محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١١٥ من سورة المائدة في ١٠٢ كتاب من كتب التفسير، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٣٦ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١١٥ من سورة المائدة

١٠٢ كتاب من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿قَالَ اللّهُ إِنّي مُنَزّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنّيَ أُعَذّبُهُ عَذَاباً لاّ أُعَذّبُهُ أَحَداً مّنَ الْعَالَمِينَ﴾. .
وهذا جواب من الله تعالى القوم فيما سألوا نبيهم عيسى مسألة ربهم من إنزاله مائدة عليهم، فقال تعالى ذكره : إني منزلها عليكم أيها الحواريون فمطعمكموها. " فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ " يقول : فمن يجحد بعد إنزالها عليكم وإطعامكموها منكم رسالتي إليه وينكر نبوّة نبي عيسى ﷺ ويخالف طاعتي فيما أمرته ونهيته، فإني أعذّبه عذابا لا أعذّبه أحدا من عالمي زمانه. ففعل القوم، فجحدوا وكفروا بعد ما أنزلت عليهم فيما ذكر لنا، فعذّبوا فيما بلغنا بأن مسخوا قردة وخنازير. كالذي :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : " إنّي مُنَزّلُهَا عَلَيْكُمْ. . . . " الآية، ذكر لنا أنهم حوّلوا خنازير.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الوهاب ومحمد بن أبي عديّ، ومحمد بن جعفر، عن عوف، عن أبي المغيرة القوّاس، عن عبد الله بن عمرو، قال : إن أشدّ الناس عذابا ثلاثة : المنافقون، ومن كفر من أصحاب المائدة، وآل فرعون.
حدثنا الحسن بن عرفة، قال : حدثنا المعتمر بن سليمان، عن عوف، قال : سمعت أبا المغيرة القوّاس يقول : قال عبد الله بن عمرو : إن أشدّ الناس عذابا يوم القيامة : مَنْ كفر من أصحاب المائدة، والمنافقون، وآل فرعون.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قوله :" فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ " بعد ما جاءته المائدة، " فإنّي أُعَذّبُهُ عَذَابا لا أُعَذّبُهُ أحَدا مِنَ العالَمِينَ " يقول : أعذّبه بعذاب لا أعذّبه أحدا من العالمين غير أهل المائدة.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
"إني منزلها عليكم"، ثم لا ينزلها، لأن ذلك منه تعالى ذكره خبر، ولا يكون منه خلاف ما يخبر. ولو جاز أن يقول:"إني منزلها عليكم"، ثم لا ينزلها عليهم، جاز أن يقول:"فمن يكفر بعد منكم فإنّي أعذبه عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين"، ثم يكفر منهم بعد ذلك، فلا يعذّبه، فلا يكون لوعده ولا لوعيده حقيقة ولا صحة. وغير جائز أن يوصف ربنا تعالى ذكره بذلك.
* * *
وأما الصواب من القول فيما كان على المائدة، فأن يقال: كان عليها مأكول. وجائز أن يكون كان سمكًا وخبزًا، وجائزٌ أن يكون كانَ ثمرًا من ثمر الجنة، وغيرُ نافع العلم به، ولا ضارّ الجهل به، إذا أقرَّ تالي الآية بظاهر ما احتمله التنزيل.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنزلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (١١٥)﴾
قال أبو جعفر: وهذا جواب من الله تعالى ذكره القومَ فيما سألوا نبيّهم عيسى مسألةَ ربهم، من إنزاله مائدة عليهم. فقال تعالى ذكره: إني منزلها عليكم، أيها الحواريون، فمطعمكموها ="فمن يكفر بعد منكم"، يقول: فمن يجحد بعد إنزالها عليكم، وإطعاميكموها - منكم رسالتي إليه، وينكر نبوة نبيِّي عيسى صلى الله عليه وسلم، ويخالفْ طاعتي فيما أمرته ونهيته ="فإني أعذبه عذابًا لا أعذبه أحدا من العالمين"، من عالمي زمانه. ففعل القوم، فجحدوا وكفروا بعد ما أنزلت عليهم، فيما ذكر لنا، فعذبوا، فيما بلغنا، بأن مُسِخوا قردة وخنازير، كالذي:-
١٣٠٢٣ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"إني منزلها عليكم" الآية، ذكر لنا أنهم حوِّلوا خنازير.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنزلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ﴾ أي : فمن كذب بها من أمتك يا عيسى وعاندها ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ أي : من عالمي زمانكم، كقوله :﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]، (١) وكقوله :﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥].
وقد روى ابن جرير، من طريق عَوْف الأعرابي، عن أبي المغيرة القوَّاس، عن عبد الله بن عمرو قال : إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة ثلاثة : المنافقون، ومن كفر من أصحاب المائدة، وآل فرعون. (٢)
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:ذكر أخبار رُوِيَت عن السلف في نزول المائدة على الحواريين :
قال أبو جعفر بن جرير(٣) حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثني حجاج، عن لَيْث، عن عقيل، عن ابن عباس : أنه كان يحدث عن عيسى ابن مريم أنه قال لبني إسرائيل : هل لكم أن تصوموا لله ثلاثين يومًا، ثم تسألوه فيعطيكم ما سألتم ؟ فإن أجر العامل على من عمل له. ففعلوا، ثم قالوا : يا معلم الخير، قلت لنا : إن أجر العامل على من عمل له وأمرتنا أن نصوم ثلاثين يومًا، ففعلنا، ولم نكن نعمل لأحد ثلاثين يومًا إلا أطعمنا حين نَفْرُغ طعامًا، فهل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء ؟ قال عيسى :﴿اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ. قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ. قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنزلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ قال : فأقبلت الملائكة تطير بمائدة من السماء، عليها سبعة أحوات وسبعة أرغفة، حتى وضعتها بين أيديهم، فأكل منها آخر الناس كما أكل منها أولهم.
كذا رواه ابن جرير(٤) ورواه ابن أبي حاتم، عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وَهْبٍ، عن الليث، عن عُقَيْل، عن ابن شِهاب، قال : كان ابن عباس يحدث، فذكر نحوه.
وقال ابن أبي حاتم أيضًا : حدثنا سعد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا أبو زُرْعَة وهب الله بن راشد، حدثنا عُقَيْل بن خالد، أن ابن شهاب أخبره عن ابن عباس ؛ أن عيسى ابن مريم قالوا له : ادع الله أن ينزل علينا مائدة من السماء، قال : فنزلت الملائكة بمائدة يحملونها، عليها سبعة أحوات، وسبعة أرغفة، فأكل منها آخر الناس كما أكل منها أولهم.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا الحسن بن قَزْعَة الباهلي، حدثنا سفيان بن حبيب، حدثنا سعيد بن أبي عَرُوبَة، عن قتادة، عن خِلاس، عن عمار بن ياسر، عن النبي ﷺ قال :" نزلت المائدة من السماء، عليها خبز ولحم، وأمروا أن لا يخونوا ولا يرفعوا لغد، فخانوا وادخروا ورفعوا، فمسخوا قردة وخنازير "
وكذا رواه ابن جرير، عن الحسن بن قَزْعَة(٥) ثم رواه ابن جرير، عن ابن بشار، عن ابن أبي عَدِيّ، عن سعيد، عن قتادة، عن خلاس، عن عمار، قال : نزلت المائدة وعليها ثمر من ثمار الجنة، فأمروا ألا يخونوا ولا يخبئوا ولا يدخروا. قال : فخان القوم وخَبئوا وادخروا، فمسخهم الله قردة وخنازير. (٦)
وقال ابن جرير : حدثنا ابن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود، عن سِمَاك بن حرب، عن رجل من بني عجل، قال : صليت إلى جنب عمار بن ياسر، فلما فرغ قال : هل تدري كيف كان شأن مائدة بني إسرائيل ؟ قال : قلت : لا قال : إنهم سألوا(٧) عيسى ابن مريم مائدة يكون عليها طعام يأكلون منه لا ينفد، قال : فقيل لهم : فإنها مقيمة لكم ما لم تَخْبَؤوا، أو تخونوا، أو ترفعوا، فإن فعلتم فإني معذبكم عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين، قال : فما مضى يومهم حتى خبَّؤوا ورفعوا وخانوا، فعذبوا عذابًا لم يعذبه أحد من العالمين. وإنكم - معشر العرب - كنتم تتبعون أذناب الإبل والشاء، فبعث الله فيكم رسولا من أنفسكم، تعرفون حسبه ونسبه، وأخبركم أنكم ستظهرون على العجم، ونهاكم أن تكتنزوا الذهب والفضة. وايم الله، لا يذهب الليل والنهار حتى تكنزوهما(٨) ويعذبكم الله عذابًا أليمًا. (٩)
وقال : حدثنا القاسم، حدثنا حسين، حدثني حجاج، عن أبي مَعْشَر، عن إسحاق بن عبد الله، أن المائدة نزلت على عيسى ابن مريم، عليها سبعة أرغفة وسبعة أحوات، يأكلون منها ما شاؤوا. قال : فسرق بعضهم منها وقال :" لعلها لا تنزل غدًا ". فرفعت.
وقال العَوْفِي، عن ابن عباس : نزلت على عيسى ابن مريم والحواريين، خوان عليه خبز وسمك، يأكلون منه أينما نزلوا إذا شاؤوا. وقال خَصِيف، عن عكرمة ومِقْسَم، عن ابن عباس : كانت المائدة سمكة وأرغفة. وقال مجاهد : هو طعام كان ينزل عليهم حيث نزلوا. وقال أبو عبد الرحمن السلمي : نزلت المائدة خبزًا وسمكًا. وقال عطية العَوْفِي : المائدة سمك فيه طَعْمُ كل شيء.
وقال وَهْب بن مُنَبِّه : أنزلها من السماء على بني إسرائيل، فكان ينزل عليهم في كل يوم في تلك المائدة من ثمار الجنة، فأكلوا ما شاؤوا من ضروب شتى، فكان يَقْعُدُ عليها أربعة آلاف، فإذا أكلوا أبدل الله مكان ذلك لمثلهم. فلبثوا على ذلك ما شاء الله عز وجل.
وقال وهب بن مُنَبِّه : نزل عليهم قرصة من شعير وأحوات، وحشا الله بين أضعافهن البركة، فكان قوم يأكلون ثم يخرجون، ثم يجيء آخرون فيأكلون ثم يخرجون، حتى أكل جميعهم وأفضلوا.
وقال الأعمش، عن مسلم، عن سعيد بن جبير : أنزل عليها كل شيء إلا اللحم.
وقال سفيان الثوري، عن عطاء بن السائب، عن زاذان ومَيْسَرَة، وجرير، عن عطاء، عن ميسرة قال : كانت المائدة إذا وضعت لبني إسرائيل اختلفت عليهم الأيدي بكل طعام إلا اللحم.
وعن عكرمة : كان خبز المائدة من الأرز. رواه ابن أبي حاتم.
وقال ابن أبي حاتم : أخبرنا جعفر بن علي فيما كتب إليّ، حدثنا إسماعيل بن أبي أُوَيْس، حدثني أبو عبد الله عبد القدوس بن إبراهيم بن عبيد الله بن مِرْدَاس العبدري - مولى بني عبد الدار - عن إبراهيم بن عمر، عن وهب بن منبه، عن أبي عثمان النَّهْدِي، عن سلمان الخير ؛ أنه قال : لما سأل الحواريون عيسى ابن مريم المائدة، كره ذلك جدا وقال : اقنعوا بما رزقكم الله في الأرض، ولا تسألوا المائدة من السماء، فإنها إن نزلت عليكم كانت آية من ربكم، وإنما هلكت ثمود حين سألوا نبيهم آية، فابتلوا بها حتى كان بَوَارهم فيها. فأبوا إلا أن يأتيهم بها، فلذلك قالوا :﴿نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ الآية.
فلما رأى عيسى أن قد أبوا إلا أن يدعو لهم بها، قام فألقى عنه الصوف، ولبس الشعر الأسود، وجبة من شعر، وعباءة من شعر، ثم توضأ واغتسل، ودخل مصلاه فصلى ما شاء الله، فلما قضى صلاته قام قائمًا مستقبل القبلة وصف قدميه حتى استويا، فألصق الكعب بالكعب وحاذى الأصابع، ووضع يده اليمنى على اليسرى فوق صدره، وغض بصره، وطأطأ رأسه خشوعًا، ثم أرسل عينيه بالبكاء، فما زالت دموعه تسيل على خديه وتقطر من أطراف لحيته حتى ابتلت الأرض حيال(١٠) وجهه من خشوعه، فلما رأى ذلك دعا الله فقال :﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ فأنزل الله عليهم سُفْرَة حمراء بين غمامتين : غمامة فوقها وغمامة تحتها، وهم ينظرون إليها في الهواء منقضة من فلك السماء تهوي إليهم، وعيسى يبكي خوفًا للشروط التي أتخذها الله عليهم - فيها : أنه يعذب(١١) من يكفر بها منهم بعد نزولها عذابًا لم يعذبه أحدًا من العالمين - وهو يدعو الله من مكانه ويقول : اللهم اجعلها رحمة، إلهي لا تجعلها عذابًا، إلهي كم من عجيبة سألتك فأعطيتني، إلهي اجعلنا لك شَكَّارين، إلهي أعوذ بك أن تكون(١٢) أنزلتها غضبًا وجزاء، إلهي اجعلها سلامة وعافية، ولا تجعلها فتنة ومثلة.
فما زال يدعو حتى استقرت السُّفْرة بين يدي عيسى، والحواريين وأصحابه حوله، يَجدون رائحة طيبة لم يجدوا فيما مضى رائحة مثلها قط، وخَرَّ عيسى والحواريون لله سجدًا شكرًا بما رزقهم من حيث لم يحتسبوا(١٣) وأراهم فيه آية عظيمة ذات عجب وعبرة، وأقبلت اليهود ينظرون فرأوا أمرًا عجيبًا أورثهم كمدًا وغمًا، ثم انصرفوا بغيظ شديد وأقبل عيسى. والحواريون وأصحابه حتى جلسوا حول السفرة، فإذا عليها منديل مغطى. قال عيسى : من أجرؤنا على كشف المنديل عن هذه السفرة، وأوثقنا بنفسه، وأحسننا بلاء عند ربه ؟ فليكشف عن هذه الآية حتى نراها، ونحمد ربنا، ونذكر باسمه، ونأكل من رزقه الذي رزقنا. فقال الحواريون : يا روح الله وكلمته، أنت أولانا بذلك، وأحقنا
بالكشف عنها. فقام عيسى، عليه السلام، واستأنف وضوءًا جديدًا، ثم دخل مصلاه فصلى كذلك ركعات، ثم بكى بكاء طويلا ودعا الله أن يأذن له في الكشف عنها، ويجعل له ولقومه فيها بركة ورزقًا. ثم انصرف فجلس(١٤) إلى السفرة وتناول المنديل، وقال :" باسم الله خير الرازقين "، وكشف عن السفرة، فإذا هو عليها سمكة(١٥) ضخمة مشوية، ليس عليها بواسير، وليس في جوفها شوك، يسيل السمن منها سيلا قد نضد حولها بقول من كل صنف غير الكراث، وعند رأسها خل، وعند ذنبها ملح، وحول البقول خمسة أرغفة، على واحد منها زيتون، وعلى الآخر ثمرات، وعلى الآخر خمس رمانات.
فقال شمعون رأس الحواريين لعيسى : يا روح الله وكلمته، أمن طعام الدنيا هذا أم من طعام الجنة ؟ فقال : أما آن لكم أن تعتبروا بما ترون من الآيات، وتنتهوا عن تنقير المسائل ؟ ما أخوفني عليكم أن تعاقبوا في سبب نزول هذه الآية ! فقال شمعون : وإله إسرائيل ما أردت بها سؤالا يا ابن الصِّدِّيقة. فقال عيسى، عليه السلام : ليس شيء مما ترون من طعام الجنة ولا من طعام الدنيا، إنما هو شيء ابتدعه الله في الهواء بالقدرة العالية(١٦) القاهرة، فقال له : كن. فكان أسرع من طرفة عين، فكلوا مما سألتم باسم الله(١٧) واحمدوا عليه ربكم يُمدكم منه ويَزدكم، فإنه بديع قادر شاكر.
فقالوا : يا روح الله وكلمته، إنا نحب أن تُرينا آية في هذه الآية. فقال عيسى : سبحان(١٨) الله ! أما اكتفيتم بما رأيتم في(١٩) هذه الآية حتى تسألوا فيها آية أخرى ؟ ثم أقبل عيسى، عليه السلام، على السمكة، فقال : يا سمكة، عودي بإذن الله حية كما كنت. فأحياها الله بقدرته، فاضطربت وعادت بإذن الله حية طرية، تَلَمَّظ كما يتلمظ الأسد، تدور عيناها لها بصيص، وعادت عليها بواسيرها. ففزع القوم منها وانحازوا. فلما رأى عيسى ذلك منهم قال : ما لكم تسألون الآية، فإذا أراكموها ربكم كرهتموها ؟ ما أخوفني عليكم أن تعاقبوا بما تصنعون ! يا سمكة، عودي بإذن الله كما كنت. فعادت بإذن الله مشوية كما كانت في خلقها الأول.
فقالوا لعيسى : كن أنت يا روح الله الذي تبدأ بالأكل منها، ثم نحن بعد فقال عيسى : معاذ الله من ذلك ! يبدأ بالأكل من طلبها. فلما رأى الحواريون وأصحابهم امتناع نبيهم(٢٠) منها، خافوا أن يكون نزولها سَخْطة وفي أكلها مَثُلةً، فتحاموها. فلما رأى ذلك عيسى دعا لها الفقراء والزَّمْنى، وقال : كلوا من رزق ربكم، ودعوة نبيكم، واحمدوا الله الذي أنزلها لكم، فيكون(٢١) مَهْنَؤُها لكم، وعقوبتها على غيركم، وافتتحوا أكلكم باسم الله، واختموه بحمد الله، ففعلوا، فأكل منها ألف وثلاثمائة إنسان بين رجل وامرأة، يصدرون عنها كل واحد منهم شبعان يتجشأ، ونظر عيسى والحواريون فإذا ما عليها كهيئته إذ أنزلت من السماء، لم ينتقص منها شيء، ثم إنها رفعت إلى السماء وهم ينظرون، فاستغنى كل فقير أكل منها، وبرئ كل زَمِنٍ أكل منها، فلم يزالوا أغنياء صِحَاحًا حتى خرجوا م


