عن فَرْقَدٍ السَّبخيِّ، قال: أوحى اللهُ إلى عيسى ابن مريم في الإنجيل: يا عيسى، جِدَّ في أمري ولا تهْزِلْ، واسمع قولي وأَطِعْ أمري، يا ابنَ البِكْر البَتُول، إنِّي خلقتك مِن غير فحلٍ، وجعلتُك وأمَّك آيةً للعالمين، فإيّاي فاعبُد، وعَلَيَّ فتوكَّل، وخُذِ الكتاب بقوة. قال عيسى: أيْ ربِّ، أيَّ كتابٍ آخُذُ بقوة؟ قال: خذ كتاب الإنجيل بقوة، ففسِّره لأهل السُّريانية، وأخبِرهم أنِّي أنا الله لا إله إلا أنا الحيُّ القيومُ البديعُ الدائمُ الذي لا أزول، فآمِنوا بالله ورسوله النبيَّ الأُمِّيِّ الذي يكون في آخر الزمان، فصدِّقوه، واتَّبِعوه، صاحب الجمل والمِدرعة والهِراوة والتاج، الأكْحَلِ العين، المقرون الحاجبين، صاحب الكساء، الذي إنّما نسْلُه مِن المباركة -يعني: خديجة-، يا عيسى، لها بيت مِن لؤلؤ من قَصَبٍ مُوصَل بالذهب، لا يُسْمَع فيه أذًى ولا نَصَبٌ، لها ابنةٌ -يعني: فاطمة-، ولها ابنان يُستشهدان -يعني: الحسن، والحسين-، طُوبى لِمَن سمِع كلامَه، وأدرك زمانَه، وشهِد أيّامه. قال عيسى: يا ربِّ، وما طوبى؟ قال: شجرةٌ في الجنة، أنا غرستها بيَدَيَّ، وأسكنتُها ملائكتي، أصلها مِن رضوان، وماؤها مِن تسنيمٍ
اختُلِف في الفلك على أقوال: الأول: هو كهيئة حديدة الرحى. والثاني: سرعة جري الشمس والقمر والنجوم وغيرها. والثالث: بل هو القطب الذي تدور به النجوم. والرابع: طاحونة كهيئة فلك المغزل. ورجَّح ابنُ جرير (١٦/٢٦٦-٢٦٧ بتصرف) مستندًا إلى اللغة، وعدم الدليل على التعيين جوازَ تلك الأقوال، فقال: «والصواب من القول في ذلك أن يُقال كما قال الله عز وجل: ﴿كل في فلك يسبحون﴾، وجائزٌ أن يكون ذلك الفلك كما قال مجاهد: كحديدة الرحى، وكما ذكر عن الحسن: كطاحونة الرحى، وجائز أن يكون موجًا مكفوفًا، وأن يكون قطب السماء. وذلك أنّ الفلك في كلام العرب هو كل شيء دائر، فجمعه: أفلاك... وإذا كان كل ما دار في كلامها فلكًا، ولم يكن في كتاب الله ولا في خبر عن رسول الله ﷺ ولا عمَّن يقطع قوله العذر دليلٌ يدل على أي ذلك هو من أيٍّ؛ كان الواجب أن نقول فيه ما قال، ونسكت عمّا لا عِلْم لنا به. فإذ كان الصواب في ذلك مِن القول ما ذكرنا فتأويل الكلام: والشمس والقمر كل ذلك في دائر يسبحون». وحكى ابنُ عطية (٦/١٦٥) هذه الأقوال، ثم ذكر أنّ المعنى لا ينبغي التَّسَوُّر عليه، ثم قال: «غير أنّا نعرف أنّ الفلك جسم مستدير». ونقل ابنُ تيمية (٤/٣٧٠) اتفاق أهل التفسير واللغة على أن الفلك: هو المستدير
اختلف في معنى: ﴿وحِيلَ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾ في هذه الآية على قولين: الأول: وحيل بينهم وبين ما يشتهون من الإيمان بما كانوا به في الدنيا يكفرون. الثاني: وحيل بينهم وبين ما يشتهون من مالٍ وولدٍ وزهرة الدنيا. ورجَّح ابنُ جرير (١٩/٣٢٣) مستندًا إلى دلالة السياق القول الأول، وهو قول مجاهد من طريق ابن أبي نجيح، وقتادة، والحسن، والسدي، ومقاتل، وعلَّل ذلك بقوله: «لأن القوم إنما تَمَنَّوا -حين عاينوا من عذاب الله ما عاينوا- ما أخبر