عن علي، قال: صلّى بنا رسولُ الله ﷺ الفجرَ ذات يوم بغَلَس، وكان يغلِّس ويُسفر، ويقول: «ما بين هذين وقت؛ لكيلا يختلف المؤمنون». فصلّى بنا ذات يوم بغَلَس، فلمّا قضى الصلاةَ التفتَ إلينا، كأن وجهه ورقة مصحف، فقال: «أفيكم مَن رأى الليلة شيئًا؟». قلنا: لا، يا رسول الله. قال: «لكني رأيت ملَكين أتياني الليلة، فأخذا بضَبْعَيّ، فانطَلَقا بي إلى السماء الدنيا، فمررتُ بمَلك وأمامه آدميٌّ، وبيده صخرة، فيضرب بهامة الآدميّ، فيقع دماغه جانبًا، وتقع الصخرة جانبًا، قلت: ما هذا؟ قالا لي: امضِه. فمضيتُ، فإذا أنا بمَلك وأمامه آدميّ، وبيد المَلك كَلُّوب من حديد، فيضعه في شِدْقه الأيمن، فيشقّه حتى ينتهي إلى أُذنه، ثم يأخذ في الأيسر فيلتئم الأيمن، قال: قلت: ما هذا؟ قالا: امضِه. فمضيتُ، فإذا أنا بنهر من دم يمور كمَور المِرجل، على فِيه قوم عراة، على حافّة النهر ملائكة بأيديهم مِدْرتان، كلما طلع طالع قذفوه بمِدرة، فيقع في فِيه، ويسيل إلى أسفل ذلك النهر، قلت: ما هذا؟ قالا: امضِه. فمضيتُ فإذا أنا ببيت أسفله أضيق من أعلاه، فيه قوم عراة، توقد من تحتهم النار، أمسكتُ على أنفي من نَتْن ما أجد من ريحهم، قلتُ: مَن هؤلاء؟ قالا لي: امضِه. فمضيتُ، فإذا أنا بتَلٍّ أسود عليه قوم مُخبَّلون، تُنفُخ النار في أدبارهم فتَخْرج من أفواههم ومناخرهم وآذانهم وأعينهم، قلتُ: ما هذا؟ قالا لي: امضِه. فمضيتُ فإذا أنا بنار مُطبَقة، مُوكَّل بها ملك، لا يخرج منها شيء إلا اتّبعه حتى يعيده فيها، قلت: ما هذا؟ قالا لي: امضِه. فمضيتُ فإذا أنا بروضة، وإذا فيها شيخ جميل لا أجمل منه، وإذا حوله الولدان، وإذا شجرة ورقها كآذان الفيلة، فصعِدتُ ما شاء الله من تلك الشجرة، وإذا أنا بمنازل لا أحسن منها، من زُمُرّدة جوفاء، وزَبَرْجَدة خضراء، وياقوته حمراء، قلتُ: ما هذا؟ قالا: امضِه. فمضيتُ فإذا أنا بنهر عليه جِسران من ذهب وفِضّة، على حافتي النهر منازل، لا منازل أحسن منها، من دُرّة جوفاء، وزَبَرْجَدة خضراء، وياقوتة حمراء، وفيه قدحان وأباريق تَطَّرد، قلتُ: ما هذا؟ قالا لي: انزل. فنزلتُ، فضربتُ بيدي إلى إناء منها، فغرفتُ ثم شربتُ، فإذا أحلى من عسل، وأشدّ بياضًا من اللبن، وألين من الزُّبْد. فقالا لي: أمّا صاحب الصخرة التي رأيتَ يَضرِب بها هامة الآدميّ فيقع دماغه جانبًا وتقع الصخرة في جانب، فأولئك الذين كانوا ينامون عن صلاة العشاء الآخرة، ويصلّون الصلاة لغير مواقيتها، يُضربون بها حتى يصيروا إلى النار. وأَمّا صاحب الكَلُّوب الذي رأيتَ مَلكًا مُوكَّلًا بيده كَلُّوب من حديد يشقّ شِدْقه الأيمن حتى ينتهي إلى أُذنه ثم يأخذ في الأيسر فيلتئم الأيمن، فأولئك الذين كانوا يمشون بين المؤمنين بالنميمة فيفسدون بينهم، فهم يُعذَّبون بها حتى يصيروا إلى النار. وأَمّا ملائكة بأيديهم مِدرتان من النار كلما طلع طالع قذفوه بمِدرة فتقع في فِيه فينتقل إلى أسفل ذلك النهر، فأولئك أكَلَة الرِّبا، يُعذّبون حتى يصيروا إلى النار، وأَمّا البيت الذي رأيت أسفله أضيق من أعلاه، فيه قوم عراة تتوقد من تحتهم النار، أمسكتَ على أنفك من نَتْن ما وجدتَ من ريحهم، فأولئك الزُّناة، وذلك نَتْن فروجهم، يُعذّبون حتى يصيروا إلى النار. وأَمّا التلّ الأسود الذي رأيتَ عليه قومًا مُخبَّلين تُنفُخ النار في أدبارهم فتَخرج من أفواههم ومناخرهم وأعينهم وآذانهم، فأولئك الذين يعملون عمل قوم لوط؛ الفاعل والمفعول به، فهم يُعذَّبون حتى يصيروا إلى النار. وأَمّا النار المُطبقة التي رأيت مَلكًا مُوكَّلًا بها كلما خرج منها شيء اتّبعه حتى يعيده فيها، فتلك جهنم تُفرِّق بين أهل الجنة وأهل النار. وأَمّا الروضة التي رأيتها، فتلك جنة المأوى. وأَمّا الشيخ الذي رأيتَ ومَن حوله من الولدان، فهو إبراهيم وهم بنوه. وأَمّا الشجرة التي رأيتَ فطلعتَ إليها فيها منازل لا منازل أحسن منها، من زُمُرّدة جوفاء، وزَبَرْجدة خضراء، وياقوتة حمراء، فتلك منازل أهل علِّيين من النّبيّين والصِّدِّيقين والشهداء