سورة مريم — الآية ٩٥

عن عقبة بن عامر الجهني: كنتُ مع رسول الله ﷺ في جيش، فسرحت ظهر أصحابي، فلمّا رجعت تَلَقّاني أصحابي يَبْتَدِروني، فقالوا: بينا نحنُ عند رسول الله ﷺ أذَّن المُؤَذِّن فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ: «وجبت بهذا الجنة». ونظر بعضُنا إلى بعض، قال: «لَمَن لَقِي اللهَ يشهد أن لا إله إلا هو وحده، وأنّ محمدًا رسول الله ﷺ؛ دخل الجنة». وهي عرض رسول الله ﷺ على أبي طالب أن يقول: «لا إله إلا الله وحده، وأن محمدًا رسول الله، أشفع لك بها». فأبى اللهُ ذاك، وغلبت عليه شقوته، وقال أبو لهب: ملة الشيخ، يا ابن أخي. فقال الله: ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ [القصص:٥٦]، وهي التي قال الله: ﴿من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم﴾ الآية [النمل:٨٩-٩٠]، ولا إله إلا الله كلمة الإخلاص، وهي الحسنة، والسيئة كلمة الإشراك، قال الله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ [النساء:٤٨، ١١٦]، وقال: ﴿إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة﴾ [المائدة:٧٢]، وكما حرم الإشراك على الجنة فكذلك حرم الإخلاص على النار، وقال: ﴿تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا﴾، فكما عد لهذا وأَنْكَرْنَهُ؛ فرِحْنَ ورَضِينَ لِمَن قال: لا إله إلا الله وحده، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، وهي رأس العبادة، ورأس الحكمة، ورأس الإيمان، ومفاتيح الجنة، والصراط المستقيم، وبها آمَن أهلُ السماوات وأهل الأرض

سورة النجم — الآية ٢٠

عن يونس بن محمد بن فضالة الظفري، عن أبيه، وكثير بن زيد، عن المُطَّلِب بن عبد الله بن حَنطَب، قالا: رأى رسولُ الله ﷺ من قومه كفًّا عنه، فجلس خاليًا، فتمنّى، فقال: «ليتَه لا ينزل عليّ شيء ينفّرهم عَنِّي». وقارب رسول الله ﷺ قومه، ودنا منهم، ودَنَوا منه، فجلس يومًا مجلسًا في نادٍ مِن تلك الأندية حول الكعبة، فقرأ عليهم: ﴿والنجم إذا هوى﴾ حتى إذا بلغ: ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾ ألقى الشيطان كلمتين على لسانه: تلك الغَرانيق العُلا، وإنّ شفاعتهنّ لتُرتجى. فتكلم رسول الله ﷺ بهما، ثم مضى فقرأ السورة كلّها، وسجد، وسجد القوم جميعًا، ورفع الوليد بن المغيرة ترابًا إلى جبهته، فسجد عليه، وكان شيخًا كبيرًا لا يقدر على السجود، ويقال: إنّ أبا أُحيحة سعيد بن العاص أخذ ترابًا، فسجد عليه، رفعه إلى جبهته، وكان شيخًا كبيرًا، فبعض الناس يقول: إنما الذي رفع التراب الوليد. وبعضهم يقول: أبو أُحيحة. وبعضهم يقول: كلاهما جميعًا فعل ذلك. فرضُوا بما تكلّم به رسول الله ﷺ، وقالوا: قد عرفنا أنّ الله يُحيي ويُميت ويخلُق ويرزُق، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده، وأمّا إذ جعلتَ لها نصيبًا فنحن معك. فكبُر ذلك على رسول الله ﷺ من قولهم، حتى جلس في البيت، فلما أمسى أتاه جبريل عليه السلام، فعرض عليه السورة، فقال جبريل: ما جئتُك بهاتين الكلمتين. فقال رسول الله ﷺ: «قلتُ على الله ما لم يقل!». فأوحى الله إليه: ﴿وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذًا لاتخذوك خليلًا﴾ إلى قوله: ﴿ثم لا تجد لك علينا نصيرًا﴾ [الإسراء:٧٣-٧٥]

