اختُلِف في المراد بقوله: ﴿إن الذين آمنوا ثم كفروا... ﴾ على ثلاثة أقوال: الأول: أنّ الآية في اليهود والنصارى، آمنت اليهود بموسى والتوراة ثم كفروا، وآمنت النصارى بعيسى والإنجيل ثم كفروا، ثم ازدادوا كفرًا بمحمد ﷺ. والثاني: أنّها في المنافقين؛ فإنّ منهم مَن كان يؤمن ثم يكفر، ثم يؤمن ثم يكفر، يَتَرَدَّد في ذلك، فنزلت هذه الآية فيمن ازداد كفرًا بأن تَمَّ على نفاقه حتى مات. والثالث: أنّها في أهل الكتابين: التوراة والإنجيل، أتوا ذنوبًا في كفرهم فتابوا، فلم تقبل منهم التوبة فيها مع إقامتهم على كفرهم. ورَجَّح ابنُ جرير (٧‏/‏٥٩٨-٥٩٩) القول الأول الذي قاله قتادة، ومقاتل، وأبي العالية، مستندًا إلى السياق، فقال: «لأنّ الآية قبلها في قصص أهل الكتابين، أعني: قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله﴾، ولا دلالة تدل على أنّ قوله: ﴿إن الذين آمنوا ثم كفروا﴾ منقطعٌ معناه مِن معنى ما قبله، فإلحاقُه بما قبله أولى، حتى تأتي دلالةٌ دالَّةٌ على انقطاعه منه». وانتقد ابنُ عطية (٣‏/‏٤٥-٤٦) ما رَجَّحه ابنُ جرير مستندًا لمخالفته ظاهر الآية، والسياق، والدلالات العقلية، ورَجَّح القول الثاني الذي قاله مجاهد وابن زيد، فقال: «وقول قتادة... قول ضعيف، تدفعه ألفاظ الآية، وذلك أنّ الآية إنما هي في طائفةٍ يَتَّصِفُ كلُّ واحد منها بهذه الصفة مِن التردد بين الكفر والإيمان، ثم يزداد كفرًا بالموافاة، واليهود والنصارى لم يترتب في واحد منهم إلا إيمان واحد وكفر واحد، وإنما يتخيل فيهم الإيمان والكفر مع تلفيق الطوائف التي لم تتلاحق في زمان واحد، وليس هذا مقصد الآية، وإنما توجد هذه الصفة في شخص مِن المنافقين؛ لأنّ الرجل الواحد منهم يؤمن ثم يكفر، ثم يوافي على الكفر، وتأمل قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾، فإنّها عبارة تقتضي أنّ هؤلاء محتومٌ عليهم من أول أمرهم، ولذلك ترددوا، وليست هذه العبارة مثل أن يقول: لا يغفر الله لهم. بل هي أشدُّ، وهي مشيرةٌ إلى استدراج مَن هذه حاله وإهلاكِه، وهي عبارة تقتضي لسامعها أن ينتبه ويراجع قبل نفوذ الحتم عليه وأن يكون من هؤلاء، وكلُّ مَن كفر كفرًا واحدًا ووافى عليه فقد قال الله تعالى: إنه لا يغفر له. ولم يقل: لم يكن الله ليغفر له. فتأمَّل الفرق بين العبارتين؛ فإنّه مِن دقيق غرائب الفصاحة التي في كتاب الله تعالى، كأن قوله: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ﴾ حُكْمٌ قد تقرَّر عليهم في الدنيا وهم أحياء». ثم ذكر أنّ الآيات بعدها في المنافقين؛ فيترجَّح أن هذه فيهم كذلك. وعلَّق (٣‏/‏٤٥) على قول الحسن بن أبي الحسن: أنّ الآية في الطائفة من أهل الكتاب التي قالت: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ [آل عمران:٧٢] بأنّه: «جيِّدٌ مُحْتَمل»

