قال يحيى بن سلّام: قوله: ﴿فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم﴾ يقوله بعضهم لبعض، ﴿يريد أن يتفضل عليكم﴾ بالرسالة، وما له عليكم مِن فَضْل، ﴿ولو شاء الله لأنزل ملائكة﴾ ولو أنزل ملائكة لآمَنّا، ﴿ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين﴾ أنّ رجلًا ادَّعى النُّبُوَّة
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿فأرسلنا عليهم الطوفان﴾ وهو المطرُ، حتى خافوا الهلاك، فأتَوْا موسى، فقالوا: يا موسى، ادعُ لنا ربَّك أن يَكْشِفَ عنّا المطر، فإنّا نُؤمِنُ لك، ونُرسِلُ معك بني إسرائيل. فدعا ربَّه، فكَشفَ عنهم المطر، فأنبَتَ الله به حَرْثَهم، وأخْصَبتْ بلادُهم، فقالوا: ما نُحِبُّ أنّا لم نُمْطَرْ، ولن نَتْرُكَ آلهَتَنا ونؤمنَ بك، ولن نُرْسِلَ معك بني إسرائيل. فأرْسَلَ الله عليهم الجراد، فأسْرَعَ في فساد زُرُوعِهم وثمارِهم، قالوا: يا موسى، ادْعُ لنا ربَّك أن يَكْشِفَ عنّا الجراد، فإنّا سنُؤْمِنُ لك، ونُرْسِلُ معك بني إسرائيل. فدعا ربَّه، فكشفَ عنهم الجراد، وكان قد بَقِي من زَرْعِهم ومعايشِهم بقايا، فقالوا: قد بقي لنا ما هو كافِينا، فلن نُؤْمِنَ لك، ولن نُرْسِلَ معك بني إسرائيل. فأرْسَلَ الله عليهم القُمَّل، وهو الدَّبى، فتَتَبَّع ما كان ترَك الجرادُ، فجزِعوا، وخَشوا الهلاك، فقالوا: يا موسى، ادْعُ لنا ربك يَكشِفْ عنا الدَّبى، فإنّا سنُؤْمِنُ لك، ونُرْسِلُ معك بني إسرائيل. فدَعا ربَّه، فكشَف عنهم الدَّبى، فقالوا: ما نحن لك بمؤمنين، ولا مُرْسِلين معك بني إسرائيل. فأرسَلَ الله عليهم الضفادعَ، فملَأ بيوتَهم منها، ولَقُوا منها أذًى شديدًا لم يَلْقَوا مثلَه فيما كان قبله، كانت تَثِبُ في قُدُورِهم، فتُفْسِدُ عليهم طعامَهم، وتُطْفِئُ نيرانَهم، قالوا: يا موسى، ادْعُ لنا ربَّك أن يَكْشِفَ عنا الضفادع، فقد لقِينا منها بلاءً وأذًى، فإنا سنُؤْمِنُ لك، ونُرْسِلُ معك بني إسرائيل. فدَعا ربَّه، فكشَف عنهم الضفادع، فقالوا: لا نُؤْمِنُ لك، ولا نُرْسِلُ معك بني إسرائيل. فأرْسَلَ الله عليهم الدم، فجعلوا لا يأكلون إلا الدم، ولا يشربون إلا الدم، قالوا: يا موسى، ادْعُ لنا ربك أن يَكْشِفَ عنا الدم، فإنا سنُؤْمِنُ لك، ونُرْسِلُ معك بني إسرائيل. فدَعا ربَّه، فكَشَفَ عنهم الدم، فقالوا: يا موسى، لن نُؤْمن لك، ولن نُرْسِل معك بني إسرائيل. فكانت آياتٍ مُفصَّلات بعضُها إثرَ بعض، لتكونَ لله الحجةُ عليهم، فأخَذَهم الله بذنوبهم، فأغْرَقهم في اليمِّ
عن المقداد بن الأسود، قال: قلت: يا رسول الله، أرأيتَ إن اختلفتُ أنا ورجل من المشركين بضربتين، فقطع يدي، فلما عَلَوْتُه بالسيف قال: لا إله إلا الله. أضربه أم أدعه؟ قال: «بل دَعْه». قلت: قطع يدي! قال: «إن ضربته بعد أن قالها فهو مثلك قبل أن تقتله، وأنت مثله قبل أن يقولها»