١ في د، هـ: "يوم القيامة" وهو خطأ.
.

٢ تفسير الطبري (١١/٢٣٣)..

ذكر أخبار رُوِيَت عن السلف في نزول المائدة على الحواريين :
قال أبو جعفر بن جرير(٣) حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثني حجاج، عن لَيْث، عن عقيل، عن ابن عباس : أنه كان يحدث عن عيسى ابن مريم أنه قال لبني إسرائيل : هل لكم أن تصوموا لله ثلاثين يومًا، ثم تسألوه فيعطيكم ما سألتم ؟ فإن أجر العامل على من عمل له. ففعلوا، ثم قالوا : يا معلم الخير، قلت لنا : إن أجر العامل على من عمل له وأمرتنا أن نصوم ثلاثين يومًا، ففعلنا، ولم نكن نعمل لأحد ثلاثين يومًا إلا أطعمنا حين نَفْرُغ طعامًا، فهل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء ؟ قال عيسى :﴿اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ. قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ. قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنزلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ قال : فأقبلت الملائكة تطير بمائدة من السماء، عليها سبعة أحوات وسبعة أرغفة، حتى وضعتها بين أيديهم، فأكل منها آخر الناس كما أكل منها أولهم.
كذا رواه ابن جرير(٤) ورواه ابن أبي حاتم، عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وَهْبٍ، عن الليث، عن عُقَيْل، عن ابن شِهاب، قال : كان ابن عباس يحدث، فذكر نحوه.
وقال ابن أبي حاتم أيضًا : حدثنا سعد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا أبو زُرْعَة وهب الله بن راشد، حدثنا عُقَيْل بن خالد، أن ابن شهاب أخبره عن ابن عباس ؛ أن عيسى ابن مريم قالوا له : ادع الله أن ينزل علينا مائدة من السماء، قال : فنزلت الملائكة بمائدة يحملونها، عليها سبعة أحوات، وسبعة أرغفة، فأكل منها آخر الناس كما أكل منها أولهم.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا الحسن بن قَزْعَة الباهلي، حدثنا سفيان بن حبيب، حدثنا سعيد بن أبي عَرُوبَة، عن قتادة، عن خِلاس، عن عمار بن ياسر، عن النبي ﷺ قال :" نزلت المائدة من السماء، عليها خبز ولحم، وأمروا أن لا يخونوا ولا يرفعوا لغد، فخانوا وادخروا ورفعوا، فمسخوا قردة وخنازير "
وكذا رواه ابن جرير، عن الحسن بن قَزْعَة(٥) ثم رواه ابن جرير، عن ابن بشار، عن ابن أبي عَدِيّ، عن سعيد، عن قتادة، عن خلاس، عن عمار، قال : نزلت المائدة وعليها ثمر من ثمار الجنة، فأمروا ألا يخونوا ولا يخبئوا ولا يدخروا. قال : فخان القوم وخَبئوا وادخروا، فمسخهم الله قردة وخنازير. (٦)
وقال ابن جرير : حدثنا ابن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود، عن سِمَاك بن حرب، عن رجل من بني عجل، قال : صليت إلى جنب عمار بن ياسر، فلما فرغ قال : هل تدري كيف كان شأن مائدة بني إسرائيل ؟ قال : قلت : لا قال : إنهم سألوا(٧) عيسى ابن مريم مائدة يكون عليها طعام يأكلون منه لا ينفد، قال : فقيل لهم : فإنها مقيمة لكم ما لم تَخْبَؤوا، أو تخونوا، أو ترفعوا، فإن فعلتم فإني معذبكم عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين، قال : فما مضى يومهم حتى خبَّؤوا ورفعوا وخانوا، فعذبوا عذابًا لم يعذبه أحد من العالمين. وإنكم - معشر العرب - كنتم تتبعون أذناب الإبل والشاء، فبعث الله فيكم رسولا من أنفسكم، تعرفون حسبه ونسبه، وأخبركم أنكم ستظهرون على العجم، ونهاكم أن تكتنزوا الذهب والفضة. وايم الله، لا يذهب الليل والنهار حتى تكنزوهما(٨) ويعذبكم الله عذابًا أليمًا. (٩)
وقال : حدثنا القاسم، حدثنا حسين، حدثني حجاج، عن أبي مَعْشَر، عن إسحاق بن عبد الله، أن المائدة نزلت على عيسى ابن مريم، عليها سبعة أرغفة وسبعة أحوات، يأكلون منها ما شاؤوا. قال : فسرق بعضهم منها وقال :" لعلها لا تنزل غدًا ". فرفعت.
وقال العَوْفِي، عن ابن عباس : نزلت على عيسى ابن مريم والحواريين، خوان عليه خبز وسمك، يأكلون منه أينما نزلوا إذا شاؤوا. وقال خَصِيف، عن عكرمة ومِقْسَم، عن ابن عباس : كانت المائدة سمكة وأرغفة. وقال مجاهد : هو طعام كان ينزل عليهم حيث نزلوا. وقال أبو عبد الرحمن السلمي : نزلت المائدة خبزًا وسمكًا. وقال عطية العَوْفِي : المائدة سمك فيه طَعْمُ كل شيء.
وقال وَهْب بن مُنَبِّه : أنزلها من السماء على بني إسرائيل، فكان ينزل عليهم في كل يوم في تلك المائدة من ثمار الجنة، فأكلوا ما شاؤوا من ضروب شتى، فكان يَقْعُدُ عليها أربعة آلاف، فإذا أكلوا أبدل الله مكان ذلك لمثلهم. فلبثوا على ذلك ما شاء الله عز وجل.
وقال وهب بن مُنَبِّه : نزل عليهم قرصة من شعير وأحوات، وحشا الله بين أضعافهن البركة، فكان قوم يأكلون ثم يخرجون، ثم يجيء آخرون فيأكلون ثم يخرجون، حتى أكل جميعهم وأفضلوا.
وقال الأعمش، عن مسلم، عن سعيد بن جبير : أنزل عليها كل شيء إلا اللحم.
وقال سفيان الثوري، عن عطاء بن السائب، عن زاذان ومَيْسَرَة، وجرير، عن عطاء، عن ميسرة قال : كانت المائدة إذا وضعت لبني إسرائيل اختلفت عليهم الأيدي بكل طعام إلا اللحم.
وعن عكرمة : كان خبز المائدة من الأرز. رواه ابن أبي حاتم.
وقال ابن أبي حاتم : أخبرنا جعفر بن علي فيما كتب إليّ، حدثنا إسماعيل بن أبي أُوَيْس، حدثني أبو عبد الله عبد القدوس بن إبراهيم بن عبيد الله بن مِرْدَاس العبدري - مولى بني عبد الدار - عن إبراهيم بن عمر، عن وهب بن منبه، عن أبي عثمان النَّهْدِي، عن سلمان الخير ؛ أنه قال : لما سأل الحواريون عيسى ابن مريم المائدة، كره ذلك جدا وقال : اقنعوا بما رزقكم الله في الأرض، ولا تسألوا المائدة من السماء، فإنها إن نزلت عليكم كانت آية من ربكم، وإنما هلكت ثمود حين سألوا نبيهم آية، فابتلوا بها حتى كان بَوَارهم فيها. فأبوا إلا أن يأتيهم بها، فلذلك قالوا :﴿نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ الآية.
فلما رأى عيسى أن قد أبوا إلا أن يدعو لهم بها، قام فألقى عنه الصوف، ولبس الشعر الأسود، وجبة من شعر، وعباءة من شعر، ثم توضأ واغتسل، ودخل مصلاه فصلى ما شاء الله، فلما قضى صلاته قام قائمًا مستقبل القبلة وصف قدميه حتى استويا، فألصق الكعب بالكعب وحاذى الأصابع، ووضع يده اليمنى على اليسرى فوق صدره، وغض بصره، وطأطأ رأسه خشوعًا، ثم أرسل عينيه بالبكاء، فما زالت دموعه تسيل على خديه وتقطر من أطراف لحيته حتى ابتلت الأرض حيال(١٠) وجهه من خشوعه، فلما رأى ذلك دعا الله فقال :﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ فأنزل الله عليهم سُفْرَة حمراء بين غمامتين : غمامة فوقها وغمامة تحتها، وهم ينظرون إليها في الهواء منقضة من فلك السماء تهوي إليهم، وعيسى يبكي خوفًا للشروط التي أتخذها الله عليهم - فيها : أنه يعذب(١١) من يكفر بها منهم بعد نزولها عذابًا لم يعذبه أحدًا من العالمين - وهو يدعو الله من مكانه ويقول : اللهم اجعلها رحمة، إلهي لا تجعلها عذابًا، إلهي كم من عجيبة سألتك فأعطيتني، إلهي اجعلنا لك شَكَّارين، إلهي أعوذ بك أن تكون(١٢) أنزلتها غضبًا وجزاء، إلهي اجعلها سلامة وعافية، ولا تجعلها فتنة ومثلة.
فما زال يدعو حتى استقرت السُّفْرة بين يدي عيسى، والحواريين وأصحابه حوله، يَجدون رائحة طيبة لم يجدوا فيما مضى رائحة مثلها قط، وخَرَّ عيسى والحواريون لله سجدًا شكرًا بما رزقهم من حيث لم يحتسبوا(١٣) وأراهم فيه آية عظيمة ذات عجب وعبرة، وأقبلت اليهود ينظرون فرأوا أمرًا عجيبًا أورثهم كمدًا وغمًا، ثم انصرفوا بغيظ شديد وأقبل عيسى. والحواريون وأصحابه حتى جلسوا حول السفرة، فإذا عليها منديل مغطى. قال عيسى : من أجرؤنا على كشف المنديل عن هذه السفرة، وأوثقنا بنفسه، وأحسننا بلاء عند ربه ؟ فليكشف عن هذه الآية حتى نراها، ونحمد ربنا، ونذكر باسمه، ونأكل من رزقه الذي رزقنا. فقال الحواريون : يا روح الله وكلمته، أنت أولانا بذلك، وأحقنا
بالكشف عنها. فقام عيسى، عليه السلام، واستأنف وضوءًا جديدًا، ثم دخل مصلاه فصلى كذلك ركعات، ثم بكى بكاء طويلا ودعا الله أن يأذن له في الكشف عنها، ويجعل له ولقومه فيها بركة ورزقًا. ثم انصرف فجلس(١٤) إلى السفرة وتناول المنديل، وقال :" باسم الله خير الرازقين "، وكشف عن السفرة، فإذا هو عليها سمكة(١٥) ضخمة مشوية، ليس عليها بواسير، وليس في جوفها شوك، يسيل السمن منها سيلا قد نضد حولها بقول من كل صنف غير الكراث، وعند رأسها خل، وعند ذنبها ملح، وحول البقول خمسة أرغفة، على واحد منها زيتون، وعلى الآخر ثمرات، وعلى الآخر خمس رمانات.
فقال شمعون رأس الحواريين لعيسى : يا روح الله وكلمته، أمن طعام الدنيا هذا أم من طعام الجنة ؟ فقال : أما آن لكم أن تعتبروا بما ترون من الآيات، وتنتهوا عن تنقير المسائل ؟ ما أخوفني عليكم أن تعاقبوا في سبب نزول هذه الآية ! فقال شمعون : وإله إسرائيل ما أردت بها سؤالا يا ابن الصِّدِّيقة. فقال عيسى، عليه السلام : ليس شيء مما ترون من طعام الجنة ولا من طعام الدنيا، إنما هو شيء ابتدعه الله في الهواء بالقدرة العالية(١٦) القاهرة، فقال له : كن. فكان أسرع من طرفة عين، فكلوا مما سألتم باسم الله(١٧) واحمدوا عليه ربكم يُمدكم منه ويَزدكم، فإنه بديع قادر شاكر.
فقالوا : يا روح الله وكلمته، إنا نحب أن تُرينا آية في هذه الآية. فقال عيسى : سبحان(١٨) الله ! أما اكتفيتم بما رأيتم في(١٩) هذه الآية حتى تسألوا فيها آية أخرى ؟ ثم أقبل عيسى، عليه السلام، على السمكة، فقال : يا سمكة، عودي بإذن الله حية كما كنت. فأحياها الله بقدرته، فاضطربت وعادت بإذن الله حية طرية، تَلَمَّظ كما يتلمظ الأسد، تدور عيناها لها بصيص، وعادت عليها بواسيرها. ففزع القوم منها وانحازوا. فلما رأى عيسى ذلك منهم قال : ما لكم تسألون الآية، فإذا أراكموها ربكم كرهتموها ؟ ما أخوفني عليكم أن تعاقبوا بما تصنعون ! يا سمكة، عودي بإذن الله كما كنت. فعادت بإذن الله مشوية كما كانت في خلقها الأول.
فقالوا لعيسى : كن أنت يا روح الله الذي تبدأ بالأكل منها، ثم نحن بعد فقال عيسى : معاذ الله من ذلك ! يبدأ بالأكل من طلبها. فلما رأى الحواريون وأصحابهم امتناع نبيهم(٢٠) منها، خافوا أن يكون نزولها سَخْطة وفي أكلها مَثُلةً، فتحاموها. فلما رأى ذلك عيسى دعا لها الفقراء والزَّمْنى، وقال : كلوا من رزق ربكم، ودعوة نبيكم، واحمدوا الله الذي أنزلها لكم، فيكون(٢١) مَهْنَؤُها لكم، وعقوبتها على غيركم، وافتتحوا أكلكم باسم الله، واختموه بحمد الله، ففعلوا، فأكل منها ألف وثلاثمائة إنسان بين رجل وامرأة، يصدرون عنها كل واحد منهم شبعان يتجشأ، ونظر عيسى والحواريون فإذا ما عليها كهيئته إذ أنزلت من السماء، لم ينتقص منها شيء، ثم إنها رفعت إلى السماء وهم ينظرون، فاستغنى كل فقير أكل منها، وبرئ كل زَمِنٍ أكل منها، فلم يزالوا أغنياء صِحَاحًا حتى خرجوا م

