قال ابنُ عطية (٤/٢٩٢-٢٩٣): «الذي كثر في كتب أهل العلم: أنّ فرقة من اليهود تقول هذه المقالة. ورُوِي: أنّه لم يقلها إلا فِنْحاص. وقال ابن عباس: قالها أربعة مِن أحبارهم: سلام بن مشكم، ونعمان بن أوفى، وشاس بن قيس، ومالك بن الصيف. وقال النقاش: لم يبقَ يهوديٌّ يقولها، بل انقرضوا. قال القاضي أبو محمد: فإذا قالها واحدٌ فيتوجه أن يلزم الجماعة شنعة المقالة؛ لأجل نباهة القائل فيهم، وأقوال النبهاء أبدًا مشهورة في الناس، يحتج بها، فمن هنا صحَّ أن تقول الجماعة قول نَبِيهها». وقال ابنُ تيمية (٣/٣٤١): «جِنسُ اليهود قال هذا، لم يقل هذا كلُّ يهوديٍّ»
علّق ابنُ جرير (١٩/٢٤٦) على قراءتي الجمع والإفراد في قوله: ﴿مسكنهم﴾، فقال: «والصواب من القول في ذلك عندنا: أن كل ذلك قراءات متقاربات المعنى، فبأي ذلك قرأ القارئ فمصيب». وعلّق ابنُ عطية (٧/١٧٣) على قراءة الجمع، فقال: «وقرأ جمهور القراء: ‹فِي مَساكِنِهِمْ› لأن كل أحد له مسكن». وعلّق على قراءة الإفراد، فقال: «وقرأ الكسائي وحده: ‹فِي مَسْكِنِهِمْ› بكسر الكاف، أي: في موضع سكناهم، وهي قراءة الأعمش وعلقمة، قال أبو علي: والفتح حسن أيضًا، لكن هذا كما قالوا: مسجد، وإن كان سيبويه يرى هذا اسم البيت، وليس موضع السجود. قال: هي لغة الناس اليوم، والفتح هي لغة الحجاز، وهي اليوم قليلة»
علَّق ابنُ كثير (١٣/٣٤-٣٥) على هذا الحديث بقوله: «رواه ابن جرير عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن أبي زرعة وهب الله بن راشد، عن يونس بن يزيد الأيلي، به. ورواه البيهقي في الدلائل، من حديث عبد الله بن صالح -كاتب الليث- عن الليث، عن يونس به. وقد روى إسحاق بن راهويه، عن جرير، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن مسعود، فذكر نحو ما تقدم. ورواه الحافظ أبو نعيم، من طريق موسى بن عبيدة، عن سعيد بن الحارث، عن أبي المعلى، عن ابن مسعود فذكر نحوه أيضًا». وذكره (١٣/٣٦) من طريق آخر ووصفه بالغرابة الشديدة
عن علي بن أبي طالب -من طريق عباد بن عبد الله- قال: لَمّا نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾؛ دعاني رسول الله ﷺ، فقال: «يا عليُّ، إنّ الله أمرني أن أُنذِر عشيرتي الأقربين، فضِقت ذَرْعًا، وعرفت أنِّي مهما أُبادئهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره، فَصَمَتُّ عليها حتى جاء جبريل، فقال: يا محمد، إنّك إن لم تفعل ما تُؤمَر به يعذبْك ربُّك. فاصنع لي صاعًا مِن طعام، واجعل عليه رِجْل شاة، واجعل لنا عُسًّا مِن لبن، ثم اجمع لي بني عبد المطلب حتى أكلمهم، وأُبَلِّغ ما أُمرتُ به». ففعلتُ ما أمرني به، ثم دعوتهم له، وهم يومئذ أربعون رجلًا، يزيدون رجلًا أو ينقصونه، فيهم أعمامه؛ أبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبو لهب. فلما اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذي صنعتُ لهم، فجئتُ به، فلما وضعتُه تناول النَّبي ﷺ حِذْيةً مِن اللحم، فشقَّها بأسنانه، ثم ألقاها في نواحي الصحفة، ثم قال: «كلوا بسم الله». فأكل القومُ حتى تهلوا عنه، ما