ذكر ابنُ عطية (٨/١١٥-١١٦) أن «اللات» صنم كانت العرب تعظِّمُه، ثم نقل عن أبي عبيدة وغيره: أنه كان في الكعبة. ثم نقل قول قتادة: كان بالطائف. وقول ابن زيد: كان بنخلة عند سوق عكاظ. ثم رجَّح -مستندًا إلى اللغة- قائلًا: ""وقول قتادة أرجح، ويؤيده قول الشاعر:وفَرَّتْ ثقيفٌ إلى لاتِها بمُنْقَلَبِ الخائف الخاسر"". وانتقد ابنُ تيمية (٦/١٣٥) -مستندًا إلى إجماع أهل السّير- قول أبي عبيدة قائلًا: «وأما ما ذكره معمر بن المثنى من أنّ هذه الثلاثة كانت أصنامًا في جوف الكعبة من حجارة، فهو باطل باتفاق أهل العلم بهذا الشأن، وإنما كان في الكعبة»هُبل«الذي ارتجز له أبو سفيان يوم أحد، وقال: اعُل هُبل، اعُل هُبل. فقال النبي ﷺ: «ألا تجيبوه؟» قالوا: وما نقول؟ قال: «قولوا: الله أعلى وأجلّ»»
في عود الضمير من قوله: ﴿فملاقيه﴾ قولان: الأول: أنه عائد على الرّبّ. الثاني: أنه عائد على العمل والكدح. وقد علّق ابنُ عطية (٨/٥٦٩) على الأول، فقال: فالفاء على هذا عاطفة ﴿ملاق﴾ على كادح«. وعلّق على الثاني، فقال:»فالفاء على هذا عاطفة جملة على التي قبلها، والتقدير: فأنت ملاقيه، والمعنى: ملاقٍ جزاءه خيرًا كان أو شرًّا"". وعلّق ابنُ كثير (١٤/٢٩٣ بتصرف) على الأول، فقال: «ومِن الناس مَن يعيد الضمير على قوله: ﴿ربك﴾، أي: فملاقٍ ربّك، ومعناه: فيجازيك بعملك ويكافئك على سعيك. وعلى هذا فكلا القولين متلازم». وعلّق على الثاني، فقال: «ويشهد له ما رواه أبو داود الطيالسي... عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ: «قال جبريل: يا محمد، عِشْ ما شئتَ فإنك ميت، وأَحبِب ما شئتَ فإنك مفارقه، واعمل ما شئتَ فإنك ملاقيه»»
ذكر ابنُ عطية (٨/٦٩٦) هذا الأثر، وعلّق عليه، فقال: «قال سعد بن أبي وقاص: سألتُ النبيَّ ﷺ عن الذين هم عن صلاتهم ساهون، فقال: «هم الذين يؤخّرونها عن وقتها». يريد -والله أعلم-: تأخير ترك وإهمال، وإلى هذا نحا مجاهد». وذكره ابنُ كثير (١٤/٤٧١) من طريق ابن جرير بإسناده، ثم علّق قائلًا: «وتأخير الصلاة عن وقتها يحتمل ترْكها بالكلية، أو صلاتها بعد وقتها شرعًا، أو تأخيرها عن أول الوقت سهوًا حتى ضاع الوقت». ثم ذكر له طريقًا آخر، فقال: «وكذا رواه الحافظ أبو يعلى عن شيبان بن فروخ، عن عكرمة بن إبراهيم، به. ثم رواه عن أبي الربيع، عن جابر، عن عاصم، عن مصعب، عن أبيه موقوفًا». ثم علّق بقوله: «وهذا أصح إسنادًا، وقد ضعف البيهقي رفعه، وصحح وقفه، وكذلك الحاكم»