رجَّحَ ابن جرير (٢‏/‏٤٣٩-٤٤٠ بتصرف) العمومَ في معنى الآية وشمولها لكل الأقوال المذكورة؛ لعدم الدليل على التّعيين، فقال: «والصواب عندنا أن يقال: إنّ الله أخبر عن قوم أنهم قالوا بجهلهم نظير ما قال اليهود والنصارى بعضها لبعض مما أخبر الله عنهم أنهم قالوه في قوله: ﴿وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء﴾، وجائز أن يكونوا هم المشركين من العرب، وجائز أن يكونوا أمة كانت قبل اليهود والنصارى، ولا أمة أوْلى أن يُقال: هي التي عُنِيَت بذلك من أخرى؛ إذ لم يكن في الآية دلالة على أيٍّ من أيٍّ، ولا خبر بذلك عن رسول الله ثبتت حجته من جهة نقل الواحد العدل، ولا من جهة النقل المستفيض. وإنما قصد الله بقوله: ﴿كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ إعلامَ المؤمنين أن اليهود والنصارى قد أتوا من قيل الباطل، وافتراء الكذب على الله، وجحود نبوة الأنبياء والرسل، وهم أهل كتاب يعلمون أنهم فيما يقولون مبطلون، وبجحودهم ما يجحدون من ملتهم خارجون، وعلى الله مفترون؛ مثلَ الذي قاله أهل الجهل بالله وكتبه ورسله الذين لم يَبْعَث الله لهم رسولًا، ولا أوحى إليهم كتابًا». وذهبَ إلى مثلِه ابن كثير (٢‏/‏٢٤)، وقال: «اختار أبو جعفر ابن جرير أنها عامة تصلح للجميع، وليس ثَمَّ دليل قاطع يُعَيِّن واحدًا من هذه الأقوال، فالحمل على الجميع أوْلى». وزاد ابن عطية (١‏/‏٣٢٥) إضافة إلى ما ورد في أقوال السلف قولًا آخر، فقال: «وقال قوم: المراد اليهود، وكأنه أعيد قولهم». وانتَقَدَه بقوله: «وهذا ضعيف»

قال ابن عطية (٤‏/‏١٥٩-١٦٠): «قال بعض المتأولين: هذه الآية مخاطبة للمؤمنين الحاضرين يوم بدر، قال الله لهم: ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾، وهو الحكم بينكم وبين الكافرين، فقد جاءكم وقد حكم الله لكم، ﴿وإن تنتهوا﴾ عَمّا فعلتم من الكلام في أمر الغنائم، وما شجر بينكم فيها، وعن تفاخركم بأفعالكم من قتل وغيره؛ فهو خير لكم، ﴿وإن تعودوا﴾ لهذه الأفعال ﴿نعُد﴾ لتوبيخكم، ثم أعلمهم أن الفئة -وهي الجماعة- لا تغني -وإن كثرت- إلا بنصر الله تعالى ومعونته، ثم آنسهم بقوله وإيجابه أنه مع المؤمنين. وقال أكثر المتأولين: هذه الآية مخاطبة للكفار أهل مكة، وذلك أنه روي أن أبا جهل كان يدعو أبدًا في محافل قريش، ويقول: اللهم أقطعنا للرَّحِم، وآتانا بما لا يعرف؛ فأهلكه، واجعله المغلوب. يريد محمدًا ﷺ وإياهم، ورُوِي أن قريشًا لما عزموا على الخروج إلى حماية العِير تعلقوا بأستار الكعبة واستفتحوا، وروي أن أبا جهل قال صبيحة يوم بدر: اللهم انصر أحب الفئتين إليك، وأظهر خير الدينين عندك، اللهم أقطعنا للرحم فأَحِنْه الغداة. ونحو هذا، فقال لهم الله: إن تطلبوا الفتح فقد جاءكم، أي: كما ترونه عليكم لا لكم. قال القاضي أبو محمد: وفي هذا توبيخ، ثم قال لهم: ﴿وإن تنتهوا﴾ عن كفركم وغيكم ﴿فهو خير لكم﴾، ثم أخبرهم أنهم إن عادوا للاستفتاح عاد بمثل الوقعة يوم بدر عليهم، ثم أعلمهم أن فئتهم لا تغني شيئًا وإن كانت كثيرة، ثم أعلمهم أنه مع المؤمنين. وقالت فرقة من المتأولين: قوله: ﴿وإن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾ هي مخاطبة للمؤمنين، وسائر الآية مخاطبة للمشركين، كأنه قال: وأنتم الكفار إن تنتهوا فهو خير لكم»