سورة إبراهيم — الآية ٢٨

عن أبي عبيد الله عذار بن عبد الله، قال: سمعتُ أبا رَوْق [عطية بن الحارث الهمداني]، في هذه الآية: ﴿ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار﴾، قال: أبو جهل وأصحابه

سورة الروم — الآية ٣٩

عن أبي عبيد الله عذار بن عبد الله، قال: سمعت أبا روق الهمداني، وفي قوله تعالى: ﴿وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله﴾، قال: يهدي الهدية يلتمس بها أكثر منها

سورة التحريم — الآية ٤

عن أبي عبيد الله عِذارُ بن عبد الله، قال: سمعتُ أبا رَوْق الهَمداني، في قوله تعالى: ﴿وصالح المؤمنين﴾، قال: أبو بكر

سورة الممتحنة — الآية ١

عن عبد الرحمن بن حاطِب بن أبي بَلْتَعة -من طريق عُروة بن الزبير- وحاطِب رجلٌ مِن أهل اليمن كان حليفًا للزّبير بن العوام مِن أصحاب النبيِّ ﷺ، قد شهد بدرًا، وكان بنوه وإخوته بمكة، فكتب حاطِب -وهو مع رسول الله ﷺ بالمدينة- إلى كفار قريش بكتاب يَنتَصح لهم فيه، فدعا رسولُ الله ﷺ عليًّا والزّبير، فقال لهما: «انطلِقا حتى تُدركا امرأة معها كتاب، فخُذا الكتاب، فائتِياني به». فانطلَقا حتى أدركا المرأة بحُلَيْفة بني أحمد، وهي من المدينة على قريب من اثني عشر ميلًا، فقالا لها: أعطِنا الكتاب الذي معكِ. قالت: ليس معي كتاب. قالا: كَذبتِ، قد حدَّثنا رسول الله ﷺ: أنّ معكِ كتابًا، واللهِ، لَتُعْطِيَنّ الكتاب الذي معكِ، أو لا نَترك عليكِ ثوبًا إلا التمَسنا فيه. قالتْ: أوَلَستم بناس مسلمين؟ قالا: بلى، ولكن رسول الله ﷺ قد حدَّثنا أنّ معكِ كتابًا. حتى إذ ظنتْ أنهما مُلتَمسان كلّ ثوب معها، حلّتْ عِقاصها، فأَخرجتْ لهما الكتاب مِن بين قرون رأسها، كانت قد اعتَقَصتْ عليه، فأَتيا رسول الله ﷺ، فإذا هو كتاب من حاطِب بن أبي بَلْتَعة إلى أهل مكة، فدعا رسولُ الله ﷺ حاطبًا، قال: «أنتَ كتبتَ هذا الكتاب؟». قال: نعم. قال: «فما حمَلكَ على أن تَكتب به؟». قال حاطِب: أما واللهِ ما ارتبتُ منذ أسلمتُ في الله عز وجل، ولكني كنتُ امرءًا غريبًا فيكم أيها الحي مِن قريش، وكان لي بنون وإخوة بمكة، فكتبتُ إلى كفار قريش بهذا الكتاب لكي أدفع عنهم. فقال عمر: ائذن لي -يا رسول الله- أضرب عُنُقه. فقال رسول الله ﷺ: «دَعْه؛ فإنه قد شهد بدرًا، وإنك لا تدري لعلّ الله اطّلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فإني غافِر لكم ما عمِلتم». فأنزل الله في ذلك: ﴿يأَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أوْلِياءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ﴾ حتى بلغ: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ﴾