عن عائشة: أنّ النبيَّ ﷺ أتَتْه عجوزٌ من الأنصار، فقالت: يا رسول الله، ادعُ الله أن يُدخلني الجنة. فقال: «إنّ الجنةَ لا يدخلها عجوز». فذهب يصلي، ثم رجع، فقالت عائشة: لقد لَقِيَتْ مِن كلمتك مشقّة، فقال: «إنّ ذلك كذلك؛ إنّ الله إذا أدخلهنّ الجنة حوّلهنّ أبكارًا»
ذكر ابنُ عطية (٤/٥٣٠-٥٣١) أنّ معنى الآية: أنّ هذا الذي تَقَدَّم إنّما كان جميعه بقضاء الله عليهم ومشيئته فيهم، ولو شاء الله لكان الجميع مؤمنًا، فلا تأسف أنت -يا محمد- على كُفْرِ مَن لم يؤمن بك، وادعُ ولا عليك، فالأمرُ محتوم، أفتريد أنت أن تُكْرِه الناس بإدخال الإيمان في قلوبهم وتضطرهم إلى ذلك والله عز وجل قد شاء غيره. ثم علَّق بقوله: «فهذا التأويل الآيةُ عليه محكمة، أي: ادعُ وقاتِل مَن خالفك، وإيمان مَن آمن مصروف إلى المشيئة». وذكر أنّ فرقة قالت: المعنى: أفأنت تكره الناس بالقتال حتى يدخلوا في الإيمان. وزَعَمَتْ أنّ هذه الآية في صدر الإسلام، وأنها منسوخة بآية السيف، ثم علَّق بقوله: «والآية -على كلا التأويلين- رادَّةٌ على المعتزلة»
قال مقاتل بن سليمان: قوله: ﴿فَلِذلِكَ فادْعُ﴾ يعني: إلى التوحيد، يقول الله لنبيّه ﷺ: ادعُ أهل الكتاب إلى معرفة ربك؛ إلى هذا التوحيد، ﴿واسْتَقِمْ﴾ يقول: وامضِ ﴿كَما أُمِرْتَ﴾ بالتوحيد. كقوله في الزمر [٢]: ﴿فاعْبُدِ اللَّهَ﴾. ﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾ في ترْك الدعاء، وذلك حين دعاه أهلُ الكتاب إلى دينهم
ذكر ابنُ كثير (٩/٣٣٩) قول الحسن وقول علي، ثم علّق عليهما بقوله: «والحاصل مِن أقوالهم: أنّ دعوتهما له تكون بكلام رقيق لين قريب سهل؛ ليكون أوقع في النفوس وأبلغ وأنجع، كما قال تعالى: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ الآية [النحل:١٢٥]»
ذكر ابنُ جرير (١٦/٢٥٣-٢٥٤) أنّ قائلي هذا القول قالوه لأنّه لم يقل أحد من الملائكة: إني إله، سوى إبليس. وانتقد ابنُ عطية (٦/١٦٢) هذا القول الذي قاله قتادة، والضحاك، والثوري مستندًا لواقع الحال، فقال: «وهذا ضعيف؛ لأن إبليس لم يُروَ قطُّ أنّه ادَّعى ربوبية»
عن مجاهد -من طريق ابن أبي نَجِيح- في قوله: ﴿قال أنا أحيي وأميت﴾، قال: أقتُلُ من شئتُ، وأَسْتَحْيِي مَن شئتُ؛ أدَعُه حيًّا فلا أقتُلُه. وقال: مَلَكَ الأرض مشرقها ومغربها أربعةُ نفر: مؤمنان وكافران؛ فالمؤمنان: سليمان بن داود، وذو القرنين، والكافران: بُخْتُنَصَّرَ، ونُمُرودُ بن كنعان، لم يملكها غيرُهم
عن سلمانَ، قال: يُقال له: سَلْ تُعْطَه -يعني: النَّبي ﷺ-، واشفَعْ تُشفَّعْ، وادعُ تُجَبْ. فيرفعُ رأسَه فيقولُ: «أمتي» مرتينِ أو ثلاثًا. فقال سلمانُ: يشفعُ في كلِّ مَن في قلبِه مثقالُ حبَّةِ حِنطةٍ مِن إيمانٍ، أو مثقالُ شعيرةٍ مِن إيمانٍ، أو مثقالُ حبَّةِ خَرْدَلٍ مِن إيمانٍ. قال سلمانُ: فذلكم المقامُ المحمودُ