سورة الأنعام — الآية ١٤١

عن أبي الشعثاء جابر بن زيد، وسعيد بن المسيب، وإبراهيم النخعي، والضحاك بن مُزاحِم، وعكرمة مولى ابن عباس، وطاووس بن كيسان، والحسن البصري، وقتادة بن دعامة، وإسماعيل السُّدِّيّ، وعطاء الخراساني، ومالك بن أنس، أنّهم قالوا: العُشْر، ونصف العُشْر

قال ابنُ تيمية (٤‏/‏٢٠٤-٢٠٥) في معرض تعليقه على احتجاج الأشاعرة على المعتزلة في نفي الإيجاب والتحريم العقلي بقوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾: «وهو حُجَّة عليهم أيضًا في نفي العذاب مطلقًا إلا بعد إرسال الرسل؛ وهم يجوزون التعذيب قبل إرسال الرسل. فأولئك يقولون: يعذِّب مَن لم يبعث إليه رسولًا؛ لأنه فَعَلَ القبائحَ العقلية. وهؤلاء يقولون: بل يعذب مَن لم يفعل قبيحًا قط كالأطفال. وهذا مخالف للكتاب والسُّنَّة، والعقل أيضًا، قال تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾، وقال تعالى عن أهل النار: ﴿كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير* قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير﴾ [الملك:٨]، فقد أخبر سبحانه وتعالى بصيغة العموم أنه كلما ألقي فوج سألهم الخزنة: هل جاءهم نذير؟ فيعترفون بأنهم قد جاءهم نذير، فلم يبق فوج يدخل النار إلا وقد جاءهم نذير، فمن لم يأته نذير لم يدخل النار». وقال (٤‏/‏٢٠٦بتصرف): «لكن الله لا يعذّب أحدًا إلا بعد بلوغ الرسالة، كما قال: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، ولم يفرّق سبحانه بين نوعٍ ونوعٍ، وذكرنا أنّ هذه الآية يحتجّ بها الأشعريّ وأصحابه ومَن وافقهم كالقاضي أبي يعلى وأتباعه، وهم يُجَوِّزون أنّ الله يُعذّب في الآخرة بلا ذنب، حتى قالوا: يعذب أطفال الآخرة. فاحتجوا بها على المعتزلة، والآية حجّة على الطائفتين». وبنحوه قال ابن كثير (٨‏/‏٤٤٦-٤٤٧). وقال ابنُ عطية (٥‏/‏٤٥٢-٤٥٣بتصرف) مستندًا إلى السياق، والنظائر، ودلالة العقل: «مقصد الآية في هذا الموضع: الإعلام بعادة الله مع الأمم في الدنيا، وبهذا يقرب الوعيد من كفار مكة، ويؤيد هذا ما يجيء بعدُ مِن وصفه ما يكون عند إرادته إهلاك قرية، ومِن إعلامه بكثرة ما أهلك من القرون، ومع هذا فالظاهر من كتاب الله في غير هذا الموضع ومِن النظر أن الله تعالى لا يعذب في الآخرة إلا بعد بعثة الرسل، كقوله تعالى: ﴿كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير* قالوا بلى﴾ [الملك:٨-٩]، وظاهر ﴿كلما﴾ الحصر، وكقوله تعالى: ﴿وإن من أمة إلا خلا فيها نذير﴾ [فاطر:٢٤]، وأما مِن جهة النظر فإنّ بعثة آدم عليه السلام بالتوحيد، وبث المعتقدات في نبيه، ونصب الأدلة الدالة على الصانع، مع سلامة [الفطر]؛ يوجب على كل أحد من العالم الإيمان، واتباع شريعة الله، ثم تجدَّد ذلك في مدة نوح عليه السلام بعد غرق الكفار، وهذه الآية أيضًا يُعطي احتمال ألفاظها نحو هذا، ويجوز مع الفرض وجود قوم لم تصلهم رسالة، ومنهم أهل الفترات الذين قد قدَّر وجودَهم بعضُ أهل العلم». ثم قال: «وأما ما روي من أن الله تعالى يبعث إليهم يوم القيامة، وإلى المجانين، والأطفال؛ فحديث لم يصحَّ، ولا يقتضيه ما تقضيه الشريعة مِن أن الآخرة ليست دار تكليف». وردَّ ابن كثير (٨‏/‏٤٥٥-٤٥٦) كلامًا لابن عبد البر يشبه كلام ابن عطية الأخير، فقال: «الجواب عما قال: أن أحاديث هذا الباب منها ما هو صحيح كما قد نصَّ على ذلك كثير من أئمة العلماء، ومنها ما هو حسن، ومنها ما هو ضعيف يتقوى بالصحيح والحسن، وإذا كانت أحاديث الباب الواحد متعاضدة على هذا النمط أفادت الحجة عند الناظر فيها. وأما قوله: إن الدار الآخرة دار جزاء. فلا شك أنها دار جزاء، ولا ينافي التكليف في عرصاتها قبل دخول الجنة أو النار، كما حكاه الشيخ أبو الحسن الأشعري عن مذهب أهل السنة والجماعة من امتحان الأطفال، وقد قال تعالى: ﴿يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون﴾ [القلم:٤٢]. وقد ثبتت السُّنَّة في الصحاح وغيرها أن المؤمنين يسجدون لله يوم القيامة، وأما المنافق فلا يستطيع ذلك، ويعود ظهره طبقًا واحدًا، كلما أراد السجود خرَّ لقفاه. وفي الصحيحين في الرجل الذي يكون آخر أهل النار خروجًا منها أن الله يأخذ عهوده ومواثيقه أن لا يسأل غير ما هو فيه، ويتكرر ذلك مرارًا، ويقول الله تعالى: يا ابن آدم، ما أغدرك. ثم يأذن له في دخول الجنة»

اختُلِف في اسم الرجل المذكور في قوله تعالى: ﴿وأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ على ثلاثة أقوال: الأول: اسمه: يثرون، ابن أخي شعيب عليه السلام. الثاني: اسمه: يثرى. الثالث: هو شعيب النبي عليه السلام. وعلَّق ابنُ كثير (١٠‏/‏٤٥١) على القول الثالث بقوله: «وهذا هو المشهور عند كثيرين». ووجَّه ابنُ تيمية (٥‏/‏٧٣) قول مَن قال: إنه شعيب النبي عليه السلام. فقال: «وإنّما شبهة من ظن ذلك أنه وجد في القرآن قصة شعيب وإرساله إلى أهل مدين، ووجد في القرآن مجيء موسى إلى مدين ومصاهرته لهذا، فظن أنه هو». ورجَّح ابنُ جرير (١٨‏/‏٢٢٤) مستندًا إلى عدم وجود الدليل عدم القطع بأيِّ قول ٍمنها، وعلَّل ذلك بقوله: «وهذا مما لا يُدرَك علمه إلا بخبر، ولا خبر بذلك تجب حُجَّتُه، فلا قول في ذلك أولى بالصواب مما قاله الله -جلَّ ثناؤه-». وانتقد ابنُ كثير (١٠‏/‏٤٥٢ بتصرف) القول الثالث مستندًا إلى الدلالة العقلية، والإسرائيليات، وضعف إسناد الأحاديث المفيدة لذلك بأنّ «مِن المقوِّي لكونه ليس بشعيب أنّه لو كان إيّاه