نرى إلا آثارَ أصابعهم، واللهِ، إن كان الرجل الواحد منهم لَيأكل مثل ما قدمتُ لجميعهم، ثم قال: «اسقِ القوم، يا علي». فجئتهم بذلك العُسّ، فشربوا منه حتى رَوَوْا جميعًا، وايمُ الله، إن كان الرجل منهم ليشرب مثله، فلما أراد النبيُّ ﷺ أن يكلمهم بَدَرَه أبو لهب إلى الكلام، فقال: لقد سحركم صاحبُكم. فتفرَّق القوم، ولم يكلمهم النبي ﷺ، فلما كان الغد، قال: «يا عليُّ، إنّ هذا الرجل قد سبقني إلى ما سمعتَ مِن القول، فتفرَّق القومُ قبل أن أكلمهم، فعُد لنا بمثل الذي صنعت بالأمس مِن الطعام والشراب، ثم اجمعهم لي». ففعلتُ، ثم جمعتهم، ثم دعاني بالطعام، فقرَّبته، ففعل كما فعل بالأمس، فأكلوا وشربوا حتى نهلوا، ثم تكلَّم النبي ﷺ، فقال: «يا بني عبد المطلب، إنِّي -واللهِ- ما أعلم شابًّا في العرب جاء قومه بأفضلَ مِمّا جئتُكم به، إنِّي قد جئتُكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيُّكم يؤازِرني على أمري هذا؟». فقلتُ وأنا أحدثهم سِنًّا: أنا. فقام القوم يضحكون
عن ابن عمر: أنّ أبا بكر وعمر وناسًا جلَسوا بعدَ وفاة النبي ﷺ، فذكَروا أعظمَ الكبائر، فلم يكنْ عندَهم فيها عِلمٌ، فأرْسَلوني إلى عبد الله بن عمرو أسألُه، فأخبَرني أنّ أعظم الكبائر شُرْبُ الخمر، فأتيتُهم فأخبَرتُهم، فأنكَروا ذلك، ووثَبوا إليه جميعًا حتى أتَوه في داره، فأخبرَهم أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ مَلِكًا من ملوك بني إسرائيل أخَذ رجلًا، فخيَّره بينَ أن يَشرَبَ الخمر، أو يقتُلَ نفسًا، أو يزني، أو يأكُلَ لحم الخنزير، أو يقتُلوه، فاختار الخمر، وإنّه لَمّا شَرِبه لم يَمْتَنِعْ من شيءٍ أرادوه منه». وإنّ رسول الله ﷺ قال: «ما مِن أحدٍ يَشرَبُها فتُقْبَلَ له صلاةٌ أربعينَ ليلةً، ولا يموتُ وفي مثانتِه منه شيءٌ إلا حُرِّمَت عليه بها الجنة، فإن مات في أربعينَ ليلةً مات مِيتةً جاهليةً»
عن الحسن: أنّ عمر بن الخطاب أُتِي بفروة كسرى بن هُرْمُز، فوُضِعَتْ بين يديه، وفي القوم سُراقة بن مالك، فأخذ عمر سِوارَيْهِ، فرمى بهما إلى سُراقة، فأخذهما، فجعلهما في يديه، فبلغتا منكبيه، فقال: الحمدُ لله، سِوارا كسرى بن هرمز في يد سُراقة بن مالك بن جُعْشُم؛ أعرابيٌّ مِن بني مدلج! ثم قال: اللَّهُمَّ، إنِّي قد علمتُ أنّ رسولك قد كان حريصًا على أن يصيب مالًا ينفقه في سبيلك وعلى عبادك، فزَوَيْتَ عنه ذلك نظرًا مِنك وخيارًا، اللَّهُمَّ، إنِّي قد علمتُ أنّ أبا بكر كان يحب مالًا ينفقه في سبيلك وعلى عبادك، اللَّهُمَّ، إنِّي أعوذ بك أن يكون هذا مكرًا منك بعمر. ثم تلا: ﴿أيحسبون إنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون﴾
عن محمد بن إسحاق، قال: فحدثني عبد الله بن أبي بكر: أنّ رسول الله ﷺ حين بلغه أن عثمان قد قُتِل، قال: «لا نبرح حتى نناجز القوم». ودعا الناس إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، فكان الناس يقولون: بايعهم رسول الله ﷺ على الموت. فكان جابر بن عبد الله يقول: إنّ رسول الله ﷺ لم يبايعنا على الموت، ولكنه بايعنا على أن لا نَفِرّ. فبايع رسولُ الله ﷺ الناسَ، ولم يتخلف عنه أحدٌ مِن المسلمين حضرها إلا الجدُّ بنُ قيس أخو بني سلمة، كان جابر بن عبد الله يقول: لَكأنِّي أنظر إليه لاصقًا بإبط ناقته، قد اختبأ إليها، يستتر بها مِن الناس. ثم أتى رسولَ الله ﷺ أنّ الذي ذُكِر مِن أمر عثمان باطلٌ
