أفادت الآثارُ اختلاف المفسرين في معنى قوله تعالى: ﴿وحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ على أقوال: الأول: عنى بذلك: أنّه حَرَّم علينا كلَّ معاني صيد البر؛ من اصطياد، وأكل، وقتل، وبيع، وشراء، وإمساك، وتَمَلُّك. الثاني: أي: ما صاده المُحرِم، أو صِيدَ له، أو ذبحه، أو ذُبح له حال إحرامه. الثالث: أنّ النهي عن الصيد خاصة دون سائر المعاني. ورجَّح ابنُ جرير (٨/٧٤٦) مستندًا إلى عموم الآية، والسنة النبوية القولَ الأولَ، فقال: «والصوابُ في ذلك من القول عندنا أن يُقال: إنّ الله -تعالى ذِكْره- عمَّ تحريمَ كل معاني صيد البر على المُحْرِم في حال إحرامه، مِن غير أن يَخُصَّ من ذلك شيئًا دون شيءٍ، فكلُّ معاني الصيد حرامٌ على المُحْرِم ما دام حرامًا؛ بيعه، وشراؤه، واصطياده، وقَتْلُه، وغير ذلك من معانيه، إلا أن يجده مذبوحًا قد ذَبَحه حلالٌ لحلالٍ، فيَحِلُّ له حينئذٍ أكله، للثابت من الخبر عن رسول الله ﷺ الذي حدثناه... عن عبد الرحمن بن عثمان، قال: كنا مع طلحة بن عبيد الله ونحن حُرُمٌ، فأُهْدِي لنا طائرٌ، فمِنّا من أكل، ومِنّا مَن تورَّع فلم يأكل. فلما استيقظ طلحة وفَّقَ مَن أكل، وقال: أكلناه مع رسول الله ﷺ». وذكر ابنُ عطية (٣/٢٦٥) عدة أقوال في المسألة، منها: أنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان لا يرى بأسًا للمُحْرِم أن يأكل لحم الصيد الذي صاده الحلال لحلالٍ مثله ولِنَفْسِه، وذكر بعده عدة أقوال عن غيره من الصحابة، ثم رجَّح مستندًا إلى السنّة قائلًا: «وقال بمثل قول عمرَ بن الخطاب عثمانُ بن عفان رضي الله عنه، والزبير بن العوام، وهو الصحيح؛ لأنّ النبي ﷺ أكل من الحمار الذي صاده أبو قتادة وهو حلالٌ والنبي عليه الصلاة والسلام مُحْرِمٌ»
بيَّن ابنُ تيمية (٦/٦-٩ بتصرف) أن هذا القول «وإن كان لم يَقُلْه أحدٌ من الصحابة والتابعين ولا أئمة المسلمين، ولا يقولُه من يَعقِلُ ما يقول، فقد قاله طائفة من المتأخرين». ثم انتقده قائلًا: «ويَظُنُّ بعضُ الجهال أنّ هذا معنًى شريف، وهو كذِب على الله، وتحريفُ الكَلِم عن مواضعه». وبيَّن بطلانه -مستندًا إلى القرآن، والسنة، والدلالة العقلية- من وجوه: «الأول: أنّ آدم تاب وغفر له ذنبه قبل أن يولد نوح وإبراهيم، فكيف يقول له: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ ليغفر الله لك ذنب آدم؟! الثاني: أنّ الله يقول: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الإسراء:١٥]، فكيف يضافُ ذنبُ أحدٍ إلى غيره؟! الثالث: أنّ في حديث الشفاعة الذي في الصحاح أنهم: «يأتون آدم فيقولون: أنت آدم أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك مِن روحه، وأسجد لك ملائكته، اشفع لنا إلى ربك. فيذكر خطيئته، ويأتون نوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى، فيقول لهم: اذهبوا إلى محمد، عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر». فكان سبب قبول شفاعته كمال عبوديته، وكمال مغفرة الله له، فلو كانت هذه لآدم لكان يشفع لأهل الموقف. الرابع: أنّ هذه الآية لما نزلت قال أصحابه رضي الله عنهم: يا رسول الله، هذا لك فما لنا؟ فأنزل الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ﴾ [الفتح:٤]. فلو كان ما تأخر من ذنوبهم لقال: هذه الآية لكم. الخامس: كيف يقول عاقل: إنّ الله غفر ذنوب أمته كلها، وقد علم أنّ منهم مَن يدخل النار وإن خرج منها بالشفاعة؟! السادس: أنه قد ميَّز بين ذنبه وذنوب المؤمنين بقوله: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾، فكيف يكون ذنب المؤمنين ذنبًا له»
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله﴾، وذلك: أن النبي ﷺ بعث سرية، وبعث عليها غالب بن عبد الله الليثي أخا ثميلة بن عبد الله، فلما أصبحوا رأوا رجلًا يسمى: مرداس بن عمرو بن نهيك العَنْسِيّ من بني تيم بن مرة من أهل فدك، معه غُنَيْمَة له، فلما رأى الخيل ساق غُنَيْمَتَه حتى أحرزها في الجبل، وكان قد أسلم من الليل، وأخبر أهله بذلك، فلما دنوا منه كبَّروا، فسمع التكبير، فعرفهم، فنزل إليهم، فقال: سلام عليكم، إني مؤمن. فحمل عليه أسامة بن زيد بن حارثة الكلبي من بني عبد وُدٍّ، فقال مرداس: إني منكم، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله. فطعنه أسامه برمحه، فقتله، وسلبه، وساق غنمه، فلما قدم المدينة أخبر أسامةُ النبي ﷺ، فلامه النبي ملامة شديدة، فقال النبي ﷺ: «قتلته وهو يقول: لا إله إلا الله؟!». قال: إنما قال ذلك أراد أن يحرز نفسه وغنمه، فقال النبي ﷺ: «أفلا شققت عن قلبه، فتنظر صدق أم لا؟!». قال: يا رسول الله، كيف يتبين لي، وإنما قلبه بضعة من جسده؟! فقال: «فلا صدقته بلسانه، ولا أنت شققت عن قلبه فبين لك». فقال: استغفر لي، يا رسول الله. قال: «فكيف لك بلا إله إلا الله؟!». يقول ذلك ثلاث مرات، فاستغفر له النبي ﷺ الرابعة. قال أسامة في نفسه: وددت أني لم أسلم حتى كان يومئذ، فأمره النبي ﷺ أن يعتق رقبة. فعاش أسامة زمن أبى بكر، وعمر، وعثمان رضي الله عنهم، حتى أدرك علي بن أبى طالب رضي الله عنه، فدعاه علي إلى القتال، فقال أسامة: ما أحدٌ أعزَّ عَلَيَّ منك، ولكن لا أقاتل مسلمًا بعد قول النبي ﷺ: «كيف لك بلا إله إلا الله؟!». فإن أتيت بسيف إذا ضربتُ به مسلمًا قال السيف: هذا مسلم. وإن ضربتُ به كافرًا قال لي: هذا كافر. قاتلتُ معك. فقال له عليٌّ: اذهب حيث شئت. فأنزل الله عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله﴾
قال عكرمة -من طريق أبي بكر-: لَمّا ظهرت فارسُ على الروم جلس فرخان يشرب، فقال لأصحابه: لقد رأيتُ كأنِّي جالسٌ على سرير كسرى. فبَلَغَت كِسْرى، فكتب إلى شهربراز: إذا أتاك كتابي فابعث إلَيَّ برأس فرخان. فكتب إليه: أيها الملك، إنك لن تجد مثل فرخان؛ إنّ له نكاية وضربًا في العدو، فلا تفعل. فكتب إليه: إنّ في رجال فارس خلفًا منه، فعَجِّل إلَيَّ برأسه. فراجعه؛ فغضب كسرى، فلم يجبه، وبعث بريدًا إلى أهل فارس: إنِّي قد نزعت عنكم شهربراز، واستعملت عليكم فرخان. ثم دفع إلى البريد صحيفة