لأوشك أن ينصَّ على اسمه في القرآن هاهنا، وبأن ما جاء في بعض الأحاديث مِن التصريح بذكره في قصة موسى لم يصِحَّ إسناده، وبأن من الموجود في كتب بني إسرائيل أن هذا الرجل اسمه: ثيرون». وانتقده ابنُ تيمية (٥‏/‏٧٣ بتصرف) مستندًا إلى الدلالة العقلية، وأقوال السلف، والإسرائيليات قائلًا: «فمَن جزم بأنه شعيب النبي فقد قال ما ليس له به علم، وما لم يُنقَل عن النبي ﷺ، ولا عن الصحابة، ولا عمَّن يحتج بقوله من علماء المسلمين، وخالف في ذلك ما ثبت عن ابن عباس من طريق أبي جمرة، والحسن البصري من طريق قرة بن خالد، مع مخالفته أيضًا لأهل الكتابين؛ فإنّهم مُتَّفِقون على أنه ليس هو شعيب النبي، فإنّ ما في التوراة التي عند اليهود والإنجيل الذي عند النصارى أن اسمه: يثرون، وليس لشعيب النبي عندهم ذكر في التوراة. وقد ذكر غير واحد من العلماء أنّ شعيبًا كان عربيًّا، بل قد روي عن النبي ﷺ ذلك، وموسى كان عبرانيًّا؛ فلم يكن يعرف لسانه، وظاهر القرآن يدل على مخاطبة موسى للمرأتين وأبيهما بغير ترجمان. والقرآن يدل أن الله أهلك قوم شعيب بالظلة، فحينئذٍ لم يبق في مدين من قوم شعيب أحد، وشعيب لا يقيم بقرية ليس بها أحد، وقد ذكروا أنّ الأنبياء كانوا إذا هلكت أممهم ذهبوا إلى مكة فأقاموا بها إلى الموت، كما ذُكِر أن قبر شعيب بمكة، وكذلك غيره، وموسى لما جاء إلى مدين كانت معمورة بهذا الشيخ الذي صاهره، ولم يكن هؤلاء قوم شعيب المذكورين في القرآن...». ثم حكى خلافًا في عصا موسى مِن أن الذي أعطاه إياها هو: شعيب. وقيل: هذا الشيخ. وقيل: جبريل. ثم علّق بقوله: «كل ذلك لا يثبت». ونقل في نفس المعنى عن السُّدِّيّ أنه قال: «أمر أبو المرأتين ابنته أن يأتي موسى بعصا، وكانت تلك العصا عصا استودعها ملَك في صورة رجل إلى آخر القصة استودعه إياها ملك في صورة رجل، وأن حماه خاصمه، وحكما بينهما رجلًا، وأن موسى أطاق حملها دون حميه، وذكر عن موسى أنه أحق بالوفاء من حميه». ثم علَّق عليه في سياق انتقاده لقول مَن قال: إن الشيخ الكبير هو شعيب النبي عليه السلام. فقال: «ولو كان هذا هو شعيبًا النبي لم ينازع موسى، ولم يندم على إعطائه إياها، ولم يحاكمه، ولم يكن موسى قبل أن ينبأ أحق بالوفاء منه، فإن شعيبًا كان نبيًّا، وموسى لم يكن نبيًّا، فلم يكن موسى قبل أن ينبأ أكمل من نبي». وانتقد (٥‏/‏٧٤) القولَ الأول مستندًا إلى قول ابن عباس، فقال: «ومن قال: إنه كان ابن أخي شعيب، أو ابن عمه. لم ينقل ذلك عن ثبت، والنقل الثابت عن ابن عباس لا يُعارَض بمثل قول هؤلاء»

قال مقاتل بن سليمان: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أحَدٌ اللَّهُ الصَّمَد﴾ تعني: أحدٌ لا شريك له، وذلك أنّ عامر بن الطفيل بن صعصعة العامري دخل على رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، أما -واللهِ- لَئِن دخلتُ في دينك لَيَدخُلنّ مَن خلفي، ولَئن امتنعتُ لَيمتنعن مَن خلفي. قال رسول الله ﷺ: «فما تريد؟». قال: أتّبعك على أن تجعل لي الوبَر، ولك المَدر. قال له رسول الله ﷺ: «لا شرط في الإسلام». قال: فاجعل لي الخلافة بعدك. قال رسول الله ﷺ: «لا نبي بعدي». قال: فأريد أن تفضّلني على أصحابك. قال رسول الله ﷺ: «لا، ولكنك أخوهم إنْ أحسنتَ إسلامك». فقال: فتجعلني أخا بلال، وخبّاب بن الأرت، وسلمان الفارسي، وجعال؟! قال: «نعم». فغضب، وقال: أما -واللهِ- لَأُثيرنّ عليك ألف أشقر، عليها ألفُ أمرد. فقال له رسول الله ﷺ: «ويحك، تخوّفني؟!». قال له جبريل عليه السلام عن ربّه: لَأُثيرنّ على كلّ واحد منهم ألفًا من الملائكة، طول عُنُق أحدهم مسيرة سنة، وغِلظها مسيرة سنة. وكان يكفيهم واحد، ولكن الله عز وجل أراد أن يُعلمه كثرة جنوده، فخرج مِن عند رسول الله ﷺ وهو متعجّب مِمّا سمع منه، فلقيه الأربد بن قيس السهمي، فقال له: ما شأنك؟ وكان خليله، فقصّ عليه قِصّته، وقال: إنى دخلتُ على ابن أبي كَبشة آنفًا، فسألته الوبَر، وله المَدر، فأبى، ثم سألتُه من بعده، فأبى، ثم سألتُه أن يفضِّلني على أصحابه، فأبى. وقال: أنتَ أخوهم إنْ أحسنتَ إسلامك. فقال له: أفلا قتلتَه؟ قال: لم أُطِق ذلك. قال: فارجع بنا إليه، فإن شئتَ حدّثته حتى أضرب عُنُقه. فانطلقا على وجوههما حتى دخلا على رسول الله ﷺ، فقعد عامر عن يمينه والأربد عن يساره، وكان رسول الله ﷺ علم ما يريدان. قال: وجاء مَلكٌ مِن الملائكة، فعَصر بطن الأربد بن قيس، وأقبل عامر على رسول الله ﷺ وقد وضع يده على فمه، وهو يقول: يا محمد، لقد خوّفتني بأمر عظيم، وبأقوام كثيرة، فمَن هؤلاء؟ قال: «جنودي، وهم أكثر مما ذكرتُ لك». قال: فأخبِرني ما اسم ربّك؟ وما هو؟ ومَن خليله؟ وما حيلته؟ وكم هو؟ وأبو مَن هو؟ ومن أي حيٍّ هو؟ ومَن أخوه؟ وكانت العرب يتخذون الأخلاء في الجاهلية؛ فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد: ﴿هُوَ اللَّهُ أحَدٌ﴾ لقوله: ما اسمه؟ وكم هو؟ ﴿اللَّهُ الصَّمَد﴾ لقوله: ما طعامه؟ ﴿الصَّمَد﴾ الذي لا يأكل ولا يشرب، ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ يقول: ولم يتخذ ولدًا، ﴿ولَمْ يُولَدْ﴾ يقول: ليس له والد يُكنى به، لقوله: وابن مَن هو؟ ثم قال: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ لقوله: مَن خليله؟ يقول: ليس له نظير، ولا شبيه، فمن أين يتخذ الخليل؟! فأشار بيده وبعينه إلى الأربد بن قيس وهو في جهد قد عَصر المَلك بطنه حتى أراد أن يخرج خلاه من فِيه، وقد أهمّته نفسه، فقال الأربد: قم بنا. فقاما، فقال له عامر: ويحك، ما شأنك؟ قال: وجدت عَصرًا شديدًا في بطني ووجعًا؛ فما استطعتُ أنْ أرفع يدي. قال: فأمّا الأربد بن قيس فخرج يومئذ من المدينة، وكان يومًا متغيمًا، فأدركتْه صاعقة في الطريق، فقتلتْه، وأمّا عامر بن الطفيل فوجاه جبرئيل عليه السلام في عُنُقه، فخرج في عُنُقه دبيلة، ويقال: طاعون، فمرض بالمدينة، فلم يأوه أحد إلا امرأة مجذومة من بني سلول، فقال جزعًا من الموت: غُدَّة كغُدَّة البعير، وموت في بيت سلولية! ابرز إليَّ، يا موت، فأنا قاتلك. فأنزل الله عز وجل: ﴿وهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وهُوَ شَدِيدُ المِحالِ﴾ [الرعد:١٣]