الله عنهم أنهم تَمَنَّوه، وقالوا آمنّا به، فقال الله: وأنّى لهم تناوُشُ ذلك من مكانٍ بعيد وقد كفروا من قبل ذلك في الدنيا. فإذ كان ذلك كذلك فلأن يكون قوله: ﴿وحِيلَ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾ خبرًا عن أنه لا سبيل لهم إلى ما تَمَنَّوه أولى مِن أن يكون خبرًا عن غيره». ورجَّح ابنُ كثير (١١/٣٠٠) الجمع بين القولين، فقال: «والصحيح أنه لا منافاة بين القولين، فإنه قد حيل بينهم وبين شهواتهم في الدنيا وبين ما طلبوه في الآخرة، فمنعوا منه». وذكر ابنُ عطية (٧/١٩٨) قولًا ولم ينسبه: أنّ المعنى: حيل بينهم وبين الجنة ونعيمها. ثم علَّق عليه بقوله: «وهذا يتمكن جدًّا على القول بأن الأَخْذَ والفزع المذكور هو يوم القيامة»
عن أم سلمة، قالت: قلتُ: يا رسول الله، أخبِرني عن قول الله عز وجل: ﴿حُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة:٢٢]. قال: «حُور: بِيض، عِين: ضخام العيون، شَفر الحوراء بمنزلة جَناح النّسور». وفي لفظ ابن مردويه: «شَفر الجُفون بمنزلة جَناح النّسر». قلتُ: يا رسول الله، أخبِرني عن قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور:٢٤]. قال: «صفاؤهنّ صفاء الدُّر في الأصداف التي لم تمسّه الأيدي». قلت: يا رسول الله، أخبرِني عن قوله: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾. قال: «خَيْرات الأخلاق، حِسان الوجوه». قلت: يا رسول الله، أخبِرني عن قوله: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات:٤٩]. قال: «رِقّتهن كرقَّة الجِلدة التي في داخل البيضة مما يلي القشر». قلتُ: يا رسول الله، أخبِرني عن قوله: ﴿عُرُبًا أتْرابًا﴾ [الواقعة:٣٧]. قال: «هُنّ اللواتي قُبِضن في دار الدنيا عجائز رُمْصًا شُمْطًا، خلقهنّ الله بعد الكِبر، فجعلهنّ عذارى، عُربًا متعشِّقات مُحبّبات، أترابًا على ميلاد واحد». قلتُ: يا رسول الله، أنساء الدنيا أفضل أم الحُور العين؟ قال: «بل نساء الدنيا أفضل من الحُور العين؛ كفضل الظِّهارَةِ على البِطانة». قلت: يا رسول الله، وبِمَ ذاك؟ قال: «بصلاتهنّ وصيامهنّ وعبادتهنّ الله، ألبس الله وجوههنّ النور، وأجسادهنّ الحرير، بِيض الألوان، خُضر الثياب، صُفر الحلي، مَجامرُهنّ الدُّرّ، وأمشاطهنّ الذهب. يقلن: ألا نحن الخالدات فلا نموت أبدًا، ألا ونحن الناعمات فلا نبأس أبدًا، ألا ونحن المُقيمات فلا نَظْعن أبدًا، ألا ونحن الراضيات فلا نَسخط أبدًا، طُوبى لمن كُنّا له وكان لنا». قلت: يا رسول الله، المرأة منا تتزوج الزوجين والثلاثة والأربعة، ثم تموت، فتدخل الجنة، ويدخلون معها، مَن يكون زوجها؟ قال: «يا أُمّ سلمة، إنها تُخيّر، فتختار أحسنهم خُلقًا، فتقول: أي ربّ، إنّ هذا كان أحسنهم معي خُلقًا في دار الدنيا، فزوّجنيه. يا أُمّ سلمة، ذهب حُسن الخُلق بخير الدنيا والآخرة»