أفادت الآثارُ اختلاف المفسرين في معنى: الحج الأكبر على أقوال: الأول: أنه يوم عرفة. الثاني: أنه يوم النَّحْر. الثالث: أنه أيام الحج كلها، لا يوم بعينه. ورجَّح ابنُ جرير (١١/٣٣٦) مستندًا إلى السُّنَّة، وأقوال السلف، ودلالة العقل القول الثاني، وهو قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه وما في معناه، وعلَّل ذلك بقوله: «لتظاهر الأخبار عن جماعةٍ من أصحاب رسول الله ﷺ أنّ عليًّا نادى بما أرسله به رسول الله ﷺ من الرسالة إلى المشركين، وتلا عليهم براءة يوم النَّحْر. هذا مع الأخبار التي ذكرناها عن رسول الله ﷺ أنّه قال يوم النَّحْر: «أتدرون أيُّ يومٍ هذا؟ هذا يوم الحج ِّالأكبر»». ثم بيَّن أن «اليوم إنما يضاف إلى المعنى الذي يكون فيه، كقول الناس: يوم عرفة، وذلك يوم وقوف الناس بعرفة... وكذلك: يومُ الحجّ، يومٌ يَحُجُّون فيه. وإنما يَحُجُّ الناس ويقضون مناسكهم يوم النَّحْر؛ لأن في ليلة نهار يوم النَّحْر الوقوفَ بعرفة غير فائتٍ إلى طلوع الفجر، وفي صبيحتها يُعْمَل أعمال الحج"". وانتقد (١١/٣٣٧) القولَ الأول مستندًا إلى الدلالة العقلية قائلًا: «فأمّا يوم عرفة -فإنّه وإن كان فيه الوقوف بعرفة- فغير فائتٍ الوقوف به إلى طلوع الفجر من ليلة النَّحْر، والحجُّ كلُّه يوم النَّحْر». وانتقد مستندًا إلى مخالفة الأَشْهَر في لغة العرب القول الثالث قائلًا: «وأمّا ما قال مجاهد -من أنّ يوم الحج إنما هو أيامه كلها- فإنّ ذلك وإن كان جائزًا في كلام العرب فليس بالأشهر الأعْرف في كلام العرب من معانيه، بل أغلب على معنى اليوم عندهم أنّه من غروب الشمس إلى مثله من الغد، وإنما مَحْمَل تأويل كتاب الله على الأشهر الأعرف من كلام من نزل الكتاب بلسانه». ووجَّه ابنُ عطية (٤/٢٥٦) تفسير اليوم بالأيام على قول مجاهد من طريق ابن أبي نجيح، وابن جريج، وسفيان بن عيينة -وهم أصحاب القول الثالث- بقوله: «وهذا كما قال عثمان لعمر رضي الله عنهما حين عرض عليه زواج حفصة رضي الله عنها: إنِّي قد رأيتُ ألّا أتزوج يومي هذا، وكما ذكر سيبويه أنّك تقول لرجل: ما شغلك اليوم؟ وأنت تريد: في أيامك هذه». وبيَّن ابنُ عطية (٤/٢٥٥ بتصرف) قائلًا: «تظاهرتِ الأحاديثُ بأنّ عليًّا رضي الله عنه أذَّن بتلك الآية يوم عرفة إثر خطبة أبي بكر رضي الله عنه، ثم رأى أنّه لم يعلم الناسُ بالإسماع فتتبعهم بالأذان بها يوم النحر، وفي ذلك اليوم بعث معه أبو بكر مَن يُعيْنُه بالأذان بها كأبي هريرة رضي الله عنه وغيره، وتَتَبَّعوا بها أيضًا أسواق العرب كذي المجاز وغيره». ثم علَّق بقوله: «فمِن هنا يترجح قولُ سفيان: إنّ يَوْمَ في هذه الآية بمعنى أيام». وبناءً على ما ذكره ابنُ عطية مِن أذان علي يوم عرفة ببراءة وجَّه (٤/٢٥٥) تسمية يوم عرفة بالحج الأكبر لكون أول الأذان ببراءة وقع فيه، ووجَّه القولَ بأنه يوم النحر: لكون إكمال الأذان وقع فيه، وذكر بأنّ أصحاب القول الثاني -القائلين بأنّ يوم الحج الأكبر هو يوم النحر- احتجوا أيضًا بأنّه مَن فاته الوقوف يوم عرفة فإنه يجزيه الوقوف ليلة النحر، فليس يوم عرفة على هذا يوم الحج الأكبر«. وانتقد ذلك بقوله:»ولا حُجَّة في هذا""