والصالحين، وحَسُن أولئك رفيقًا. وأَمّا النهر، فهو نهرك الذي أعطاك الله؛ الكوثر، وهذه منازلك وأهل بيتك. قال: فنوديت من فوقي: يا محمد، يا محمد، سل تُعطه. فارتعدتْ فرائصي، ورجف فؤادي، واضطرب كل عضو مني، ولم أستطع أنْ أجيب شيئًا، فأخذ أحد المَلكين يده اليمنى فوضعها في يدي، وأخذ الآخر يده اليمنى فوضعها بين كتفي، فسكن ذلك مني، ثم نوديت من فوقي: يا محمد، سل تُعطه. قال: قلت: اللهم، إني أسألك أن تُثْبِت شفاعتي، وأنْ تُلْحق بي أهل بيتي، وأنْ ألقاك ولا ذنب لي». قال: «ثم ولي بي». ونزلت عليه هذه الآية: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ﴾ إلى قوله: ﴿مُسْتَقِيمًا﴾، فقال رسول الله ﷺ: «فكما أُعطيتُ هذه كذلك أعطانيها -إن شاء الله تعالى-»
عن زيد بن ثابت، وعبد الله بن معقل، وسعيد بن جبير، وأبي صالح، وقتادة بن دعامة، ومحمد ابن شهاب الزهري، والسُّدِّيّ، وعطاء الخراساني، والحارث العُكْلِيِّ، وابن أبي ليلى، والثوري، نحو ذلك، إلا ذِكْرَ الحُبْلى
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- ﴿وإلى ثمود أخاهم صالحا﴾، قال: إنّ الله بعَث صالحًا إلى ثمود، فدعاهم، فكذَّبوه، فقال لهم ما ذكر الله في القرآن، فسألوا أن يأتيَهم بآيةٍ، فجاءهم بالناقة لها شِرْبٌ ولهم شِرْبُ يوم معلومٍ، وقال: ﴿ذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء﴾. فأقرُّوا بها جميعًا، فذلك قوله: ﴿فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى﴾ [فصلت: ١٧]. وكانوا قد أقرُّوا به على وجه النفاق والتَّقِيَّة، فكانت الناقةُ لها شِرْبٌ، فيومَ تشرَبُ فيه الماء تمرُّ بين جبلين فيزْحَمانها، ففيهما أثرُها حتى الساعة، ثم تأتي فتقِفُ لهم حتى يَحْتَلِبون الَّلبنَ، فترويهم، ويوم يشرَبون الماء لا تأتيهم، وكان معها فصيلٌ لها، فقال لهم صالحٌ: إنه يولدُ في شهركم هذا مولودٌ يكون هلا كُكم على يدَيْه. فوُلِد لتسعة منهم في ذلك الشهر، فذبَحوا أبناءَهم، ثم وُلِد للعاشر، فأبى أن يذبَحَ ابنه، وكان لم يولَدْ له قبلَه شيءٌ، وكان أبو العاشر أزرق أحمر، فنَبت نباتًا سريعًا، فإذا مرَّ بالتسعة فرأَوْه قالوا: لو كان أبناؤُنا أحياءً كانوا مثلَ هذا. فغَضِب التسعةُ على صالحٍ لأنه أمرهم بذبح أبنائهم، فـ ﴿تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون﴾ [النمل: ٤٩]. قالوا: نخرج، فيرى النّاسُ أنّا قد خرجنا إلى سفر، فنأتي الغار، فنكون فيه، حتى إذا كان الليلُ وخرج صالحٌ إلى المسجد أتيناه فقتلناه، ثم رجعنا إلى الغار فكُنّا فيه، ثم رجعنا فقلنا: ﴿ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون﴾، يُصَدِّقوننا يعلمون أنّا قد خرجنا إلى سفر. فانطلقوا، فلما دخلوا الغار أرادوا أن يخرجوا من الليل، فسقط عليهم الغار، فقتلهم، فذلك قوله: ﴿وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون﴾ حتى بلغ ههنا: ﴿فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين﴾ [النمل: ٤٨ - ٥١]. وكبر الغلام ابن العاشر، ونبتنباتًا عجبًا من السرعة، فجلس مع قوم يصيبون من الشراب، فأرادوا ماء يمزجون به شرابهم، وكان ذلك اليوم يوم شرب الناقة، فوجدوا الماء قد شربته الناقة، فاشتد ذلك عليهم، وقالوا في شأن الناقة: ما نصنع نحن باللبن؟ لو كنا نأخذ هذا الماء الذي تشربه هذه الناقة فنسقيه أنعامَنا وحروثَنا كان خيرًا لنا. فقال الغلام ابن العاشر: هل لكم في أن أعقرها لكم؟ قالوا: نعم. فأظهروا دينهم، فأتاها الغلام، فلما بصرت به شدَّت عليه، فهرب منها، فلما رأى ذلك دخل خلف صخرةٍ على طريقها، فاسْتَتَر بها، فقال: أحيشوها عَلَيَّ. فأحاشوها عليه، فلمّا جازَت به نادوه: عليك. فتناولها، فعقرها، فسقطت، فذلك قوله تعالى: ﴿فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر﴾ [القمر: ٢٩]. وأظهروا حينئذ أمرهم، وعقروا الناقة، وعتوا عن أمر ربهم، وقالوا: يا صالح، ائتنا بما تعدنا. وفزع ناس منهم إلى صالح، وأخبروه أنّ الناقة قد عقرت، فقال: عَلَيَّ بالفصيل. فطلبوا الفصيل، فوجدوه على رابية من الأرض، فطلبوه، فارتفعت به حتى حلقت به في السماء، فلم يقدروا عليه، ثم رغا الفصيل إلى الله، فأوحى الله إلى صالح أن مُرْهُم فليتمتعوا في دارهم ثلاثة أيام، فقال لهم صالح: ﴿تمتعوا في داركم ثلاثة أيام﴾ [هود: ٦٥]، وآية ذلك أن تصبح وجوهكم أول يوم مصفرة، والثاني مُحْمَرَّة، واليوم الثالث مُسْوَدَّة، واليوم الرابع فيه العذاب. فلما رأوا العلامات تكفَّنوا، وتَحَنَّطوا، ولطخوا أنفسهم بالمُرِّ، ولبسوا الأنطاع، وحفروا الأسراب، فدخلوا فيها ينتظرون الصيحة، حتى جاءهم العذاب، فهلكوا، فذلك قوله: فـ ﴿دمرناهم وقومهم أجمعين﴾ [النمل: ٥١]. (ز)
وعن عبد الله بن مسعود، وسعيد بن المسيب، والحسن البصري، وعامر الشعبي، وعكرمة مولى ابن عباس في إحدى الروايات، والضحاك بن مزاحم في إحدى الروايات، وسعيد بن جبير، ومجاهد بن جبر، وعطاء الخراساني، وأبي صالح باذام، وزيد بن أسلم، وسعيد بن أبي هلال، نحو ذلك
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ نَزَلتْ في ثلاثة نَفَرٍ، وذلك أنّ رسول الله ﷺ بعث سَرِيّةً إلى ناحية أرض تِهامة، وكانوا سبعة وعشرين رجلًا؛ منهم: عُروة بن أسماء السُّلَمي، والحكم بن كيسان المخزومي، وعامر بن فُهَيْرَة مولى أبي بكر، وبشير الأنصاري، واستعمَل عليهم المُنذر بن عمرو الأنصاري من النُّقَباء، وكتب صحيفةً ودفعها إلى حَرام بن مِلْحان ليقرأها على العدو، فكان طريقهم على بني سليم، وبينهم وبين النبي ﷺ مُوادعة، ودسّ المنافقون إلى بني عامر بن صعصعة وهم حَرْبٌ على المسلمين: إنّ أصحاب محمد مغرورون، يختلفون من بين ثلاثة وأربعة، فأَرصِدوهم، وهم على بئر مَعُونة. وهو ماء لبني عامر، فسار القومُ ليلًا، وأضلّ أربعةٌ منهم بعيرًا لهم، منهم بشير الأنصاري، فأقاموا حتى أصبحوا، وسار المسلمون حتى أتَوا على بني عامر وهم حول الماء، وعليهم عامر بن الطُّفيل العامري، فدعاهم المُنذر بن عمرو إلى الإسلام، وقرأ عليهم حَرامٌ الصحيفة، فأبَوْا، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فلمّا عرفوا أنهم مقتولون قالوا: اللهم، إنّك تعلم أنّ رسولك أرسَلَنا، وإنّا لا نجد مَن يُبلِّغ عنّا رسولك غيرك، فأَقْرِءه منّا السلام، فقد رضينا بحُسْن قضائك لنا. وحمل عامر بن الطُّفيل على حَرامٍ، فطَعنه، فقَتله، وقُتِلَ بقيّتهم غير المنذر بن عمرو، فإنه كان دارِعًا مُقنّعًا، وعُروة بن أسماء السلمي، فقُتل المنذر بعد ذلك، فقالوا لعُروة: لو شئنا لقتلناك، فأنت آمِنٌ؛ فإن شئتَ فارجع إلينا، وإن شئتَ فاذهب إلى غيرنا، فأنت آمِنٌ. قال عرُوة: إني عاهدتُ رسول الله ﷺ ألّا أضع يدي في يد مشرك، ولا أتِّخذه وليًّا. وجعل يحمل عليهم، ويضربونه بِعُرْضِ رِماحهم، ويناشدونه، ويأبى عليهم، فرَمَوه بالنَّبل حتى قتلوه، وأتى جبريلُ النبيَّ ﷺ، فأخبره بحالهم، فنَعاهم النبيُّ ﷺ لأصحابه، وقال: «أرسَل إخوانكم يُقرءونكم السلام، فاستغْفِروا لهم». ووجد الأربعةُ بعيرهم حين أصبحوا، فساروا، فلمّا دنَوا مِن ماء بني عامر لقيَتْهم وليدةٌ لبني عامر، فقالت: أمِن أصحاب محمد أنتم؟ فقالوا: نعم. رجاء أن تُسلم، فقالت: إنّ إخوانكم قد قُتلوا حول الماء، النّجاءَ النّجاءَ، ألا ترون إلى النُّسُور والعِقْبانِ قد تعلّقن بلحومهم! فقال بشير الأنصاري: دونكم بعيرَكم، أنظُر لكم. فسار نحوهم، فرأى إخوانهم مُقتَّلين كأمثال البُدن حول الماء، فرجع إلى أصحابه، فأخبرهم، وقال لهم: ما ترون؟ قالوا: نرجع إلى النبي ﷺ، فنخبره الخبر. فقال بشير: لكني لا أرجع -واللهِ- حتى أتغدّى مِن غداء القوم، فأقْرِءوا على النبي ﷺ مِنِّي السلام ورحمة الله. ثم أتاهم، فحمَل عليهم، فناشدوه أن ارجع، فأبى، وحمَل عليهم، فقَتل منهم، ثم قُتِلَ بعد، فرجع الثلاثة يسلون بعيرهم سلًّا، فأتَوا المدينة عند جنوح الليل، فلَقوا رجلين مِن بني سليم جائين مِن عند رسول الله ﷺ، قالوا: مَن أنتما؟ قالا: من بني عامر. لأنهم كانوا قريبًا مِن بني عامر بالمدينة، ولا يشعران بصنيع بنى عامر، فقالوا: هذان مِن الذين قاتلوا إخواننا. فقتلوهما، وسَلبُوهما، ثم دخلوا على النبيِّ ﷺ لِيُخبروه، فوجدوا الخبرَ قد سبق إليه، ثم قالوا: يا نبيَّ الله، غشينا المدينة عند المساء، فلَقِينا رجلين مِن بني عامر، فقتلناهما، وهذا سَلَبهما. فقال النبي ﷺ: «بل هما مِن بني سليم مِن حلفائي، بئس ما صنعتما، هذان رجلان من بني سليم كانا جاءا في أمر الموادعة». فنَزَلتْ فيهم: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ يقول: لا تُعجّلوا بقتْل أحد، ولا بأمرٍ؛ حتى تستأمروا النبي ﷺ. فوعظهم في ذلك، وأقبل قوم السُّلميين، فقالوا للنبي ﷺ: إنّ صاحبَيْنا قُتِلا عندك. فقال النبي ﷺ: «إنّ صاحبيكم اعتزيا إلى عدوّنا، فقُتلا جميعًا» وأخبرهم الخبر «ولكنا سنعقل عن صاحبيكم؛ لكل واحد منهما مائة من الإبل». فجعل دية المُشرك المُعاهد كدية الحُرّ المسلم
حكى ابنُ جرير (٦/٢٨) في قوله تعالى: ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ألَنْ يَكْفِيَكُمْ أنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ اختلاف المفسرين في اليوم الذين وُعِدَ فيه المؤمنون بإمدادهم بالملائكة، وهل حَضَرَتِ الملائكة يومئذٍ حربهم أم لا؟ فذكر أربعة أقوال:الأول: كان هذا الوعد من الله للمؤمنين يوم بدر أن يُمِدَّهم بملائكته إن أتاهم العدوُّ من فورهم، فلم يأتوهم، ولم يُمَدُّوا. وهو قول الشعبي. الثاني: كان هذا الوعد من الله لهم يوم بدر، فصبر المؤمنون، واتقوا الله، فأمدَّهم بملائكته على ما وعدهم. وهو قول مالك بن ربيعة من طريق عبد الله بن أبي بكر، وابن عباس من طريق مقسم، وأبي داود المازني من طريق ابن إسحاق، وأبي رافع من طريق عكرمة، وقتادة، والربيع من طريق أبي جعفر، ومجاهد من طريق ابن خثيم. الثالث: كان هذا الوعد من الله لهم يوم بدر إن صبروا عند طاعته، وجهاد أعدائه، واتقوه باجتناب محارمه، أنْ يُمِدّهم في حروبهم كلّها، فلم يصبروا، ولم يتقوا إلا في يوم الأحزاب، فأمَدّهم حين حاصروا قريظة. وهو قول عبد الله بن أبي أوفى. الرابع: بنحو هذا المعنى، غير أنهم قالوا: لم يصبر القوم، ولم يتقوا، ولم يُمَدُّوا بشيءٍ في أحد. وهو قول عكرمة من طريق عمرو بن دينار، والضحاك، وابن زيد. ثم رجَّح مستندًا إلى ظاهر لفظ الآية أنّ المؤمنين وُعِدوا بثلاثة آلاف من الملائكة مَدَدًا لهم، ثم وُعِدوا بعد الثلاثة آلاف بخمسة آلاف إن صبروا لأعدائهم واتقوا الله، ولا دلالة في الآية على أنهم أُمِدُّوا بهم، ولا على أنهم لم يُمَدُّوا بهم. وبيَّن بأنّ كلا الأمرين جائز -أي: الإمداد وعدمه- على نحو ما روى أصحابُ كُلِّ قولٍ ما ثبت عنده، غير أنه لا يمكن التسليم بقول إلا بخبر تقوم به الحجة. ثم أشار إلى ما يُؤَيِّدُ القولَ الثاني، ويُضْعِفُ القول الرابع، فقال: «غير أنّ في القرآن دلالةٌ على أنهم أُمِدُّوا يوم بدرٍ بألفٍ من الملائكة، وذلك قوله -تبارك وتعالى-: ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فاسْتَجابَ لَكُمْ أنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال:٩]. فأمّا في يوم أحد فالدَّلالة على أنهم لم يُمَدُّوا أبْيَنُ منها في أنّهم أُمِدُّوا، وذلك أنهم لو أُمِدُّوا لم يُهزَموا، ويُنال منهم ما نِيلَ منهم». ورَجَّح ابنُ كثير (٣/١٧٥) مستندًا إلى لفظ الآية والنظائر أنّ الإمداد بالملائكة كان يوم بدر، وأنهم أُمِدّوا بثلاثة آلاف فما فوقها، فقال في سياق ذِكْر أدلة القائلين بأنّه يوم بدر: «فإن قيل: فما الجمع بَيْن هذه الآية -على هذا القول -وبَيْن قوله تعالى في قصة بدر: ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فاسْتَجابَ لَكُمْ أنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلا بُشْرى ولِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وما النَّصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٩-١٠]؟ فالجواب: أنّ التنصيص على الألف هاهنا لا ينافي الثلاثة الآلاف فما فوقها، لقوله: ﴿مُرْدِفِينَ﴾، بمعنى: يردفهم غيرَهم، ويَتْبَعهم ألوف أُخَر مثلهم. وهذا السياق شبيه بهذا السياق في سورة آل عمران؛ فالظاهر أن ذلك كان يوم بدر كما هو المعروف من أنّ قتال الملائكة إنما كان يوم بدر». وانتَقَد ابنُ عطية (٢/٣٤٣) مستندًا إلى مخالفة أقوال السلف قولَ الشعبي أنّ المؤمنين لم يُمَدّوا بالملائكة يوم بدر، فقال: «وخالف الناسُ الشعبيَّ في هذه المقالة، وتظاهرت الروايات بأنّ الملائكة حَضَرَتْ بدرًا، وقاتلت». ثم وجَّه كلام القائلين بأنّ قوله تعالى: ﴿ألَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ كان في يوم بدر، والقائلين بأنه كان في يوم أحد، فقال: «فمَن قال مِن المفسرين: إنّ قول النبي ﷺ للمؤمنين: ﴿ألَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ كان في غزوة بدر، فيجيء التذكير بأمر بدر، وبأمر الملائكة وقتالهم فيه مع المؤمنين، محرِّضًا على الجدِّ والتوكل على الله. ومَن قال: إنّ قول النبي ﷺ: ﴿ألَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ الآية إنما كان في غزوة أحد، كان قوله تعالى: ﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ إلى ﴿تَشْكُرُونَ﴾ اعتراضًا بَيْن الكلام جميلًا»
عن وهب بن مُنَبِّه -من طريق عثمان بن ساج-: أنّ آدم لَمّا أُهْبِط إلى الأرض استوحش فيها؛ لِما رأى مِن سَعَتِها، ولم يَرَ فيها أحدًا غيره، فقال: يا ربِّ، أما لأرضك هذه عامِرٌ يُسَبِّحُك فيها ويُقَدِّس لك غيري؟ قال الله: إنِّي سأجعل فيها مِن ذُرِّيَّتِك مَن يُسَبِّح بحمدي، ويُقَدِّس لي، وسأجعل فيها بيوتًا ترفع لذكري، فيُسَبِّح فيها خلقي، سأُبَوِّئُك فيها بيتًا أختاره لنفسي، وأَخُصُّه بكرامتي، وأُوثِرُه على بيوت الأرض كلها باسمي، وأُسَمِّيه بيتي، أنظمه بعظمتي، وأحوزه بحُرْمَتي، وأجعله أحقَّ البيوت كلها وأولاها بذكري، وأَضَعُه في البقعة المباركة التي اخترت لنفسي، فإنِّي اخترتُ مكانه يوم خلقتُ السموات والأرض، وقبل ذلك قد كان بغيتي، فهو صفوتي مِن البيوت، ولست أسكنه، وليس ينبغي أن أسكن البيوت، ولا ينبغي لها أن تحملني، أجعل ذلك البيتَ لك ومَن بعدك حَرَمًا وأَمْنًا، أُحَرِّم بحُرْمَتِه ما فوقه وما تحته وما حوله، فمَن حرَّمه بحرمتي فقد عظَّم حرمتي، ومَن أحلَّه فقد أباح حرمتي، مَن أمَّن أهلَه استوجب بذلك أماني، ومَن أخافهم فقد أخْفَرني في ذِمَّتي، ومَن عظَّم شأنه فقد عَظُم في عيني، ومَن تهاون به صَغُر عندي، ولكل ملك حيازة، وبطن مكة حوزتي التي حُزْتُ لنفسي دون خلقي، فأنا الله ذو بَكَّة، أهلها خَفْرتي وجيران بيتي، وعُمّارها وزُوّارها وفْدِي وأضيافي في كَنَفي وضماني وذِمَّتي وجِواري، أجعله أولَ بيت وُضِع للناس، وأعمره بأهل السماء وأهل الأرض، يأتونه أفواجًا شُعْثًا غُبْرًا، على كُلِّ ضامر يأتين مِن كل فج عميق، يَعُجُّون بالتكبير عَجِيجًا، ويَرُجُّون بالتلبية رَجِيجًا، فمَنِ اعتمره لا يريد غيري فقد زارني، وضافني، ووفد إلَيَّ، ونزل بي، فحقٌّ لي أن أُتْحِفَه بكرامتي، وحقُّ الكريم أن يُكْرِم وفده وأضيافه وزُوّاره، وأن يسعف كلَّ واحد منهم بحاجته، تعمره -يا آدمُ- ما كُنتَ حَيًّا، ثم يعمره مِن بعدك الأممُ والقرونُ والأنبياءُ مِن ولدك، أُمَّة بعد أُمَّة، وقرنًا بعد قرن، ونبيًّا بعد نبي، حتى ينتهي ذلك إلى نبيٍّ مِن ولدك يُقال له: محمد، وهو خاتم النبيين، فأجعله من عُمّاره وسُكّانه وحُماته ووُلاته وحُجّابه وسُقاته، يكون أميني عليه ما كان حَيًّا، فإذا انقلب إلَيَّ وجدني قد ادَّخَرْتُ له مِن أجره ونصيبه ما يتمكن به مِن القُرْبَة إلَيَّ والوسيلة عندي، وأفضل المنازل في دار المقامة، وأجعل اسم ذلك البيت وذِكْرَه وشرفه ومجده وسناه ومكرمته لنبيٍّ مِن ولدك، يكون قبيل هذا النبي، وهو أبوه، يُقال له: إبراهيم، أرفع له قواعده، وأقضي على يديه عمارته، وأنيط له سقايته، وأُريه حِلَّه وحَرَمه ومواقفه، وأُعلمه مشاعره ومناسكه، وأَجعلُه أُمَّة واحدة قانتًا قائمًا بأمري، داعيًا