عن سلمة بن عبد يشوع، عن أبيه، عن جده: أنّ رسول الله ﷺ كتب إلى أهل نجران قبل أن ينزل عليه «طس سليمان»: «باسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، مِن محمد رسول الله إلى أُسْقُفِّ نجران وأهلِ نجران، إن أسلمتُم فإنِّي أحمدُ إليكم الله إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب. أمّا بعد: فإنِّي أدعوكم إلى عبادة الله مِن عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد، فإن أبيتم فالجزية، وإن أبيتم فقد آذَنتُكم بحربٍ. والسلام». فلمّا قرأ الأُسْقُفُّ الكتابَ فَظِعَ به، وذُعِر ذُعْرًا شديدًا، فبعث إلى رجل مِن أهل نجران يُقال له: شُرَحْبِيلُ بنُ وداعة. فدفع إليه كتاب النبي ﷺ، فقرأه، فقال له الأُسْقُفُّ: ما رأيك؟. فقال شُرَحْبِيل: قد علمت ما وعد الله إبراهيم في ذرية إسماعيل من النبوة، فما يُؤمَنُ أن يكون هذا الرجل؟ ليس لي في النُّبُوَّة رأيٌ، لو كان أمرٌ مِن أمر الدنيا أشَرْتُ عليك فيه، وجهِدتُ لك. فبَعَثَ الأُسْقُفُّ إلى واحد بعد واحد من أهل نجران، فكلهم قال مثل قول شُرَحْبِيل، فاجتمع رأيُهم على أن يبعثوا شُرَحْبِيل بن وداعة وعبد الله بن شُرَحْبِيل وجَبّار بن فَيْض، فيأتونهم بخبر رسول الله ﷺ، فانطلق الوفد حتى أتوا رسول الله ﷺ، فسألهم وسألوه، فلم تزل به وبهم المسألة حتى قالوا له: ما تقول في عيسى ابن مريم؟ فقال رسول الله ﷺ: «ما عندي فيه شيء يومي هذا، فأقيموا حتى أخبركم بما يُقال لي في عيسى صُبْحَ الغَدِ». فأنزل الله هذه الآية: ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب﴾ إلى قوله: ﴿فنجعل لعنة الله على الكاذبين﴾، فأَبَوْا أن يُقِرُّوا بذلك، فلمّا أصبح رسولُ الله ﷺ الغدَ بعد ما أخبرهم الخبرَ أقبل مُشْتَمِلًا على الحسن والحسين في خَمِيلَة له، وفاطمة تمشي عند ظهره للمُلاعَنَة، وله يومئذ عِدَّةُ نسوة، فقال شُرَحْبِيل لصاحبه: إنِّي أرى أمرًا مُقْبِلًا، إن كان هذا الرجل نبيًّا مرسلًا فلاعَنّاه لا يبقى على وجه الأرض مِنّا شَعَر ولا ظفر إلا هَلَك. فقالا له: ما رأيك؟ فقال: رأيي أن أُحَكِّمَه؛ فإنِّي أرى رجلًا لا يحكم شَطَطًا أبدًا. فقالا له: أنت وذاك. فتَلَقّى شُرَحْبِيل رسول الله ﷺ، فقال: إنِّي قد رأيتُ خيرًا مِن ملاعنتك. قال: «وما هو؟». قال: حكمُك اليوم إلى الليل، وليلتك إلى الصباح، فمهما حكمت فينا فهو جائز. فرجع رسول الله ﷺ ولم يُلاعنْهم، وصالحَهم على الجزية. (٣/٦٠٥-٦٠٦)
عن عبيد بن عمير، قال: إنّ إبليس قال: يا ربِّ، إنّك أخرجتني مِن الجنة مِن أجل آدم، وإنِّي لا أستطيعه إلا بسلطانك. قال: فأنت مُسلَّط عليه. قال: يا ربّ، زِدني. قال: لا يُولد له ولد إلا وُلد لك مثله. قال: يا ربّ، زِدني. قال: صدورهم مساكن لكم، وتجرون منهم مجارى الدم. قال: يا ربّ، زِدني. قال: ﴿وأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ وشارِكْهُمْ فِي الأَمْوالِ والأَوْلادِ وعِدْهُمْ﴾ [الإسراء:٦٤]. فقال آدم: يا ربّ، قد سلّطتَه عَلَيَّ، وإنِّي لا أمتنع منه إلا بك. قال: لا يُولد لك ولد إلا وكّلتُ به مَن يحفظه مِن قرناء السوء. قال: يا ربّ، زِدني. قال: الحسنة عشرًا أو أزيد، والسيئة واحدة أو أمحوها. قال: يا ربّ، زِدني. قال: باب التوبة مفتوح ما كان الروح في الجسد. قال: يا ربّ، زِدني. قال: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