اختُلف في المراد بقوله: ﴿وقيل من راق﴾ على قولين: الأول: أنّ المراد: مَن يَرقي هذه العلّة. الثاني: أنّ المعنى: مَن يصعد بروحه؛ ملائكة العذاب أم الرحمة؟. وساق ابنُ القيم (٣‏/‏٢٣٢) القولين، ثم علّق بقوله: «فعلى الأول تكون مِن رقى يرقِي؛ كرمى يرمِي، وعلى الثاني مِن رقِي يرقى؛ كشقِي يشقى. ومصدره: الرقاء، ومصدر الأول: الرقية». ثم رجَّح (٣‏/‏٢٣٣-٢٣٤ بتصرف) -مستندًا إلى الدلالة العقلية، والواقع، واللغة- القول الأول الذي قاله ابن عباس، وعكرمة، والضَّحّاك، وقتادة، وابن زيد، وقتادة، وأبو قِلابة، وانتقد الثاني، فقال: «والقول الأول أظهر لوجوه: أحدها: أنه ليس كلّ ميت يقول حاضروه: مَن يَرقى بروحه، وهذا إنما يقوله مَن يُؤمن برقي الملائكة بروح الميت، وأنهم ملائكة رحمة وملائكة عذاب، بخلاف التماس الرّقية وهي الدعاء فإنه قلّ ما يخلو منه المُحتضر. الثاني: أنّ الروح إنما يرقى بها المَلَك بعد مُفارقتها، وحينئذ يقال: مَن يرقى بها؟ وأما قبل المفارقة فطَلب الرّقية للمريض من الحاضرين أنسب من طلب علم مَن يَرقي بها إلى الله. الثالث: أنّ فاعل الرّقية يمكن العلم به، فيَحسن السؤال عنه، ويفيد السامع، وأمّا الراقي إلى الله فلا يمكن العلم بتعيينه حتى يُسأل عنه، و﴿من﴾ إنما يُسأل بها عن تعيين ما يمكن السائل أن يصل إلى العلم بتعيينه. الرابع: أنّ مثل هذا السؤال إنما يُراد به تحضيضٌ وإثارة اهتمام إلى فعلٍ يقع بعد مِن نحو قوله: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة:٢٤٥]، أو يُراد به إنكار فعل ما يذكر بعدها كقوله: ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإذْنِه﴾ [البقرة:٢٥٥]، وفِعْل الراقي إلى الله لا يَحسن فيه واحد من الأمرين هنا، بخلاف فاعل الرّقية فإنه يَحسن فيه الأول. الخامس: أنّ هذا خرج على عادة العرب وغيرهم في طلَب الرّقية لمن وصل إلى مثل تلك الحال، فحكى الله سبحانه ما جَرتْ عادتهم بقوله، وحذف فاعل القول؛ لأنه ليس الغرض مُتعلقًا بالقائل بل بالقول، ولم تَجرِ عادة المُخاطبين بأن يقولوا: مَن يَرقى بروحه. فكان حمْل الكلام على ما أُلف وجَرت العادة بقوله أولى؛ إذ هو تذكير لهم بما يُشاهدونه ويَسمعونه. السادس: أنه لو أريد هذا المعنى لكان وجه الكلام أن يُقال: مَن هو الرّاقي؟ ومن الرّاقي؟ ولا وجه للكلام غير ذلك، كما يقال: مَن هو القائل منكما كذا وكذا؟ وفي الحديث: «من القائل كلمة كذا؟». السابع: إنّ كلمة ﴿مَن﴾ إنما يُسأل بها عن التعيين، كما يقول: مَن الذي فعل كذا، ومَن ذا الذي قاله، فيعلم أنّ فاعلًا وقائلًا فعل وقال، ولا يعلم تعيينه فيسأل عن تعيينه بمن تارة وبأي تارة، وهم لم يسألوا عن تعيين الملَك الراقي بالروح إلى الله. فإن قيل: بل علموا أنّ مَلك الرحمة والعذاب صاعد بروحه، ولم يَعلموا تعيينه، فيسأل عن تعيين أحدهما. قيل: هم يعلمون أنّ تعيينه غير ممكن، فكيف يسألون عن تعيين ما لا سبيل للسامع إلى تعيينه ولا إلى العلم به؟! الثامن: أنّ الآية إنما سيقتْ لبيان يأسه من نفسه ويأس الحاضرين معه، وتحقق أسباب الموت، فالحاضرون لَمّا علموا أنه لم يبقَ لأسباب الحياة المعتادة تأثير في بقائه طلبوا أسبابًا خارجة عن المقدور تُستجلب بالرّقى والدعوات، فقالوا: من راق؟ أي: مَن يَرقي هذا العليل من أسباب الهلاك. والرّقية عندهم كانت مستعملة حيث لا يُجدي الدواء. التاسع: أنّ مثل هذا إنما يُراد به النفي والاستبعاد، وهو أحد التقديرين في الآية، أي: لا أحد يَرقي من هذه العلّة بعد ما وصَل صاحبها إلى هذه الحال. فهو استبعاد لنفي الرّقية، لا طلب لوجود الراقي، كقوله: ﴿وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم﴾ [يس:٧٨] أي: لا أحد يحييها، وقد صارت إلى هذه الحال. فإنْ أريد بها هذا المعنى استحال أن يكون من الرّقي، وإنْ أريد بها الطلب استحال أيضًا أن يكون منه، وقد بَيّنا أنها في مثل هذا إنما تُستعمل للطلب أو للإنكار. وحينئذ فتقول في الوجه العاشر: إنها إمّا أن يُراد بها الطلب أو الاستبعاد، والطلب إمّا أن يُراد به طلب الفعل أو طلب التعيين، ولا سبيل إلى حمْل واحد من هذه المعاني على الرّقي؛ لما بَيّناه». وبنحوه قال ابنُ تيمية (٦‏/‏٤٢٩)