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ لأنه شاهد الآية الباهرة وكفر عنادا وظلما، فاستحق العذاب الأليم والعقاب الشديد. واعلم أن الله تعالى وعد أنه سينزلها، وتوعدهم -إن كفروا- بهذا الوعيد، ولم يذكر أنه أنزلها، فيحتمل أنه لم ينزلها بسبب أنهم لم يختاروا ذلك، ويدل على ذلك، أنه لم يذكر في الإنجيل الذي بأيدي النصارى، ولا له وجود. ويحتمل أنها نزلت كما وعد الله، والله لا يخلف الميعاد، ويكون عدم ذكرها في الأناجيل التي بأيديهم من الحظ الذي ذكروا به فنسوه.
أو أنه لم يذكر في الإنجيل أصلا، وإنما ذلك كان متوارثا بينهم، ينقله الخلف عن السلف، فاكتفى الله بذلك عن ذكره في الإنجيل، ويدل على هذا المعنى قوله :﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ والله أعلم بحقيقة الحال.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
﴿١٠٩، ١١٠﴾ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ * إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأكْمَهَ وَالأبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.
يخبر تعالى عن يوم القيامة وما فيه من الأهوال العظام، وأن الله يجمع به جميع الرسل فيسألهم: ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ أي: ماذا أجابتكم به أممكم.
فـ ﴿قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا﴾ وإنما العلم لك يا ربنا، فأنت أعلم منا. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ﴾ أي: تعلم الأمور الغائبة والحاضرة.
﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ﴾ أي: اذكرها بقلبك ولسانك، وقم بواجبها شكرا لربك، حيث أنعم عليك نعما ما أنعم بها على غيرك.
﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ أي: إذ قويتك بالروح والوحي، الذي طهرك وزكاك، وصار لك قوة على القيام بأمر الله والدعوة إلى سبيله. وقيل: إن المراد "بروح القدس" جبريل عليه السلام، وأن الله أعانه به وبملازمته له، وتثبيته في المواطن المشقة.
﴿تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا﴾ المراد بالتكليم هنا، غير التكليم المعهود الذي هو مجرد الكلام، وإنما المراد بذلك التكليم الذي ينتفع به المتكلم والمخاطب، وهو الدعوة إلى الله.
ولعيسى عليه السلام من ذلك، ما لإخوانه من أولي العزم من المرسلين، من التكليم في حال الكهولة، بالرسالة والدعوة إلى الخير، والنهي عن الشر، وامتاز عنهم بأنه كلم الناس في المهد، فقال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ الآيات
﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ فالكتاب يشمل الكتب السابقة وخصوصا التوراة فإنه من أعلم أنبياء بني إسرائيل -بعد موسى- بها ويشمل الإنجيل الذي أنزله الله عليه
والحكمة هي معرفة أسرار الشرع وفوائده وحكمه وحسن الدعوة والتعليم ومراعاة ما ينبغي على الوجه الذي ينبغي
﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ أي طيرا مصورا لا روح فيه فتنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وتبرئ الأكمه الذي لا بصر له ولا عين ﴿وَالأبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾ فهذه آيات بيِّنَات ومعجزات باهرات يعجز عنها الأطباء وغيرهم أيد الله بها عيسى وقوى بها دعوته ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ﴾ لما جاءهم الحق مؤيدا بالبينات الموجبة للإيمان به ﴿إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ وهموا بعيسى أن يقتلوه وسعوا في ذلك فكفَّ الله أيديهم عنه وحفظه منهم وعصمه
فهذه مِنَنٌ امتَنَّ الله بها على عبده ورسوله عيسى ابن مريم ودعاه إلى شكرها والقيام بها فقام بها عليه السلام أتم القيام وصبر كما صبر إخوانه من أولي العزم
{١١١ - ١٢٠} ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا﴾.
إلى آخر الآيات (١) أي: واذكر نعمتي عليك إذ يسرت لك أتباعا وأعوانا. فأوحيت إلى الحواريين أي: ألهمتهم، وأوزعت قلوبهم الإيمان بي وبرسولي، أو أوحيت إليهم على لسانك، أي: أمرتهم بالوحي الذي جاءك من عند الله، فأجابوا لذلك وانقادوا، وقالوا: آمنا بالله، واشهد بأننا مسلمون، فجمعوا بين الإسلام الظاهر، والانقياد بالأعمال الصالحة، والإيمان الباطن المخرج لصاحبه من النفاق ومن ضعف الإيمان.
والحواريون هم: الأنصار، كما قال تعالى كما قال عيسى ابن مريم (٢) للحواريين: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾.
﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنزلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: مائدة فيها طعام، وهذا ليس منهم عن شك في قدرة الله، واستطاعته على ذلك. وإنما ذلك من باب العرض والأدب منهم.
ولما كان سؤال آيات الاقتراح منافيا للانقياد للحق، وكان هذا الكلام الصادر من الحواريين ربما أوهم ذلك، وعظهم عيسى عليه السلام فقال: -[٢٤٩]- ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فإن المؤمن يحمله ما معه من الإيمان على ملازمة التقوى، وأن ينقاد لأمر الله، ولا يطلب من آيات الاقتراح التي لا يدري ما يكون بعدها شيئا.
فأخبر الحواريون أنهم ليس مقصودهم هذا المعنى، وإنما لهم مقاصد صالحة، ولأجل الحاجة إلى ذلك فـ ﴿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا﴾ وهذا دليل على أنهم محتاجون لها، ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ بالإيمان حين نرى الآيات العيانية، فيكون (٣) الإيمان عين اليقين، كما كان قبل ذلك علم اليقين. كما سأل الخليل عليه الصلاة والسلام ربه أن يريه كيف يحيي الموتى ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ فالعبد محتاج إلى زيادة العلم واليقين والإيمان كل وقت، ولهذا قال: ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ أي: نعلم صدق ما جئت به، أنه حق وصدق، ﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ فتكون مصلحة لمن بعدنا، نشهدها لك، فتقوم الحجة، ويحصل زيادة البرهان بذلك.
(١) في ب أكمل الآيات إلى قوله: (وهو على كل شيء قدير).
(٢) هكذا في الأصل والمراد بَيِّنٌ وهو كما قال الله تعالى حكاية لقول عيسى ابن مريم للحواريين.
(٣) في ب: حتى يكون.
فلما سمع عيسى عليه الصلاة والسلام ذلك، وعلم مقصودهم، أجابهم إلى طلبهم في ذلك، فقال: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ﴾ أي: يكون وقت نزولها عيدا وموسما، يتذكر به هذه الآية العظيمة، فتحفظ ولا تنسى على مرور الأوقات وتكرر السنين.
كما جعل الله تعالى أعياد المسلمين ومناسكهم مذكرا لآياته، ومنبها على سنن المرسلين وطرقهم القويمة، وفضله وإحسانه عليهم. ﴿وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ﴾ أي: اجعلها لنا رزقا، فسأل عيسى عليه السلام نزولها وأن تكون لهاتين المصلحتين، مصلحة الدين بأن تكون آية باقية، ومصلحة الدنيا، وهي أن تكون رزقا.
﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنزلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ لأنه شاهد الآية الباهرة وكفر عنادا وظلما، فاستحق العذاب الأليم والعقاب الشديد. واعلم أن الله تعالى وعد أنه سينزلها، وتوعدهم -إن كفروا- بهذا الوعيد، ولم يذكر أنه أنزلها، فيحتمل أنه لم ينزلها بسبب أنهم لم يختاروا ذلك، ويدل على ذلك، أنه لم يذكر في الإنجيل الذي بأيدي النصارى، ولا له وجود. ويحتمل أنها نزلت كما وعد الله، والله لا يخلف الميعاد، ويكون عدم ذكرها في الأناجيل التي بأيديهم من الحظ الذي ذكروا به فنسوه.
أو أنه لم يذكر في الإنجيل أصلا وإنما ذلك كان متوارثا بينهم، ينقله الخلف عن السلف، فاكتفى الله بذلك عن ذكره في الإنجيل، ويدل على هذا المعنى قوله: ﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ والله أعلم بحقيقة الحال.
﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وهذا توبيخ للنصارى الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة، فيقول الله هذا الكلام لعيسى. فيتبرأ عيسى ويقول: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ عن هذا الكلام القبيح، وعمّا لا يليق بك.
﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ أي: ما ينبغي لي، ولا يليق أن أقول شيئا ليس من أوصافي ولا من حقوقي، فإنه ليس أحد من المخلوقين، لا الملائكة المقربون ولا الأنبياء المرسلون ولا غيرهم له حق ولا استحقاق لمقام الإلهية وإنما الجميع عباد، مدبرون، وخلق مسخرون، وفقراء عاجزون ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ فأنت أعلم بما صدر مني و ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ﴾ وهذا من كمال أدب المسيح عليه الصلاة والسلام في خطابه لربه، فلم يقل عليه السلام: "لم أقل شيئا من ذلك" وإنما أخبر بكلام ينفي عن نفسه أن يقول كل مقالة تنافي منصبه الشريف، وأن هذا من الأمور المحالة، ونزه ربه عن ذلك أتم تنزيه، ورد العلم إلى عالم الغيب والشهادة.
ثم صرح بذكر ما أمر به بني إسرائيل، فقال: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ فأنا عبد متبع لأمرك، لا متجرئ على عظمتك، ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ أي: ما أمرتهم إلا بعبادة الله وحده وإخلاص الدين له، المتضمن للنهي عن اتخاذي وأمي إلهين من دون الله، وبيان أني عبد مربوب، فكما أنه ربكم فهو ربي.
﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ أشهد على من قام بهذا الأمر، ممن لم يقم به. ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: المطلع على سرائرهم وضمائرهم. ﴿وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ علما وسمعا وبصرا، فعلمك قد أحاط بالمعلومات، وسمعك بالمسموعات، وبصرك بالمبصرات، فأنت الذي تجازي عبادك بما تعلمه فيهم من خير وشر.
-[٢٥٠]-
﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ وأنت أرحم بهم من أنفسهم وأعلم بأحوالهم، فلولا أنهم عباد متمردون لم تعذبهم. ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي: فمغفرتك صادرة عن تمام عزة وقدرة، لا كمن يغفر ويعفو عن عجز وعدم قدرة.
الحكيم حيث كان من مقتضى حكمتك أن تغفر لمن أتى بأسباب المغفرة.
﴿قَالَ اللَّهُ﴾ مبينا لحال عباده يوم القيامة، ومَن الفائز منهم ومَن الهالك، ومَن الشقي ومَن السعيد، ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ والصادقون هم الذين استقامت أعمالهم وأقوالهم ونياتهم على الصراط المستقيم والهدْي القويم، فيوم القيامة يجدون ثمرة ذلك الصدق، إذا أحلهم الله في مقعد صدق عند مليك مقتدر، ولهذا قال: ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ والكاذبون بضدهم، سيجدون ضرر كذبهم وافترائهم، وثمرة أعمالهم الفاسدة.
﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ لأنه الخالق لهما والمدبر لذلك بحكمه القدري، وحكمه الشرعي، وحكمه الجزائي، ولهذا قال: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فلا يعجزه شيء، بل جميع الأشياء منقادة لمشيئته، ومسخرة بأمره.
تم تفسير سورة المائدة بفضل من الله وإحسان، والحمد لله رب العالمين.
تفسير سورة الأنعام
وهي مكية
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٠٢ كتاب)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام جهود القرافي في التفسير — القرافي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

إعراب الآية ١١٥ من سورة المائدة

من كتاب: إعراب القرآن

[سورة المائدة (٥) : آية ١١٣]

قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣)
قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها نصب بأن. وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ عطف كلّه.