سورة البقرة — الآية ٣٠

عن عبد الله بن مسعود، وناس من أصحاب النبي - ﷺ - -من طريق السُّدِّيّ، عن مُرَّة الهمداني-، وعبد الله بن عباس -من طريق السُّدِّيّ، عن أبي مالك وأبي صالح-: لَمّا فَرَغَ اللهُ مِن خَلْق ما أحبَّ استوى على العرش، فجعل إبليسُ على مُلْك سماء الدنيا، وكان من قبيلةٍ من الملائكة يقال لهم: الجن؛ وإنما سموا الجِنَّ لأنهم خُزّان الجنة، وكان إبليس مع مُلْكِه خازِنًا، فوقع في صدره كِبْر، وقال: ما أعطاني الله هذا إلا لمزيد لي على الملائكة، فلما وقع ذلك الكِبْرُ في نفسه اطَّلَع الله على ذلك منه، فقال الله للملائكة: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾. قالوا: ربَّنا، وما يكون ذلك الخليفة؟ قال: يكون له ذريةٌ، يُفْسِدون في الأرض، ويَتَحاسَدُون، ويقتل بعضهم بعضًا. قالوا: ربنا، أتجعل فيها من يفسد فيها، ويسفك الدماء، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟! قال: إني أعلم ما لا تعلمون. يعني: من شأن إبليس. فبعث جبريلَ - عليه السلام - إلى الأرض؛ ليأتيه بطِين منها، فقالت الأرض: إنِّي أعوذ بالله منك أن تنقص مني، أو تُشِينَنِي. فرجع، ولم يأخذ، وقال: ربِّ، إنها عاذتْ بك؛ فأعذتُها. فبعث الله ميكائيل، فعاذت منه، فأعاذها، فرجع، فقال كما قال جبريل، فبعث ملك الموت، فعاذت منه، فقال: وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره. فأخذ من وجه الأرض، وخلط، فلم يأخذ من مكان واحد، وأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء؛ فلذلك خرج بنو آدم مختلفين، فصعد به، فبلَّ التراب حتى عاد طينًا لازِبًا -واللازِب: هو الذي يلتزق بعضه ببعض-، ثم تُرِك حتى أنتَن وتَغَيَّر، وذلك حين يقول: ﴿من حمإٍ مسنون﴾ [الحجر: ٢٦]، قال: مُنتِن. ثم قال للملائكة: ﴿إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين﴾ [ص: ٧٢]، فخلقه الله بيديه لكيلا يتكبر إبليس عليه؛ ليقول له: تتكبَّر عما عَمِلْتُ بيَدَيَّ ولم أتكبر أنا عنه؟ فخلقه بشرًا، فكان جسدًا من طين أربعين سنة من مقدار يوم الجمعة، فمَرَّت بهالملائكة، ففزِعوا منه لَمّا رَأَوْه، وكان أشدهم منه فَزَعًا إبليس، فكان يَمُرُّ فيضربه، فيُصَوِّت الجسدُ كما يُصَوِّت الفَخّارُ، وتكون له صَلْصَلَة، فذلك حين يقول: ﴿من صلصال كالفخار﴾ [الرحمن: ١٤]، ويقول: لأمر ما خُلِقْتَ. ودخل من فِيه، فخرج من دُبُرِه، فقال للملائكة: لا ترهبوا من هذا، فإن ربكم صَمَد، وهذا أجْوَف، لئن سُلِّطت عليه لأُهْلِكَنَّه. فلما بلغ الحينُ الذي يريد الله -جل ثناؤه- أن ينفخ فيه الروح، قال للملائكة: إذا نفخت فيه من روحي فاسجدوا له. فلما نفخ فيه الروح، فدخل الروح في رأسه عَطَس، فقالت له الملائكة: قل: الحمد لله. فقال: الحمد لله. فقال له الله: رحمك ربك. فلما دخل الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة، فلما دخل في جوفه اشتهى الطعام، فوثب قبل أن تبلغ الروح رجليه عَجْلان إلى ثمار الجنة، فذلك حين يقول: ﴿خلق الإنسان من عجل﴾ [الأنبياء: ٣٧]. ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين﴾ [الحجر: ٣٠ - ٣١]، أي: استكبر، وكان من الكافرين. قال الله له: ما منعك أن تسجد إذ أمرتك لما خَلَقْتُ بيَدَيَّ؟ قال: أنا خير منه، لم أكن لأسجد لبشر خلقتَه من طين. قال الله له: اخرج منها ﴿فما يكون لك﴾ يعني: ما ينبغي لك ﴿أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين﴾ [الأعراف: ١٣]. والصَّغار هو الذُّلُّ. قال: ﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾، ثم عَرَض الخلق على الملائكة، فقال: ﴿أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين﴾ أنّ بني آدم يُفْسِدون في الأرض، ويسفكون الدماء. فقالوا له: ﴿سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم﴾. قال الله: ﴿يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون﴾. قال: قولهم: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها﴾، فهذا الذي أبدوا، وأعلم ما كنتم تكتمون، يعني: ما أسَرَّ إبليسُ في نفسه من الكِبْر