نقل ابن جرير (٩‏/‏٣٦١) أثر ابن عباس المقتضي لكون هذا وقع من إبراهيم عليه السلام في مقام نظر لا في مقام مناظرة، وبيَّن أن قومًا من غير أهل الرواية أنكروا القول الذي روي عن ابن عباس، مستندين إلى أنّه غير جائز أن يبعث الله نبيًّا بالرسالة أتى عليه وقت من الأوقات وهو بالغ إلا وهو لله مُوَحِّد، وبه عارف، ومِن كل ما يُعبَد من دونه بريء، ولو جاز أن يأتي عليه وقت وهو به كافر لم يَجُز أن يختصه بالرسالة، ونقل عنهم وجوهًا في معناها: أحدها: أنّ ذلك على وجهِ الإنكارِ والمعارضةِ. والثاني: أنّ ذلك كان منه في حال طفولته، وتلك حال لا يكون فيها كفر ولا إيمان. والثالث: أنّ معنى الكلام: أهذا ربي؟! على وجه التوبيخ والنفي؛ أهذا ربّي؟! أي: ليس هذا ربي. ثُمَّ رَجَّح أثر ابن عباس مستندًا إلى ظاهر لفظ الآية، وسياقها، وأقوال السلف، وأخبار بني إسرائيل، وانتَقَد القولَين الآخرَين بذلك، فقال: «وفي خبر الله تعالى عن قيل إبراهيم حين أفل القمر: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾، الدليل على خطأ هذه الأقوال التي قالها هؤلاء القوم، وأنّ الصواب من القول في ذلك الإقرار بخبر الله -تعالى ذِكْره- الذي أخبر به عنه، والإعراض عما عداه». ثم قال في الآية بعد هذه القصة: «﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأَرْضَ حَنِيفًا وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾، قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله -تعالى ذِكْرُه- عن خليله إبراهيم عليه السلام أنّه لما تبيّن له الحق وعرَفه شهد شهادةَ الحقّ، وأظهر خلاف قومِه أهلِ الباطل وأهلِ الشرك بالله، ولم يأخذه في الله لومة لائم». ورجَّح ابنُ كثير (٦‏/‏٩٧، ٩٨، ٩٩) مستندًا إلى السياق اللاحق أنّ إبراهيم عليه السلام كان في هذا المقام مناظرًا لقومه، وقال: «ومِمّا يؤيد أنّه كان في هذا المقام مناظرًا لقومه فيما كانوا فيه من الشرك لا ناظرًا؛ قولُه تعالى: ﴿وحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وقَدْ هَدانِ ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إلا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ الآيات». وانتقد مستندًا إلى دلالة القرآن، والسنة أن يكون إبراهيم ناظرًا في هذا المقام، فقال: «وكيف يجوز أن يكون إبراهيم ناظرًا في هذا المقام، وهو الذي قال الله في حقه: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وكُنّا بِهِ عالِمِينَ * إذْ قالَ لأبِيهِ وقَوْمِهِ ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ الآيات [الأنبياء:٥١-٥٢]، وقال تعالى: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ الآيات [النحل:١٢٠-١٢٣]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [الأَنعام:١٦١]، وقد ورد في الحديث: «كل مولود يولد على الفطرة». وفي الحديث الآخر: «قال الله: إني خلقت عبادي حنفاء». وقال الله في كتابه العزيز: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ [الروم:٣٠]. فإذا كان هذا في حق سائر الخليقة فكيف يكون إبراهيم الخليل الذي جعله الله ﴿أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٠] ناظرًا في هذا المقام؟! بل هو أولى الناس بالفطرة السليمة، والسجية المستقيمة بعد رسول الله ﷺ بلا شك ولا ريب». وذكر ابنُ عطية (٣‏/‏٤٠٢-٤٠٣) أنّ في هذا المقام ثلاثة تأويلات: الأول: أنّه يحتمل أن يكون هذا وقع له في الغار في حال الصبوة وعدم التكليف «فذلك ينقسم على وجهين: إمّا أن يُجعَل قوله: ﴿هَذا رَبِّي﴾ تصميمًا واعتقادًا، وهذا باطل؛ لأن التصميم لم يقع من الأنبياء -صلوات الله عليهم-، وإما أن يجعله تعريضًا للنظر والاستدلال، كأنه قال: هذا المنير البهي ربي إن عضدت ذلك الدلائل. ويجيء إبراهيم عليه السلام كما قال الله تعالى لمحمد ﷺ: ﴿ووَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ [الضحى:٦]، أي: مهمل المعتقد». الثاني: أنّه يحتمل أن يكون هذا وقع له في حال كفره، وهو مكلَّف «فلا يجوز أن يقول ﴿هَذا رَبِّي﴾ مصمِّمًا ولا مُعرضًا للنظر؛ لأنها رتبة جهل أو شك، وهو عليه السلام مُنزَّه معصوم من ذلك كله». الثالث: أنه قالها لقومه على جهة التقرير، والتوبيخ، وإقامة الحجة عليهم في عبادة الأصنام، كأنه قال لهم: أهذا المنير ربي؟! أو ﴿هَذا رَبِّي﴾ وهو يريد: على زعمكم. وعضَّد هذا التأويل بالسياق، فقال: «ويعضد عندي هذا التأويل قوله: ﴿إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾»

سورة الإنشقاق — الآية ٧

قال مقاتل بن سليمان: ثم قال: ﴿فَأَمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ وهو عبد الله بن عبد الأسد، ويُكنى: أبا سلمة، ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ باليسير؛ بأنّ الله لا يُغيّر حسناته ولا يفضحه، وذلك أنّ الله عز وجل إذا جمع الخلائق يوم القيامة فإنهم يموج بعضُهم في بعض مقدارَ ثلاثمائة سنة، حتى إذا استوى الرّبُّ -جلّ وعزّ- على كرسيّه لِيُحاسب خَلْقه، فإذا جاء الرّبُّ -تبارك وتعالى- والملائكةُ صفًّا صفًّا، فينظرون إلى الجنة وإلى النار، ويُجاء بالنار من مسيرة خمسمائة عام، عليها تسعون ألف زمام، في كلّ زمام سبعون ألف ملك متعلّق، يحبسونها عن الخلائق، طول عنق أحدهم مسيرة سنة، وغِلظها مسيرة سنة، ما بين مَنكِبي أحدهم مسيرة خمسين سنة، وجوههم مثل الجمر، وأعينهم مثل البَرق، إذا تَكلّم أحدهم تناثرتْ مِن فِيه النار، بيد كلّ واحد منهم مرزبة، عليها ثلاثمائة وستون رأسًا كأمثال الجبال، هي أخفّ بيده مِن الريشة، فيجيئون بها، فيسوقونها حتى تقام عن يسار العرش، ويجاء بالجنة يزفونها كما تُزَفُّ العروس إلى زوجها حتى تقام عن يمين العرش، فإذا ما عاين الخلائقُ النارَ، وما أعدّ الله لأهلها، ونظروا إلى ربّهم، وسكتوا؛ فانقطعتْ عند ذلك أصواتهم، فلا يَتكلّم أحدٌ مِنهم مِن فَرَق الله وعظمته، ولما يرون مِن العجائب مِن الملائكة، ومن حملة العرش، ومن أهل السموات، ومن جهنم، ومن