اختلف المفسرون في نزول المائدة بين مثبت لنزولها، ونافٍ له. ورجَّح ابنُ جرير (٩/١٣١) القول الأول، وانتقد الثاني الذي قاله مجاهد من طريق ليث، وابن جريج، وقتادة من طريق سعيد، والحسن من طريق ابن زاذان، وقتادة مستندًا إلى السنة، وأقوال السلف، ودلالة العقل، وذلك للآتي: ١-موافقته ما جاء عن النبي ﷺ، وصحبه، وغالب أهل التأويل. ٢-إخبار الله بأنه منزلها، ولا يجوز أن يكون منه خلاف ما يخبر. وبنحوه رجّح ابنُ كثير (٥/٤٢٤)، وذكر أنّه قول الجمهور. وانتقد ابنُ عطية (٣/٣٠٣) قول من نفى نزول المائدة استنادًا لإخبار الله بنزولها، فقال: «وهذا غير لازم؛ لأن الخبر مقرون بشرط يتضمنه قوله: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ﴾». وذكر ابنُ كثير (٥/٤٢٣-٤٢٤) الإسرائيليات مستندًا للقول الثاني، فقال: «وقد يتقوى ذلك بأن خبر المائدة لا تعرفه النصارى، وليس هو في كتابهم، ولو كانت قد نزلت لكان ذلك مما يتوفر الدواعي على نقله، وكان يكون موجودًا في كتابهم متواترًا، ولا أقلَّ من الآحاد»
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية- في قوله: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ﴾ الآية، قال: كان راهبٌ مِن بني إسرائيل يعبد الله، فيُحسن عبادته، وكان يُؤتى مِن كلّ أرض، فيُسأل عن الفقه، وكان عالِمًا، وإنّ ثلاثة إخوة لهم أختٌ حسناء مِن أحسن الناس، وإنهم أرادوا أن يُسافروا، وكَبُر عليهم أن يَدَعوها ضائعة، فعَمدوا إلى الرّاهب، فقالوا: إنّا نريد السفر، وإنّا لا نجد أحدًا أوثقَ في أنفسنا ولا آمنَ عندنا منك، فإن رأيتَ جعلنا أُختنا عندك، فإنها شديدة الوَجع، فإن ماتتْ فقُم عليها، وإنْ عاشتْ فأَصلِح إليها حتى نرجع. فقال: أكفيكم -إن شاء الله-. فقام عليها، فداواها حتى برئت، وعاد إليها حُسنها، وإنه اطّلع إليها، فوجدها مُتصنّعة، ولم يزل به الشيطان حتى وقع عليها، فحمَلت، ثم نَدّمه الشيطان، فزيّن له قَتْلها، وقال: إن لم تفعلِ افتَضَحتَ، وعُرف شبهُك في الولد، فلم يكن لك معذرة. فلم يزل به حتى قتَلها، فلمّا قَدم إخوتها سألوه: ما فعلَتْ؟ قال: ماتتْ، فدفنتُها. قالوا: أحسنتَ. فجعلوا يَرون في المنام، ويُخْبَرون: أنّ الرّاهب قتَلها، وأنها تحت شجرة كذا وكذا. وأنهم عَمدوا إلى الشجرة، فوجدوها قد قُتلتْ، فعَمدوا إليه، فأخذوه، فقال الشيطان: أنا الذي زَيّنتُ لك الزِّنا، وزَيّنتُ لك قتْلها، فهل لك أنْ أُنجِيك وتُطيعني؟ قال: نعم. قال: فاسجد لي سجدة واحدة. فسجد له، ثم قُتل، فذلك قول الله: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إذْ قالَ لِلْإنْسانِ اكْفُرْ﴾ الآية
