ذكر ابنُ عطية (٦/٤٢١) أن «لفظ ﴿رَأَتْهُمْ﴾ يحتمل الحقيقة، ويحتمل المجاز على معنى: صارت منهم على قدْر ما يرى الرائي من البعد. إلا أنه ورد حديث يقتضي الحقيقة في هذا». وذكر حديث أبي أمامة، ونقل أنه «روي في بعض الآثار: أن البعد الذي تراهم منه مسيرة سنة. ورُوِي: أنه مسيرة خمسمائة سنة»
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ونزلنا عليكم المن والسلوى﴾ في التِّيه، أما المَنُّ: فالتَّرَنجَبِينُ، كان بين أعينهم بالليل على شجرهم أبيض كأنه الثلج، حلو مثل العسل، فيغدون عليه، فيأخذون منه ما يكفيهم يومَهم ذلك، ولا يرفعون منه لغد، ويأخذون يوم الجمعة ليومين؛ لأنّ السبت كان عندهم لا يسيحون فيه، ولا يعملون فيه، هذا لهم وهم في التِّيه مع موسى عليه السلام. وأما السلوى وهو الطير، وذلك أنّ بني إسرائيل سألوا موسى اللحم وهم في التِّيه، فسأل موسى عليه السلام ربه عز وجل ذلك، فقال الله: لأطعمنهم أقلَّ الطير لحمًا. فبعث الله سبحانه سحابًا، فأمطرت سُمانًا، وجمعتهم الريحُ الجنوب، وهي طير حمر تكون في طريق مصر، فمَطَرَتْ قدر ميل في عرض الأرض، وقدر طول رُمْح في السماء
عن ضمرة بن عبد الله بن أُنَيس، عن أبيه، قال: كنتُ في مجلسٍ من بني سلِمة وأنا أصغرهم، فقالوا: مَن يسأل لنا رسول الله ﷺ عن ليلة القدر؟ وذلك صبيحة إحدى وعشرين من رمضان، قال: فخرجتُ، فوافيتُ مع رسول الله ﷺ صلاة المغرب، ثم نمتُ بباب بيته، فمَرّ بي، فقال: «ادخل». فدخلتُ، فأُتي بعشائه، فرأيتني أكفّ عنه مِن قِلّته، فلما فرغ قال: «ناوِلني نعلي». فقام، وقمتُ معه، فقال: «كان لك حاجة؟». فقلتُ: أرسَلني إليك رهطٌ من بني سلِمة يسألونك عن ليلة القدر. فقال: «كم الليلة؟». فقلت: اثنان وعشرون. فقال: «هي الليلة». ثم رجع، فقال: «أو الثالثة». يريد: ليلة ثلاث وعشرين
أفادت الآثارُ اختلاف المفسرين في معنى: ﴿سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِ﴾؛ فقيل: إن العاكف والبادي يستويان في سكنى مكة والنزول بها، فليس أحدُهما أحقَّ بالمنزل من الآخر. وقيل: إنهما يستويان في تفضيله، وحرمته، وإقامة المناسك به. ورجَّح ابنُ جرير (١٦/٥٠٣) مستندًا إلى دلالة السياق القول الثاني، وهو قول مجاهد من طريق ابن أبي نجيح، وابن مجاهد، وعطاء، وعلَّل ذلك قائلًا: «لأنّ الله -تعالى ذِكْره- ذَكَر في أول الآية صدَّ مَن كَفَر به مَن أراد مِن المؤمنين قضاء نسكه في الحرم عن المسجد الحرام، فقال: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ﴾، ثم ذَكَر -جلَّ ثناؤه- صفة المسجد الحرام، فقال: ﴿الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ﴾، فأخبر -جلَّ ثناؤه- أنه جعله للناس كلهم، والكافرون به يمنعون مَن أراده من المؤمنين به عنه، ثم قال: ﴿سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِ﴾، فكان معلومًا أنّ خبره عن استواء العاكف فيه والباد إنما هو في المعنى الذي ابتدأ اللهُ الخبر عن الكفار أنهم صدوا عنه المؤمنين به، وذلك لا شك طوافهم، وقضاء مناسكهم به، والمقام، لا الخبر عن ملكهم إيّاه وغير ملكهم»
عن الضَّحاك بن مُزاحِم -من طريق جُوَيْبِر- في قوله: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾، قال: إذا طلَّق الرجلُ امرأتَه وهي تُرضِع له ولدًا، فتراضيا على أن تُرْضِع حولين كاملين؛ فعلى الوالِدِ رِزْقُ المُرْضِعِ والكِسْوَةُ بالمعروف على قَدْرِ المَيْسَرَة
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قال: قال ناس مِن المشركين: إنّ العِير قد انصرفت فارجعوا. فقال أبو جهل: الآن إذ برز لكم محمد وأصحابه؟ فلا ترجعوا حتى تستأصلوهم. وقال: يا قوم، لا تقتلوهم بالسلاح، ولكن خذوهم أخْذًا، فاربطوهم بالحبال. يقوله مِن القدرة في نفسه
عن صدقة بن يسار، قال: كان داود عليه السلام في مِحرابه، فأبصر دودةً صغيرة، ففكَّر في خلقها، وقال: ما يعبأ الله بخلق هذه؟ فأنطقها الله، فقالت: يا داود، أتُعجِبُك نفسك؟ لأَنا -على قدر ما آتاني الله- أذْكَرُ لله وأَشْكَرُ له منك -على ما آتاك الله-. قال الله: ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده﴾
عن مجاهد، قال: قلتُ لابن عباس: إنّ ناسًا يُكَذِّبون بالقدَر. فقال: إنهم يُكذِّبون بكتاب الله، لآخذنّ بشعر أحدهم، فلأَنفُضنّ به، إنّ الله كان على عرشه قبل أن يَخلق شيئًا، فكان أول ما خَلَق الله القلم، فجَرى بما هو كائن إلى يوم القيامة، فإنما يجري الناس على أمر قد فُرغ منه
علَّقَ ابن كثير (٢/٣٧) على قول مجاهد هذا بقوله: «وهذا القول عن مجاهد -وهو اختيار ابن جرير- يجمع الأقوالَ كلها، وهو أنّ القنوت: هو الطاعة والاستكانة إلى الله، وذلك شرعيٌّ وقدريٌّ، كما قال تعالى: ﴿ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعًا وكرهًا وظلالهم بالغدو والآصال﴾ [الرعد:١٥]»
رجَّح ابنُ عطية (٢/١٧١ بتصرف) هذا القولَ، فقال: «اختلف الناس في تحرير حدِّه كم هو؟ فروى أُبَي بن كعب عن النَّبي عليه السلام أنّه قال: «القنطار ألف ومائتا أوقية». وهو أصح الأقوال». ولم يذكر مستندًا. ثُمَّ قال بعد ذلك: «لكنَّ القنطار على هذا يختلف باختلاف البلاد في قدر الأُوقِيَّة»