خزنتها، فانقطعتْ أصواتهم عند ذلك، وتَرتعد مفاصلهم، فإذا علم الله ما أصاب أولياءَه مِن الخوف، وبلغت القلوب الحناجر، فيقوم منادٍ عن يمين العرش، فينادي: ﴿يا عِبادِ، لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف:٦٨]، فيرفع عند ذلك الإنس والجنّ كلُّهم رؤوسَهم والمؤمنون والكفار؛ لأنهم عباده كلّهم، ثم ينادي في الثانية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف:٦٩]، فيَرفع المؤمنون رؤوسَهم، وينكس أهل الأديان كلّهم رؤوسهم، والناس سكوت مقدار أربعين عامًا، فذلك قوله: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ، ولا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات:٣٥-٣٦]، وقوله: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وقالَ صَوابًا﴾ [النبأ:٣٨]؛ وقال: لا إله إلا الله؛ فذلك الصواب، وقوله: ﴿وخَشَعَتِ الأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ [طه:١٠٨]، فلا يجيبهم الله، ولا يُكلّمهم، ولا يتكلمون هم مقدار أربعين سنة، يقول بعد ذلك لمَلكٍ من الملائكة وهو جبريل عليه السلام: نادِ الرسل، وابدأ بالأُمِّي. قال: فيقوم المَلك، فينادي عند ذلك: أين النَّبِي الأُمِّي؟ فتقول الأنبياء عند ذلك: كلّنا نبيّون وأُمّيون؛ فبيِّن بيِّن. فيقول: النبي العربي الأُمّي الحرمي، فيقوم عند ذلك رسول الله ﷺ، فيرفع صوته بالدعاء، فيقول: كم مِن ذنب قد عملتموه ونسيتموه وقد أحصاه الله! ربِّ، لا تفضح أمتي. قال: فلا يزال يدنو مِن الله تعالى حتى يقوم بين يديه؛ أقرب خَلْقه إليه، فيحمد الله، ويثني عليه، ويذكر من الثناء على الله تعالى والحمد حتى تعجب الملائكة منه والخلائق، فيقول الله عز وجل: قد رضيتُ عنك، يا محمد، اذهب فنادِ أُمّتك. فينادي، وأول ما يدعو يدعو مِن أُمّته عبد الله بن عبد الأسد أبا سلمة، فلا يزال يدنو، فيقرّبه الله عز وجل منه، فيحاسبه حسابًا يسيرًا، واليسير الذي لا يأخذه بالذنب الذي عمله، ولا يغضب الله عز وجل عليه، فيجعل سيئاته داخل صحيفته، وحسناته ظاهر صحيفته، فيوضع على رأسه التاج مِن ذَهَبٍ عليه تسعون ألف ذؤابة، كلّ ذؤابة دُرّة تساوي مال المشرق والمغرب، ويلبس سبعين حُلّة مِن الإستبرق والسندس، فالذي يلي جسده حريرة بيضاء، فذلك قوله: ﴿ولِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ﴾ [الحج:٢٣، فاطر:٣٣]، ويُسوَّر بثلاث أسْوِرة: سوار من فِضّة، وسوار من ذهب، وسوار من لؤلؤ، ويوضع إكليل مُكلّل بالدُّرّ والياقوت، وقد تلألأ في وجهه مِن نور ذلك، فيرجع إلى إخوانه من المؤمنين، فينظرون إليه وهو جاءٍ مِن عند الله، فتقول الملائكة والناس والجنّ: واللهِ، لقد أكرم الله هذا، لقد أعطى الله لهذا. فينظرون إلى كتابه، فإذا سيئاته باطن صحيفته، وإذا حسناته ظاهر كتابه، فتقول عند ذلك الملائكة: ما كان أذنب هذا الآدميُّ ذنبًا قط! واللهِ، لقد اتّقى اللهَ هذا العبدُ، فحُقّ أن يكرم مثل هذا العبد. وهم لا يشعرون أنّ سيئاته باطن كتابه، وذلك لمن أراد الله تعالى أن يُكرمه ولا يفضحه، قال: فيأتي إخوانَه من المسلمين، فلا يعرفونه، فيقول: أتعرفوني؟ فيقولون كلّهم: لا، واللهِ. فيقول: إنما برحتُ الساعة، وقد نسيتموني. فيقول: أنا أبو سلمة، أبشِروا بمثله، يا معشر الإخوان، لقد حاسَبني ربي حسابًا يسيرًا، وأكرمني. فذلك قوله: ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ﴾ يقول إلى قومه: ﴿مَسْرُورًا﴾ فيُعطى كتابه بيمينه، ﴿فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩-٢٠] إلى آخر القصة

سورة المائدة — الآية ١١٥

عن سلمان الفارسي -من طريق أبي عثمان النهدي- قال: لما سأل الحَوارِيُّون عيسى ابنَ مريمَ المائدة كَرِه ذلك جِدًّا، وقال: اقنَعوا بما رزقكم الله في الأرض، ولا تسألوا المائدة من السماء، فإنها إن نزلت عليكم كانت آيةً مِن ربِّكم، وإنما هَلَكَت ثمودُ حِينَ سألوا نبيهم آيةً، فابتُلُوا بها حتى كان بَوارُهم فيها. فأَبَوا إلا أن يَأتِيَهم بها، فلذلك قالوا: ﴿نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين﴾. فلما رأى عيسى أن قد أبَوا إلا أن يَدعُوَ لهم بها، قام فألقى عنه الصُّوفَ، ولَبِسَ الشعَرَ الأسود، وجُبَّةً مِن شعَرٍ، وعَباءَةً مِن شعَرٍ، ثم تَوضَّأ واغتَسَل، ودخَل مُصَلّاه، فصَلّى ما شاء الله، فلمّا قضى صلاتَه قام قائِمًا مُستَقبِلَ القِبلة، وصَفَّ قَدَمَيه حتى استَوَيا، فألصَق الكعبَ بالكعب، وحاذى الأصابعَ بالأصابع، ووضَع يدَه اليُمنى على اليُسرى فوق صدرِه، وغضَّ بصرَه، وطَأْطَأْ رأسَه خُشوعًا، ثم أرسَل عَينَيه بالبكاء، فما زالت دموعُه تَسيلُ على خَدَّيه، وتَقطُرُ مِن أطرافِ لحيتِه، حتى ابتَلَّتِ الأرضُ حِيالَ وجهِه مِن خشوعِه، فلمّا رأى ذلك دعا الله، فقال: ﴿اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا﴾ تكونُ عظةً منك لنا، ﴿وآية منك﴾ أي: علامةً منك، تكونُ بينَنا وبينَك، وارزُقنا عليها طعامًا نَأكُلُه، ﴿وأنت خير الرازقين﴾. فأنزل الله عليهم سُفرَةً حَمراءَ بينَ غَمامَتَين؛ غَمامةٍ فوقَها، وغَمامةٍ تحتَها، وهم ينظرون إليها في الهواء مُنقَضَّةً مِن فَلَكِ السماء تَهوِي إليهم، وعيسى يبكي خوفًا للشُّروطِ التي اتخَذ الله عليهم فيها؛ أنه يُعَذِّبُ مَن يَكفُرُ بها منهم بعدَ نزولها عذابًا لم يُعَذِّبه أحدًا مِن العالَمين، وهو يدعو اللهَ في مكانِه، ويقول: إلهي، اجعَلها رحمةً، إلهي، لا تَجعَلها