إلى سبيلي، وأَجتبيه وأهديه إلى صراط مستقيم، أبتليه فيصبر، وأعافيه فيشكر، وآمره فيفعل، ويُنذر لي فيفي، ويَعِدُني فيُنجِز، أستجيب دعوتَه في ولده وذريته مِن بعده، وأُشَفِّعه فيهم، وأجعلهم أهلَ ذلك البيت وحُماته وسُقاته وخدمه وخزنته وحُجّابه، حتى يبتدعوا ويُغَيِّروا ويُبَدِّلوا، فإذا فعلوا ذلك فأنا أقدر القادرين على أن استبدل مَن أشاء بِمَن أشاء، وأجعلُ إبراهيم إمامَ ذلك البيت وأهلَ تلك الشريعة، يأتمُّ به مَن حضر تلك المواطن مِن جميع الإنس والجن، يَطَؤُون فيها آثاره، ويَتَّبعون فيها سُنَّته، ويقتدون فيها بهديه، فمَن فعل ذلك منهم أوْفى بنذره، واستكمل نُسُكَه، وأصاب بُغْيَته، ومَن لم يفعل ذلك منهم ضَيَّع نسكه، وأخطأ بغيته، ولم يوف بنذره، فمن سأل عنِّي يومئذ في تلك المواطن: أين أنا؟ فأنا مع الشُّعْثِ، الغُبْر، المُوفِين بنذرهم، المستكملين مناسكهم، المتبتلين إلى ربهم، الذي يعلم ما يبدون وما يكتمون
اختُلِف في نزول قوله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ على أقوال: الأول: أنّ هذه الآية أنزلت على رسول الله ﷺ بسبب مسائل كان يسألها إيّاه أقوامٌ امتحانًا له أحيانًا، واستهزاءً أحيانًا. الثاني: نزلت على رسول الله ﷺ من أجل مسألةِ سائلٍ سأله عن شيء في أمر الحج. الثالث: نزلت من أجل أنهم سألوا رسول الله عن البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي. ورجَّح ابنُ جرير (٩/٢٣) مستندًا إلى أقوال السلف أنَّه «نزلت هذه الآية من أجل إكثار السائلين رسول الله ﷺ المسائل، كمسألة ابن حذافة إياه: مَن أبوه؟ ومسألة سائله -إذ قال: «إن الله فرض عليكم الحج»-: أفي كل عام؟ وما أشبه ذلك من المسائل». وهو قول أبي هريرة، وأنس وما في معناه، وعلَّل ذلك بقوله: «لتظاهر الأخبار بذلك عن الصحابة، والتابعين، وعامة أهل التأويل». وبيَّن ابنُ جرير بأن القول الذي رواه ابن عباس من طريق خصيف عن مجاهد -وهو القول الثالث- غير بعيد من الصواب، إلا أنه كره القول به لخلافه أقوال السلف، بقوله: «ولكن الأخبار المتظاهرة عن الصحابة والتابعين بخلافه، وكرهنا القول به من أجل ذلك». ثم ذكر له توجيهًا، فقال: «على أنه غير مُسْتَنْكَرٍ أن تكون المسألة عن البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، كانت فيما سألوا النبي ﷺ عنه من المسائل التي كره الله لهم السؤال عنها، كما كره لهم المسألة عن الحج؛ أكُلَّ عامٍ هو؟ أم عامًا واحدًا؟ وكما كره لعبد الله بن حذافة مسألته عن أبيه، فنزلت الآية بالنهي عن المسائل كلها، فأخبر كلُّ مُخبِرٍ منهم ببعض ما نزلت الآية من أجله وأجْل غيره». وعلَّق ابنُ عطية (٣/٢٧١) على القول الثاني بقوله: «ويقوي هذا حديثُ سعد بن أبي وقاص أنّ النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إنّ أعظم المسلمين على المسلمين جرمًا مَن سأل عن شيءٍ لم يُحَرَّم، فحُرِّم من أجل مسألته»». وعلَّق ابنُ كثير (٥/٣٨٧) على قول عكرمة -وهو من أصحاب القول الأول-، فقال: «يعني عكرمة: أنّ المراد بهذا النهي عن سؤال وقوع الآيات، كما سألت قريش أن يجري لهم أنهارًا، وأن يجعل لهم الصفا ذهبًا وغير ذلك، وكما سألت اليهود أن ينزل عليهم كتابًا من السماء، وقد قال الله تعالى: ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ وآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء:٥٩]. وقال تعالى: ﴿وأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وما يُشْعِرُكُمْ أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ * ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهُمْ وأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ ونَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ * ولَوْ أنَّنا نزلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ولَكِنَّ أكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام:١٠٩-١١١]». وزاد ابنُ عطية (٣/٢٧٢) قولًا، فقال: «وروي أنّه لَمّا بيَّن الله تعالى في هذه الآيات أمر الكعبة والهدي والقلائد، وأعلم أن حرمتها هو الذي جعلها، إذ هي أمور نافعة قديمة من لدن عهد إبراهيم عليه السلام؛ ذهب ناس من العرب إلى السؤال عن سائر أحكام الجاهلية؛ ليروا هل تلحق بتلك أم لا، إذ كانوا قد اعتقدوا الجميع سنة لا يفرقون بين ما هو من عند الله وما هو من تلقاء الشيطان والمغيرين لدين إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، كعمرو بن لحي وغيره»