[سورة المائدة (٥) : آية ١١٤]

قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤)
قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ الأصل عند سيبويه «١» يا الله والميمان بدل من يا.
رَبَّنا نداء ثان، لا يجيز سيبويه غيره ولا يجوز عنده أن يكون نعتا لأنه قد أشبه الأصوات من أجل ما لحقه. أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ سؤال. تَكُونُ نعت المائدة وليس بجواب، وقرأ الأعمش تكن لنا عيدا «٢» على الجواب. والمعنى يكون يوم نزولها عيدا لنا. لِأَوَّلِنا لأوّل أمتنا وآخرها، وقرأ عاصم الجحدري. لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا «٣».

[سورة المائدة (٥) : آية ١١٥]

قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (١١٥)
وهذا يوجب أنه قد أنزلها ووعده الحق.

[سورة المائدة (٥) : آية ١١٦]

وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (١١٦)
المعنى وإذ يقول الله يوم القيامة «وفعل» تأتي بمعنى «يفعل»، و «يفعل» بمعنى «فعل» إذا عرف المعنى لأن الفعل واحد وإنما اختلف لاختلاف الزمان، وأنشد سيبويه في نظير الآية: [الكامل] ١٢٧-
ولقد أمرّ على اللّئيم يسبّنيفمضيت ثمّت قلت لا يعنيني «٤»
(١) انظر الكتاب ٢/ ١٩٨.
(٢) قرأ عبد الله والأعمش (يكن) بالجواب على جواب الأمر، انظر البحر المحيط ٤/ ٦٠.
(٣) وهذه قراءة زيد بن ثابت وابن محيصن أيضا، انظر البحر المحيط ٤/ ٦٠.
(٤) الشاهد لرجل من سلول والكتاب ٣/ ٢٢، والدرر ١/ ٧٨، وشرح التصريح ٢/ ١١، وشرح شواهد المغني ١/ ٣١٠، والمقاصد النحوية ٤/ ٥٨، ولشمر بن عمرو الحنفي في الأصمعيات ١٢٦، ولعميرة بن جابر الحنفي في حماسة البحتري ١٧١، وبلا نسبة في الأزهية ص ٢٦٣، والأشباه والنظائر ٣/ ٩٠، والأضداد ص ١٣٢، وأمالي ابن الحاجب ٦٣١، وجواهر الأدب ٣٠٧، وخزانة الأدب ١/ ٣٥٧، والخصائص ٢/ ٣٣٨، وشرح شواهد الإيضاح ٢٢١، وشرح شواهد المغني ١/ ٨٤، وشرح ابن عقيل ٤٧٥، ولسان العرب (ثم) و (منن).
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

القراءات في الآية ١١٥ من سورة المائدة

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

فَإِنِّى أُعَذِّبُهُ

(فإِنِّىَ أعذبه) بفتح باء الإضافة

ابن جمّاز عن أبي جعفر ورش عن نافع ابن وردان عن أبي جعفر قالون عن نافع

(فإِني أعذبه) بإسكان الياء ومدها 3 حركات

الدوري عن أبي عمرو

(فإني أعذبه) بإسكان الياء ومدها 4 أو 5 حركات

شعبة عن عاصم حفص عن عاصم

(فإني أعذبه) بإسكان الياء ومدها 4 حركات

إسحاق عن خلف ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي إدريس عن خلف

(فإني أعذبه) بإسكان الياء ومدها 6 حركات

خلف عن حمزة خلاد عن حمزة

(فإِني أعذبه) بإسكان الياء ومدها حركتين

روح عن يعقوب رويس عن يعقوب السوسي عن أبي عمرو البزي عن ابن كثير الدوري عن أبي عمرو قنبل عن ابن كثير

مُنَزِّلُهَا

(مُنْزِلُها) بإسكان النون وتخفيف الزاي

روح عن يعقوب رويس عن يعقوب إدريس عن خلف البزي عن ابن كثير الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي قنبل عن ابن كثير خلاد عن حمزة خلف عن حمزة الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو إسحاق عن خلف

(مُنَزِّلُها) بفتح النون وتشديد الزاي

حفص عن عاصم ابن جمّاز عن أبي جعفر ابن وردان عن أبي جعفر شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر ورش عن نافع قالون عن نافع
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ١١٥ من سورة المائدة

٨ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٣٦ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير الآية

٢٨ قولًا
١
عن عطيةَ بن سعد العَوفي -من طريق فضيل بن مرزوق- قال: المائدةُ سمكةٌ فيها مِن طَعمِ كلِّ طعام١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏١٢٥-١٢٦، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١٢٤٦ واللفظ له، وابن الأنباري في كتاب الأضداد ص٣٥١. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وأبي الشيخ.
٢
عن وهب بن مُنَبِّهٍ -من طريق القاسم الحنفي- أنّه سُئِل عن المائدة التي أنزَلَها اللهُ مِن السماء على بني إسرائيل. قال: كان يَنزِلُ عليهم في كلِّ يومٍ في تلك المائدةِ مِن ثمارِ الجنة، فأكَلَوا ما شاءُوا مِن ضُرُوبٍ شَتّى، فكانت يَقعُدُ عليها أربعةُ آلافٍ، فإذا أكَلوا أبدَل اللهُ مكانَ ذلك بمثلِه، فَلبِثوا بذلك ما شاء الله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٤‏/‏١٢٤٨.
٣
عن وهب بن مُنَبِّهٍ -من طريق المنذر بن النعمان- يقول في قوله: ﴿أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا﴾، قال: نزل عليهم قِرَصةٌ١ من شعير، وأَحْواتٌ. قال الحسن: قال أبو بكر: فحدثت به عبد الصمد بن معقل، فقال: سمعت وهبًا وقيل له: وما كان ذلك يُغنِي عنهم؟ فقال: لا شيء، ولكن الله حشا بين أضعافهن البركة، فكان قوم يأكلون ثم يخرجون، ويجيء آخرون فيأكلون ثم يخرجون، حتى أكلوا جميعهم وأَفْضَلوا٢
التخريج
  1. ١قِرَصَة- بوزْن عِنَبة-: جمع قُرْص، وهو الرَّغيف. النهاية (قرص).
  2. ٢أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏٢٠٠-٢٠١، وابن جرير ٩‏/‏١٢٦، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١٢٤٦.
٤
عن وهب بنِ مُنَبِّهٍ، قال: كانت مائدةً يَجلِسُ عليها أربعةُ آلافٍ، فقالوا لقومٍ مِن وُضَعائِهم: إنّ هؤلاء يُلَطِّخون ثيابَنا علينا، فلو بَنَيْنا لها دُكّانًا١ يَرفَعُها. فبَنَوا لها دُكّانًا، فجَعَلَتِ الضُّعفاءُ لا تَصِلُ إلى شيءٍ، فلَمّا خالَفوا أمرَ اللهِ عز وجل رفَعها عنهم٢
التخريج
  1. ١الدُّكّان: الدَّكَّة المبنية للجلوس عليها. النهاية (دكن).
  2. ٢أخرجه ابن الأنباري ص٣٥٠.
٥
عن مَيسَرَةَ، وزاذانَ [أبي عمر الكندي]-من طريق عطاء بن السائب- قالا: كانتِ المائدةُ إذا وُضِعَت لبني إسرائيلَ اختَلَفَتِ الأيدي فيها بكلِّ طعامٍ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩/ ١٢٩. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي شيبة، وابن المنذر.
٦
قال قتادة بن دعامة: كانت تنزل عليهم بُكْرَةً وعشِيًّا، حيث كانوا كالمن والسلوى لبني إسرائيل١
التخريج
  1. ١تفسير البغوي ٣‏/‏١٢٠.
٧
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قال: ذُكِر لنا: أنّها كانت مائدةً يَنزِلُ عليها الثَّمرُ مِن ثمارِ الجنة، وأُمِروا ألّا يُخَبِّئُوا ولا يخونوا ولا يَدَّخِروا لغدٍ، بلاءٌ أبلاهم اللهُ به، وكانوا إذا فعَلوا شيئًا مِن ذلك أنبأهم به عيسى، فخان القومُ فيه، فخَبَّئُوا وادَّخَروا لغدٍ١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏١٢٩، وابن الأنباري ص٣٥١. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وأبي الشيخ.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختلف المفسرون في نزول المائدة بين مثبت لنزولها، ونافٍ له. ورجَّح ابنُ جرير (٩/١٣١) القول الأول، وانتقد الثاني الذي قاله مجاهد من طريق ليث، وابن جريج، وقتادة من طريق سعيد، والحسن من طريق ابن زاذان، وقتادة مستندًا إلى السنة، وأقوال السلف، ودلالة العقل، وذلك للآتي: ١-موافقته ما جاء عن النبي ﷺ، وصحبه، وغالب أهل التأويل. ٢-إخبار الله بأنه منزلها، ولا يجوز أن يكون منه خلاف ما يخبر. وبنحوه رجّح ابنُ كثير (٥/٤٢٤)، وذكر أنّه قول الجمهور. وانتقد ابنُ عطية (٣/٣٠٣) قول من نفى نزول المائدة استنادًا لإخبار الله بنزولها، فقال: «وهذا غير لازم؛ لأن الخبر مقرون بشرط يتضمنه قوله: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ﴾». وذكر ابنُ كثير (٥/٤٢٣-٤٢٤) الإسرائيليات مستندًا للقول الثاني، فقال: «وقد يتقوى ذلك بأن خبر المائدة لا تعرفه النصارى، وليس هو في كتابهم، ولو كانت قد نزلت لكان ذلك مما يتوفر الدواعي على نقله، وكان يكون موجودًا في كتابهم متواترًا، ولا أقلَّ من الآحاد».
٨
عن إسحاق بن عبد الله -من طريق أبي معشر- أن المائدةَ نَزَلَتْ على عيسى ابن مريم، عليها سبعةُ أرغفةٍ، وسبعةُ أحواتٍ، يَأكُلون منها ما شاءُوا، فسرَق بعضُهم منها، وقال: لعلَّها لا تَنْزِلُ غدًا. فرُفِعَتْ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏١٢٧.
٩
قال محمد بن السائب الكلبي: كان عليها خبز، ورز، وبقل١٢
التخريج
  1. ١تفسير البغوي ٣‏/‏١١٩.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختلف المفسرون فيما كان على المائدة على ثلاثة أقوال: الأول: نزلت وكانت حوتًا، وطعامًا. والثاني: كان عليها من ثمار الجنة. والثالث: كان عليها من كل الطعام إلا اللحم. وجمع ابنُ جرير (٩/١٣١) بين الأقوال باندراجها تحت العموم، فقال: «كان عليها مأكول، وجائز أن يكون كان سمكًا وخبزًا، وجائز أن يكون كان ثمرًا من ثمر الجنة، وغير نافع العلم به ولا ضارٌّ الجهل به إذا أقر تالي الآية بظاهر ما احتمله التنزيل». وعلَّق ابنُ عطية (٣/٣٠٢) بعد ذكره للاختلاف في كيفية نزول المائدة بقوله: «وكثر الناس في قصص هذه المائدة ما رأيت اختصاره لعدم سنده».
١٠
عن عمار بن ياسر، قال: قال رسول الله ﷺ: «أنزلت المائدة مِن السماء خُبزًا ولحمًا، وأُمِروا ألّا يخونوا ولا يَدَّخِروا لغدٍ، فخانوا وادَّخروا ورَفَعوا لغدٍ، فمُسِخوا قِرَدةً وخنازير»١
التخريج
  1. ١أخرجه الترمذي ٥‏/‏٣٠٢-٣٠٣ (٣٣١٣)، وابن جرير ٩‏/‏١٢٨، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١٢٤٥ (٧٠٢٢)، ٤‏/‏١٢٥١-١٢٥٢ (٧٠٤٥). قال الترمذي: «هذا حديث قد رواه أبو عاصم وغير واحد، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن خلاس، عن عمار بن ياسر موقوفًا، ولا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث الحسن بن قزعة». وقال البزار في مسنده ٤‏/‏٢٥٠ (١٤١٩): «وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن عمار مرفوعًا إلا من هذا الوجه».
١١
وعن عمار بن ياسر -من طريق خِلاس بن عمرو- موقوفًا، مثلَه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏١٢٨. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وأبي حاتم. قال الترمذي ٥‏/‏٣٠٣: «والوقف أصح».
١٢
عن عكرمة، أنّ رسول الله ﷺ قال: «لولا بنو إسرائيلَ ما خَنِز١ الخبزُ، ولا نَتَن اللحمُ، ولكنَّهم خبَّئوه لغدٍ؛ فأنتَن اللحمُ، وخَنِز الخبز»٢
التخريج
  1. ١ما خنز: ما أنتن. النهاية ٢‏/‏٨٣.
  2. ٢عزاه السيوطي إلى سفيان بن عيينة مرسلًا.
١٣
عن عمار بن ياسر -من طريق خلاس بن عمرو- قال: نزلت المائدةُ عليها ثَمَرٌ مِن ثَمرِ الجنة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏١٢٨، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١٢٤٥. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وأبي الشيخ، وابن مردويه.
١٤
عن رجل من بني عجل، قال: صلَّيْتُ إلى جنب عمّار بن ياسر، فلما فرغ قال: هل تدري كيف كان شأن مائدة بني إسرائيل؟ قال: فقلت: لا. قال: إنهم سألوا عيسى ابن مريم مائدةً يكون عليها طعامٌ يأكلون منه لا ينفد. قال: فقيل لهم: فإنها مقيمة لكم ما لم تخبئوا أو تخونوا أو ترفعوا، فإن فعلتم فإني أعذبكم عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين. قال: فما تَمَّ يومهم حتى خَبَّئوا ورفعوا وخانوا، فعُذِّبوا عذابًا لم يُعَذِّبه أحدًا من العالمين. وإنكم معشر العرب كنتم تتبعون أذناب الإبل والشاء، فبعث الله فيكم رسولا من أنفسكم تعرفون حسبه ونسبه، وأخبركم على لسان نبيكم أنكم ستظهرون على العرب، ونهاكم أن تكنِزوا الذهب والفضة، وأيم اللهِ، لا يذهب الليل والنهار حتى تكنزوهما ويعذبكم عذابا أليمًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏١٢٧.
١٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: المائدةُ سمكةٌ وأرغفةٌ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٤‏/‏١٢٤٦.
١٦
قال عبد الله بن عباس: أنزل على المائدة كل شيء غير اللحم١
التخريج
  1. ١ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ٢‏/‏٥٥-.
١٧
عن عبد الله بن عباس -من طريق العَوفي- قال: نَزَل على عيسى ابن مريم والحوارِيِّين خِوانٌ عليه خبزٌ وسمكٌ، يأكلون منه أينما نزلوا إذا شاءوا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏١٢٦.
١٨
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- في المائدة، قال: كان طعامًا يَنزِلُ عليهم من السماء حيثما نَزَلوا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏١٢٨، وابن الأنباري في كتاب الأضداد ص٣٥٠.
١٩
عن عبد الله بن عباس -من طريق عقيل- أنّه كان يُحَدِّثُ عن عيسى ابن مريم أنّه قال لبني إسرائيل: هل لكم أن تصوموا لله ثلاثين يومًا، ثم تسأَلوه فيُعطِيَكم ما سألتم، فإن أجرَ العامل على مَن عَمِل له؟ ففَعَلوا، ثم قالوا: يا معلمَ الخير، قُلتَ لنا: إنّ أجرَ العاملِ على مَن عَمِل له. وأمَرتَنا أن نصومَ ثلاثين يومًا، ففَعَلنا، ولم نَكُن نعمَلُ لأحدٍ ثلاثين يومًا إلا أطعَمَنا، فـ﴿هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء﴾ إلى قوله: ﴿أحدا من العالمين﴾. فأقبَلَتِ الملائكةُ تَطيرُ بمائدةٍ مِن السماء، عليها سبعةُ أحواتٍ وسبعةُ أرغفةٍ، حتى وضَعَتها بين أيديهم، فأكَل منها آخِرُ الناسِ كما أكَل منها أوَّلُهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏١٢١، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١٢٤٤، ١٢٤٦. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
٢٠
قال كعب الأحبار: نزلت مائدة منكوسة تطير بها الملائكة بين السماء والأرض، عليها كلُّ الطعام إلا اللحم١
التخريج
  1. ١تفسير البغوي ٣‏/‏١١٩.
٢١
عن أبي عبد الرحمن السُّلَمي -من طريق أبي إسحاق- في قوله: ﴿أنزل علينا مائدة من السماء﴾، قال: خُبزًا، وسمكًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن الأنباري في كتاب الأضداد ص٣٥١.
٢٢
عن سعيد بن جُبير -من طريق مسلم الأعمش- قال: أُنزِل على المائدةِ كلُّ شيءٍ إلا اللحمَ. والمائدةُ: الخوِانُ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٤‏/‏١٢٤٥، ١٢٤٨. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٢٣
عن سعيد بن جُبير -من طريق جعفر- قال: نَزَلتِ المائدةُ وهي طعام يَفُورُ، فكانوا يأكلون منها قُعُودًا، فأحدَثوا، فرُفِعَتْ شيئًا، فأَكَلُوا على الرُّكَبِ، ثم أحدَثوا، فرُفِعَت شيئًا، فأكَلوا قيامًا، ثم أحدَثوا، فرُفِعت البَتَّةَ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن الأنباري ص٣٥١ واللفظ له، وأبو الشيخ في العظمة (١٠١٣).
٢٤
عن مجاهد بن جبر -من طريق ليث- في قوله: ﴿أنزل علينا مائدة من السماء﴾، قال: هو مَثَلٌ ضُرِب، ولم يَنزِل عليهم شيءٌ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏١٣٠، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١٢٤٨. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٢٥
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن جريج- قال: مائدةٌ عليها طعام، أبَوها حينَ عُرِض عليهم العذابُ إن كفَروا، فأبَوا أن تَنزِلَ عليهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏١٣٠. وعزاه السيوطي إلى أبي عبيد، وابن المنذر.
٢٦
عن مجاهد بن جبر -من طريق أبي يحيى- قال: هو الطعامُ يَنزِلُ عليهم حيثُ نَزَلوا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏١٢٦. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٢٧
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق يزيد- أنّ الخبزَ الذي أُنزِلَ مع المائدةِ كان مِن أُرْزٍ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٤‏/‏١٢٤٦. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
٢٨
عن الحسن البصري -من طريق قتادة- قال: لَمّا قيل لهم: ﴿فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا﴾، قالوا: لا حاجةَ لنا فيها. فلم تَنزِل عليهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏١٣٠، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١٢٥٢، وابن الأنباري ص٣٥١-٣٥٢. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.