عذابًا، إلهي، كم مِن عَجيبةٍ سَألتُك فأعطَيتَني، إلهي، اجعَلنا لك شاكِرِين، إلهي، أعُوذُ بك أن تكونَ أنزَلتَها غضبًا ورِجزًا، إلهي، اجعَلها سلامةً وعافيةً، ولا تَجعَلها فتنةً ومُثلَةً. فما زال يدعو حتى استَقَرَّتِ السُّفرةُ بينَ يدي عيسى، والحَوارِيُّون وأصحابُه حولَه، يَجِدون رائحةً طيبةً، لم يجدوا فيما مضى رائحةً مِثلَها قَطُّ، وخَرَّ عيسى والحواريون لله سُجَّدًا؛ شُكرًا له بما رزقهم مِن حيث لم يَحتَسِبوا، وأراهم فيه آيةً عظيمةً ذاتَ عَجَبٍ وعِبرَةٍ، وأقبَلَتِ اليهود ينظُرُون، فرَأَوا أمرًا عجيبًا أورَثَهم كَمَدًا وغَمًّا، ثم انصرفوا بغيظٍ شديدٍ، وأقبَل عيسى والحَوارِيُّون وأصحابُه حتى جَلَسوا حولَ السُّفرة، فإذا عليها مِندِيلٌ مُغَطًّى، قال عيسى: مَن أجرَؤُنا على كشفِ المنديلِ عن هذه السُّفرة، وأوثَقُنا بنفسِه، وأحسَنُنا بلاءً عندَ ربِّه، فَليَكشِف عن هذه الآية حتى نراها، ونَحمَدَ ربَّنا، ونَذكُرَ باسمِه، ونَأكُلَ مِن رزقِه الذي رَزَقَنا؟ فقال الحَوارِيُّون: يا رُوحَ الله وكلمتَه، أنت أولانا بذلك، وأحَقُّنا بالكشف عنها. فقام عيسى، فاستَأنَف وُضُوءًا جديدًا، ثم دخَل مُصَلّاه، فصلّى بذلك رَكَعات، ثم بكى طويلًا، ودعا الله أن يأذَنَ له في الكشف عنها، ويَجعَلَ له ولقومِه فيها بركةً ورزقًا، ثم انصرف، وجلس إلى السُّفرة، وتناول المنديل، وقال: بسم الله خيرِ الرازقين. وكَشَف عن السفرة، وإذا هو عليها سمكةٌ ضخمةٌ مَشوِيَّةٌ، ليس عليها بَواسِير، وليس في جَوفِها شَوكٌ، يَسيلُ السمنُ منها سَيلًا، قد نُضِّد حولَها بقُولٌ مِن كلِّ صِنفٍ غيرَ الكُرّاث، وعندَ رأسِها خَلٌّ، وعندَ ذَنَبِها مِلحٌ، وحولَ البُقُولِ خمسةُ أرغِفَةٍ، على واحدٍ منها زيتونٌ، وعلى الآخَر ثَمَراتٌ، وعلى الآخر خمسُ رُمّاناتٍ، فقال شَمعون رأسُ الحَوارِيِّين لعيسى: يا رُوحَ الله وكلمتَه، أمِن طعامِ الدنيا هذا، أم مِن طعامِ الجنة؟ فقال: أما آن لكم أن تَعتَبروا بما تَرَون مِن الآيات، وتَنتَهوا عن تَنقِيرِ المسائل، ما أخوَفَني عليكم أن تُعاقَبوا في سبب هذه الآية. فقال شمعون: لا وإلهِ إسرائيلَ، ما أردتُ بها سُوءًا، يا ابنَ الصِّدِّيقة. فقال عيسى: ليس شيءٌ ممّا تَرَون عليها مِن طعامِ الجنة، ولا مِن طعام الدنيا، إنما هو شيءٌ ابتَدَعه اللهُ في الهواءِ بالقُدرةِ الغالِبَة القاهِرَة؛ فقال له: كُن. فكان أسرعَ مِن طرفةِ عين، فكُلُوا مما سَألتُم باسم الله، واحمدُوا عليه ربَّكم، يُمِدَّكم منه ويَزِدكم، فإنه بَديع قادر شاكر. فقالوا: يا روح الله وكلمته، إنّا نحبُّ أن تُرِيَنا آيةً في هذه الآية. فقال عيسى: سبحان الله، أما اكتَفَيتُم بما رأَيتُم مِن هذه الآية حتى تَسأَلوا فيها آيةً أُخرى! ثم أقبَل عيسى على السمكة، فقال: يا سمكةُ، عُودي بإذنِ اللهِ حيَّةً كما كُنتِ. فأحياها اللهُ بقُدرتِه، فاضطَرَبَت وعادت بإذنِ الله حَيَّةً طَرِيَّةً، تَلَمَّظُ كما يَتَلَمَّظُ الأسد، تدُورُ عَيناها، لها بَصيصٌ، وعادت عليها بَواسِيرُها، ففَزِع القومُ منها وانحاسوا، فلمّا رأى عيسى ذلك منهم فقال: ما لكم تَسأَلون الآيةَ، فإذا أراكُمُوها ربُّكم كَرِهتُمُوها؟! ما أخوَفَني عليكم أن تُعاقَبوا بما تَصنعون، يا سمكةُ، عُودِي بإذن الله كما كُنتِ. فعادتْ بإذن الله مشويَّةً كما كانت في خَلقِها الأول، فقالوا لعيسى: كُن أنت يا رُوحَ اللهِ الذي تَبدَأُ بالأكلِ منها، ثم نحنُ بعدُ. فقال: مَعاذَ اللهِ مِن ذلك، يَبدَأُ بالأكلِ مَن طَلَبَها. فلَمّا رأى الحَوارِيُّون وأصحابُهم امتِناعَ نبيهم منها خافوا أن يكونَ نزولها سُخطَةً، وفي أكلِها مُثلَةً، فتحامَوها، فلمّا رأى ذلك عيسى دعا لها الفقراءَ والزَّمنى، وقال: كلوا من رزق ربكم ودعوة نبيكم، واحمَدوا اللهَ الذي أنزَلَها لكم؛ ليكون مَهناها لكم وعقوبتُها على غيرِكم، وافتَتِحوا أكلَكم باسم الله، واختِموه بحمدِ الله. ففعلوا، فأكل منها ألفٌ وثلاثُمائةِ إنسان، بين رجلٍ وامرأةٍ، يَصدُرون عنها كلُّ واحدٍ منهم شبعان يَتَجَشَّأُ، ونظَر عيسى والحَوارِيُّون فإذا ما عليها كهيئةِ إذ نَزَلَت مِن السماء، لم يُنتَقَص منه شيءٌ، ثم إنها رُفِعَت إلى السماء وهم يَنظُرون، فاستَغنى كلُّ فقيرٍ أكَل منها، وبَرِئ كلُّ زمنٍ منهم أكَل منها، فلم يزالوا أغنياءَ صِحاحًا حتى خرَجوا مِن الدنيا، ونَدِم الحَواريُّون وأصحابُهم الذين أبَوا أن يَأكُلوا منها نَدامةً سالت منها أشفارُهم، وبَقِيتْ حَسرتُها في قلوبِهم إلى يوم الممات. قال: فكانتِ المائدةُ إذا نَزَلَتْ بعدَ ذلك أقبَلَت بنو إسرائيلَ إليها مِن كلِّ مكانٍ يَسعَون، يُزاحِمُ بعضُهم بعضًا، الأغنياءُ والفقراء، والنساءُ والصِّغارُ والكِبار، والأصِحّاءُ والمرضى، يرَكَبُ بعضُهم بعضًا، فلما رأى عيسى ذلك جَعَلَها نُوَبًا بينَهم، فكانت تَنزِلُ يومًا ولا تَنزِلُ يومًا، فلَبِثوا في ذلك أربعين يومًا، تَنزِلُ عليهم غِبًّا عندَ ارتفاعِ الضُّحى، فلا تَزالُ موضوعةً يُؤكَلُ منها، حتى إذا قالوا ارتَفَعَت عنهم بإذن الله إلى جوِّ السماء، وهم يَنظُرُون إلى ظِلِّها في الأرضِ حتى تَوارى عنهم، فأوحى اللهُ إلى عيسى: أنِ اجعَل رزقي في المائدة لليَتامى والفقراءِ والزَّمنى، دُونَ الأغنياء مِن الناس. فلما فعَل اللهُ ذلك ارتاب بها الأغنياءُ، وغَمَصوا ذلك، حتى شَكُّوا فيها في أنفسِهم، وشَكَّكوا فيها الناس، وأذاعوا في أمرِها القبيحَ والمنكرَ، وأدرَك الشيطانُ منهم حاجَتَه، وقذَف وسْواسَه في قلوبِ المرتابين، حتى قالوا لعيسى: أخبرنا عن المائدة ونزولها مِن السماء حقٌّ؛ فإنه ارتاب بها بشرٌ منّا كثيرٌ؟ قال عيسى: هلَكتُم، وإلهِ المسيح، طَلَبتُم المائدةَ إلى نبيكم أن يَطلُبَها لكم إلى ربِّكم، فلما أن فعل وأنزَلَها الله عليكم رحمةً ورزقًا، وأَراكم فيها الآياتِ والعِبَر؛ كَذَّبتم بها، وشَكَكتُم فيها! فأبشِروا بالعذاب، فإنه نازِلٌ بكم إلا أن يَرحَمَكم الله. وأوحى اللهُ إلى عيسى: إنِّي آخِذٌ المكذِّبين بشَرطي، فإنِّي مُعذِّبٌ منهم مَن كفَر بالمائدةِ بعدَ نزولها عذابًا لا أُعَذِّبُه أحدًا مِن العالمين. فلمّا أمسى المرتابون بها، وأخَذوا مَضاجِعَهم في أحسَن صورةٍ من نسائِهم آمِنِين، فلما كان مِن آخِرِ الليلِ مَسَخَهم اللهُ خنازير، وأصبَحوا يَتتبعون الأقذارَ في الكُناسات

سورة آل عمران — الآية ٤٩

عن عبد الله بن عباس -من طريق السدي- قال: لَمّا بعث الله عيسى عليه السلام، وأمَرَه بالدعوة؛ لَقِيَه بنو إسرائيل، فأخرجوه، فخرج هو وأُمُّه يسيحون في الأرض، فنزلوا في قرية على رجل، فأضافَهم، وأحسن إليهم، وكان لتلك المدينة مَلِكٌ جبّار، فجاء ذلك الرجل يومًا حزينًا، فدخل منزله ومريمُ عند امرأته، فقالتْ لها: ما شأنُ زوجِك؟ أراه حزينًا! قالت: إنّ لنا ملِكًا يجعل على كُلِّ رجل مِنّا يومًا يطعمه هو وجنوده، ويسقيهم الخمر، فإن لم يفعل عاقبه، وإنّه قد بلغت نوبتُه اليومَ، وليس عندنا سَعَةٌ. قالت: قولي له: فلا يهتمَّ، فإنِّي آمِرٌ ابني فيدعو له؛ فيُكفى ذلك. قالت مريمُ لعيسى في ذلك، فقال عيسى: يا أُمَّهْ، إنِّي إن فعلتُ كان في ذلك شرٌّ. قالت: لا تبالِ؛ فإنّه قد أحسن إلينا، وأكرمَنا. قال عيسى: قولي له: املأ قدورَك وخَوابيَكَ ماءً. فملأهُنَّ، فدعا اللهَ، فتحوَّل ما في القدور لحمًا ومَرَقًا وخبزًا، وما في الخوابي خمرًا لم ير الناسُ مثلَه قطُّ، فلمّا جاء الملِكُ أكل منه، فلمّا شرب الخمر سأل: مِن أين لك هذا الخمرُ؟ قال: هو من أرض كذا وكذا. قال الملك: فإنّ خمري أُوتى به مِن تلك الأرض، فليس هو مثل هذا. قال: هو من أرض أخرى. فلمّا خلَّط على الملك اشتدَّ عليه، فقال: أنا أُخبِرُك، عندي غلامٌ لا يسأل الله شيئًا إلا أعطاه، وإنّه دعا الله تعالى فجعل الماءَ خمرًا. فقال له الملك -وكان له ابنٌ يريد أن يستخلِفه، فمات قبل ذلك بأيّام، وكان أحبّ الخلق إليه- فقال: إنّ رجلًا دعا الله تعالى فجعل الماءَ خمرًا؛ لَيُسْتَجابَنَّ له حتى يُحْيِيَ ابني. فدعا عيسى، فكلَّمه، وسأله أن يدعوَ اللهَ أن يُحْيِيَ ابنَه، فقال عيسى: لا تفعلْ؛ فإنّه إن عاش كان شرًّا. قال الملِكُ: لا أبالي، أليس أراه؟ فلا أبالي ما كان. قال عيسى عليه السلام: فإن أحييتُه تتركوني أنا وأُمِّي نذهب حيث نشاء؟ قال الملك: نعم. فدعا اللهَ، فعاش الغلام، فلمّا رآه أهلُ مملكته قد عاش تنادَوا بالسلاح، وقالوا: أكلَنا هذا، حتّى إذا دنا موتُه يُرِيد أن يَسْتَخْلِفَ علينا ابنَه فيأكلَنا كما أكلَنا أبوه؟! فاقتتلوا، وذهب عيسى وأُمُّه، وصَحِبَهما يهوديٌّ، وكان مع اليهوديِّ رغيفان، ومع عيسى رغيف، فقال له عيسى: تشاركني؟ فقال اليهوديُّ: نعم. فلما رأى أنّه ليس مع عيسى عليه السلام إلا رغيفٌ نَدِم، فلما ناما جعل اليهوديُّ يريد أن يأكل الرغيف، فيأكل لقمة، فيقول له عيسى: ما تصنع؟ فيقول: لا شيء. حتى فرغ من الرغيف، فلمّا أصبحا قال له عيسى: هَلُمَّ طعامَك. فجاء برغيف، فقال له عيسى: أين الرَّغيفُ الآخر؟ قال: ما كان معي إلا واحد. فسكت عنه، وانطلقوا، فمَرُّوا براعي غنم، فنادى عيسى: يا صاحب الغنم، أجْزِرْنا شاةً مِن غنمك. قال: نعم. فأعطاه شاةً، فذبحها، وشواها، ثُمَّ قال لليهوديِّ: كُل، ولا تَكْسِر عظمًا. فأكلا، فلما شبِعوا قذف عيسى العظامَ في الجِلْد، ثُمَّ ضربها بعصاه، وقال: قومي بإذن الله. فقامت الشاةُ تَثْغُو، فقال: يا صاحب الغنم، خذ شاتك. فقال له الراعي: مَن أنت؟ قال: أنا عيسى ابن مريم. قال: أنت الساحرُ؟! وفرَّ منه، قال عيسى لليهوديِّ: بالذي أحيا هذه الشاةَ بعد ما أكلناها، كم كان معك من رغيف؟ فحلف ما كان معه إلا رغيفٌ واحد. فمَرَّ بصاحب بقر، فقال: يا صاحب البقر، أجْزِرْنا مِن بقرك هذه عِجْلًا. فأعطاه، فذبحه، وشواه، وصاحبُ البقر ينظر، فقال له عيسى: كُلْ، ولا تَكْسِرْ عظمًا. فلما فرغوا قذف العظام في الجلد، ثم ضربه بعصاه، وقال: قُم بإذن الله. فقام له خُوارٌ، فقال: يا صاحب البقر، خُذْ عِجْلَك. قال: ومَن أنت؟ قال: أنا عيسى. قال: أنت عيسى السّاحِرُ؟! ثُمَّ فرَّ منه، قال عيسى لليهوديِّ: بالذي أحيا هذه الشّاةَ بعد ما أكلناها، والعِجْلَ بعدما أكلناه، كم رغيفًا كان معك؟ فحلف بذلك ما كان معه إلا رغيف واحد. فانطلقا، حتى نزلا قريةً، فنزل اليهوديُّ في أعلاها وعيسى في أسفلها، وأخذ اليهوديُّ عَصًا مثل عصا عيسى، وقال: أنا الآن أُحْيِي الموتى. وكان مَلِكُ تلك القريةِ مريضًا شديدَ المرض، فانطلق اليهوديُّ ينادي: مَن يَبْغِي طبيبًا؟ فأُخبر بالملك وبوجعه، فقال: أدْخِلُوني عليه؛ فأنا أُبرِئُه، وإن رأيتموه قد مات فأنا أُحْيِيه. فقيل له: إنّ وجع الملك قد أعيا الأطِبّاء قبلك. قال: أدْخِلُوني عليه. فأُدْخل عليه، فأخذ برِجْلِ الملِك فضربه بعصاه حتى مات، فجعل يضربه وهو ميِّت، ويقول: قُمْ بإذن الله. فأخذوه ليصلبوه، فبلغ عيسى، فأقبل إليه وقد رُفِع على الخَشَبة، فقال: أرأيتُم إن أحييتُ لكم صاحبَكم أتتركون لي صاحبي؟ فقالوا: نعم. فأحيا عيسى الملِكَ، فقامَ وأنزل اليهوديَّ. فقال: يا عيسى، أنت أعظمُ الناس عَلَيَّ مِنَّةً، واللهِ، لا أُفارِقُك أبدًا. قال عيسى: أنشُدُك بالذي أحيا الشاةَ والعجل بعد ما أكلناهما، وأحيا هذا بعد ما مات، وأنزلك مِن الجذع بعد رفعك عليه لتُصلَب، كم كان معك رغيف؟ فحلف بهذا كلِّه ما كان معه إلا رغيفٌ واحد. فانطلقا، فمَرّا بثلاث لَبِناتٍ، فدعا الله عيسى فصَيَّرَهُنَّ مِن ذهب، قال: يا يهوديُّ، لَبِنَةٌ لي، ولَبِنَةٌ لك، ولَبِنَةٌ لِمَن أكل الرغيف. قال: أنا أكلتُ الرغيف