اختلف في المعنيِّ بـ«العلامات» في هذه الآية على أقوال: الأول: معالم الطرق بالنهار. الثاني: عُنِيَ بها النجوم. الثالث: عُنِيَ بها الجبال. وبيَّن ابنُ جرير (١٤/١٩٤) مستندًا إلى العموم أن «أوْلى الأقوال في ذلك بالصواب أن يُقال: إن الله -تعالى ذِكْره- عدَّد على عباده من نعمه إنعامه عليهم بما جعل لهم من العلامات التي يهتدون بها في مسالكهم وطرقهم التي يسيرونها، ولم يَخْصُص بذلك بعض العلامات دون بعضٍ، فكلُّ علامةٍ استدل بها الناس على طُرُقِهم وفِجاج سُبُلِهم فداخلٌ في قوله: ﴿وعَلاماتٍ﴾، والطُّرُقُ المسبولة الموطوءة علامةٌ للناحية المقصودة، والجبال علاماتٌ يُهتَدى بهنَّ إلى قَصْدِ السبيل، وكذلك النجوم بالليل». ثم رجَّح القول الأول مستندًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «غير أن الذي هو أوْلى بتأويل الآية أن تكون العلامات من أدلة النهار، إذ كان الله قد فَصَل منها أدلة الليل بقوله: ﴿وبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾، وإذ كان ذلك أشبه وأولى بتأويل الآية فالواجب أن يكون القول في ذلك ما قاله ابن عباسٍ في الخبر الذي رُوِّيناه عن عطية عنه، وهو أن العلامات معالم الطُّرُقِ وأماراتها التي يُهتَدى بها إلى المستقيم منها نهارًا، وأن يكون النَّجْمُ الذي يُهتَدى به ليلًا هو الجَدْيُ والفَرْقدان؛ لأن بها اهتداء السفر دون غيرها من النجوم». وفرَّق ابنُ عطية (٥/٣٣٩ بتصرف) في المعنى بين تعلُّق اللفظة بما قبلها وبين عدم تعلُّقها، ففي حال تعلُّقها بما قبلها فالأظهر عنده -مستندًا إلى الدلالة العقلية- أن المعنى: «﴿وعلامات﴾ أي: عبرة وإعلامًا في كل سلوك، فقد يُهتَدى بالجبال والأنهار والسبل». وفي حال عدم تعلُّقها بما قبلها «فالصواب أن اللفظة تعمُّ هذا وغيره، وذلك أن كل ما دلَّ على شيءٍ أو علم به فهو علامة، وأحسن الأقوال المذكورة قول ابن عباس رضي الله عنهما لأنه عموم بالمعنى». وذكر ابنُ تيمية (النبوات ٢/٧٥٧) أن النجوم، والجبال، والطرق، وأعلام الطرق: كلها آيات، وأعلام، وعلامات على ما هو لازم لها في العادة، وذكر قولًا ولم ينسبه: أن العلامات هي النجوم. ثم رجَّح (٤/١٥٥-١٥٦) القول الأول مستندًا إلى دلالة ظاهر الآية، والدلالة اللغوية قائلًا: «وقول الأكثرين أصحّ؛ فإنّ العلامات كلّها يهتدى بها، ولأنّه قد قال: ﴿وأَلْقى فِي الأَرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكُمْ وأَنْهارًا وسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وعَلاماتٍ﴾ وهذا كلّه ممّا ألقاه في الأرض، وهو منصوب بـ»ألقى«، أو بفعل من جنسه كما قال بعضهم، أي: وجعل في الأرض أنهارًا؛ لأن الإلقاء من جنس الجعل». وعلَّق (٤/١٥٦) على القول الثالث بأن العلامات: هي الجبال. بقوله: «وهي أيضًا مما يُستدلّ به، ولهذا سمّاها الله أعلامًا في قوله: ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِ في البَحْرِ كالأَعْلام * فَبأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن:٢٤-٢٥] أي: كالجبال، والأعلام جمع عَلَم، والعَلَم: ما يُعلَّم به كالعلامة... فالجبال أعلامٌ، وهي علاماتٌ لمن في البر والبحر يُستدلّ بها على ما يُقاربها من الأمكنة؛ فإنّه يلزم من وجودها وجوده، وهي لا تزال دالّة ما دامت موجودة، ومدلولها موجودًا، وهي أثبت من غيرها؛ فقد يكون عندها قرية وسكّان فيكون علَمًا عليهم، ثم قد تخرب القرية ويذهب السكّان؛ فتزول الدلالة لزوال الملزوم». ونقل ابنُ عطية (٥/٣٣٩) عن أبيه: «أنه سمع بعض أهل العلم بالمشرق يقول: إن في بحر الهند الذي يجرى فيه من اليمن إلى الهند حيتانًا طوالًا رقاقًا كالحيّات في ألوانها وحركتها والتوائها، وأنها تسمى العلامات، وذلك أنها علامة الوصول إلى بلاد الهند، وأمارة النجاة والانتهاء إلى الهند لطول ذلك البحر وصعوبته، وأن بعض الناس قال: إنها التي أراد الله تعالى في هذه الآية. قال القاضي أبو محمد: قال أبي رضي الله عنه: وأنا ممن شاهد تلك العلامات في البحر المذكور وعاينها، فحدثني منهم عدد كثير»