في ﴿لَذِكْرٌ﴾ قولان: أحدهما: الشرف. الثاني: أنه لذكر لك ولقومك تذكرون به أمر الدين وتعملون به. ونسبه ابنُ عطية (٧‏/‏٥٥٠-٥٥١) للحسن بن أبي الحسن، وذكر أنّ الآية تحتمل القولين، وأنّ «القوم» -على القول الأول-: قريش، ثم العرب، وعلى الثاني: أمته بأجمعها. ورجَّح ابنُ تيمية (٥‏/‏٥٢٦) القول الثاني، وذكر أنه أصح القولين. وانتقد الأول الذي قاله ابن عباس، وقتادة، ومجاهد، والسُّدّيّ، وابن زيد، ومقاتل، ومجاهد، مستندًا إلى ظاهر الآية، والدلالة العقلية، فقال: «وليس بشيء؛ فإنّ القرآن هو شرفٌ لِمَن آمن به مِن قومه وغيرهم، وليس شرفًا لجميع قومه، بل مَن كذّب به منهم كان أحقّ بالذّم كما قال تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ﴾ [المسد:١]، وقال تعالى: ﴿وكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وهُوَ الحَقّ﴾ [الأنعام:٦٦]، بخلاف كونه تذكرة وذكرى؛ فإنّه تذكرة لهم ولغيرهم، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لا أسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أجْرًا إنْ هُوَ إلاَّ ذِكْرى لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنعام:٩٠]، فعمّ العالمين جميعهم، فقال: ﴿وما تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ هُوَ إلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾»

سورة الحشر — الآية ١٦

قال يحيى بن سلّام: وبلَغني: أنّ عابِدًا كان في بني إسرائيل قد خرج من الدنيا، واتَّخذ دِيرًا يتعبّد فيه، فطلبه الشيطان أن يُزيله، فلم يستطع عليه، فلما رأى ذلك الشيطانُ جاء إلى ابنة الملِك، فدخل فيها، فأخذها، فدَعَوا لها الأطباء، فلم يُغنوا عنها شيئًا، فتكلّم على لسانها، فقال: لا ينفعها شيءٌ إلا أن تأتُوا بها إلى فلان الرّاهب، فيدعو لها. فذهبوا بها إليه، فجعلوها عنده، فأصابها يومًا ما كان بها، فانكشفتْ، وكانت امرأة حسناء؛ فأعجبه بياضها وحُسنها، فوقع بها، فأَحبَلها، فذهب الشيطان إلى أبيها وإخوتها، فأخبَرهم، وقال له: اقتلها، وادفنها، لا يُعلَم أنك قتلتَها. فقتَلها الرّاهب، ودفنَها إلى أصل حائط، وجاء أبوها وإخوتها، وجاء الشيطان بين أيديهم، فسبَقهم إلى الرّاهب، وقال: إنّ القوم قد علِموا ما صنعتَ بالمرأة، فإن سجدتَ لي سجدةً رددتُهم عنك. فسجَد له، فلما سجَد له أخزاه الله، وتبرّأ منه الشيطان، وجاء أبوها وإخوتها، فاستخرَجوها من حيث دَفنها، وعَمدوا إلى الرّاهب، فصلَبوه. فضرب الله مثل المنافقين حين خَذلوا اليهود، فلم ينصروهم، وقد كانوا وعدوهم النّصرة، كمثَل الشيطان في هذه الآية: ﴿إذْ قالَ لِلْإنْسانِ اكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكَ إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾ وكذب، قال الله: ﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما أنَّهُما فِي النّارِ خالِدَيْنِ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾

أفادت الآثارُ الاختلافَ في معنى الفاحشة في هذا الموضع على أقوال: أولها: أنّها الزِّنا. وهذا قول السدي، والحسن، وعطاء، وأبي قلابة. وثانيها: أنها النشوز. وهذا قول ابن عباس، والضحاك، وقتادة، وغيرهم. وزاد ابنُ عطية (٢‏/‏٥٠١) قولًا ثالثًا: أنها البذاءة والأذى. وقال: «هذا في معنى النشوز»، ولم ينسبه لأحد. ورجَّحَ ابنُ جرير (٦‏/‏٥٣٥) العمومَ في معنى الفاحشة مستندًا إلى ظاهر الآية، وما ورد في السُّنَّة، فقال: «أوْلى ما قيل في تأويل قوله: ﴿إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾ أنه معنِيٌّ به كُلَّ فاحشة؛ من بَذاءٍ باللسان على زوجها، وأذى له، وزنًا بفرجها. وذلك أنّ الله -جل ثناؤه- عمَّ بقوله: ﴿إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾ كُلَّ فاحشة مبيّنةٍ ظاهرة، فكل زوج امرأة أتت بفاحشة من الفواحش التي هي زنًا أو نشوز فله عضْلُها على ما بَيَّن الله في كتابه، والتضييقُ عليها حتى تفتدي منه، بأيِّ معاني الفواحش أتت، بعد أن تكون ظاهرة مبيِّنة، بظاهر كتاب الله -تبارك وتعالى-، وصحة الخبر عن رسول الله ﷺ». وجَوَّدَ ابنُ كثير (٣‏/‏٣٩٩) اختيار ابن جرير، فقال: «اختار ابنُ جرير أنه يَعُمَّ ذلك كُلَّه؛ الزنا، والعصيان، والنشوز، وبذاء اللسان، وغير ذلك. يعني: أنّ هذا كله يُبِيح مُضاجَرَتها حتى تبرئه من حقها أو بعضه ويفارقها، وهذا جَيِّد»

اختُلِف في المراد بقوله: ﴿واجعل لي من لدنك سلطانًا نصيرًا﴾ على أقوال: الأول: يعني: مُلكًا عزيزًا أقهر به العصاة. الثاني: حجة بيِّنة. ورجَّح ابنُ جرير (١٥‏/‏٥٩-٦٠) مستندًا إلى السياق القول الأول الذي قاله الحسن، وقتادة، فقال: «لأن ذلك عقيب خبر الله عما كان المشركون همُّوا به من إخراجه من مكة، فأعلمه الله عز وجل أنهم لو فعلوا ذلك عوجلوا بالعذاب عن قريب، ثم أمره بالرغبة إليه في إخراجه من بين أظهرهم إخراج صدق يحاوله له عليهم، ويدخله بلدة غيرها بمدخل صدق يحاوله له عليهم ولأهلها في دخولها إليها، وأن يجعل له سلطانًا نصيرًا على أهل البلدة التي أخرجه أهلها منها، وعلى كل من كان لهم شبيهًا، وإذا أوتي ذلك فقد أوتي -لا شك- حجة بينة». وكذا رجَّحه ابنُ كثير مستندًا إلى النظائر، والواقع، فقال:«لأنه لا بُدَّ مع الحق من قهر لمن عاداه وناوأه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب﴾ [الحديد:٢٥]، وفي الحديث: «إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن». أي: ليمنع بالسلطان عن ارتكاب الفواحش والآثام ما لا يمتنع كثير من الناس بالقرآن، وما فيه من الوعيد الأكيد والتهديد الشديد، وهذا هو الواقع»