سورة مريم — الآية ١٧

عن عبد الله بن عباس -من طريق جويبر، عن الضحاك- في قوله: ﴿واذكر في الكتاب مريم﴾ يقول: قُصَّ ذكرَها على اليهود والنصارى ومشركي العرب ﴿إذا انتبذت﴾ يعني: خرجت ﴿من أهلها مكانا شرقيا﴾ قال: كانت خرجت من بيت المقدس مما يلي المشرق، ﴿فاتخذت من دونهم حجابا﴾ وذلك أنّ الله لَمّا أراد أن يبتدئها بالكرامة، ويُبَشِّرها بعيسى، وكانت قد اغتسلت من المحيض، فتَشَرَّفت، وجعلت بينها وبين قومها ﴿حجابا﴾ يعني: جبلًا، فكان الجبل بين مجلسها وبين بيت المقدس، ﴿فأرسلنا إليها روحنا﴾ يعني: جبريل، ﴿فتمثل لها بشرا﴾ في صورة الآدميين، ﴿سويا﴾ يعني: مُعْتَدِلًا، شابًّا، أبيض الوجه، جَعْدًا قَطَطًا، حين اخضرَّ شاربُه، فلما نظرت إليه قائمًا بين يديها ﴿قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا﴾، وذلك أنها شبَّهته بشابٍّ كان يراها ونشأ معها، يُقال له: يوسف، من بني إسرائيل، وكان مِن خَدَمِ بيت المقدس، فخافت أن يكون الشيطان قد استَزَلَّه، فمِن ثَمَّ قالت: ﴿إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا﴾ يعني: إن كنتَ تخاف الله. ﴿قال﴾ جبريلُ وتَبَسَّم: ﴿إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا﴾ يعني: لله مطيعًا، من غير بشر. ﴿قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر﴾ يعني: زوجًا، ﴿ولم أك بغيا﴾ أي: مُومِسَة. ﴿قال﴾ جبريل: ﴿كذلك﴾ يعني: هكذا ﴿قال ربك هو علي هين﴾ يعني: خَلْقُه مِن غير بشر، ﴿ولنجعله آية للناس﴾ يعني: عِبرة، والناس هنا: للمؤمنين خاصة، ﴿ورحمة منا﴾ لِمَن صدَّق بأنه رسول الله، ﴿وكان أمرا مقضيا﴾ يعني: كائنًا أن يكون مِن غير بشر. فَدَنا جبريلُ، فنفخ في جيبها، فدخلت النفخةُ جَوْفَها، فاحتملت كما تحمل النساء في الرَّحِم والمشِيمَة، ووضعته كما تضع النساء، فأصابها العَطَش، فأجرى الله لها جدولًا من الأردن، فذلك قوله: ﴿قد جعل ربك من تحتك سريا﴾. والسَّرِيُّ: الجدول. وحمل الجذِعُ من ساعته ﴿رطبا جنيا﴾، ﴿فناداها من تحتها﴾ جبريل: ﴿وهزي إليك بجذع النخلة﴾. لم يكن على رأسها سعف، وكانت قد يبست منذ دهر طويل، فأحياها الله لها، وحملت، فذلك قوله: ﴿تساقط عليك رطبا جنيا﴾ يعني: طريًّا بغباره، ﴿فكلي﴾ مِن الرُّطَب، ﴿واشربي﴾ من الجدول، ﴿وقري عينا﴾ بولدك. فقالت: فكيف بي إذا سألوني: من أين هذا؟ قال لها جبريل: ﴿فإما ترين﴾ يعني: فإذا رأيت ﴿من البشر أحدا﴾ فأَعْنَتَكِ في أمرك؛ ﴿فقولي إني نذرت للرحمن صوما﴾ يعني: صمتًا في أمر عيسى، ﴿فلن أكلم اليوم إنسيا﴾ في أمره، حتى يكون هو الذي يُعَبِّر عنِّي وعن نفسه. قال: ففقدوا مريم مِن محرابها، فسألوا يوسف، فقال: لا عِلْمَ لي بها، وإنّ مفتاح محرابها مع زكريا. فطلبوا زكريا، وفتحوا الباب وليست فيه، فاتهموه، فأخذوه، ووَبَّخوه، فقال رجل: إنِّي رأيتها في موضع كذا. فخرجوا في طلبها، فسمعوا صوت عقعق في رأس الجذع الذي مريم مِن تحته، فانطلقوا إليه، فذلك قول الله: ﴿فأتت به قومها تحمله﴾. قال ابن عباس: لَمّا رأت بأنّ قومها قد أقبلوا إليها احتملت الولد إليهم حتى تلقتهم به، فذلك قوله: ﴿فأتت به قومها تحمله﴾ أي: لا تخاف رِيبة ولا تُهمة، فلما نظروا إليها شقَّ أبوها مدرعته، وجعل التراب على رأسه، وإخوتها، وآل زكريا، فـ﴿قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا﴾ يعني: عظيمًا، ﴿يا أخت هرون﴾ كانت من آل هارون، ﴿ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا﴾ يعني: زانية، فأنّى أتيتِ هذا الأمر مع هذا الأخ الصالح، والأب الصالح، والأم الصالحة؟! ﴿فأشارت إليه﴾ تقول لهم: أن كلِّموه، فإنه سيخبركم، فـ﴿إني نذرت للرحمن صوما﴾ أن لا أكلمكم في أمره، فإنّه سيُعَبِّر عَنِّي، ويكون لكم آية وعبرة. ﴿قالوا﴾: يا عجبنا، ﴿كيف نكلم من كان في المهد صبيا﴾؟! يعني: مَن هو في الخِرَقِ طفلًا لا ينطق! إذ أنطقه الله، فعبَّر عن أُمِّه، وكان عبرة لهم، فقال: ﴿إني عبد الله﴾. فلما أن قالها ابتدأ يحيى، وهو ابن ثلاث سنين، فكان أولَ مَن صدق به، فقال: إنِّي أشهد أنك عبد الله ورسوله. لتصديق قول الله: ﴿مصدقا بكلمة من الله﴾ [آل عمران:٣٩]. فقال عيسى: ﴿آتاني الكتاب وجعلني نبيا﴾ إليكم، ﴿وجعلني مباركا أينما كنت﴾. قال ابن عباس: قال رسول الله ﷺ: «البركة التي جعلها الله لعيسى أنّه كان مُعَلِّمًا مُؤَدِّبًا حيثما توجه». ﴿وأوصاني بالصلاة والزكاة﴾ يعني: وأمرني، ﴿وبرا بوالدتي﴾ فلا أعُقُّها. قال ابن عباس: حين قال: ﴿وبرا بوالدتي﴾ قال زكريا: الله أكبر. فأخذه، فضَمَّه إلى صدره، فعلموا أنّه خُلِق مِن غير بشر، ﴿ولم يجعلني جبارا شقيا﴾ يعني: مُتَعَظِّمًا سفّاكًا للدم، ﴿والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا﴾. يقول الله: ﴿ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون﴾ يعني: يَشُكُّون. يقوله لليهود، ثم أمسك عيسى عن الكلام حتى بلغ مبلغ الناس