تفسير

٥ أقوال
١
عن عبد الله بن عَمرٍو بن العاص -من طريق أبي المغيرة القوّاس- قال: إنّ أشدَّ الناسِ عذابًا يومَ القيامة مَن كفَر مِن أصحاب المائدة، والمنافقون، وآلُ فرعون١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏١٣٢. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وأبي الشيخ.
٢
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين﴾، قال: ذُكِر لنا: أنّهم لما صنَعوا في المائدة ما صنَعوا حُوِّلوا خنازير١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏١٣٢، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١٢٥٢ وفيه: عن قتادة عن عمار بن ياسر. وذكر يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ٢‏/‏٥٦- نحوه. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٣
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- في قوله: ﴿فمن يكفر بعد منكم﴾: بعدَما جاءَته المائدة ﴿فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين﴾ يقول: أُعَذِّبُه بعذابٍ لا أُعَذِّبُه أحدًا غيرَ أهل المائدة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏١٣٢، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١٢٥٢.
٤
عن محمد بن السائب الكلبي، ومقاتل: أنزل الله خبزًا، وسمكًا، وخمسة أرغفة، فأكلوا ما شاء الله تعالى، والناس ألف ونيِّف، فلما رجعوا إلى قراهم ونشروا الحديث ضحك منهم مَن لم يشهد، وقالوا: ويحكم! إنّما سَحَر أعينكم. فمَن أراد الله به الخير ثَبَّته على بصيرته، ومن أراد فتنته رجع إلى كفره، ومُسِخوا خنازير ليس فيهم صبي ولا امرأة، فمكثوا بذلك ثلاثة أيام، ثم هلكوا، ولم يتوالدوا، ولم يأكلوا، ولم يشربوا، وكذلك كل ممسوخ١
التخريج
  1. ١تفسير البغوي ٣/ ١٢٠.
٥
قال مقاتل بن سليمان: ﴿قالَ اللَّهُ﴾ عز وجل: ﴿إنِّي مُنَزِّلُها﴾ يعني: المائدة ﴿عَلَيْكُمْ﴾ فنزلها يوم الأحد، ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ﴾ نزول المائدة ﴿مِنكُمْ فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾. فنزلت من السماء عليها سمك طريٌّ، وخبز رقاق، وتمر. وذكروا: أنّ عيسى ﷺ قال لأصحابه وهم جلوس في روضة: هل مع أحد منكم شيء؟ فجاء شمعون بسمكتين صغيرتين، وخمسة أرغفة، وجاء آخر بشيء من سويق، فعمد عيسى ﷺ فقطَّعهما صغارًا، وكسر الخبز فوضعها فِلَقًا فِلَقًا١، ووضع السَّويق، فتوضأ، ثم صلّى ركعتين، ودعا ربه عز وجل، فألقى الله عز وجل على أصحابه شِبْه السُّبات، ففتح القومُ أعينَهم، فزاد الطعامُ حتى بلغ الرُّكَب، فقال عيسى ﷺ للقوم: كلوا، وسَمُّوا الله عز وجل، ولا ترفعوا. وأمرهم أن يجلسوا حِلَقًا حِلَقًا، فجلسوا فأكلوا حتى شبعوا، وهم خمسة آلاف رجل، وهذا ليلة الأحد ويوم الأحد، فنادى عيسى ﷺ، فقال: أكلتم؟ قالوا: نعم. قال: لا ترفعوا. قالوا: لا نرفع. فرفعوا، فبلغ ما رفعوا من الفضل أربعة وعشرين مِكْتَلًا٢، فآمنوا عند ذلك بعيسى ﷺ، وصدَّقوا به، ثم رجعوا إلى قومهم اليهود من بني إسرائيل ومعهم فضل المائدة، فلم يزالوا بهم حتى ارتدوا عن الإسلام، فكفروا بالله، وجحدوا بنزول المائدة، فمسخهم الله عز وجل وهم نيام خنازير، وليس فيهم صبي ولا امرأة٣
التخريج
  1. ١فِلَق الخبز: كِسَره. النهاية (فلق).
  2. ٢المِكْتَل: شبه الزنبيل، يسع خمسة عشر صاعًا. تاج العروس (كتل).
  3. ٣تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٥١٨-٥١٩.