صغيرة: إذا ولي فرخان الملك، وانقاد له أخوه، فأعطه هذه. فلما قرأ شهربراز الكتاب، قال: سمعًا وطاعة. ونزل عن سريره، وجلس فرخان، ودفع الصحيفة إليه، قال: ائتوني بشهربراز. فقدمه ليضرب عنقه، قال: لا تعجل حتى أكتب وصيتي. قال: نعم. فدعا بالسَّفَط، فأعطاه ثلاث صحائف، وقال: كل هذا راجعت فيك كسرى، وأنت أردت أن تقتلني بكتاب واحد. فرد الملك، وكتب شهربراز إلى قيصر ملك الروم: إنّ لي إليك حاجة لا يحملها البريد، ولا تبلغها الصحف، فالقَنِي، ولا تَلْقَنِي إلا في خمسين روميًّا، فإني ألقاك في خمسين فارسيًّا. فأقبل قيصر في خمسمائة ألف رومي، وجعل يضع العيون بين يديه في الطريق، وخاف أن يكون قد مُكِر به، حتى أتته عيونه أن ليس معه إلا خمسون رجلًا، ثم بسط لهما، والتقيا في قبة ديباج ضُربت لهما، مع كل واحد منهما سكين، فدعيا ترجمانًا بينهما، فقال شهربراز: إن الذين خربوا مدائنك أنا وأخي بكيدنا وشجاعتنا، وإن كسرى حسدنا، فأراد أن أقتل أخي، فأبيت، ثم أمر أخي أن يقتلني، فقد خلعناه جميعًا، فنحن نقاتله معك. فقال: قد أصبتما، ثم أشار أحدهما إلى صاحبه أنّ السِّرَّ بين اثنين، فإذا جاوز اثنين فشا. قال: أجل. فقتلا الترجمان جميعًا بسكينيهما، فأهلك الله كسرى، وجاء الخبر إلى رسول الله ﷺ يوم الحديبية، ففرح ومن معه
اختُلف في قوله: ﴿ما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ على أقوال: الأول: أن المعنى: في الآخرة، وكان هذا في صدر الإسلام، ثم بعد ذلك عرّفه الله تعالى بأنه قد غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، وبأن المؤمنين لهم من الله فضل كبير وهو الجنة، وبأن الكافرين في نار جهنم. الثاني: أنه ﷺ أُمر أن يقول هذا في أمرٍ كان ينتظره مِن الله في غير الثواب والعقاب. الثالث: أن معنى الآية: لا أدري ما أؤمر به، ولا ما تؤمرون به. الرابع: أن المعنى: ما أدري ما يُفعل بي ولا بكم في الدنيا مِن أن أُنصر عليكم أو من أن تُمكّنوا مني. ورجَّح ابن جرير (٢١/١٢٣-١٢٤) -مستندًا إلى السياق- القولَ الأخير الذي قاله الحسن من طريق أبي بكر الهذلي. وانتقد -مستندًا لمخالفته الدلالة العقلية- القول الأول، فقال: «لأن الخطاب من مبتدأ هذه السورة إلى هذه الآية، والخبر خرج من الله عز وجل خطابًا للمشركين، وخبرًا عنهم، وتوبيخًا لهم، واحتجاجًا من الله -تعالى ذكره- لنبيّه ﷺ؛ فإذا كان ذلك كذلك فمعلوم أن هذه الآية أيضًا سبيلها سبيل ما قبلها وما بعدها في أنها احتجاج عليهم، وتوبيخ لهم، أو خبر عنهم. وإذا كان ذلك كذلك فمحال أن يقال للنبي ﷺ: قل للمشركين: ما أدري ما يُفعل بي ولا بكم في الآخرة. وآيات كتاب الله عز وجل في تنزيله ووحيه إليه متتابعة بأن المشركين في النار مُخلّدون، والمؤمنون به في الجنان مُنعَّمون، وبذلك يُرهبهم مرة، ويرغّبهم أخرى، ولو قال لهم ذلك لقالوا له: فعلام نتّبعك إذن وأنت لا تدري إلى أيِّ حال تصير غدًا في القيامة؛ إلى خفْض ودَعة، أم إلى شدّة وعذاب! وإنما اتّباعنا إياك إن اتبعناك، وتصديقنا بما تدعونا إليه، رغبة