِجوا مِن النار كل مسلم. قال رسول الله ﷺ: «فحينئذٍ يودُّ الذين كفروا لو كانوا مسلمين»». وانتقد القولَ الأول مستندًا إلى الدلالة العقلية قائلًا: «وفيه نظر؛ إذ لا يقين للكافر حينئذٍ بحُسْن حال المسلمين»

سورة آل عمران — الآية ٦١

قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أرْبابًا مِّن دُونِ الله﴾؛ لأنهم اتخذوا عيسى ربًّا، ﴿فَإن تَوَلَّوْاْ﴾ يعني: فإن أبَوُا التوحيد ﴿فَقُولُواْ﴾ لهم أنتم: ﴿اشهدوا بِأَنّا مُسْلِمُونَ﴾، يعني: مخلصين بالتوحيد، فقال العاقب: ما نصنع بملاعنته شيئًا، فواللهِ، لَئِن كان كاذِبًا ما مُلاعنته بشيء، ولَئن كان صادِقًا لا يأتي علينا الحَوْل حتى يُهْلِك الله الكاذبين. قالوا: يا محمد، نُصالِحك على أن [لا] تغزونا ولا تخيفنا ولا تَرُدَّنا عن ديننا، على أن نُؤَدِّي إليك ألف حُلَّة في صَفَر، وألف حُلَّة في رجب، وعلى ثلاثين دِرعًا مِن حديد عادِيَّة، فصالحهم النبيُّ ﷺ على ذلك، فقال: «والذي نفس محمد بيده، لو لاعنوني ما حال الحول ويحضرني منهم أحد، ولَأهلك الله الكاذبين». قال عمر رضى الله عنه: لو لاعنتَهم بيد مَن كنت تأخذ؟ قال: «آخذ بيد علي، وفاطمة، والحسن، والحسين عليهم السلام وحفصة، وعائشة، -رحمهما الله-»

اختُلِف في تفسير الحدود التي إذا خيف من الزوجين ألا يُقيماها حَلَّت له الفِدْيَةُ من أجل الخوف عليهما تضييعَها؛ فقال قوم: هو استخفافُ المرأة بحقِّ زوجها، وأذاها له بالكلام. وقال آخرون: معنى ذلك: فإن خِفْتُم ألّا يُطِيعا. ورَجَّح ابنُ جرير (٤‏/‏١٤٨-١٤٩) عمومَ هذه الحدود لكل الفرائض الواجبة على كليهما نحو بعضهما البعض مستندًا لِما رُوِي عن السلف في ذلك، فقال: «والصَّوابُ من القول في ذلك: فإن خفتم ألّا يُقيما حدودَ الله ما أوجب اللهُ عليهما من الفرائض فيما أُلْزِمَ كُلُّ واحد منهما مِن الحق لصاحبه من العشرة بالمعروف، والصحبة بالجميل؛ فلا جناح عليهما فيما افتدت به». ثم بَيَّنَ دخولَ القولين الوارِدَيْن فيما ذَكَرَ، فقال: «وقد يدخل في ذلك ما رويناه عن ابن عباس، والشعبي، وما رويناه عن الحسن، والزهري؛ لأنّ من الواجب للزوج على المرأة إطاعتَه فيما أوجب اللهُ طاعتَه فيه، وأن لا تُؤْذِيَه بقولٍ، ولا تَمْتَنِعَ عليه إذا دعاها لحاجته، فإذا خالفت ما أمرها اللهُ به من ذلك كانت قد ضَيَّعَتْ حدود الله التي أمرها بإقامتها»

سورة المؤمنون — الآية ١٠١

قال يحيى بن سلّام: قوله: ﴿فإذا نفخ في الصور﴾ والصور: قَرْن، في تفسير عمرو [بن عبيد]، عن الحسن: أنّ أنسابَهم يومئذٍ قائمةٌ معروفةٌ، قال: ﴿يوم يفر المرء من أخيه (٣٤) وأمه وأبيه﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٥]، وسمعتُ بعضَ الكوفيين يقول: ﴿يبصرونهم﴾ [المعارج: ١١] أي: يرونهم. يقول: يعرفونهم في مواطن، ولا يعرفونهم في مواطن