بسط قصة إنزال المائدة

قول واحد
١
عن سلمان الفارسي -من طريق أبي عثمان النهدي- قال: لما سأل الحَوارِيُّون عيسى ابنَ مريمَ المائدة كَرِه ذلك جِدًّا، وقال: اقنَعوا بما رزقكم الله في الأرض، ولا تسألوا المائدة من السماء، فإنها إن نزلت عليكم كانت آيةً مِن ربِّكم، وإنما هَلَكَت ثمودُ حِينَ سألوا نبيهم آيةً، فابتُلُوا بها حتى كان بَوارُهم فيها. فأَبَوا إلا أن يَأتِيَهم بها، فلذلك قالوا: ﴿نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين﴾. فلما رأى عيسى أن قد أبَوا إلا أن يَدعُوَ لهم بها، قام فألقى عنه الصُّوفَ، ولَبِسَ الشعَرَ الأسود، وجُبَّةً مِن شعَرٍ، وعَباءَةً مِن شعَرٍ، ثم تَوضَّأ واغتَسَل، ودخَل مُصَلّاه، فصَلّى ما شاء الله، فلمّا قضى صلاتَه قام قائِمًا مُستَقبِلَ القِبلة، وصَفَّ قَدَمَيه حتى استَوَيا، فألصَق الكعبَ بالكعب، وحاذى الأصابعَ بالأصابع، ووضَع يدَه اليُمنى على اليُسرى فوق صدرِه، وغضَّ بصرَه، وطَأْطَأْ رأسَه خُشوعًا، ثم أرسَل عَينَيه بالبكاء، فما زالت دموعُه تَسيلُ على خَدَّيه، وتَقطُرُ مِن أطرافِ لحيتِه، حتى ابتَلَّتِ الأرضُ حِيالَ وجهِه مِن خشوعِه، فلمّا رأى ذلك دعا الله، فقال: ﴿اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا﴾ تكونُ عظةً منك لنا، ﴿وآية منك﴾ أي: علامةً منك، تكونُ بينَنا وبينَك، وارزُقنا عليها طعامًا نَأكُلُه، ﴿وأنت خير الرازقين﴾. فأنزل الله عليهم سُفرَةً حَمراءَ بينَ غَمامَتَين؛ غَمامةٍ فوقَها، وغَمامةٍ تحتَها، وهم ينظرون إليها في الهواء مُنقَضَّةً مِن فَلَكِ السماء تَهوِي إليهم، وعيسى يبكي خوفًا للشُّروطِ التي اتخَذ الله عليهم فيها؛ أنه يُعَذِّبُ مَن يَكفُرُ بها منهم بعدَ نزولها عذابًا لم يُعَذِّبه أحدًا مِن العالَمين، وهو يدعو اللهَ في مكانِه، ويقول: إلهي، اجعَلها رحمةً، إلهي، لا تَجعَلها عذابًا، إلهي، كم مِن عَجيبةٍ سَألتُك فأعطَيتَني، إلهي، اجعَلنا لك شاكِرِين، إلهي، أعُوذُ بك أن تكونَ أنزَلتَها غضبًا ورِجزًا، إلهي، اجعَلها سلامةً وعافيةً، ولا تَجعَلها فتنةً ومُثلَةً. فما زال يدعو حتى استَقَرَّتِ السُّفرةُ بينَ يدي عيسى، والحَوارِيُّون وأصحابُه حولَه، يَجِدون رائحةً طيبةً، لم يجدوا فيما مضى رائحةً مِثلَها قَطُّ، وخَرَّ عيسى والحواريون لله سُجَّدًا؛ شُكرًا له بما رزقهم مِن حيث لم يَحتَسِبوا، وأراهم فيه آيةً عظيمةً ذاتَ عَجَبٍ وعِبرَةٍ، وأقبَلَتِ اليهود ينظُرُون، فرَأَوا أمرًا عجيبًا أورَثَهم كَمَدًا وغَمًّا، ثم انصرفوا بغيظٍ شديدٍ، وأقبَل عيسى والحَوارِيُّون وأصحابُه حتى جَلَسوا حولَ السُّفرة، فإذا عليها مِندِيلٌ مُغَطًّى، قال عيسى: مَن أجرَؤُنا على كشفِ المنديلِ عن هذه السُّفرة، وأوثَقُنا بنفسِه، وأحسَنُنا بلاءً عندَ ربِّه، فَليَكشِف عن هذه الآية حتى نراها، ونَحمَدَ ربَّنا، ونَذكُرَ باسمِه، ونَأكُلَ مِن رزقِه الذي رَزَقَنا؟ فقال الحَوارِيُّون: يا رُوحَ الله وكلمتَه، أنت أولانا بذلك، وأحَقُّنا بالكشف عنها. فقام عيسى، فاستَأنَف وُضُوءًا جديدًا، ثم دخَل مُصَلّاه، فصلّى بذلك رَكَعات، ثم بكى طويلًا، ودعا الله أن يأذَنَ له في الكشف عنها، ويَجعَلَ له ولقومِه فيها بركةً ورزقًا، ثم انصرف، وجلس إلى السُّفرة، وتناول المنديل، وقال: بسم الله خيرِ الرازقين. وكَشَف عن السفرة، وإذا هو عليها سمكةٌ ضخمةٌ مَشوِيَّةٌ، ليس عليها بَواسِير، وليس في جَوفِها شَوكٌ، يَسيلُ السمنُ منها سَيلًا، قد نُضِّد حولَها بقُولٌ مِن كلِّ صِنفٍ غيرَ الكُرّاث، وعندَ رأسِها خَلٌّ، وعندَ ذَنَبِها مِلحٌ، وحولَ البُقُولِ خمسةُ أرغِفَةٍ، على واحدٍ منها زيتونٌ، وعلى الآخَر ثَمَراتٌ، وعلى الآخر خمسُ رُمّاناتٍ، فقال شَمعون رأسُ الحَوارِيِّين لعيسى: يا رُوحَ الله وكلمتَه، أمِن طعامِ الدنيا هذا، أم مِن طعامِ الجنة؟ فقال: أما آن لكم أن تَعتَبروا بما تَرَون مِن الآيات، وتَنتَهوا عن تَنقِيرِ المسائل، ما أخوَفَني عليكم أن تُعاقَبوا في سبب هذه الآية. فقال شمعون: لا وإلهِ إسرائيلَ، ما أردتُ بها سُوءًا، يا ابنَ الصِّدِّيقة. فقال عيسى: ليس شيءٌ ممّا تَرَون عليها مِن طعامِ الجنة، ولا مِن طعام الدنيا، إنما هو شيءٌ ابتَدَعه اللهُ في الهواءِ بالقُدرةِ الغالِبَة القاهِرَة؛ فقال له: كُن. فكان أسرعَ مِن طرفةِ عين، فكُلُوا مما سَألتُم باسم الله، واحمدُوا عليه ربَّكم، يُمِدَّكم منه ويَزِدكم، فإنه بَديع قادر شاكر. فقالوا: يا روح الله وكلمته، إنّا نحبُّ أن تُرِيَنا آيةً في هذه الآية. فقال عيسى: سبحان الله، أما اكتَفَيتُم بما رأَيتُم مِن هذه الآية حتى تَسأَلوا فيها آيةً أُخرى! ثم أقبَل عيسى على السمكة، فقال: يا سمكةُ، عُودي بإذنِ اللهِ حيَّةً كما كُنتِ. فأحياها اللهُ بقُدرتِه، فاضطَرَبَت وعادت بإذنِ الله حَيَّةً طَرِيَّةً، تَلَمَّظُ كما يَتَلَمَّظُ الأسد، تدُورُ عَيناها، لها بَصيصٌ، وعادت عليها بَواسِيرُها، ففَزِع القومُ منها وانحاسوا١، فلمّا رأى عيسى ذلك منهم فقال: ما لكم تَسأَلون الآيةَ، فإذا أراكُمُوها ربُّكم كَرِهتُمُوها؟! ما أخوَفَني عليكم أن تُعاقَبوا بما تَصنعون، يا سمكةُ، عُودِي بإذن الله كما كُنتِ. فعادتْ بإذن الله مشويَّةً كما كانت في خَلقِها الأول، فقالوا لعيسى: كُن أنت يا رُوحَ اللهِ الذي تَبدَأُ بالأكلِ منها، ثم نحنُ بعدُ. فقال: مَعاذَ اللهِ مِن ذلك، يَبدَأُ بالأكلِ مَن طَلَبَها. فلَمّا رأى الحَوارِيُّون وأصحابُهم امتِناعَ نبيهم منها خافوا أن يكونَ نزولها سُخطَةً، وفي أكلِها مُثلَةً، فتحامَوها، فلمّا رأى ذلك عيسى دعا لها الفقراءَ والزَّمنى، وقال: كلوا من رزق ربكم ودعوة نبيكم، واحمَدوا اللهَ الذي أنزَلَها لكم؛ ليكون مَهناها لكم وعقوبتُها على غيرِكم، وافتَتِحوا أكلَكم باسم الله، واختِموه بحمدِ الله. ففعلوا، فأكل منها ألفٌ وثلاثُمائةِ إنسان، بين رجلٍ وامرأةٍ، يَصدُرون عنها كلُّ واحدٍ منهم شبعان يَتَجَشَّأُ، ونظَر عيسى والحَوارِيُّون فإذا ما عليها كهيئةِ إذ نَزَلَت مِن السماء، لم يُنتَقَص منه شيءٌ، ثم إنها رُفِعَت إلى السماء وهم يَنظُرون، فاستَغنى كلُّ فقيرٍ أكَل منها، وبَرِئ كلُّ زمنٍ منهم أكَل منها، فلم يزالوا أغنياءَ صِحاحًا حتى خرَجوا مِن الدنيا، ونَدِم الحَواريُّون وأصحابُهم الذين أبَوا أن يَأكُلوا منها نَدامةً سالت منها أشفارُهم، وبَقِيتْ حَسرتُها في قلوبِهم إلى يوم الممات. قال: فكانتِ المائدةُ إذا نَزَلَتْ بعدَ ذلك أقبَلَت بنو إسرائيلَ إليها مِن كلِّ مكانٍ يَسعَون، يُزاحِمُ بعضُهم بعضًا، الأغنياءُ والفقراء، والنساءُ والصِّغارُ والكِبار، والأصِحّاءُ والمرضى، يرَكَبُ بعضُهم بعضًا، فلما رأى عيسى ذلك جَعَلَها نُوَبًا بينَهم، فكانت تَنزِلُ يومًا ولا تَنزِلُ يومًا، فلَبِثوا في ذلك أربعين يومًا، تَنزِلُ عليهم غِبًّا عندَ ارتفاعِ الضُّحى، فلا تَزالُ موضوعةً يُؤكَلُ منها، حتى إذا قالوا ارتَفَعَت عنهم بإذن الله إلى جوِّ السماء، وهم يَنظُرُون إلى ظِلِّها في الأرضِ حتى تَوارى عنهم، فأوحى اللهُ إلى عيسى: أنِ اجعَل رزقي في المائدة لليَتامى والفقراءِ والزَّمنى، دُونَ الأغنياء مِن الناس. فلما فعَل اللهُ ذلك ارتاب بها الأغنياءُ، وغَمَصوا٢ ذلك، حتى شَكُّوا فيها في أنفسِهم، وشَكَّكوا فيها الناس، وأذاعوا في أمرِها القبيحَ والمنكرَ، وأدرَك الشيطانُ منهم حاجَتَه، وقذَف وسْواسَه في قلوبِ المرتابين، حتى قالوا لعيسى: أخبرنا عن المائدة ونزولها مِن السماء حقٌّ؛ فإنه ارتاب بها بشرٌ منّا كثيرٌ؟ قال عيسى: هلَكتُم، وإلهِ المسيح، طَلَبتُم المائدةَ إلى نبيكم أن يَطلُبَها لكم إلى ربِّكم، فلما أن فعل وأنزَلَها الله عليكم رحمةً ورزقًا، وأَراكم فيها الآياتِ والعِبَر؛ كَذَّبتم بها، وشَكَكتُم فيها! فأبشِروا بالعذاب، فإنه نازِلٌ بكم إلا أن يَرحَمَكم الله. وأوحى اللهُ إلى عيسى: إنِّي آخِذٌ المكذِّبين بشَرطي، فإنِّي مُعذِّبٌ منهم مَن كفَر بالمائدةِ بعدَ نزولها عذابًا لا أُعَذِّبُه أحدًا مِن العالمين. فلمّا أمسى المرتابون بها، وأخَذوا مَضاجِعَهم في أحسَن صورةٍ من نسائِهم آمِنِين، فلما كان مِن آخِرِ الليلِ مَسَخَهم اللهُ خنازير، وأصبَحوا يَتتبعون الأقذارَ في الكُناسات٣
التخريج
  1. ١حاسوا وجاسوا، بِمَعنًى واحد: يذهبون ويجيئون. اللسان (جوس).
  2. ٢عند ابن أبي حاتم: «غمطوا». وكلاهما بمعنى الاستهانة والاستحقار. ينظر: النهاية (غمص، غمط).
  3. ٣أخرجه ابن أبي حاتم ٤‏/‏١٢٤٤- ١٢٥٥، وأبو الشيخ في العظمة (١٠١١). وعزاه السيوطي إلى الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وأبي برك الشافعي في فوائده المعروفة بالغَيلانيات.

قراءات

قولانِ
١
عن عاصم أنه قرأ: ﴿إنِّي مُنَزِّلُها﴾ مُثَقَّلَةً١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد. وهي قراءة متواترة، قرأ بها نافع، وأبو جعفر، وابن عامر، وعاصم، وقرأ بقية العشرة: ‹مُنزِلُها› بالتخفيف. انظر: النشر ٢‏/‏٢٥٦، والإتحاف ص٢٥٨.
٢
في قراءة عبد الله -من طريق الأعمش-: (قالَ سَأُنزِلُها عَلَيْكُمْ)١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي داود في المصاحف ١‏/‏٣١٣. وهي قراءة شاذة، تروى أيضًا عن الأعمش، وطلحة بن مصرف. انظر: البحر المحيط ٤‏/‏٦٢.
التفسير بالمأثور لسورة المائدة كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١١٥ من سورة المائدة

٤ وقفات في هذه الآية

  • (قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ۖ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَّا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ) - إن الله يمهل ولا يهمل - إن الله مع لطفه ورحمته وإمهاله إلا إنه شديد العقاب فعلى العبد خشيته ومخافة انتقامه

    — ابتسام الجابري

  • آية (١١٥) : (قَالَ اللّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ) * استخدم الجملة الاسمية المؤكدة (إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ) مع أنها كلام الله: - لأن الحواريين قالوا (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً) فقال تعالى (إني منزّلها) من نفس صيغة الفعل. - لأنه يريد أن يعقد صفقة معهم، أي هي واقعة يقيناً عليكم الصفقة. * استعمل (عَلَيْكُمْ) ولم يقل إليكم لأنهم قالوا (عَلَيْنَا) للعلو ثم أكدوا ذلك بكلمة (مِنَ السَّمَاءِ) ولذلك جاء الجواب باللفظ الذي إستعملوه، هم يريدونها من فوق فقال تعالى آتيكم بها من فوق كما أردتم. * لم يقل عليهم صار التفات في الخطاب، عيسى عليه السلام هو الذي طلب لكن لأنه سيأخذ عليهم عهداً مباشراً وليس بواسطة عيسى. (فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ) المقصود في الآية هم (الحواريون) الذين طالبوا بالآية وعيسى غير داخل في هذا الكلام لأنه لا يُقال لعيسى (فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ) الكلام توجّه إليهم أنتم سألتك نبيّكم أن يدعو الله عز وجل هكذا فنزل الخطاب موجهاً إليهم.

