عن سعد بن أبي وقاص -من طريق مصعب بن سعد- قال: نزَلت فِيَّ ثلاثُ آياتٍ من كتاب الله: نزَل تحريمُ الخمر؛ نادمتُ رجلًا، فعارضتُه وعارضَني، فعربَدتُ عليه، فشجَجْتُه؛ فأنزل الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر﴾ إلى قوله: ﴿فهل أنتم منتهون﴾. ونزلت فِيَّ: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها﴾ إلى آخر الآية [الأحقاف:١٥]. ونزلت: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة﴾ [المجادلة:١٢]، فقدَّمتُ شعيرةً، فقال رسول الله ﷺ: «إنّك لَزهيد». فنَزلت الآيةُ الأُخرى: ﴿أأشفقتم أن تقدموا﴾ الآية [المجادلة:١٣]
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ﴾ إن تركوا عبادتهم ﴿ولا يَنْفَعُهُمْ﴾ إنْ عبدوها. وذلك أنّ أهل الطائف عبدوا اللّاتَ، وعبد أهلُ مكَّة العُزّى، ومَناةَ، وهُبَلَ، وإساف، ونائلة لقبائل قريش، ووُدٌّ لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الجَندَلِ، وسُواع لهُذَيل، ويغوث لبني غُطَيْفٍ مِن مُرادٍ بِالجُرُفِ من سبأ، ويَعُوق لهَمْدان ببَلْخَعَ، ونَسْرٌ لِذي الكَلاعِ مِن حِمْيَر، قالوا: نعبدها لتشفع لنا يوم القيامة. فذلك قوله: ﴿ويَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ ولا فِي الأَرْضِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ويَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني: صدّقوا بالقرآن: ﴿لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ﴾ وذلك أنّ المؤمنين اشتاقوا إلى الوحي، فقالوا: هلّا نزلتْ سورة! ﴿فَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ﴾ يعني بالمُحكمة: ما فيها من الحلال والحرام، ﴿وذُكِرَ فِيها القِتالُ﴾ وطاعة الله، والنبي ﷺ، وقول معروف حَسن؛ فرح بها المؤمنون، فيها تقديم، ثم ذكر المنافقين، فذلك قوله: ﴿رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ يعني: الشكّ في القرآن، منهم عبد الله بن أُبَيّ، ورفاعة بن زيد، والحارث بن عمرو ﴿يَنْظُرُونَ إلَيْكَ نَظَرَ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ﴾ غمًّا وكراهية لنزول القرآن
قال مقاتل بن سليمان: قوله: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وما فِي الأَرْضِ﴾، يقول: أحاط عِلْمُه بذلك كلّه، ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ﴾ يعني: نَفرٌ ثلاثة ﴿إلّا هُوَ رابِعُهُمْ﴾ يعني: عِلْمه معهم إذا تَناجَوْا، ﴿ولا خَمْسَةٍ إلّا هُوَ سادِسُهُمْ﴾ يعني: عِلْمه معهم، ﴿ولا أدْنى مِن ذلِكَ﴾ يعني: ولا أقل مِن ثلاث نَفرٍ، وهما اثنان، ﴿ولا أكْثَرَ﴾ من خمسة نَفرٍ ﴿إلّا هُوَ﴾ يعني: إلا وعِلْمه ﴿مَعَهُمْ أيْنَ ما كانُوا﴾ مِن الأرض، ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ يعني: بما يَتناجون فيه، ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ مِن أعمالهم ﴿عَلِيمٌ﴾
أفادت الآثار اختلاف المفسرين فيمن نزل قوله تعالى: ﴿فَما لَكُمْ فِي المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ على أقوال: الأول: في الذين تخلَّفُواْ عن رسول الله ﷺ يوم أحد، وقالوا: لو نعلم قتالًا لاتبعناكم. وهو قول زيد بن ثابت. الثاني: في قوم قَدِمُوا المدينة فأسلموا، ثم رجعوا إلى مكة فارتدوا وأظهروا الشرك. وهو قول مجاهد. الثالث: في قوم أظهروا الإسلام بمكة، وكانوا يُعينون المشركين على المسلمين. وهو قول ابن عباس، وقتادة، ومعمر، والضحاك. الرابع: في قوم من أهل المدينة أرادوا الخروج عنها نفاقًا. وهو قول السدي، ومحمد القرظي. الخامس: أنها نزلت في قوم من أهل الإفك. وهو قول ابن زيد. ورَجَّح ابنُ جرير (٧/٢٨٦) مستندًا إلى ظاهر القرآن القول الثاني، وعلَّل ذلك، فقال: «لأنّ اختلاف أهل التأويل في ذلك إنما هو على قولين: أحدهما: أنهم قوم كانوا من أهل مكة. والآخر: أنهم قوم كانوا من أهل المدينة. وفي قول الله -جلَّ ثناؤه-: ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنهُمْ أوْلِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أوضح الدليل على أنهم كانوا من غير أهل المدينة؛ لأن الهجرة كانت على عهد رسول الله ﷺ إلى داره ومدينته من سائر أرض الكفر، فأما من كان بالمدينة في دار الهجرة مقيمًا من المنافقين وأهل الشرك، فلم يكن عليه فرض هجرة؛ لأنه في دار الهجرة كان وطنه ومقامه». وعلَّق ابنُ عطية (٢/٦٢٠) على قول ابن عباس، ومجاهد، فقال: «وهذان القولان يعضدهما ما في آخر الآية من قوله تعالى: ﴿حَتّى يُهاجِرُوا﴾». ثم انتَقَد(٢/٦٢٠-٦٢١) القول بأنهم كانوا من أهل المدينة، فقال: «وكل مَن قال في هذه الآية: إنها في مَن كان بالمدينة. يردُّ عليه قوله: ﴿حَتّى يُهاجِرُوا﴾». ثم التمس له توجيهًا، فقال: «لكنهم يخرجون المهاجرة إلى هجر ما نهى الله عنه، وترك الخلاف والنفاق، كما قال عليه الصلاة والسلام: «والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه»»
عن عكرمة مولى ابن عباس، ومحمد ابن شهاب الزهري، نحوه
قال ابن جريج: وقال مجاهد مثل قول ابن عباس سواء
اختُلِف في معنى: ﴿ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ في هذه الآية على قولين: الأول: وللاختلاف خلقهم. الثاني: وللرحمة خلقهم. وفرق ابنُ عطية (٥/٣٤) بين قول ابن عباس ومالك وبين قول الحسن، بينما جعلهما ابن جرير قولًا واحدًا. ورجَّح ابنُ جرير (١٢/٦٤٠-٦٤١) مستندًا إلى دلالة السياق القول الأول، وعلَّل ذلك بقوله: «لأنّ الله -جلَّ ثناؤه- ذَكَر صنفين من خلقه: أحدهما: أهلُ اختلافٍ وباطلٍ، والآخر: أهل حقٍّ. ثم عقَّب ذلك بقوله: ﴿ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾، فعمَّ بقوله: ﴿ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ صفة الصِّنفين، فأخبر عن كلِّ فريقٍ منهما أنه مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له. فإن قال قائل: فإن كان تأويل ذلك كما ذَكَرتَ فقد ينبغي أن يكون المختلفون غير ملومين على اختلافهم؛ إذ كان لذلك خلقَهُم ربُّهم، وأن يكون المتمتِّعون هم الملومين؟ قيل: إنّ معنى ذلك بخلاف ما إليه ذهبتَ، وإنما معنى الكلام: ولا يزال الناس مختلفين بالباطل من أديانهم ومللهم، ﴿إلا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾ فهداه للحقِّ ولعلمه، وعلى علمه النافذ فيهم قبل أن يخلقهم -أنه يكون فيهم المؤمن والكافر، والشقيُّ والسعيد- خلقهم، فمعنى اللام في قوله: ﴿ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ بمعنى: على، كقولك للرجل: أكرمتك على بِرِّك بي، وأكرمتك لبرِّك بي». ونقل ابنُ عطية عن فرقة أنّ المعنى: «ولشهود اليوم المشهود -المتقدم ذكره- خلقهم». ونقل عن فرقة أخرى: أنّ «»ذلك«إشارة إلى قوله قَبْلُ: ﴿فَمِنهُمْ شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾، أي: لهذا خلقهم». ثم استدرك عليهما قائلًا: «وهذان المعنيان وإن صحّا فهذا العَوْدُ المتباعد ليس بجيِّد». وعلَّق على قول مالك: خلقهم ليكون فريق في الجنة، وفريق في السعير. بقوله: «فجاءت الإشارة بـ»ذلك«إلى الأمرين معًا: الاختلاف والرحمة، وقد قاله ابن عباس، واختاره الطبري، ويجيء عليه الضمير في ﴿خَلَقَهُمْ﴾ للصنفين». وعلَّق على قول الحسن: خلقهم للاختلاف. بقوله: «ويعترض هذا بأن يقال: كيف خلقهم للاختلاف؟ وهل معنى الاختلاف هو المقصود بِخَلْقِهم؟ فالوجه في الانفصال أن نقول: إنّ قاعدة الشرع أنّ الله عز وجل خلق خلقًا للسعادة وخلقًا للشقاوة، ثم يسَّر كُلًّا لِما خُلِق له، وهذا نصٌّ في الحديث الصحيح، وجعل بعد ذلك الاختلاف في الدين على الحق هو أمارة الشقاوة، وبه تعلَّق العقاب، فيصح أن يحمل قوله هنا: وللاختلاف خلقهم. أي: لثمرة الاختلاف وما يكون عنه من الشقاوة». وعلَّق ابنُ كثير (٧/٤٩٠) على القول الثاني بقوله: «ويرجع معنى هذا القول إلى قوله تعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾» [الذاريات: ٥٦]
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ويَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ* فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ ويَسْئَلُونَكَ عَنِ اليَتامى﴾، وذلك أنّ الله عز وجل أنزَل في أموال اليتامى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نارًا وسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠]. فلَمّا نزلت هذه الآيةُ أشفق المسلمون من خُلْطَة اليتامى، فعَزَلُوا بيتَ اليتيم وطعامَه وخُدّامه على حِدَةٍ؛ مخافة العُذْرِ، فشَقَّ ذلك على المسلمين وعلى اليتامى اعتزالهم، فقال ثابت بن رِفاعَة للنبي ﷺ: قد سمِعْنا ما أنزل الله عز وجل في اليتامى فعَزَلْناهم والذي لهم، وعزَلْنا الذي لنا، فشَقَّ ذلك علينا وعليهم، وليس كلُّنا يَجِدُ سَعَةً في عَزْلِ اليتيمِ وطعامِه وخادمِه، فهل يصلح لنا خُلْطَتُهم، فيكون البيتُ والطعامُ [واحدًا] والخدمةُ وركوبُ الدّابَّةِ، ولا نَرْزَأَهُم شيئًا إلّا أن نعود عليهم بأفضل منه. فأنزل الله عز وجل فى قول ثابت بن رِفاعَة الأنصارى: ﴿ويَسْئَلُونَكَ عَنِ اليَتامى قُلْ إصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾
عن عبد الله بن عباس -من طريق عبد الملك بن عمير- قال: أُهْدِي للنبي ﷺ بغلة؛ أهداها له كسرى، فركبها بِحَبْلٍ مِن شَعرٍ، ثم أردفني خلفه، ثم سار بي مَلِيًّا، ثم التَفَتَ فقال: «يا غُلامُ» قلت: لبيك يا رسول الله، قال: «احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ أمامَكَ، تَعَرَّفْ إلى اللَّهِ فِي الرَّخاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، وإذا سَأَلْتَ فاسْأَلِ اللَّهَ، وإذا اسْتَعَنْتَ فاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، قَدْ مَضى القَلَمُ بِما هُوَ كائِنٌ، فَلَوْ جَهَدَ النّاسُ أنْ يَنْفَعُوكَ بِما لَمْ يَقْضِهِ اللَّهُ لَكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، ولَوْ جَهَدَ النّاسَ أنْ يَضُرُّوكَ بِما لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ عَلَيْكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَعْمَلَ بِالصَّبِرِ مَعَ اليَقِينِ فافْعَلْ، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فاصْبِرْ، فَإنَّ فِي الصَّبْرِ عَلى ما تَكْرَهُهُ خَيْرًا كَثِيرًا، واعْلَمْ أنَّ مَعَ الصَّبْرِ النَّصْرَ، واعْلَمْ أنَّ مَعَ الكَرْبِ الفَرَجِ، واعْلَمْ أنَّ مَعَ العُسْرِ اليَسَرَ»