في نعمة، وكرامة نصيبها، أو رهبة من عقوبة، وعذاب نهرب منه». وعلَّق ابنُ كثير (١٣/٩) على القول الأخير بقوله: «هذا القول هو الذي عوّل عليه ابن جرير، وأنه لا يجوز غيره، ولا شكّ أن هذا هو اللائق به ﷺ؛ فإنه بالنسبة إلى الآخرة جازم أنه يصير إلى الجنة هو ومن اتّبعه، وأما في الدنيا فلم يدرِ ما كان يؤول إليه أمره وأمر مشركي قريش إلى ماذا: أيؤمنون أم يكفرون، فيُعذَّبون فيُستَأصلون بكفرهم؟»
وعن أبي هريرة، وأنس بن مالك، والضَّحّاك بن مُزاحِم، وعكرمة مولى ابن عباس، وقتادة بن دِعامة، نحو ذلك
وعن عامر الشعبي، وأبي مِجْلَز لاحق بن حميد، والضحاك بن مزاحم، وعطاء الخراساني، ومقاتل بن حيان، نحو ما روينا عنهم
عن أبي عبد الرحمن السلمي، وقيس بن أبي [حازم]، وإبراهيم النخعي، وعطاء بن أبي رباح، وإسماعيل السُّدِّيّ، وعطاء الخراساني، نحو ذلك
اختُلِف في المعنيِّ بـ«الهاد» في هذه الآية على أقوال: الأول: هو رسول الله ﷺ. الثاني: هو الله عز وجل. الثالث: معناه: نبيٌّ. الرابع: هو علي بن أبي طالب. الخامس: معناه: لكل قومٍ قائد. السادس: معناه: لكل قوم داعٍ. ووجَّه ابنُ عطية (٥/١٧٩) القول الأول بقوله: «فيكون هذا المعنى يجري مع قوله عليه الصلاة والسلام: «بُعِثْتُ إلى الأحمر والأسود». و﴿هادٍ﴾ -على هذا في هذه الآية-: داعٍ إلى طريق الهدى». ووجَّه القول الثاني بقوله: «و﴿هادٍ﴾ على هذا معناه: مخترع للرشاد». ثم علَّق عليه بقوله: «والألفاظ تطلق بهذا المعنى، ويعرف أنّ الله تعالى هو الهادي من غير هذا الموضع». وعلَّق على القول الثالث بقوله: «وهذا يشبه غرض الآية». ووجَّه القول الرابع بقوله: «والذي يشبه -إن صحَّ هذا- أنّ النبي ﷺ إنّما جعل عليًّا رضي الله عنه مثالًا مِن علماء الأمة وهداتها إلى الدين، كأنه قال: يا عليّ، أنت وصنفك. فيدخل في هذا أبو بكر، وعمر، وعثمان، وسائر علماء الصحابة -عليهم رضوان الله أجمعين-، ثم كذلك من كل عصر، فيكون المعنى على هذا: إنما أنت -يا محمد- منذر، ولكلّ قوم في القديم والحديث دعاة وهداة إلى الخير». وقد دمج ابنُ تيمية القولين الأول والثالث، وساق الآثار الواردة في كل منهما مساقًا واحدًا، بخلاف ما فعله ابنُ جرير فقد مايز بينهما. وبيَّن ابنُ جرير (١٣/٤٤٣) أن معنى: ﴿ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ أي: «ولكلِّ قومٍ إمامٌ يَأتمُّون به، وهادٍ يتقدمهم، فيهديهم إما إلى خيرٍ، وإما إلى شرٍّ». ثم رجَّح جواز تلك الأقوال دون القطع بقولٍ منها لدلالة اللغة، وعدم دليل التخصيص، فقال: «وقد بيَّنْتُ معنى الهداية، وأنه الإمام المتَّبعُ الذي يَقْدُمُ القوم، فإذ كان ذلك كذلك فجائزٌ أن يكون ذلك هو الله الذي يهدي خلْقَه، ويتَّبِعُ خلْقُه هداه، ويَأتمُّون بأمره ونهيه، وجائزٌ أن يكون نبيَّ الله الذي تَأْتَمُّ به أمّته، وجائزٌ أن يكون إمامًا مِن الأئمة يؤتمُّ به، ويَتَّبِعُ منهاجَه وطريقتَه أصحابُه، وجائزٌ أن يكون داعيًا من الدعاة إلى خيرٍ أو شرٍّ. وإذ كان ذلك كذلك فلا قول أولى في ذلك بالصواب