اختُلِف في الخلق الآخر على أقوال: الأول: نفخ الروح فيه. الثاني: تصريفه إياه في الأحوال بعد الولادة؛ في الطفولة، والكهولة، والاغتذاء، ونبات الشعر، والسن، ونحو ذلك من أحوال الأحياء في الدنيا. الثالث: كمال الشباب. ورجَّح ابنُ جرير (١٧/٢٤-٢٥) مستندًا إلى الدلالات العقلية القولَ الأول الذي قاله علي بن أبي طالب، وابن عباس من طريق عطاء، وعكرمة، والشعبي، ومجاهد، وأبو العالية، والضحاك، وابن زيد، والحسن، والكلبي، ومقاتل، فقال: «وذلك أنه بِنَفْخِ الروحِ فيه يتحول خلقًا آخر إنسانًا، وكان قبل ذلك بالأحوال التي وصفه الله أنه كان بها؛ من نطفة وعلقة ومضغة وعظم، وبنفخ الروح فيه؛ يتحول عن تلك المعاني كلها إلى معنى الإنسانية، كما تَحول أبوه آدم بنفخ الروح في الطينة التي خلق منها إنسانًا وخلقًا آخر غير الطين الذي خُلِق منه». ولم ير ابنُ كثير (١٠/١١٤) منافاة بين هذا القول والقول الثاني الذي قاله ابن عباس من طريق العوفي، وقتادة، والضحاك، فقال: «ولا منافاة؛ فإنه من ابتداء نفخ الروح فيه شرع في هذه التنقلات والأحوال». وساق ابنُ عطية (٦/٢٨٣) الأقوال، ثم انتقد ما فيها من تخصيص، مستندًا إلى دلالة العموم، فقال: «وهذا التخصيص كله لا وجه له، وإنما هو عامٌّ في هذا وغيرِه مِن وجوه النطق والإدراك وحسن المحاولة؛ هو بها آخَرَ، وأول رتبة من كونه آخَرَ هي نفخ الروح فيه، والطرف الآخر من كونه آخَرَ تحصيله المعقولات»
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن جُرَيْج- في قوله: ﴿إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم﴾، قال: فِئَةٌ من قريش: قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة، والحارث بن زَمْعَة بن الأسود بن المطلب، وعلي بن أمية بن خلف، والعاصي بن منبه بن الحجاج، خرجوا مع قريش من مكة وهم على الارتياب، فحَبَسهم ارتيابُهم، فلمّا رأوا قلة أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: غر هؤلاء دينهم. حتى قَدِموا على ما قَدِموا عليه مع قِلَّة عددهم وكثرة عدوهم، فشُرِّد بهم مَن خلفهم
علّق ابن عطية (٢/٤٥٩) بقوله: «قد قال بعض الناس: إنّ قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس﴾ حيث وقع إنما هو مكِّيٌّ؛ فيشبه أن يكون صدر هذه السورة مكيًّا، وما نزل بعد الهجرة فإنما هو مدنيٌّ وإن نزل في مكة، أو في سفر من أسفار النبي ﷺ. وقال النحاس: هذه السورة مكية. قال القاضي أبو محمد: ولا خلاف أنّ فيها ما نزل بالمدينة، وفي البخاري: آخر آية نزلت: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ [النساء:١٧٦] ذكرها في تفسير سورة براءة من رواية البراء بن عازب، وفي البخاري عن عائشة أنّها قالت: ما نزلت سورةُ النساء إلا وأنا عند رسول الله ﷺ. تعني: قد بنى بها»