أفادت الآثارُ بأنّ الإدراك عند السلف له معنيان: الأول: الإحاطة. وهو قول ابن عباس، والعوفي، وقتادة، وسعيد بن المسيب، وعكرمة، وعطاء. والثاني: الرؤية. وهو قول عائشة، والسدي، والحسن، وإسماعيل بن عُلَيَّة، ومقاتل. وقد ذكر ابنُ جرير (٩/٤٥٩-٤٦٦) هذين القولين، ثم بيَّن أنّ البعض اتخذ من تفسير الإدراك بالرؤية ذريعةً لنفي رؤية الله يوم القيامة، وذكر العِلَلَ التي استند إليها قائلو ذلك، وانتَقَدها. وذكر في مسألة رؤية الله أقوالًا أخرى؛ منها: لا تُدْرِكه أبصار الخلائق في الدنيا، وأما في الآخرة فإنها تُدْرِكه. ومنها: لا تدركه أبصار الظالمين في الدنيا والآخرة، وتدركه أبصار المؤمنين، وهو يدرك الأبصار في الدنيا والآخرة، فالآية عندهم على الخصوص. ومنها: أنّ الأبصار لا تدركه في الدنيا والآخرة، ولكنَّ الله يُحْدِث لأوليائه حاسَّةً سادسة سوى حواسهم الخمس يرونه بها، فالآية عندهم على العموم. ثُمَّ رجَّح ابنُ جرير مستندًا إلى السنة رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة، كما أخبر رسول الله ﷺ بقوله: «إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر، وكما ترون الشمس ليس دونها سحاب». وانتقد ابنُ عطية (٣/٤٣٤) مستندًا إلى القرآن، والسنة القولَ الرابع، والخامس، فقال: «وهذه الأقوال كلها ضعيفة، ودعاوى لا تستند إلى قرآن ولا حديث»
قال مقاتل بن سليمان: يعني بالمشكاة: صلب عبد الله أبي محمد ﷺ، ويعني بالزجاجة: جسد محمد ﷺ، ويعني بالسراج: الإيمان في جسد محمد ﷺ، فلمّا خرجت الزجاجة فيها المصباح مِن الكوَّة صارت الكوة مُظلمة، فذهب نورُها، والكوة مثل عبد الله، ثم شَبَّه الزجاجة بمحمد ﷺ في كتب الأنبياء عليهم السلام لا خفاء فيه كضوء الكوكب الدري، وهو الزهرة في الكوكب، ويقال: المشتري، وهو البِرْجِرس بالسريانية، ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ يعني بالشجرة المباركة: إبراهيم خليل الرحمن صلى الله عليه سلم، يقول: ﴿يوقد﴾ محمد مِن إبراهيم عليهما السلام، وهو من ذريته. ثم ذكر إبراهيم عليه السلام، فقال سبحانه: ﴿زَيْتُونَةٍ﴾ قال: طاعة حسنة، ﴿لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ يقول: لم يكن إبراهيم عليه السلام يصلي قِبَل المشرق كفعل النصارى، ولا قِبَل المغرب كفعل اليهود، ولكنه كان يصلي قِبَل الكعبة، ثم قال: ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ يعني: إبراهيم يكاد عِلْمُه يضيء... يقول: ﴿ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ يقول: ولو لم تأتِه النبوة لكانت طاعتُه مع طاعة الأنبياء عليهم السلام، ثم قال عز وجل: ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ قال: محمد ﷺ نبيٌّ خرج مِن صُلْب نبي، يعني: إبراهيم عليهما السلام، ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشاءُ﴾ قال: يهدي الله لدينه مَن يشاء من عباده. وكأنّ الكوَّة [مثلٌ] لعبد الله بن عبد المطلب، ومثل السراج مثل الإيمان، ومثل الزجاجة مثل جسد محمد ﷺ، ومثل الكوكب الدري مثل محمد ﷺ، ومثل الشجرة المباركة مثل إبراهيم عليهما السلام، فذلك قوله عز وجل: ﴿ويَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثالَ لِلنّاسِ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