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن جُرَيج عن عطاء، ومقاتل عن الضحاك- قال: ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة﴾، قال: يريد نَبهان التمار، وكنيته أبو مُقْبِل، أتته امرأةٌ حسناءُ جميلةٌ تبتاعُ منه تمرًا، فضرب على عَجُزِها، فقالتْ: واللهِ، ما حفِظْتَ غَيْبَةَ أخيك، ولا نِلْتَ حاجتَك. فأُسقِط في يده، فذهب إلى رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: «إيّاك أن تخون امرأةَ غازٍ». فذهب يبكي، فقام ثلاثة أيام النهارَ صائمًا، والليلَ قائمًا حزينًا، فلما كان يوم الرابع أنزل الله تعالى فيه: ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم﴾ الآية. فأرسل رسولُ الله ﷺ، فأخبره بما نزل فيه، فحمد الله، وشكره، وقال: يا رسول الله، هذه توبتي، قبِلها اللهُ مِنِّي، فكيف لي حتى يقبل شكري؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وأقم الصلاة طرفي النهار﴾ الآية [هود:١١٤]
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم﴾، ذُكِر لنا: أنّ نبي الله ﷺ قال لأصحابه يوم أُحُدٍ حين قدم أبو سفيان والمشركون: «إنّا في جُنَّةٍ حَصِينة -يعني بذلك: المدينة- فدعوا القوم يدخلوا علينا نقاتلهم». فقال له ناسٌ مِن الأنصار: إنّا نكره أن نُقْتَل في طرق المدينة، وقد كنا نمتنع من الغزو في الجاهلية، فبالإسلام أحقُّ أن نمتنع فيه، فابرز بنا إلى القوم. فانطلق، فلبس لَأْمَتَه، فتلاوم القومُ، فقالوا: عرَّض نبيُّ الله ﷺ بأمرٍ وعرَّضتُم بغيره! اذهب يا حمزةُ، فقل له: أمرُنا لأمرك تَبَعٌ. فأتى حمزةُ فقال له، فقال: «إنّه ليس لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يناجز، وإنه ستكون فيكم مصيبة». قالوا: يا نبيَّ الله، خاصةٌ أو عامةٌّ؟ قال: «سترونها»
عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي، عن أبي صالح-، قال: لما كان يوم بدر قال رسول الله ﷺ: «مَن قَتَل قتيلًا فله كذا، ومَن جاء بأَسِيرٍ فله كذا». فجاء أبو اليَسَرِ بن عمرو الأنصاري بأسيرين، فقال: يا رسول الله، إنك قد وعدتنا. فقام سعد بن عبادة، فقال: يا رسول الله، إنك إن أعطيت هؤلاء لم يَبْقَ لأصحابك شيء، وإنه لم يَمْنَعْنا مِن هذا زهادة في الأجر، ولا جُبْن عن العدو، وإنما قمنا هذا المقام محافظة عليك أن يأتوك مِن ورائك. فتشاجروا، فنزَل القرآن: ﴿يسألونك عن الأنفال﴾. وكان أصحابُ عبد الله يقرءونها: (يَسْأَلُونَكَ الأَنفالَ قُلِ الأَنفالُ للهِ والرَّسُولِ فاتَّقُواْ اللهَ وأَصْلِحُواْ ذاتَ بَيْنِكُمْ فِيما تَشاجَرْتُم بِهِ)، فسلَّموا الغنيمة لرسول الله ﷺ، ونزل القرآن: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه﴾ إلى آخر الآية [الأنفال:٤١]
عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله، قال: جاءت يهودُ برجل منهم وامرأةٍ قد زنيا، فقال لهم رسول الله ﷺ: «ائتوني بأعلم رجلين فيكم». فأتوه بابني صُورِيا، فقال لهما رسول الله ﷺ: «أنتما أعلم مَن وراءكما؟». قالا: كذلك يزعمون. فنشدهما بالله «كيف تجدان أمر هذين في التوراة؟». قالا: نجد في التوراة أنّ الرجل إذا وُجِد مع امرأة في بيت فهي زانية، وفيها عقوبة، وإذا وُجِد على بطنها، أو يقبلها -قال أبو أسامة: هذه أعظم من تلك- فهي زانية، وفيها عقوبة، وإذا جاء أربعةٌ فشهدوا أنهم رأوا ذَكَرَه في فرجها مثلَ المِيل في المكحلة؛ رُجِما. قال: «فما يمنعكما أن ترجموهما؟». قالا: ذهب سلطاننا، فكرهنا القتل. فدعا رسول الله ﷺ بالشهود، فجاء الأربعةُ، فشهدوا أنهم رأوا ذَكَرَه في فرجها مثل الميل في المكحلة، فأمر بهما رسول الله ﷺ، فرُجِما
قال مقاتل بن سليمان: ﴿خلق الإنسان﴾ يعني: آدم أبو البشر ﴿من عجل﴾، وذلك أنّ كفار قريش استعجلوا بالعذاب في الدنيا مِن قبل أن يأتيهم تكذيبًا به، كما استعجل آدم عليه السلام الجلوس مِن قبل أن تتمَّ فيه الروحُ مِن قِبَل رأسِه يوم الجمعة، فأراد أن يجلس مِن قبل أن تتمُّ فيه الروح إلى قدميه، فلما بلغت الروح وسطه -ونظر إلى حُسْن خلقه أراد أن يجلس ونصفُه طين، فورِث الناسُ كلُّهم العجلةَ مِن آدم عليه السلام لم تجد منفذًا، فرجعت مِن أنفه، فعطس، فقال: الحمد لله رب العالمين. فهذه أولُ كلمة تكلَّم بها. وبلغنا: أنّ الله عز وجل ردَّ عليه، فقال: لهذا خلقتك؛ يرحمك ربك. فسبقت رحمتُه غضبَه، فلما استعجل كفار مكة العذاب في الدنيا نزلت: ﴿خلق الإنسان من عجل﴾ لأنهم مِن ذُرِّيَّته
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿إذْ جاءُوكُمْ مِن فَوْقِكُمْ ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾، قال: نزلت هذه الآية يوم الأحزاب، وقد حُصِر رسولُ الله ﷺ شهرًا، فخندق رسول الله ﷺ، وأقبل أبو سفيان بقريش ومَن معه مِن الناس حتى نزلوا بعقوة رسول الله ﷺ، وأقبل عيينة بن حصن أخو بني بدر بغطفان ومَن تبعه حتى نزلوا بعقوة رسول الله ﷺ، وكاتبتِ اليهودُ أبا سفيان فظاهروه، فبعث الله عليهم الرعب والريح، فذُكر أنهم كانوا كلما بنوا بناءً قطع الله أطنابه، وكلما ربطوا دابَّةً قطع الله رباطها، وكلمّا أوقدوا نارًا أطفأها الله، حتى لقد ذُكر لنا أنّ سيد كل حيٍّ يقول: يا بني فلان، هَلُمَّ إلَيَّ. حتى إذا اجتمعوا عنده قال: النجاءَ النجاءَ، أُتِيتم! لِما بعث الله عليهم مِن الرعب