سورة آل عمران — الآية ١٤٤

عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك: كانت الكتبُ إلى قبائل العرب المرتدة كتابًا واحدًا: بسم الله الرحمن الرحيم، مِن أبي بكر خليفة رسول الله ﷺ، إلى مَن بلغه كتابي هذا مِن عامَّةٍ وخاصَّة؛ أقام على إسلامه أو رجع عنه، سلامٌ على مَنِ اتَّبَع الهدى، ولم يرجع بعد الهدى إلى الضلالة والعمى. فإنِّي أحمدُ اللهَ إليكم، الله الذي لا إله إلا هو، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، نُقِرُّ بما جاء به، ونُكَفِّر مَن أبى، ونجاهده. أمّا بعدُ، فإنّ الله تعالى أرسل محمدًا بالحقِّ مِن عنده إلى خلقه بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا؛ لينذر مَن كان حيًّا، ويحق القول على الكافرين، فهدى اللهُ بالحق مَن أجاب إليه، وضرب رسولُ الله ﷺ بإذنه مَن أدبر عنه، حتى صار الإسلامُ طوعًا وكرهًا، ثُمَّ تَوَفّى اللهُ رسولَه ﷺ، وقد نفذ لأمر الله، ونصح لأمته، وقضى الذى عليه، وكان الله قد بيَّن له ذلك ولأهل الاسلام في الكتاب الذي أنزل، فقال: ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾ [الزمر:٣٠]، وقال: ﴿وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإيْن مت فهم الخالدون﴾ [الأنبياء: ٣٤]، وقال للمؤمنين: ﴿وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإيْن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزى الله الشاكرين﴾. فمَن كان إنّما يعبد محمدًا فإنّ محمدًا قد مات، ومَن كان إنّما يعبد الله وحدَه لا شريك له فإنّ الله له بالمرصاد حَيٌّ قيُّومٌ لا يموت، ولا تأخذه سِنَةٌ ولا نوم، حافظ لأمره، منتقم من عدوه ويجزيه. وإنِّي أوصيكم بتقوى الله، وحظكم ونصيبكم من الله، وما جاءكم به نبيكم ﷺ، وأن تهتدوا بهُداه، وأن تعتصموا بدين الله، فإنّ كُلَّ مَن لم يهده اللهُ ضالٌّ، وكل مَن لم يُعافِه مُبْتلًى...

سورة النساء — الآية ٤٣

عن أبي مالك غزوان الغفاري، وقتادة بن دِعامة، وزيد بن أسلم، ويحيى بن سعيد الأنصاري، نحو ذلك

سورة النساء — الآية ٦

وعن أبي العالية الرياحي، وسعيد بن جبير، والحكم بن عتيبة، ومقاتل بن حيان، وإسماعيل السُّدِّيّ، نحو ذلك

سورة النساء — الآية ٢١

وعن أبي العالية الرِّياحِيِّ، والحسن البصري، وقتادة بن دِعامة، وعكرمة مولى ابن عباس، وإسماعيل السُّدِّيّ، نحو ذلك

سورة النساء — الآية ٢٣

عن عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وأبي هريرة، مثله

اختُلِف في كلمة ﴿الراسخون﴾؛ أهِي مُسْتَأْنَفَةٌ، أم معطوفة. ورَجَّح ابنُ جرير (٥‏/‏٢٢١-٢٢٢) القولَ الأوّل الذي قال به ابن عباس من طريق طاووس، وعائشة، وعروة، وعمر بن عبد العزيز، ومالك، وأبو نهيك الأسدي مُسْتَنِدًا إلى القراءات، ودلالة العقل، وعلّل ذلك بأنّ الراسخين لا يعلمون تأويل المتشابه الذي ذكره الله عز وجل في هذه الآية، ولِمُوافقتِه لِما بَلَغَهُ مِن قراءة أُبَيٍّ وابن عباس: (ويَقُولُ الرّاسِخُونَ فِي العِلْمِ)، وقراءة عبد الله: (إن تَأْوِيلُهُ إلّا عِندَ اللهِ والرّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ). ورأى ابنُ عطية (٥‏/‏١٦١-١٦٢) قُرْبَ الخلاف بين القولين، فذكر أنّ المحكم هو المُتَّضِحُ المعنى لِكُلِّ مَن يفهم كلام العرب، والمُتشابِهُ يَتَنَوَّعُ؛ فمِنه ما لا يُعْلَمُ البَتَّةَ كأمر الروح، ومنه ما يُحْمَل على وجوهٍ في اللغة ويَحتاج إلى إزالةِ ما يعلق به من لَبْسٍ. فإن جعلنا ﴿والراسخون﴾ معطوفة على اسم الله؛ فالمعنى: إدخالهم في علم التأويل لا على الكمال، فذلك ليس إلا لله، بل علمُهم إنّما هو في النوع الثاني من المتشابه، وإن جعلنا قوله: ﴿والرّاسِخُونَ﴾ رفعًا بالابتداء مقطوعًا مما قبله؛ فتسميتُهم راسخين يقتضي بأنّهم يعلمون أكثر من المحكم الذي يستوي في علمه جميعُ مَن يفهم كلام العرب. وكذا رأى ابنُ تيمية (٢‏/‏١٩) عدمَ المنافاة بين القولين، فقال: «إنّ السلف كان أكثرهم يقفون عند قوله: ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلا اللَّهُ﴾، بناءً على أنّ التأويل الذي هو الحقيقة التي استأثر الله بعلمها لا يعلمها إلا هو، وطائفة منهم كمجاهد وابن قتيبة وغيرهما قالوا: بل الراسخون يعلمون التأويل. ومرادهم بالتأويل المعنى الثاني، وهو: التفسير. فليس بين القولين تناقُضٌ في المعنى»