    — مختصر لمسات بيانية

  • آية (115)-(118): *ما دلالة استخدام الجملة الاسمية المؤكدة في الآية (قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (115) المائدة) مع أنها كلام الله؟ ولماذا استعمل (عليكم) ولم يقل إليكم؟(د.حسام النعيمي) حتى تتبين الصورة كاملة نبدأ من قوله تعالى (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آَمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آَمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (111) إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (112) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآَخِرِنَا وَآَيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ (114) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (115)). (إذ) ظرف للزمان كأنه يقول واذكر إذ حدث كذا. (إذ أوحيت إلى الحواريين) الوحي هنا بمعنى إلهام الهداية فالله سبحانه وتعالى ألهم هؤلاء أن يهتدوا إلى دين عيسى  وسمّاهم الحواريين. الحواريّ: هناك كلام في كتب التفسير أنه يتعلق بمهنتهم فيقولون الحواريّ هو القصّار أي الذي يقصّر الثياب ولكن المسألة ليس لها علاقة بالمهنة فهل كانوا جميعاً يقصّرون الثياب؟ كلا. إنما الحواريّ هو المنقّى من الخطايا والذنوب. لما تقول: حوّرت الطحين بمعنى نقيّته من كل شوائبه وأعدته كأنما نقيّاً صافياً. هكذا تقول العرب، ومنه الحور والعين الحوراء. الحَوَر في العين هو نقاء البياض ونقاء السواد وفيه معنى التنقية. فهم عندما دخلوا في الإسلام في زمانهم معناه نُقّوا من كل ما قبل ذلك فمن هنا قيل الحواريون وليست المسألة مسألة تقصير الثياب وإنما هؤلاء المنقّون لأنه لما آمنوا وعندنا في الحديث: " الإسلام يجُبُّ ما قبله" يعود الفرد إذا أسلم كيوم ولدته أمه أي صافياً نقياً أبيض الصفحة. هؤلاء هكذا كانوا بعد أن دخلوا في الإيمان. فأوحى إليهم أن آمنوا بي وبرسولي فقالوا (قَالُوا آَمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ) قالوا آمنا ولم يقولوا آمنا بالله وعندنا سؤال في هذا. لو قالوا آمنا بالله معناه لم يؤمنوا برسوله لكن هنا قالوا آمنا لأن الدعوة كانت للإيمان بالله وبرسوله. فآمنا تعني آمنا بالله وبرسوله. (واشهد بأنا مسلمون) معناه جمعوا بين الأمرين: بين إيمان القلب والتطبيق, لكن هؤلاء الذين جمعوا بين إيمان القلب والتطبيق في بعض الأحيان يُداخلهم شيء فيريدون أن يطمئنوا، يريدون أن يروا، يريدون أن يلمسوا. (إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ) أولاً لما قالوا: يا عيسى ابن مريم هذا دليل على إيمانهم بالمعجزة لأنه لم يُنسب إلى أبٍ ولم يقولوا يا رسولنا وإنما يا عيسى ابن مريم بمعنى نحن نعلم أنك إبن هذه المرأة بمعجزة فهذا تثبيت لإيمانهم وتذكّر للمعجزة أنه عيسى إبن مريم. مع ذلك قالوا: (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ) أولاً كلمة يستطيع لها معنيان في اللغة وليس معنى واحداً: الاستطاعة بمعنى القدرة (هل يقدر؟) والاستطاعة بمعنى الفِعل (هل تفعل؟). نضرب مثالاً: هناك سيارة موجودة تقول لشخص:هل تستطيع شراءها؟ إذا كان الشخص فقيراً معناه هل لديك القدرة على شرائها؟ وإذا مان غنياً معناه: هل لديك الرغبة أن تفعل الشراء؟ هل تفعل؟. فلما قالوا: هل يستطيع ربك لا يعنون هل يقدر ربك وإنما هل يفعل ربك إذا دعوتَه؟. من أين فهمنا هذا المعنى؟ لماذا لا يكون شكاً في قدرته سبحانه وتعالى؟ أولاً من كونهم آمنوا فهم مؤمنون والأمر الثاني من قراءة مجموعة من العرب كانوا في الكوفة قرأوا ذلك بين يدي رسول الله  أو أقرأه جبريل  فأقرأهم. قرأ بها الكسائي، هؤلاء الأعراب أخذ عنهم الكسائي قراءة (هل تستطيع ربَّكَ) أي هل تستطيع أن تدعو ربَّكَ؟ هل تقدر أن تدعو ربك؟ (ربَّك) مفعول به لفعل محذوف تقديره تدعو. هذه قراءة سبعية قرأ بها جمهور كبير من العرب فهي قراءة متواترة تبيّن لنا معنى القراءات الأخرى. فلما قال (هل يستطيع ربك) لا يعنون أنه هل لديه القدرة؟ وإنما معناه: هل يفعل ربك إذا دعوته؟ لأنه قلنا أن يستطيع تكون إما بمعنى القدرة أو بمعنى الفعل. هل يستطيع: أي هل يفعل إذا دعوته؟ قلنا نجمع بين القراءات: لعيسى : هل تفعل وتدعو ربك؟ وهل يفعل ربك ذلك؟ هل يُنزّل؟ هكذا تُفهم الإستطاعة من هؤلاء هي ليست شكّاً في القدرة وإنما سؤال عن الفعل. أنت ستدعو فهل يستجيب لك؟ هل سيفعل؟ السؤال عن الاستجابة لدعاء عيسى  وليس عن قدرة الباري عز وجل. (تستطيع ربَّك) يعني هل تستطيع أن تدعو ربك؟ (هل يستطيع ربك) يعني هل يجيبك؟ هل ينفّذ؟ هذه فائدة معرفة القراءات ومحاولة الجمع بينها. ننظر هنا (هل يستطيع ربك) ما قالو: ربنا وإنما قالوا ربك أنت مع أنهم آمنوا به. هذا فيه فائدتان: كأنما ألقوا الأمر إليه أنه ربك كما قال بنو إسرائيل لموسى  (اذهب أنت وربك فقاتلا)، هذا الفعل أنت تقوم به. (هل يستطيع ربك) نوع من رفعة عيسى  أنه ربك قبل أن يكون رباً لنا فهو مقدّم علينا فيه إشارة إلى تقديم عيسى . كلاهما وارد وكلاهما تحتمله اللغة. أولاً أوكلوا الأمر إليه وثانياً فيه نوع من رفعة الشأن له كما تقول لشخص: أنت كلّم فلاناً. وفي حديث الغامدية قالوا من يكلمه غير حِبِّ رسول الله ؟ كلهم أحباب رسول الله  لكن خُصّ بذلك أسامة بن زيد في ذلك الموقع وكان الردّ بالرفض. (أن ينزّل) ليس للتدرج هنا لأن فعّل قد تـأتي للتدرج وقد تأتي للتكثير والتوكيد. عندما نقول كسر وكسّر قد لا تعني التكسير بالتدرج شيئاً فشيئاً وإنما يعني بقوة وبكثرة، كسّره فيه معنى التأكيد والتقوية فهم يريدون أن يؤكدوا. (ينزّل) لا يريدون أن ينزلها مدرّجة لكن يريدون أن يؤكدوا التنزيل. (علينا) استعملوها للعلو ثم أكدوا ذلك بكلمة (من السماء) يريدونها من السماء حتى لا يأتيهم عيسى  بطعام ولذلك جاء الجواب قال الله تعالى (قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُم) إستعمل اللفظ الذي استعملوه هم يريدونها من فوق فقالوا علينا ولم يقولوا إلينا. لغوياً يستقيم لو قلنا إليكم وسبق أن أوضحنا الفرق بين نزل عليك ونزل إليك: نزل عليك فيه معنى العلو والاستعلاء أما نزل إليك ففيه معنى التقريب كأنما يقرّبه إليه. ويمكن أن يتعاور حرفا الجرّ هنا (على وإلى) لكن لكل حرف معنى وله صورته. دلالة (على) هنا إستعلاء، هم أرادوها من فوق فقال تعالى آتيكم بها من فوق كما أردتم. مائدة: إذا قيل مائدة يعني فيها طعام وإذا لم يكن فيها طعام يقال له خِوان مثل المنضدة فإذا وضعنا عليها الطعام تكون مائدة ولا تكون مائدة من غير طعام. فلما قالوا مائدة يعني يريدون طعاماً من السماء. (قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) إن كنتم مؤمنين ما حاجتكم إلى هذا الدليل المادي؟ هم يريدون أن يلمسوا شيئاً مادياً والإنسان في الغالب يريد هذه المادّية. هؤلاء الذين آمنوا بعيسى  قد لا يكونون من نفس بني إسرائيل لأنه عيسى  قال: جئت لهداية الخراف الضالّة من بني إسرائيل. لكن يمكن أن يدخل في الدين من غير بني إسرائيل. دعوة عيسى  كما عندنا في الحديث مخصصة لهؤلاء القوم، لبني إسرائيل هذا النص في الإنجيل " جئت لهداية الخراف الضالّة من بني إسرائيل" وموسى جاء لبني إسرائيل (أن أرسل معنا بني إسرائيل) لكن اليهود تشبثوا في عدم دخول أحد في دينهم من الخارج إلا من كان إبن امرأة يهودية فأبناء اليهوديات يهود. أما المسيحيون خرجوا على تعاليمهم لأغراض وصاروا يدعون الناس ويبشرونهم بالدخول إلى دينهم. المائدة هي ما يكون فيها طعام. فقال عيسى  (قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) كأنه يريد أن يذكّرهم بإيمانهم أنه كونوا على جانب من خوف الله سبحانه وتعالى ولا تطالبوا بهذه القضية المادية فلم ينسحبوا وإنما قالوا (قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ) أولاً يريدون الأكل (أن نأكل منها) بعد ذلك تطمئن القلوب لأنه لما يدخل هذا في جوفهم فهذا ليس خيالاً وعند ذلك يكون علم أنه قد صدقهم أنه هو رسول من الله سبحانه وتعالى. والمائدة نزلت من السماء ونكون شاهدين أنه نزلت علينا مائدة من السماء. مقابل هذا الإلحاح لم يجد عيسى  إلا أن يتجه لله سبحانه وتعالى بالدعاء فقال: (اللهم) وقلنا أن اللهم تساوي يا الله والبعض تكلم فيها أن حرف النداء محذوف وهو من جملة كاملة (يا الله أُمّنا بخير) واختُصِرت وبقيت الميم فقط (اللهم). والاختصار وارد في اللغة كما نقول في اللغة العامّية: ليش؟ أصلها لأي شيء؟ أو أيش؟ أي أي شيء هذا؟ وهذه استعملها الإمام أحمد بن حنبل. قد يكون هذا وقد يكون من أنواع النداء ومع ذلك ورد بعض العرب جمع بين ياء النداء (وإني إذا حدثٌ المّ أقول ياللهم ياللهم). فجمع بين الإثنين لشدة تعلّقه بالدعاء أي إذا ما صارت مصيبة أقول ياللهم ياللهم. وأداة النداء لا تدخل على لفظ الجلالة (الله). (اللهم) الميم عِوَض عن حرف النداء بدل يا الله. (اللهم ربنا) لم يقل ربي وهذا تذكير لهم : هو ربي وربكم. (أنزِل) لا داعي للتأكيد (نزِّل). دعاء عيسى  (ربنا) حتى يُدخلهم معه أنه ربكم أيضاً. قال أنزل لأنه لا داعي للتأكيد، دعاء بالإنزال قال (أنزِل علينا مائدة من السماء) ما قال عليهم وإنما قال (علينا) جميعاً وهو معهم. (تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآَخِرِنَا وَآَيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ) هذه المائدة نُعيد ذكرها في كل عام ينقل خبرها أولنا إلى آخرنا نتناقلها يعني هؤلاء الحواريون بهذا العدد ومن دخل معهم بعد ذلك ينقلون الواقعة إلى الجيل الذي يأتي بعدهم أنه نحن أكلنا من هذه المائدة حتى تطمئن القلوب وتكون بمناسبتها يعني يعاد ذكرها. (وَآَيَةً مِنْكَ) علامة على صِدقي لأنهم طالبوني (وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا) فتكون آية منك لهؤلاء. (وارزقنا وأن خير الرازقين) لأن هذا رزق. قال تعالى (قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (115)) هذا لأن الكلمة التي قالوها (ينزّل) فقال تعالى (إني منزّلها) من نفس صيغة الفعل. (عليكم) تحوّل الخطاب إليهم. عيسى  هو الذي طلب لكن صار التفات في الخطاب (عليكم) لأنه سيأخذ عليهم عهداً مباشراً وليس بواسطة عيسى . (فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ) المقصود الحقيقة في الآية هم (الحواريون) الذين طالبوا بالآية وعيسى  غير داخل في هذا الكلام لأنه لا يُقال لعيسى  (فمن يكفر بعد منكم) الكلام توجّه إليهم أنتم سألتك نبيّكم أن يدعو الله عز وجل هكذا فنزل الخطاب موجهاً إليهم. (إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ) لم يقل عليهم حتى لا يكونوا بعيدين، هو كأنما يريد أن يعقد صفقة معهم وهذه لا تكون مع الغائب. هذه صفقة أنتم تريدون علامة على صحة هذا الرسول وهذه العلامة صفقة. والسؤال كان عن التأكيدات لماذا يؤكده وهو كلام الله تعالى؟ هو يؤكد لأنه يريد أن يعقد صفقة معهم (إني منزلهما عليكم) مؤكد ستنزل (أكّد بـ: إنّ والجملة الاسمية (منزلها)) لم يقل إني سأنزلها. هذا الثابت الدائم الفعل الذي يسميه الكوفيون الفعل الدائم الذي هو إسم الفاعل (منزّلها) أي هي واقعة يقيناً عليكم الصفقة (فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ) هذا شيء ستضعونه في أفواهكم وترونه بأعينكم وتلمسونه بأيديكم، طعام نازل من السماء وسترون المائدة وهي تنزل. فعلاً نزلت مائدة من السماء وعليها طعام ورأوها وهي تنزل وبعد كل هذا الأمر إذا كفر منهم كافر ماذا يكون شأنه؟ (فإني أعذبه عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين) لأنه صارت الصفقة. لذلك جاء الكلام بهذه المؤكدات: هناك (إني منزّلها عليكم) وهنا (فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ) . لماذا العذاب لا يعذبه أحد من العالمين؟ لأنه جميع العالمين ما مروا بهذه التجربة، الكل آمن بناء على كلام الرسول أو على معجزة ظاهرة: العصا صارت أفعى، الناقة، أو القرآن عجزوا أن يأتوا بمثله. أما هذه فمعجزة مادية ملموسة تذوّقوها، أكلوا منها، فالذي يكفر بعد ذلك يعذّب عذاباً خاصاً. ..لو رجعنا إلى الآيات من أولها نجد أن هؤلاء الذين تكلم عليهم عيسى  ارتكبوا جرماً عظيماً لكن مع ذلك نجد في كلامه عليه السلام ما يشير إلى نوع من طلب الرأفة أو الرحمة هو لم يُصرِّح بذلك بشكل صريح. انظر إلى الآيات من أولها: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) هذا نوع من إلزام هؤلاء الحجة حتى لا يلقوا بذلك على المسيح  أنه هو الذي قال لنا ذلك. قال (قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118)) إذن الكلام على هؤلاء الذين اتخذوا عيسى  وأمه إلهين من دون الله يعني أشركوا بالله. ومع ذلك ماذا يقول عيسى  لرب العزة سبحانه وتعالى؟ (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) لأن هناك احتمالان: إما أن يُعذّبوا وإما أن يُغفر لهم. انظر كيف يعرض القرآن ما قاله عيسى  حتى نرى صورة من صور هذا النبي الكريم. إن تعذبهم فإنهم عبادك: استعمل القرآن الكريم كلمة عبادك حتى يشير إلى أنهم عبدة الله عز وجل، هم عبدوا الله تعالى لكن أشركوا به ما لم ينزل به سلطانا، فإن وقع العذاب منك عليهم فهو عذاب على عبادك والسيّد حُرٌ فيما يفعله بعبيده أو عباده. وما استعمل كلمة عبيد (بمعنى مجرد المملوكين) وإنما عباد. من هنا نستشف نوعاً من التوسّط لكن توسط على خجل يعني شفاعة فيها نوع من التردد ليس كشفاعة محمد . محمد  يشفع لأمته، لأولي الذنوب يقول ربي شفّعني فيهم ويقول أمتي أمتي. إلا أن يُقال له إنهم أحدثوا أشياء عند ذلك يقول بُعداً بُعداً. وحتى هؤلاء الذين قال فيهم بعداً هؤلاء كانوا في الجنة لكن حُرموا كرامة الشُرب من الحوض لأنه باتفاق الحوض في الجنة فهؤلاء يأتون ليشربوا فيُبعدون عن الحوض فقط لكن يبقون في الجنة. هؤلاء أتباع محمد . (فإن تعذبهم فإنهم عبادك) أنت قادر على تعذيبهم ولا أحد يسألك لِمَ عذبتهم لأن لهم جُرم. (وإن تغفر لهم) هنا طلب المغفرة أو ذكر المغفرة ليس بالأمر السهل لأن الجُرم الذي ارتكبوه ليس أمراً سهلاً فلا يناسبه فإنك أنت الغفور الرحيم كأنما أنا أُرشحهم للغفران. لو ذكر المغفرة لكان ترشيحاً منه للغفران وتذكير بمغفرة الله سبحانه وتعالى. هو لا يستغفر لهم وهو لا يملك أن يستغفر لهم وإنما يطرح الأمر هكذا. (وإن تغفر لهم) هناك مجال للمغفرة، لكن من الذي يغفر لهؤلاء؟ يغفر لهم من يملك العزة والحكمة (فإنك أنت العزيز الحكيم). أنا لا أذكّر بغفرانك وإنما أُذكّر بعزّتك التي لا يُنقِصها أي فعل. هذا جرمٌ عظيم لكن عزّتك لا يُنقِصها هذا الجُرم. وأنت حكيم لك الحكمة فيما تفعله بهؤلاء. فإذن لو ذكر المغفرة كان نوعاً من ترشيح الغفران لهم. هو لا يستطيع ذلك لأن جرمهم عظيم وهو الإشراك بالله تعالى (إن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء). فهم عندهم إشراك ومع ذلك عيسى  يحاول أن يقدّم شيئاً لأمّته (إن تعذبهم فإنهم عبادك) أنت قادر على تعذيبهم (وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) المغفرة هنا تحتاج إلى عزة وحكم لأن الجرم عظيم. * ما دلالة إستخدام العزيز الحكيم في الآية (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118) المائدة) وليس الغفور الرحيم ؟ ما قال فإنك أنت الغفور الرحيم لأن الغفور الرحيم يغفر الذنوب ولكن هذا شِرك. والإشراك بالله سبحانه وتعالى جُرمٌ عظيم جداً. لم ترد الغفور الرحيم في مواطن الشِرك وهنا موطن شرك فلا يناسبه كلمة الغفور الرحيم لأن الغفور صيغة مبالغة من المغفرة يعني العظيم الغفران. فلا يناسب العظيم الغفران مع الجُرم الشديد وإنما يحتاج إلى كلام عن العزة والحكمة وإلا كان يمكن في غير القرآن أن يقول فإنك أنت الغفور الرحيم وقد قالها في مواطن أخرى ولا يعجزه أن يقول هنا فإنك أنت الغفور الرحيم لكن غيّر ما يتوقعه الإنسان حتى يبين عِظَم الجُرم وأن الذي يقضي فيه هو عزيز حكيم عزّ فحكم كقول ذلك الأعرابي في آية السارق والسارقة. لأن هذه مسألة (الإشراك) ليس من السهل الغفران فيها ومع ذلك عيسى ِ يحاول، هم فعلوا هذا وارتكبوا هذا الجُرم فإذا صدر منك عقاب لهم فهو عبيدك تفعل بهم ما تشاء. وإن غفرت لهم فأنت تغفر بعزّتك وحكمتك، بالعزة والحكمة وليس بالغفران الذي هو صفة من صفات الله سبحانه وتعالى وإنما العزة والحكمة وليس الغفران والرحمة. ومن هنا جاء التعبير بهاتين الكلمتين (فإنك أنت العزيز الحكيم). مع المقدرة على أن يقول في غير هذا الموضع : فإنك أنت الغفور الرحيم. فلما ننظر في الآيات نحن أولاً نتذكر عيسى  ونتذكر طبيعته، تلك الطبيعة الليّنة الهيّنة المسالمة، عيسى  لم يدخل معركة ولم يقاتل أما محمد  فدخل معارك. عيسى  ما قوتِل وما جاءه جيش وما حارب شيئاً فكان حديثه مع الناس حديثاً ليّناً فيه نوع من الرقة والليونة ولذلك نشكك في بعض النصوص. لما يأتي نصٌ يقول: من ضربك على خدك الأيمن فدر له الأيسر، هذه المسامحة المعلومة عن عيسى . لكن لما يقول في نص آخر عن أعدائه: جيئوا بهم فاذبحوهم قُدّامي، هذا الذي أخذ به الصِرب الأرثوذوكس مع الكروات المسيحيين والمسلمين فذبحوا الكروات النصارى وذبحوا المسلمين لأنهم وجدوا هذا النص عن المسيح  وحاشاه أو يقوله. هذا ليس من شأنه . إذا تذكرنا هذا هؤلاء الناس إرتكبوا جُرماً عظيماً. مع هذا الجرم العظيم كأن عيسى  يريد لهم المغفرة لكن لم يشأ أن يُصرِِّّح والآيات تعطينا هذه الصورة. هو كأنما يطمع لهم بالمغفرة لكن لا يستطيع أن يصرّح وأن يقول (الغفور الرحيم) معناها كأنه يريد لهم المغفرة لأنه هو يدعوه. كما تقول لشخص: هذا فلان فقير وأنت إنسان كريم. يعني تتوسط أن يعطيه. فهو لم يشأ ذلك. لاحظ الجرم العظيم الذي ارتكبه هؤلاء. (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ) ماذا صنع هؤلاء؟ هؤلاء إتخذوا المسيح وأمه آلهة من دون الله. فقال عيسى  (قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117)) وسبق أن قلنا (توفيتني) تكلمنا عن وفاة عيسى  وقلنا أن الوفاة المرجح فيها استيفاء أيامه في الدنيا كاملة فرفعه الله عز وجل إليه حيّاً (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي) *لمَ قدّم العذاب؟ قدّم إن تعذبهم على إن تغفر لهم لأن العذاب هو الأصل. الأصل فيهم أن يُعذبوا. الأصل في المشرك بالله سبحانه وتعالى العذاب والمغفرة استثناء. فبدأ بالأصل (إن تعذبهم) ثم جاء إلى الاستثناء احتمال المغفرة. فقدّم ما هو أصل ثم ثنّى بما هو إستثناء على الأصل وربطه بالعزة والحكمة وليس بالغفران. *(فإنهم عبادك) لم يقل فهم عبادك: هذا فيه معنى التأكيد أنه لا شك ولا ريب في عبوديتهم لك، هم عبيد لك تفعل بهم ما تشاء. عندما تؤكد ذلك هذا نوع من التقدّيم لله تعالى أنه لا أحد يشاركك في هذا الأمر فأنت تفعل بهم ما تشاء وهذا النوع من الإذلال فيه نوع من التقرّب إلى الله سبحانه وتعالى . الإنسان يتقرب إلى الله تعالى بذكر عبوديته كما في الحديث عنه : "اللهم إني عبدك، إبن عبدك، إبن أمتك ناصيتي بيدك ماضٍ فيّ حكمك، عدلٌ فيّ قضاؤك" ثم يبدأ يدعو. في البداية يقدّم العبودية المطلقة لله سبحانه وتعالى ثم يدعو " أسألك بكل إسم هو لك سميت به نفسك أو علمته أحداً من خلقك أو أنزلته في كتابك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي" هذا الربيع الذي ينمو في هذا الجفاف. نسأل الله عز وجل أن يجعله ربيع قلوبنا. *(وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم): ما اللمسة البيانية في هذه التركيبة اللغوية؟ لمَ لم يقل فأنت العزيز الحكيم؟ الضمير أنت هنا يسميه علماؤنا ضمير الفصل فيه معنى التأكيد لكن هو حقيقة المجيء به قالوا للفصل بين الخبر والصفة لأن أحياناً أنت تقول زيدٌ الكريم قادمٌ، كأن هناك زيد كريم وزيد بخيل فلو قلت زيد الكريم ووقفت لا يعلم السامع أنت تصف أم تُخبِر؟ سيكمل الكلام بعد ذلك؟ سيتم بمجيء خبر؟ فحتى يفرقوا: إذا قلت زيد هو الكريم انتهى الكلام ولا ينتظر منك السامع أن تُكمل. (هو) فصلت بين الخبر والصفة. أن هذا خبر وليس نعتاً (لما تفصل لا ينتظر منك السامع استكمال الكلام). زيد هو الكريم (الكريم خبر): (هو) ضمير فصل لا محل له من الإعراب أي لا يكون في موضع رفع ولا نصب ولا جرّ. (أنت) ضمير فصل للتأكيد. (فإنك أنت العزيز الحكيم) أنت: ضمير فصل فيه معنى التأكيد أي أنت وليس سواك، أنت دون غيرك. أنت: هنا ضمير فصل فيه معنى التأكيد (فإنك أنت العزيز الحكيم) كأن فيه معنى الحصر، العزة والحكمة منحصرة في أنك سبحانك عما يصف الظالمون. (فإنك أنت العزيز الحكيم) ضمير فصل ويقال ليس له محل من الإعراب. ولا يعني لا محل له من الإعراب أي لا فائدة منه كما هو شائع بين الناس ولكن بمعنى أنه لا نقول في محل رفع أو في محل نصب أو في محل جرّ. عندما تقول (فإنك أنت) الكاف لها محل من الإعراب في محل نصب لكن كلمة (أنت) لا نقول في محل رفع أو نصب أو جر مثل الجملة الابتدائية. لما تقول زيدٌ مجتهد: مبتدأ وخبر والجملة لا محل لها من الإعراب. يعني ما تستطيع أن تقول والجملة في محل رفع أو في محل نصب أو في محل جر. (لا محل له من الإعراب) الكثير يفهمه أنه ليس له معنى وشائع هذا الاستخدام في العاميّة : نقول: كلامك لا محل له من الإعراب بمعنى أنه لا فائدة منه. ولكن معناه أنه لا تستطيع أن تقول وهو في محل رفع أو في محل نصب أو في محل جر ولكن له فائدة في الجملة وكما رأينا هنا فيه فائدة التوكيد بل أكثر من ذلك حتى يشعر بمعنى الحصر. *لماذا لم يقل في الآية مثلاً: فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت الله أو الإله أو الرب؟ لا يستقيم عند ذلك لأن الإله بمعنى المعبود. ما علاقة كلمة المعبود بمغفرة جُرم عظيم؟ (فإنك أنت الله) ما علاقة هذا بمادة الحديث؟ فإنك أنت الله: هو لا يريد هذا فقط وإنما هو يريد أن يبين أن جُرمهم عظيم لا يقضي فيه إلا عزيز حكيم فلا يستقيم سوى كلمة العزيز الحكيم مع هذا الجُرم الذي تحدث فيه عن مغفرة. الذي يقضي بالمغفرة. لم يشأ أن يقول الغفور الرحيم لأنه عند ذلك سيقربهم إلى الغفران وهو لا يريد أن يتدخل في هذا الموضوع بهذا القدر. وإنما مجرد الإشارة أنه هناك مجال للمغفرة والذي يغفر عزيز حكيم عزّ فحكم. هذا الذي يقضي في مثل هذا الجرم العظيم لأن جرمهم ليس سهلاً . ولو قال مثلاً: إن تعذبهم فهم يستحقون هذا العذاب، يفوت معنى العبودية. (فإنهم عبادك) يريد أن يذكر ذلك أنهم عباد لك صحيح أن السيد يتصرف بشأن العبيد ومع ذلك فيه إشارة وإلماح إلى هذا الارتباط أنهم عبادك.