اختُلِف في معنى قوله تعالى: ﴿ومن عنده علم الكتاب﴾ بحسب اختلاف القرّاء في كيفية قراءتها، فقد قرأها بعض القراء بفتح ميم: ﴿من﴾ وفتح دال ﴿عنده﴾، وقرأها آخرون بكسر ميم ﴿من﴾ وكسر دال ﴿عنده﴾. وقد وجَّه ابنُ جرير (١٣/٥٨٢) القراءة الأولى، وبيَّن المعنى عليها بقوله: «فـ﴿من﴾ إذا قرئ كذلك في موضع خفض عطفًا به على اسم الله، وكذلك قرأته قَرَأَة الأمصار، بمعنى: والذين عندهم علم الكتاب، أي: الكتب التي نزلت قبل القرآن كالتوراة والإنجيل». ثم علَّق بقوله: «على هذه القراءة فسَّر ذلك المفسرون». ثم ذكر أقوال المفسرين بأن مَن عنده علم الكتاب اليهود والنصارى، سواء في ذلك مَن فسَّرها بمعيَّن منهم كعبد الله بن سلام، أو فسرها بذلك دون تعيين. وبنحوه قال ابنُ عطية (٥/٢١٦-٢١٧) واستدرك مستندًا إلى أحوال النزول على هذا المعنى بأنّه لا يستقيم «إلا بأن تكون الآية مدنية، والجمهور على أنها مكية». وانتقد ابنُ كثير (٨/١٧١) تفسير الآية بعبد الله بن سلام مستندًا إلى أحوال النزول، فقال: «وهذا القول غريب؛ لأن هذه الآية مكية، وعبد الله بن سلام إنما أسلم في أول مقدم رسول الله ﷺ المدينة». واستظهر رواية العوفي عن ابن عباس، فقال: «والأظهر في هذا ما قاله العوفي عن ابن عباس، قال: هم من اليهود والنصارى». وزاد ابنُ عطية (٥/٢١٦) معنى آخر تحتمله هذه القراءة، فقال: «وقيل: يريد الله تعالى، كأنه استشهد بالله تعالى، ثم ذَكَرَه بهذه الألفاظ التي تتضمن صفة تعظيم». ثم انتقده مستندًا إلى اللغة، فقال: «ويُعتَرَض هذا القول بأنّ فيه عطف الصفة على الموصوف، وذلك لا يجوز وإنّما تعطف الصفات بعضها على بعض». ثم قال: «ويحتمل أن تكون ﴿مَن﴾ في موضع رفع بالابتداء، والخبر محذوف، تقديره: أعدل وأمضى قولًا، ونحو هذا مما يدل عليه لفظ: ﴿شهيدا﴾، ويُراد بذلك الله تعالى». وبَيَّن ابنُ جرير (١٣/٥٨٤) أنّ المعنى على القراءة الثانية: «مِن عندِ الله علم الكتاب». وبنحوه ابنُ عطية (٥/٢١٧). وانتقد ابنُ جرير (١٣/٥٨٧) الحديث المروي عن رسول الله ﷺ بتصحيح هذه القراءة بأنّ في إسناده نظرًا لعدم اتّصاله، فقال: «وهذا خبر ليس له أصل عند الثقات من أصحاب الزهري». وكذا ابنُ كثير (٨/١٧١- ١٧٢) فقد أورد كلام ابن جرير، ثم قال: «قلت: وقد رواه الحافظ أبو يعلى في مسنده، من طريق هارون بن موسى هذا، عن سليمان بن أرقم -وهو ضعيف -عن الزهري، عن سالم، عن أبيه مرفوعًا كذلك. ولا يثبت». ورجَّح ابنُ جرير (١٣/٥٨٧) مستندًا إلى القراءات المعنى الأول بقوله: «فإذ كان ذلك كذلك، وكانت قَرَأة الأمصار من أهل الحجاز والشام والعراق على القراءة الأخرى، وهي: ﴿ومَن عنده علم الكتاب﴾، كان التأويل الذي على المعنى الذي عليه قرأة الأمصار أولى بالصواب مِمّا خالفه، إذ كانت القراءة بما هم عليه مجمعون أحقُّ بالصواب». وكذا رجَّحه ابنُ كثير (٨/١٧٢)، فقال: «والصحيح في هذا: أنّ ﴿ومَن عِنْدَهُ﴾ اسم جنس يشمل علماء أهل الكتاب الذين يجدون صفة محمد ﷺ ونعتَه في كتبهم المتقدمة مِن بشارات الأنبياء به، كما قال تعالى: ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ والَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ والإنْجِيلِ﴾ الآية [الأعراف:١٥٦-١٥٧]. وقال تعالى: ﴿أوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ الآية [الشعراء:١٩٧]. وأمثال ذلك مما فيه الإخبار عن علماء بني إسرائيل: أنّهم يعلمون ذلك مِن كتبهم المنزلة»