مِن أن يقال كما قال -جلَّ ثناؤه-: إن محمدًا هو المنذر من أُرسِل إليه بالإنذار، وإن لكلِّ قومٍ هاديًا يهديهم، فيَتَّبعونه ويأتمُّون به». ورجَّح ابنُ عطية (٥/١٨٠) القول الأول، وهو قول ابن عباس من طريق عكرمة، وأبي الضحى من طريق منصور، وعكرمة من طريق السدي، وقتادة، فقال: «والقول الأول أرجح ما تؤول في هذه الآية». ولم يذكر مستندًا. ورجَّح ابنُ تيمية (٤/٨٢، ٨٣) القول الثالث مستندًا إلى دلالة القرآن، فقال: «والصحيح: أنّ معناها: إنما أنت نذير كما أرسل من قبلك نذير، ولكل أمة نذير يهديهم، أي: يدعوهم، كما في قوله: ﴿وإن مِّنْ أُمَّةٍ إلا خَلا فِيها نَذِير﴾ [فاطر:٢٤]، وهذا قول جماعة من المفسرين، مثل: قتادة، وعكرمة، وأبي الضحى، وعبد الرحمن بن زيد...». وانتقد مستندًا إلى دلالة اللغة القولَ أنّ النبي ﷺ نذيرٌ لكلِّ قوم، وكذا القول أنّه الله، وكذا القول أنه علي رضي الله عنه، فقال: «قيل معناه: ﴿ولكل قوم هاد﴾ وهو الله تعالى، وهو قول ضعيف. وكذلك قول مَن قال: أنت نذير وهاد لكل قوم، قول ضعيف... وكذا تفسيره بأنه عليّ قول باطل؛ لأنه قال: ﴿ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾، وهذا يقتضي أن يكون هادي هؤلاء غير هادي هؤلاء، فيتعدد الهداة، فكيف يُجعَل عليٌّ هاديًا لكلِّ قوم مِن الأولين والآخرين؟!». وذكر «أن قوله: ﴿ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ نكرة في سياق الإثبات، وهذا لا يدل على معيَّن، فدعوى دلالة القرآن على عليٍّ باطل». ثم بيَّن أن «كل» في قوله: ﴿ولكلِّ قومٍ﴾ «صيغة عموم، ولو أُريد أنّ هاديًا واحدًا للجميع لقيل: لجميع الناس هاد، لا يقال: ﴿ولكل قوم﴾، فإنّ هؤلاء القوم غير هؤلاء القوم، وهو لم يقل: لجميع القوم، ولا يقال ذلك، بل أضاف كلًّا إلى نكرة، لم يضفه إلى معرفة. كما في قولك: كل الناس يعلم أنّ هنا قومًا وقومًا متعددين، وأن كلَّ قوم لهم هادٍ ليس هو هادي الآخرين. وهذا يبطل قول من يقول: إنّ الهادي هو الله تعالى، ودلالته على بطلان قول مَن يقول: هو علي. أظهر»
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة بن الفضل-: أنّ أبْرَهَة بنى كنيسة بصنعاء، وكان نصرانيًّا، فسماها: القُلَّيْس؛ لم يُر مثلها في زمانها بشيء من الأرض؛ وكتب إلى النجاشيّ ملِك الحبشة: إني قد بنيتُ لك -أيها الملِك- كنيسة لم يُبن مثلها لملِك كان قبلك، ولستُ بمنتهٍ حتى أصرف إليها حاجّ العرب. فلما تحدّثت العرب بكتاب أبْرَهَة ذلك للنجاشيّ غضِب رجلٌ من النّسَأة أحد بني فُقَيم، ثم أحد بني مالك، فخرج حتى أتى القُلَّيْس، فقعد فيها، ثم خرج فلحق بأرضه، فأُخبر أبْرَهَة بذلك، فقال: مَن صنع هذا؟ فقيل: صنعه رجل من أهل هذا البيت الذي تحجّ العرب إليه بمكة؛ لما سمع من قولك: أصرف إليه حاجّ العرب، فغضب، فجاء فقعد فيها، أي: أنها ليستْ لذلك بأهل. فغضب عند ذلك أبْرَهَة، وحلف ليسيرنّ إلى البيت فيهدمه، وعند أبْرَهَة رجال من العرب قد قدموا عليه يلتمسون فضله، منهم محمد بن خُزاعيّ بن حزابة الذَّكواني، ثم السُّلمي، في نفر من قومه، معه أخ له يُقال له: قيس بن خُزاعيّ، فبينما هم عنده غشيهم عبد لأَبْرَهَة، فبعث إليهم فيه بغذائه، وكان يأكل الخُصى، فلما أتى القوم بغذائه قالوا: واللهِ، لئن أكلنا هذا لا تزال تسبّنا به العرب ما بقينا. فقام محمد بن خُزاعيّ، فجاء أبْرَهَة، فقال: أيها الملِك، إنّ هذا يوم عيد لنا، لا نأكل فيه إلا الجُنوب والأيدى. فقال له أبْرَهَة: فسنبعث إليكم ما أحببتم، فإنما أكرمتكم بغذائي لمنزلتكم عندي. ثم إن أبْرَهَة توّج محمد بن خزاعي، وأمّره على مُضر أن يسير في الناس، يدعوهم إلى حجّ القُلَّيْس، كنيسته التي بناها، فسار محمد بن خُزاعيّ، حتى إذا نزل ببعض أرض بني كنانة، وقد بلغ أهل تِهامة أمره، وما جاء له، بعثوا إليه رجلًا من هُذَيل يقال له: عروة بن حياض الملاصيّ، فرماه بسهم، فقتله، وكان مع محمد بن خُزاعيّ أخوه قيس بن خُزاعيّ، فهرب حين قُتل أخوه، فلحق بأَبْرَهَة، فأخبره بقتْله، فزاد ذلك أبْرَهَة غضبًا وحنقًا، وحلف ليغزونّ بني كنانة، وليهدمنّ البيت. ثم إن أبْرَهَة حين أجمع السير إلى البيت أمر الحُبْشان، فتهيّأتْ وتجهّزتْ، وخرج معه بالفيل، وسمعت العرب بذلك، فأعظموه، وفظعوا به، ورأوا جهاده حقًّا عليهم حين سمعوا أنه يريد هدْم الكعبة بيت الله الحرام، فخرج رجل كان مِن أشراف أهل اليمن وملوكهم، يقال: له ذو نفر، فدعا قومه ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبْرَهَة وجهاده عن بيت الله، وما يريد من هدمه وإخرابه، فأجابه من أجابه إلى ذلك، وعرض له، وقاتله، فهُزم، وتفرّق أصحابه، وأُخذ له ذو نَفر أسيرًا، فأُتي به، فلما أراد قتله قال له ذو نَفْر: أيها الملِك، لا تقتلني، فإنّه عسى أن يكون بقائي معك خيرًا لك مِن قتْلي. فتركه من القتل، وحبسه عنده في وثاق، وكان أبْرَهَة رجلًا حليمًا. ثم مضى أبْرَهَة على وجهه ذلك يريد ما خرج له، حتى إذا كان بأرض خثعم عرض له نُفَيل بن حبيب الخثعميّ في قبيلي خثعم: شهران، وناهس، ومن معه من قبائل العرب، فقاتله، فهزمه أبْرَهَة، وأُخذ له أسيرًا، فأُتي به، فلما همّ بقتْله قال له نُفَيل: أيها الملِك، لا تقتلني، فإني دليلك بأرض العرب، وهاتان يداي لك على قبيتليّ خثعم؛ شهران، وناهس، بالسمع والطاعة. فأعفاه، وخلّى سبيله، وخرج به معه يدلّه على الطريق، حتى إذا مَرّ بالطائف خرج إليه مسعود بن مُعتِّب في رجال ثقيف، فقال: أيها الملِك، إنما نحن عبيدك، سامعون لك مطيعون، ليس لك عندنا خلاف، وليس بيتنا هذا بالبيت الذي تريد -يعنون: اللّات-، إنما تريد البيت الذي بمكة -يعنون: الكعبة-، ونحن نبعث معك مَن يدلّك، فتجاوز عنهم، وبعثوا معه أبا رغال، فخرج أبْرَهَة ومعه أبو رِغال حتى أنزله المُغَمِّس، فلما أنزله به مات أبو رِغال هناك، فرَجمت العربُ قبره، فهو القبر الذي ترجم الناس بالمُغَمِّس. ولما نزل أبْرَهَة المُغَمِّس بعث رجلًا من الحبشة -يقال له: الأسود بن مقصود- على خيل له حتى انتهى إلى مكة، فساق إليه أموال أهل مكة من قريش وغيرهم، وأصاب منها مائتي بعير لعبد المُطَّلِب بن هاشم، وهو يومئذ كبير قريش وسيّدها، وهمّتْ قريش وكنانة وهُذيل ومَن كان بالحَرم من سائر الناس بقتاله، ثم عرفوا أنهم لا طاقة لهم به، فتركوا ذلك، وبعث أبْرَهَة حُناطة الحِمْيريّ إلى مكة، وقال له: سل عن سيّد هذا البلد وشريفهم، ثم قُل له: إنّ الملك يقول لكم: إني لم آتِ لحربكم، إنما جئتُ لهدْم البيت، فإن لم تعرضوا دونه بحرب فلا حاجة لي بدمائكم. فإن لم يُرد حربي فأْتني به. فلما دخل حُناطة مكة سأل عن سيّد قريش وشريفها، فقيل له: عبد المُطَّلِب بن هاشم بن عبد مناف بن قُصَي، فجاءه، فقال له ما أمره به أبْرَهَة، فقال له عبد المُطَّلِب: واللهِ، ما نريد حربه، وما لنا بذلك من طاقة، هذا بيت الله الحرام، وبيت خليله إبراهيم عليه السلام أو كما قال-، فإن يمنعه فهو بيته وحَرمه، وإن يُخلّ بينه وبينه -فواللهِ- ما عندنا له مِن دفْع عنه. أو كما قال له، فقال له حُناطة: فانطلِق إلى الملِك، فإنه قد أمرني أنْ آتيه بك. فانطلق معه عبد المُطَّلِب، ومعه بعض بنيه، حتى أتى العسكر، فسأل عن ذي نَفْر، وكان له صديقًا، فدُلّ عليه، فجاءه وهو في محبسه، فقال: يا ذا نَفْر، هل عندك غناء فيما نزل بنا؟ فقال له ذو نَفْر: وما غناء رجل أسير بيدي ملِك، ينتظر أن يقتله غدوًّا أو عشيًّا؟ ما عندي غناء في شيء مما نزل بك، إلا أنّ أُنَيْسًا سائس الفيل لي صديق، فسأرسل إليه، فأوصيه بك، وأُعظِّم عليه حقّك، وأسأله أن يستأذن لك على الملِك، فتكلّمه بما تريد، ويشفع لك عنده بخير، إن قدر على ذلك. قال: حسبي. فبعث ذو نَفْر إلى أُنَيْس، فجاء به، فقال: يا أُنَيْس، إنّ عبد المُطَّلِب سيد قريش، وصاحب عِير مكة، يُطعم الناس بالسهل، والوحوش في رؤوس الجبال، وقد أصاب الملِك له مائتي بعير، فاستأذِن له عليه، وانفعه عنده بما استطعتَ. فقال: أفعل. فكلّم أُنَيْس أبْرَهَة، فقال: أيها الملِك، هذا سيّد قريش ببابك، يستأذن عليك، وهو صاحب عِير مكة، يُطعم الناس بالسهل، والوحوش في رؤوس الجبال، فأْذن له عليك، فليكلّمك بحاجته، وأحسِن إليه. قال: فأذن له أبْرَهَة، وكان عبد المُطَّلِب رجلًا عظيمًا وسيمًا جسيمًا؛ فلما رآه أبْرَهَة أجلّه وأكرمه أن يجلس تحته، وكره أن تراه الحبشة يُجلسه معه على سرير مُلكه، فنزل أبْرَهَة عن سريره، فجلس على بساطه، فأجلسه معه عليه إلى جنبه، ثم قال لتُرْجُمانه: قُل له: ما حاجتك إلى الملِك؟ فقال له ذلك التُّرجُمان، فقال له عبد المُطَّلِب: حاجتي إلى الملِك أن يردّ عليّ مائتي بعير أصابها لي. فلما قال له ذلك قال أبْرَهَة لتُرْجُمانه: قُل له: قد كنتَ أعجبتني حين رأيتُك، ثم زهدتُ فيك حين كلّمتني، أتكلّمني في مائتي بعير أصبتُها لك، وتترك بيتًا هو دينك ودين آبائك، قد جئتُ لهدْمه فلا تكلّمني فيه؟! قال له عبد المُطَّلِب: إني أنا ربّ الإبل، وإنّ للبيت ربًّا سيمنعه. قال: ما كان ليُمنع مني. قال: أنتَ وذاك، اردد إليّ إبلي. وكان -فيما زعم بعض أهل العلم- قد ذهب مع عبد المُطَّلِب إلى أبْرَهَة، حين بعث إليه حُناطة، يعمُر بن نُفاثة بن عدي بن الدُّئل بن بكر بن عبد مَناة بن كنانة، وهو يومئذ سيّد بني كنانة، وخُوَيْلد بن واثلة الهُذلي وهو يومئذ سيّد هُذيل، فعرضوا على أبْرَهَة ثُلُث أموال تِهامة على أن يرجع عنهم، ولا يهدم البيت، فأبى عليهم، والله أعلم. وكان أبْرَهَة قد ردّ على عبد المُطَّلِب الإبل التي أصاب له، فلما انصرفوا عنه انصرف عبد المُطَّلِب إلى قريش، فأخبرهم الخبر، وأمرهم بالخروج من مكة، والتحرُّز في شَعْف الجبال والشِّعاب، تخوّفًا عليهم من مَعرّة الجيش، ثم قام عبد المُطَّلِب، فأخذ بحلقة الباب باب الكعبة، وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبْرَهَة وجنده، فقال عبد المُطَّلِب وهو آخذ حلقة باب الكعبة: يا ربِّ لا أرجو لهم سِواكا يا ربِّ فامنع منهم حِماكا إن عدوَّ البيت مَن عاداكا امنعهم أن يُخْربوا قراكا لاهُمّ إن العبد يمـــ ــنع رحْله فامنع حِلالك لا يغلبنّ صليبُهم ومِحالهم غدوا مِحالك فلئن فعلتَ فربما أولى فأمرٌ ما بدا لك ولئن فعلتَ فإنه أمرٌ تُتم به فِعالك وكنتَ إذا أتى باغٍ بسَلْم نُرجِّي أن تكون لنا كذلك فولَّوا لم ينالوا غير خِزي وكان الحين يُهلكهم هنالك ولم أسمع بأرجسَ من رجال أرادوا العز فانتهكوا حَرامك جرُّوا جموع بلادهم والفيل كي يَسْبوا عيالك ثم أرسل عبد المُطَّلِب حلقة باب الكعبة، وانطلق هو ومَن معه من قريش إلى شَعْف الجبال، فتحرّزوا فيها ينتظرون ما أبْرَهَة فاعل بمكة إذا دخلها؛ فلما أصبح أبْرَهَة تهيّأ لدخول مكة، وهيّأ فيله، وعبّأ جيشه، وكان اسم الفيل: محمودًا، وأَبْرَهَة مُجمع لهدْم البيت، ثم الانصراف إلى اليمن، فلما وجّهوا الفيل أقبل نُفَيل بن حبيب الخثعميّ، حتى قام إلى جنبه، ثم أخذ بأُذنه، فقال: ابرُك محمود، وارجع راشدًا من حيث جئتَ؛ فإنك في بلد الله الحرام. ثم أرسل أُذنه، فبَرك الفيل، وخرج نُفَيل بن حبيب يشتدّ حتى أصعد في الجبل، وضربوا الفيل ليقوم فأبى، وضربوا في رأسه بالطَّبَرْزين ليقوم، فأبى، فأدخلوا محاجن لهم في مَراقِّه، فبَزغوه بها ليقوم، فأبى، فوجّهوه راجعًا إلى اليمن، فقام يهرول، ووجّهوه إلى الشام، ففعل مثل ذلك، ووجّهوه إلى المشرق، ففعل مثل ذلك، ووجّهوه إلى مكة فبَرك، وأرسل الله عليهم طيرًا من البحر أمثال الخطاطيف، مع كلّ طير ثلاثة أحجار يحملها: حجر في منقاره، وحجران في رجليه مثل الحِمَّص والعَدَس، لا يصيب منهم أحدًا إلا هلك، وليس كلّهم أصابتْ، وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق الذي منه جاؤوا، ويسألون عن نُفَيل بن حبيب، ليدلّهم على الطريق إلى اليمن، فقال نُفَيل بن حبيب حين رأى ما أنزل الله بهم من نِقمته: أين المفرّ والإله الطالب؟! والأشرمُ المغلوبُ غير الغالب فخرجوا يتساقطون بكلّ طريق، ويهلكون على كلّ منْهل، فأصيب أبْرَهَة في جسده، وخرجوا به معهم، تسقط أنامله أُنمُلة أُنمُلة، كلما سقطت أُنمُلة أتبعتها مِدّة تُمثُّ قيحًا ودمًا، حتى قدموا به صنعاء، وهو مثل فرخ الطير، فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه فيما يزعمون