    — حسام النعيمي

  • الدكتور الكبيسي : نحن قلنا بأن آية المائدة (40) وهذه أيضاً في المائدة نحن قلنا في المائدة الآية الوحيدة التي قدّم فيها الله العذاب كل آيات العذاب والمغفرة والرجاء الله قدم الرجاء المغفرة أولى وأقرب إلى العبد التائب إلا في هاتين الجريمتين العذاب أرجى وأكثر احتمالاً. لا يوجد شيء أكبر من ترويع المسلم (من روّع مسلماً روعه الله يوم القيامة) من أعظم الجرائم كالأعرابي وطبعاً الإعرابي يحب الحذاء جداً ولهذا يحمله بيده ويمشي من شدة حبه للحذاء إلى اليوم فواحد إعرابي نائم نعسان قليلاً في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ثم جعل رأسه على الحذاء ونام في واحد من الصحابة مزّاح وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحبه كان لطيف جداً اسمه نعيمان فنعيمان سحب الحذاء من تحت رأس الإعرابي بهدوء جداً استيقظ الإعرابي فما وجد الحذاء فبدأ يصرخ يا رسول الله يا رسول الله فسأل النبي ما هذا الصوت؟ فقالوا هذا إعرابي، فقال من روّعه؟ فقالوا له القصة عن نعيمان وكذا فقال صلى الله عليه وسلم (من روّع مسلماً روعه الله يوم القيامة) والقضية هنا على حذاء! ما بالك أن تروعه بالقتل؟! والله الآن هذه المدن في العراق وفي الصومال وغيرها لا يستطيع أحد أن يخرج من بيته. ما قاله الدكتور نجيب الآن على قول سيدنا عيسى وهذه التفاتة هائلة لم تأت على بالي في قوله تعالى (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ﴿116﴾ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴿117﴾ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿118﴾ المائدة) قال العزيز الحكيم وليس الغفور الرحيم على عادة القرآن. وبالتالي كان نسق القرآن أن يقول غفور رحيم لكن لا هنا العزيز لماذا؟ لأن هذا موضوع الشرك والله قال لا تشركوا وهم قالوا الله ثلاثة انتهى الأمر ليس هناك رحمة. والشفاعة ليس سيدنا عيسى الذي يشفع بل شفاعة سيدنا محمد. إذاً سيدنا عيسى عليه السلام قدّم العذاب لأنها قضية شِرك بالله يغفر للمسيئين ولكن الله لا يغفر أن يشرك به فقدّم العذاب. إذاً هناك حالتان وحديتان وكلاهما في سورة المائدة تقديم العذاب على المغفرة وما عدا هذا في كل القرآن تحت أي ظروف الله سبحانه وتعالى يقدّم المغفرة ولهذا (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله) كما قال عليه الصلاة والسلام. لماذا جاء ختام الآية الكريمة بالعزيز الحكيم على خلاف عادة القرآن (غفور رحيم) ؟ هذا يدل على أنه مع الشرك ليس هناك أمل مع أن الأمل موجود في كل جريمة في الحديث (لن يزال المؤمن بخير ما لم يرتكب دماً حراماً) فكيف دم وتخويف وتكفير وتشريك يعني جرائم متتالية أي رحمة؟! (يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ). الأول في الدنيا والثاني في الآخرة نسأل الله العافية *(فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ (117) المائدة) ما دلالة التعبير بالوفاة مع أن سيدنا عيسى عليه السلام رُفِع؟(د.أحمد الكبيسي) الوفاة غير الموت (حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا (61) الأنعام) الوفاة هي نوع من أنواع النوم الوفاة هي الثواني والدقائق التي أنت لست ميتاً بعد (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا (42) الزمر) قبل ما تموت تتوفاها يعني أنت ذاهل عن كل ما حولك ومن حولك لكنك أنت حي تتعامل مع الملائكة مباشرة (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ (85) الواقعة) وبالتالي هذا الذي يحتضر ساعة الاحتضار هو لا زال حيّاً لكن تعامله مع الله مباشرة فالوفاة تعطيل الحواس والتعامل مع العقل والقلب مباشرة مع الملائكة (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ). سيدنا عيسى توفي ما مات يعني أصبح غير قادر على يعيش حياتنا هذه وإنما عاش حياة الملائكة وبالتالي سيدنا عيسى حي يسمع ويرى ولكنه لا يكتسب المعارف بحواسه وإنما بالضخ من الله تعالى مباشرة.

    — أحمد الكبيسي

ترجمات معاني الآية ١١٥ من سورة المائدة

ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً

(115) Allāh said, "Indeed, I will send it down to you, but whoever disbelieves afterwards from among you - then indeed will I punish him with a punishment by which I have not punished anyone among the worlds."
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال